القوات المسلحة المتحالفة مع الحكومة المعترف بها دوليا تحارب جماعة مسلحة في طرابلس، ليبيا في 22 سبتمبر/أيلول 2018.

© 2018 هاني عمارة/رويترز

الجراح عميقة. ظهره عبارة عن متاهة من كدمات سميكة، وندوب أقل سماكة، وجراح تشبه حفرا صغيرة.  معصماه وكاحلاه خشنان في الأجزاء التي تم تقييده وتعليقه منها في سقف لساعات، وبدت أطرافه ضعيفة ومنهكة. عيناه كانتا خاليتين من أي تعبير. "التعذيب دمرني كشخص"، هكذا قال علي.

أخبرني علي (24 عاما)، إنه تعرض للتعذيب في بنغازي حتى صار على شفى الموت. تم توقيفه عند نقطة تفتيش من قبل مجموعة مسلحة تابعة لـ "الجيش الوطني الليبي" (الجيش الوطني) والتي اتهمت شقيقه بالقتال ضد الجيش الوطني في بنغازي. لا يهم إن كان شقيقه في طرابلس على بعد ألف كيلومتر. قال علي إنه بالكاد خرج حيا بعد ثلاثة أيام من التعذيب شبه المتواصل.

للأسف، قصته ليس الوحيدة من نوعها. خلال الثماني سنوات الماضية، وكباحثة في شؤون ليبيا في هيومن رايتس ووتش، قابلت المئات من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، أو أقاربهم، وزرت عشرات السجون، ومراكز احتجاز المهاجرين، ومراكز الاحتجاز غير الرسمية.

قائمة الانتهاكات الخطيرة طويلة، وتتجاوز التعذيب والاعتقال التعسفي، وتشمل تلك الناجمة عن حرب 2011 التي أطاحت بمعمر القذافي، والنزاع الأخير في 2014، والنزاع الحالي في طرابلس.

حقّقتُ في محنة آلاف المُهجرين قسرا من منازلهم في تاورغاء على أيدي جماعات مسلحة من مصراتة، والذين لا تستطيع غالبيتهم العظمى العودة إلى ديارها؛ وفي القتل خارج نطاق القضاء، والاختفاء القسري على أيدي جماعات مرتبطة بالجيش الوطني؛ والحصار الذي فرضه هذا الجيش والذي حرم المدنيين من الحصول على الغذاء والماء والرعاية الطبية.

خلال النزاع المستمر في طرابلس، عمدت جميع الأطراف إلى تدمير الممتلكات الخاصة تعسفيا وشنّت هجمات عشوائية ضد المدنيين.

العديد من الانتهاكات الأخرى هي نتيجة مباشرة للفشل المستحكم للحكومات المتعاقبة ما بعد القذافي ومؤيديها خلال فترات السلم. زُرنا أشخاصا وُضعوا رهن الاعتقال التعسفي الطويل الأمد دون مراجعة قضائية، وذلك في المقام الأول لأن حكومات ما بعد 2011 لم تُنشئ نظاما قضائيا فعالا. في مصراتة، قابلنا ضحايا التعذيب في مراكز الاحتجاز التي تديرها وزارة العدل، والذين لا يزالون ينزفون بعد محنتهم. في بنغازي، وثقنا عشرات الاغتيالات بدوافع سياسية، بما في ذلك نشطاء وصحفيين، ارتكب معظمها مجهولون ولم يُحاسَب أي أحد. في طرابلس، التقينا أقارب وأصدقاء ضحايا الاختطاف والاختفاء القسري من قبل الجماعات المسلحة المرتبطة بـ "حكومة الوفاق الوطني".

في غرب ليبيا، كشفنا انتهاكات واسعة النطاق ضد المهاجرين وطالبي اللجوء من قبل مُهرّبين، وخفر السواحل المرتبطين بحكومة الوفاق الوطني، وسلطات السجون. احتُجِز البعض منهم في ظروف أشبه بالعبودية.

كان للنزاعات المسلحة والخلافات السياسية المتعددة منذ 2011 أثر مدمر على المدنيين. في غياب سلطة مركزية، ارتكبت الجماعات المسلحة جرائم حقوق الإنسان دون عقاب. أبرزها هي عملية "الكرامة" العسكرية في مايو/أيار 2014 من قبل قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر للسيطرة على المنطقة الشرقية بهدف "اجتثاث الإرهاب"، والحرب التي تلتها في طرابلس بين الفصائل المتناحرة، والتي انبثقت عنها ثلاث سلطات، ثم اثنتان، تدّعي الشرعية.

تدهور الوضع منذ حرب حفتر على طرابلس في 4 أبريل/نيسان. يحاول الجيش الوطني الليبي، وهو مجموعة مسلحة تسيطر على شرق ليبيا وأجزاء من الجنوب وتتحالف مع "الحكومة المؤقتة"، انتزاع السيطرة على غرب ليبيا من حكومة الوفاق الوطني المنافسة والمعترف بها دوليا. قُتل أكثر من 100 مدني، وهُجر الآلاف، وتضررت البنية التحتية المدنية.

على الرغم من جسامة جرائم حقوق الإنسان في ليبيا، فشلت محاولات محاسبة المعتدين أمام المحاكم المحلية والدولية، ومن خلال العقوبات التي فرضها "مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة" العقوبات التي فرضها "مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة"، لكسر حلقة الإفلات من العقاب.

حالات قليلة فقط نظرت فيها المحاكم المدنية والعسكرية في ليبيا. لم تُعطِ الحكومة المؤقتة لمرحلة ما بعد القذافي، المدعومة بقوة من الأمم المتحدة والحكومات الغربية، الأولوية لنظام قضائي فعال. لهذا ظل آلاف الأشخاص في شرق وغرب البلاد رهن الاعتقال التعسفي المُسيء والطويل الأمد دون محاكمة. المحاكم المحلية، التي تأثرت بالانقسامات السياسية والنزاع المسلح، بالكاد تعمل، مع إجراءات تشوبها انتهاكات جسيمة للإجراءات القانونية الواجبة، بما في ذلك الاعترافات تحت الإكراه، وسوء المعاملة، وعدم الوصول إلى المحامين. في بعض المناطق، بما في ذلك الجنوب، انهار نظام العدالة الجنائية. المحامون والقضاة والمُدعون العامون هم أيضا أهداف رئيسية للميليشيات.

المدعية العامة لدى المحكمة الجنائية الدولية لديها ولاية التحقيق في جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية في ليبيا، لكن المدعية العامة أصدرت مذكرة اعتقال واحدة فقط منذ 2011: في حق محمود الورفلي، وهو قائد مرتبط بالجيش الوطني الليبي، وذلك بسبب عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء.

استُخدِمت عقوبات الأمم المتحدة بشكل ناقص: أُدرِج فقط ثمانية أشخاص في قائمة العقوبات التي تستهدف الأفراد منذ ثورة 2011، بمن فيهم اثنين من قادة الميليشيات وستة أشخاص متورطين في الإتجار. فشلت محاولات إدراج أمراء الحرب والمسؤولين المسيئين لأن الداعمين الأقوياء داخل مجلس الأمن عرقلوا هذه التسميات. أنهى "مجلس حقوق الإنسان الأممي" عمل لجنته لتقصي الحقائق في ليبيا في 2012 تاركا تقارير عامة غير كافية عن الجرائم المرتكبة من قبل جميع الأطراف في ليبيا.

كما أن ليبيا لم تعرف العدالة للجرائم المرتكبة في عهد القذافي. رغم أن تقارير إعلامية أفادت بأن محكمة جنائية في طرابلس تُحقّق في مجزرة "سجن أبو سليم" في يونيو/حزيران 1996، التي قُتل فيها 1,200 سجين، لم يُحاسَب أحد بعد. لا يزال العديد ممن عارضوا القذافي مفقودين، بمن فيهم عضوي المعارضة البارزين، جاب الله حامد مطر وعزت المقريف، اللذين اعتقلتهما قوات الأمن المصرية في القاهرة في 1990 وأرسلا إلى سجن أبو سليم. اختفى الإمام موسى الصدر، رجل الدين اللبناني الشيعي، في ليبيا في 1978، ولا يزال مصيره مجهولا.

سيتطلب فضح من يقف وراء أخطر الانتهاكات وتحقيق العدالة إرادة سياسية قوية. سردية أن السلم في ليبيا سيتحقق فقط من خلال تسويات سياسية واقتصادية، وأن محاسبة أمراء الحرب والمسؤولين المسيئين لها نتائج عكسية، هي تصوّر خاطئ. السلم الحقيقي يعتمد أولا على تحقيق العدالة. ليبيا في حاجة ملحة لآلية تحقيق قوية لتحديد المسؤولية عن الانتهاكات، ولتوثيق وحفظ الأدلة عن هذه الجرائم - مثلا، لجنة تحقيق دولية مستقلة تابعة للأمم المتحدة.

السلم والعدالة مترابطان بعضهما البعض. كان علي متعبا، لكنه أرادني أن أوثّق كل التفاصيل التي يمكنه تذكرها عن محنته، وأن أرى كل نُدبة. كان من المهم جدا أن يتمكن من سرد قصته وأن يعرف أن شخصا ما سيحافظ عليها. من يدري، ربما يوما ما سيُعتقَل الذين عذبوه وسيُسجَنون.