منذ انتفاضة 2011 ضد الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، عانت البلاد من انعدام الأمن والجمود السياسي. من بين المشاكل العديدة، محنة آلاف المحتجزين لفترات طويلة، واعتقالهم تعسفيا- لمدد قد تصل بضع سنوات في المرة الواحدة- حيث يواجهون التعذيب وسوء المعاملة. حنان صلاح، باحثة "هيومن رايتس ووتش" في ليبيا، هي الشخص الوحيد من منظمة دولية لحقوق الإنسان زار السجون في ليبيا منذ انسحاب "الأمم المتحدة" و"الصليب الأحمر الدولي" من البلاد العام الماضي، بسبب المخاوف الأمنية. تحدثت حنان مع ستيفاني هانكوك عن دخولها الاستثنائي للسجون الليبية، وما وجدت فيها، وكيف اضطرها هجوم شنه مقاتلو تنظيم "الدولة الإسلامية" (المعروف أيضا باسم داعش) على سجن قريب إلى تغيير خططها.

 

أصبحت ليبيا مكانا خطيرا حقا الآن. كيف كنت تتنقلين في أنحاء البلاد؟

انتابتني عدة هواجس أمنية. طرابلس والمناطق المحيطة بها في أعمال عنف دائم. هناك مشكلة تصاعد عمليات الخطف للحصول على فدية أو لأسباب سياسية. لا يمكنك أن تحصل على ضمانات أمنية من أي شخص في ليبيا.

سمعت أن داعش هاجم أحد السجون في حين كنت تؤدين أعمال بحثك. لو كنت مكانك لتملكني الرعب.

نعم، حدث هذا خلال زيارة في طرابلس. كنا نزور سجنا عندما تعرضت منشأة احتجاز في قاعدة عسكرية قريبة من السجن لهجوم على يد مجموعة تزعم أنها داعش. كل المهاجمين قُتلوا وبعض الحراس أيضا. الهجوم أفزعنا وأربكنا كثيرا. قدرة مجموعات موالية لداعش على دخول قاعدة المطار العسكري في طرابلس، الذي تنطلق منه رحلات مدنية، معناه الكثير من الخطر المحتمل. غيرنا خططنا، وقررنا أن نحاول تجنب الأماكن التي يمكن أن تستهدفها الجماعات المتطرفة.

هل كان الوصول إلى السجون صعبا؟

كان علينا أن نطلب الزيارة قبل القيام بها فعليا بوقت طويل، وخضنا مفاوضات شاقة بشأن شروط الزيارة. كنا نريد لقاء السجناء على انفراد، دون حراس. أردنا الوصول إلى جميع السجون التي تحت سيطرة سلطات طرابلس. أردنا الوصول إلى جميع أركان كل سجن، وليس مجرد مبان معينة. تفاوضنا بشأن كل ذلك مع مكتب المدعي العام. لكن سرعان ما أدركنا أن الحصول على موافقة رسمية على الزيارة شئ، أما إجراء الزيارة نفسها فيبقى رهين الوضع على الأرض. وكثيرا ما تحتم علينا التفاوض من جديد على كل شيء، مرة أخرى، عند بوابات السجن.

إلام توصل بحثك؟

قابلنا 120 شخصا في 4 سجون في طرابلس ومصراتة في شرقي ليبيا. السجون التي زرناها تحت سيطرة وزارة العدل في الحكومة المعلنة من طرف واحد في طرابلس. أغلب السجناء كانوا متهمين بالتعاطف مع الموالين للقذافي أو مقاتلين، بجانب بعض السجناء في جرائم عادية مثل السرقة. وجدنا أن الغالبية العظمى من السجناء لم توجه إليهم تهم بارتكاب جريمة، بل إن بعضهم اعتقل منذ انتفاضة 2011 دون أن يتم توجيه تهم إليهم أو عرضهم على قاض. لكن وجدنا أيضا قدرا من سوء المعاملة الوحشي.

ما أول ما لاحظتيه داخل السجون؟

كل سجن مختلف. أجريت زيارات من هذا النوع على مدار سنوات عديدة. لكن ما لفت نظري في كل هذه السجون، رائحة الخوف. من الصعب أن أشرح لشخص لم يسبق له القيام بهذا النوع من العمل. في بعض الأحيان، كان السجناء مترددين في التحدث إلينا. استغرق الأمر بعض الوقت لبناء ثقتهم. على الرغم من أن الحراس لم يكونوا موجودين، أصر رجل على الاختباء في ركن حين تحدث إلينا. قال لي: "أخشى أن يقتلني الحراس إذا رأوني أتحدث إليك". لذلك كان علينا أن ننتبه جيدا لئلا نكشف هوية المعتقلين الذين تحدثنا إليهم.

لكن لم يكن لديك وسيلة لمعرفة ما يحدث بمجرد أن تغادري السجن، أليس كذلك؟

هذه إحدى المخاطر التي تكتنف هذا النوع من المقابلات. الشيء الوحيد الذي يمكننا القيام به هو التأكد من أن الناس يتحدثون إلينا طواعية دون وجود حراس، ومن ثم لا تُعرف هويتهم بأي حال.

هل شعر الناس بالارتياح لرواية قصصهم؟

كان مزيجا من الخوف والراحة. في اللحظة التي رأوني فيها، اعتراهم شعور بالارتياح أن شخصا من الخارج جاء لسماع قصتهم. لكن أيضا شعروا بالخوف من التعرض للعقاب بسبب التحدث معنا. فما أن يبدأوا في الكلام، حتى يطغى تأثير الخوف في بعض الحالات على مقدار ما قالوه.

ما لشيء الذي صدمك أكثر في كل ما شاهدتيه؟

كان في سجن في مصراتة. وأنا أسير في ممر لاحظت أن جميع أبواب الزنازين فتحت لي، فيما عدا باب زنزانة واحدة. أنا أتذكرها جيدا؛ كانت جدرانها ذات طلاء أبيض، ولها باب حديد ثقيل. سألت السجين الذي يريني المكان لماذا هي مغلقة؟ فتردد. فقلت له: "لعلك تفتح لي هذا الباب". أنا باحثة متمرسة، ونلت ما فيه الكفاية من المشاهد القبيحة. لكن في داخل الزنزانة رأيت رجلين يجلسان على سرير معدني، يبدوان وكأنها خرجا للتو من فيلم رعب. ظهرت على أذرعهما كدمات حديثة عميقة، أحدهما كان يعاني من حروق رهيبة جراء ضربه بقضيب حديد. كان يتحرك بالكاد. كان ينزف من أسفل عينه المصابة بزرقة، وقد كسرت إحدى قدميه. قال إنه عُذب ليلة زيارتي مباشرة، ولم تكن المرة الأولى. أما الرجل الآخر، فقد أراني علامات على ظهره أيضا، وقال إنه جُلد وجُرح. ثم أراني ندوبا أقدم على ذراعيه. قال إن ما قاساه من تعذيب سيء لدرجة أنه حاول قتل نفسه.

ما الذي كان يدور في ذهنك؟

لا شيء يجعلك مستعدا لمنظر مثل هذا. هنا يصبح من الضروري توثيق كل شيء. أنت تعرف أنك الشخص الوحيد في العالم الذي شاهد هذا، والذي يمكن أن ينقل للعالم ما يحصل. هذه مسؤولية كبيرة، و- من عدة أوجه- عبء ثقيل.

هل كان هناك أطفال في السجون؟

نعم. ليس عددا كبيرا، لكني صُدمت جدا بسبب الظروف التي يُحتجز فيها أطفال لا تتجاوز أعمارهم 14 عاما. فأولا، اُحتجزوا مع البالغين، لذلك هم في خطر متزايد بالتعرض لعنف الحراس، فضلا عن بقية السجناء. قال كثيرون إنهم وضعوا في الحبس الانفرادي، وهو أمر يحظره القانون الدولي لمن دون الـ 18. لكن الأطفال قالوا لنا إنهم عُذبوا أيضا. قالوا إنهم ضُربوا بأنابيب بلاستيكية، وعُلقوا من معاصمهم أو من أقدامهم وضربوا، وحرموا من الطعام لفترات من الزمن. وبالطبع، قال بعضهم إنهم قضوا شهورا دون اتصال بأسرهم.

من يدير هذه السجون؟

هي رسميا تابعة لوزارة العدل ومقرها طرابلس، وتديرها وتؤمنها الشرطة القضائية التي تخضع للوزارة. لكن معظم حراس ومدراء السجون ليسوا من ضباط الشرطة المدربين، بل هم مقاتلون متمردون سابقون؛ قاتلوا في الثورة المناهضة للقذافي. لذلك كانوا يفتقرون إلى التدريب.

بعض الناس يقولون إن المعتقلين هم أعضاء داعش أو متعاطفين معه. هل هذا صحيح؟

لم نلتق إلا عددا قليلا جدا من الناس المتهمين بالإرهاب، وكلهم كانوا مُحتجزين في سجن واحد. لكن في النهاية، لم نذهب إلى هناك لمعرفة المذنب من البرئ. ما نحن معنيون به هو تقييم مدى انتشار سوء المعاملة والتعذيب، واحترام حقوق المعتقلين في محاكمة عادلة واحترام المعايير الدولية التي تحكم ظروف الاحتجاز. التعذيب خط أحمر، ولا يهم من يقف أمامك، عليك أن تحترم الجميع.

ما أصعب ما مر بك؟

هناك شعور هائل من التوقعات من المعتقلين أن زيارتك سوف تغير الأمور بالنسبة لهم، وهذا يضغط عليّ كثيرا. لكن الجزء الأصعب كان التحدث إلى أطفال تعرضوا لسوء معاملة بشراسة ومعزولين عن أسرهم. أن تقرأ عن ذلك شئ، وأن تتحدث إلى طفل ثم تخرج من السجن وتتركه، فهو أمر مختلف تماما. كان ذلك صعبا جدا.

ماذا يحدث بعد زيارة السجن؟

لا أنام لعدة أيام. بصرف النظر عن تجهيز عدد كبير من المقابلات، أحتاج للتحضير لزيارات واجتماعات اليوم التالي. لكن وجوها معينة لا تغادر مخيلتي. عندما أكون في السجن، أعمل بشكل آلي؛ فلدي مقابلات أجريها، ومسؤولون أتشاجر معهم، فلا وقت للمشاعر على الإطلاق. كل المشاهد تلقى بوطأتها علي في وقت لاحق في هدوء الليل.