الملخص
في مطلع مارس/آذار 2025، انهار الاستقرار الظاهري الهش الذي أعقب سقوط الأسد، إذ شُنَّت هجمات دامية على قوات الحكومة الجديدة في الساحل السوري، نفّذها مسلحون وصفتهم السلطات بأنهم موالون للنظام السابق. قُتل العشرات، ما أشعل موجة انتهاكات عنيفة ضد المجتمعات العلوية.
اجتاحت القوات الحكومية، المكوّنة من وحدات تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، إلى جانب جماعات مسلحة موالية ومتطوعين مسلحين، الأحياء والبلدات والقرى ذات الأغلبية العلوية في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة، مخلّفة وراءها منازل محترقة، وجثثا مكدَّسة، ومقابر جماعية، ومجتمعات مدمرة. رافقت هذه العمليات مداهمات منهجية امتدت من منزل إلى آخر، وكان سؤال واحد يتكرر عند كل منزل: "هل أنت علوي؟"، وغالبا ما كانت الإجابة على هذا السؤال هي الفاصل بين حياة الشخص وموته بالإعدام الوحشي.
يوثّق هذا التقرير، الذي أعدّته وأصدرته بشكل مشترك كلٌّ من "هيومن رايتس ووتش" و"سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" و"الأرشيف السوري"، انتهاكات واسعة ارتكبتها القوات الحكومية والجماعات المسلحة الموالية لها في سياق ما سُمّي بعمليات "التمشيط الأمني". رغم تبرير هذه العمليات بأنها تهدف إلى القضاء على "فلول النظام" ومصادرة الأسلحة المخزّنة، فإنها أسفرت عن انتهاكات جسيمة ومنهجية استهدفت المدنيين على أساس هويتهم.
استنادا إلى أكثر من مئة مقابلة، ومئات الفيديوهات والصور التي تم التحقق منها، بالإضافة إلى صور الأقمار الصناعية، يقدّم هذا التقرير أدلة على أن هذه القوات ارتكبت إعدامات تعسفية على نطاق واسع، ودمرت الممتلكات بشكل متعمّد، ومارست انتهاكات بحق المحتجزين.
بين 7 و10 مارس/آذار على الأقل، شنّت القوات الحكومية والجماعات المسلحة المتحالفة معها هجمات منسّقة على أكثر من 30 بلدة وقرية وحي تقطنها غالبية علوية، تحت ذريعة ملاحقة الموالين للنظام السابق والكشف عن مخازن الأسلحة. أسفرت هذه العمليات عن مقتل ما لا يقل عن 1,400 شخص. نفّذت القوات مداهمات منزلية منهجية، متنقّلة من بيت إلى آخر، ومطالِبة السكان بالكشف عن انتمائهم الطائفي، قبل أن تُقدِم على نهب ممتلكاتهم، وإحراق منازلهم، وتنفيذ إعدامات تعسفية بحق الأطفال والنساء والرجال، بمن فيهم كبار السن، مستخدمة خطاب كراهية وتحريضا صريحا ضد الطائفة العلوية. وفي بعض المناطق، تمّت إبادة عائلات بأكملها.
شملت الفظائع أيضا أنماطا ممنهجة من الإذلال والمعاملة القاسية؛ إذ أُجبِر رجال على الزحف والنباح مثل الكلاب قبل أن يُعدَموا رميا بالرصاص، فيما تعرّض محتجزون مسنّون للضرب المبرح أمام الكاميرات. أكّد الناجون أنهم واجهوا موجات متعاقبة من المسلحين الملثَّمين، بعضهم يرتدي بزّات عسكرية وآخرون ملابس مدنية، اجتاحوا منازلهم وأحيائهم مرارا. في مدينة سلحب بمحافظة حماة، أظهر فيديو عناصر من قوى الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية وهم ينفذون إعدامات تعسفية بحق المحتجزين من مسافة قريبة. في مناطق أخرى، استُخدم حظر التجول الذي فرضته السلطات للتغرير بالعائلات حتى تبقى داخل منازلها، قبل أن تُعدم لاحقا في غرف معيشتها. ارتُكبت العديد من هذه المجازر تحت ذريعة "التحقيق"، غير أن نمط الانتهاكات المتكرر والاستهداف على أساس الهوية يكشف عن نيّة مبيّتة أعمق لمعاقبة المجتمعات العلوية جماعيا، بغض النظر عن مسؤولية الأفراد.
على الرغم من أنَّ هذه التحقيقات لم تكشف عن أدلة مباشرة على صدور أوامر بارتكاب الانتهاكات، فقد وقعت الفظائع التي اجتاحت المنطقة الساحلية ومحافظة حماة في مارس/آذار خلال عملية عسكرية مركزية مُنسقة أشرفت عليها وزارة الدفاع. قامت الوزارة بتعبئة عشرات آلاف المقاتلين، وتحديد مناطق عمليات للفصائل المختلفة، وتسهيل الانتشار المشترك لهذه الفصائل في أنحاء اللاذقية وطرطوس وحماة. وأفاد مقاتلون من أكثر من 10 فصائل، العديد منها مدمج بشكل رسمي أو غير رسمي ضمن وزارة الدفاع، بتلقّيهم أوامر مباشرة من الوزارة، والمشاركة في غرف عمليات مشتركة مع فصائل أخرى، وتحدثوا عن تسليم السيطرة على المناطق إلى قوى الأمن العام بعد انتهاء عمليات التمشيط.
يشير نطاق الانتهاكات الموثّقة وامتدادها الزمني وأنماطها المتكررة في إطار هذه العملية المنسقة إلى أنَّ هذه الأحداث لم تكن حوادث معزولة. وعلى الرغم من أنَّ غالبية عمليات القتل والانتهاكات الجماعية وقعت خلال الأيام الأربعة الأولى من العملية، استمرت الانتهاكات في مواقع متعددة لعدة أيام لاحقة. وأفاد المقاتلون بأنَّ كبار المسؤولين والقيادات العسكرية واصلوا التنسيق مع الوحدات المسلحة حتى بعد أن أصبحت الانتهاكات الجسيمة معروفة للعامة.
الفيديوهات المنشورة على الإنترنت خلال وقوع الأحداث، والتي تحقق الباحثون من صحتها، تثبت أن كبار المسؤولين والقيادات العسكرية كانوا على علم بالانتهاكات الجارية، وهو ما أقرَّت به بيانات رسمية صادرة عن السلطات في 7 و8 مارس/آذار، التي اعترفت بوجود "تجاوزات" ودعت إلى حماية المدنيين، وأعلنت عن تشكيل لجنة رقابية. إلا أن هذه الإجراءات لم تكن كافية لوقف أعمال العنف. وقد أفادت تقارير بأن بعض عناصر قوات الحكومة المؤقتة تدخلوا لتأمين إجلاء المدنيين أو لمنع الانتهاكات التي ارتكبها مقاتلون آخرون. مع ذلك، فإن الغياب العام لأي إجراءات فورية وفعّالة، رغم هذه الاعترافات الرسمية العلنية، يشير بوضوح إلى تقاعس السلطات المدنية والعسكرية عن الوفاء بواجباتها.
في تقريرها الصادر في أغسطس/آب حول أحداث مارس/آذار، خلصت "لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة" إلى أن أفرادا من قوات الحكومة المؤقتة، وأشخاصا مستقلين، فضلا عن مقاتلين موالين للنظام السابق، ارتكبوا انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى مستوى جرائم حرب، شملت القتل والتعذيب والاختطاف والنهب وتدمير الممتلكات.
وفقا لمبدأ مسؤولية القيادة، يمكن أن يتحمل كبار المسؤولين المدنيين والقيادات العسكرية المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم الدولية التي ارتكبها مرؤوسوهم، إذا لم يتخذوا جميع التدابير اللازمة والمعقولة لمنع هذه الجرائم أو لمحاسبة مرتكبيها.
علاوة على ذلك، تُبرز مشاركة الأفراد غير المنتمين إلى قوات الأمن في الانتهاكات، التي صوّرت رسميا على أنها أعمال عفوية وطوعية، التناقض الواضح في سردية السلطات. كشفت مقابلات مع مقاتلين ومتطوعين أن رجالا غير مرتبطين بالقوات الأمنية جرى تجنيدهم فعليا، وتزويدهم بالأسلحة، وتنظيمهم، ونشرهم إلى جانب الوحدات الرسمية بواسطة ممثلي وزارة الدفاع. على الرغم من البيانات العلنية الرسمية التي وجهت هؤلاء المشاركين غير المنتمين إلى قوات الأمن بالانسحاب، استمر بعضهم في المشاركة بالعمليات القتالية، ونقاط التفتيش، ومداهمات المنازل بعد 8 مارس/آذار. حاولت السلطات التبرؤ من هذه الانتهاكات من خلال نسبها إلى "عناصر غير منظمة"، إلا أن شهادات الذين قابلناهم وأنماط الانتشار تكشف العكس، إذ كان المتطوعون جزءا من العمليات الرسمية، وفي بعض الحالات تحت إشراف مباشر لمسؤولي وزارة الدفاع.
فظائع مارس/آذار لم تكن حدثا منعزلا، بل كانت ذروة لأشهر من التحريض والانتقام والعنف المستفحل في سوريا ما بعد الأسد، وإرثا لعقود من الانقسام الطائفي البنيوي، وضعف سيادة القانون، والإفلات من العقاب على الجرائم المنهجية التي ارتكبها النظام السابق. بعد انهيار نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، سارعت الحكومة المؤقتة بقيادة أحمد الشرع، الذي كان يُعرف سابقا باسمه الحركي أبو محمد الجولاني، بصفته قائد جماعة "هيئة تحرير الشام" المسلحة، إلى فرض سيطرتها، فدمجت عشرات الفصائل المسلحة ضمن وزارة دفاع ناشئة. إلا أن هذا الدمج كان شكليا. احتفظت العديد من الفصائل بهياكلها الداخلية وولاءاتها السابقة. ورغم ضعف هياكلها القيادية الرسمية أو عدم اكتمالها، تولت وزارة الدفاع تنسيق عمليات انتشار الوحدات، وإصدار أوامر التعبئة، ودمج المقاتلين في عمليات مشتركة، متحملة المسؤولية عن قوات لم تشرف عليها فعليا. كما تأخرت جهود التحقق من خلفيات المقاتلين والقادة، ما أتاح للوحدات التي كانت منفلتة من المحاسبة في السابق إعادة تشكيل نفسها، والظهور كقوات رسمية، والتصرف دون أي مساءلة. في الوقت نفسه، استُخدمت الهجمات المسلحة على الوحدات الحكومية ذريعةً للهجمات الانتقامية، ما أدى إلى فترة اتسمت بتفاقم حالة عدم الثقة وتزايد انعدام الأمن، لا سيما في المناطق ذات الغالبية العلوية، التي كانت تُعتبر معاقل للنظام السابق.
بحلول فبراير/شباط 2025، كثُرت التقارير عن عمليات قتل تعسفية، واختفاءات، واعتقالات تعسفية تستهدف العلويين. روى الشهود وقوع مداهمات للمنازل، واعتقالات تعسفية، ومضايقات عند نقاط التفتيش، غالبا ما كانت تُبرر بزعم القضاء على "فلول النظام". وفي بلدات عدة بمحافظات اللاذقية وطرطوس وحماة وحمص، تعرَّض جنود سابقون في القوات الحكومية وأفراد من قوات الأمن التابعين للنظام السابق، بعد أن قاموا "بتسوية أوضاعهم" مع السلطات المؤقتة عبر إجراءات المصالحة الرسمية أملا في الحصول على الحماية، للقتل أو للعنف والاعتقال على يد قوات موالية للحكومة الجديدة.
استمرت الانتهاكات القائمة على أساس الهوية في مختلف أنحاء سوريا. في منتصف يوليو/تموز، أُرسلت وحدات حكومية رسمية إلى السويداء لاستعادة "النظام"، غير أنها سرعان ما اتُهمت بتنفيذ إعدامات تعسفية ونهب وحرق الممتلكات، في أعمال تُذكّر بشكل مقلق بمجازر مارس/آذار.[1]
علاوة على ذلك، أدَّى غياب نظام قضائي فاعل إلى فراغ ملأته عمليات القتل الانتقامية وتزايد خيبة الأمل العامة. استغلت الجهات الفاعلة العنيفة، بدءا من تنظيم "الدولة الإسلامية" (المعروف أيضا بـ "داعش") المسلح والمتطرف، ووصولا إلى الجماعات المحلية الخارجة عن القانون، محدودية قدرة الحكومة على إنفاذ العدالة، فشرعت في تنفيذ الاغتيالات وإثارة الخوف بين السكان.
يركز هذا التقرير على الجهود المبكرة التي بذلتها السلطات الانتقالية في سوريا للمساءلة عن فظائع مارس/آذار. كما يستعرض إنشاء هيئتين رسميتين، هما "لجنة تقصي الحقائق" و"لجنة السلم الأهلي"، المكلفتين بالتحقيق في أعمال العنف وتهدئة التوترات المجتمعية. ويشير أيضا إلى الاعتقالات والتدابير التأديبية المحدودة التي أعلنتها السلطات، إلى جانب إصدار "لائحة قواعد السلوك والانضباط العسكري لعناصر الجيش" وإنشاء "هيئة العدالة الانتقالية" ذات الولاية المحدودة.
للحؤول دون تجدد أعمال العنف وبناء استقرار دائم، يتعين على الحكومة الانتقالية إصلاح القطاع الأمني وإطلاق عملية شاملة للعدالة. يشمل ذلك توحيد جميع الفصائل التي تُدمج تحت سلسلة قيادة واحدة تخضع للإشراف المدني، والتحقق من خلفية القادة والجنود على حد سواء، وتفكيك الوحدات المنتهِكة للقوانين، وتطبيق لائحة السلوك والانضباط العسكري الجديدة بشكل صارم. وفي الوقت ذاته، على السلطات نشر التقرير الكامل للجنة تقصي الحقائق، وملاحقة كل من يثبت تورطه في الانتهاكات، والتدقيق في مسؤولية كبار المسؤولين والقادة الذين استمروا في توجيه عمليات الانتشار وتنسيق العمليات، رغم الأدلة الواضحة والمتزايدة على الانتهاكات الواسعة.
ينبغي أن يقترن ذلك بتعزيز الجهود الأوسع لتحقيق المساءلة الشاملة عن جرائم عهد الأسد وتلك التي ارتُكبت بعد الإطاحة به، بما يشمل التعاون المستمر مع الجهود الدولية الرامية لدعم العدالة، مثل "الآلية الدولية المحايدة والمستقلة و"لجنة التحقيق الدولية المستقلة" التابعتين للأمم المتحدة. بدون محاسبة جدية على الماضي، تُخاطر سوريا بترسيخ حلقة جديدة من الإفلات من العقاب والعنف الطائفي. الخيارات التي تُتخذ الآن، في هذه المرحلة الحساسة، ستحدد ليس فقط شرعية الحكومة الانتقالية، بل أيضا مستقبل النسيج الاجتماعي السوري. يتعين على الجهات المانحة بدورها أن تجعل المساعدات الأمنية مشروطة بتحقيق تقدم ملموس في الإصلاحات، لضمان بقاء العدالة وحقوق الإنسان في صميم العملية الانتقالية في سوريا.
تحقيق العدالة في سوريا لا يحتمل التأخير. حجم فظائع مارس/آذار والانتهاكات المستمرة على أساس الهوية وبشاعتها تتطلبان أكثر من إجراءات رمزية أو إصلاحات جزئية. ينبغي أن تكون العدالة شاملة، وسريعة، وثابتة في التزامها تجاه جميع الضحايا.
التوصيات
إصلاح قطاع الأمن
إلى الحكومة الانتقالية في سوريا:
ضمان خضوع جميع الفصائل المسلحة التي دُمِجت في الجيش السوري لقيادة موحّدة، وإخضاعها لإعادة هيكلة شاملة ترمي إلى تفكيك شبكات الولاء الداخلية والقضاء على الطابع الفصائلي.
ضمان القدرة على تحديد هوية جميع عناصر القوات العسكرية والأمنية وفق الفصيل أو الجهاز الذي ينتمون إليه أثناء تنفيذ العمليات.
إنشاء هيئة تفتيش أو هيئة رقابية مدنية، تتمتع بصلاحيات التحقيق في أي تجاوزات من قبل القوات الأمنية وإحالة القضايا للملاحقة القضائية.
إجراء تدقيق شديد بشأن القادة والمقاتلين من جميع الفصائل قبل تعيينهم في أي مناصب رسمية، والإفصاح علنا عن معايير وإجراءات التقييم.
تطبيق لائحة قواعد السلوك والانضباط العسكري المعتمدة حديثا من خلال إنشاء آليات تأديبية واضحة، مع الالتزام بتقديم تدريبات منتظمة في مجال حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
إنشاء هيئة لتلقي الشكاوى، ومنح التعويضات، وأشكال أخرى من الجبر، لضحايا أفعال العنف غير المشروع وتدمير الممتلكات التي ارتكبها أفراد القوات الأمنية منذ ديسمبر/كانون الأول 2024.
إلى تركيا ودول الخليج والحكومات المانحة الأخرى:
ربط تقديم التدريب والتمويل والأسلحة بشرط توفر ما يلي: (1) إثبات وجود قيادة موحّدة، (2) معايير واضحة وعلنية للتدقيق في سجل المقاتلين والقادة، (3) إجراءات تأديبية قابلة للقياس.
الالتزام العلني بدعم الإصلاحات التي تكفل حماية المدنيين، وإنشاء مؤسسات أمنية شاملة تحترم الحقوق.
- تقديم المساعدة الفنية لإعادة هيكلة القوات، مع تجميد الدعم في حال بقاء الأشخاص في مناصب قيادية إذا أثبت التدقيق ارتكابهم انتهاكات.
ضمان المساءلة
إلى الحكومة الانتقالية في سوريا:
إدراج الجرائم الدولية وأشكال المسؤولية المرتبطة بها، بما في ذلك المسؤولية القيادية، ضمن القانون الوطني السوري، لتمكين التحقيق والملاحقة الفعّالة، وضمان محاسبة الرؤساء المدنيين والعسكريين جنائيا عند إصدارهم أوامر بارتكاب الانتهاكات، أو تسهيلهم إياها، أو تقاعسهم عن منعها أو معاقبة مرؤوسيهم الذين يرتكبونها. ويجب أن يُطبق القانون بأثر رجعي لضمان المساءلة عن الجرائم الدولية المرتكبة في ظل السلطات السابقة والفترة الانتقالية على حد سواء.
نشر التقرير الكامل للجنة تقصي الحقائق بشكل علني، مع توفير الضمانات الكافية لحماية هوية الشهود، ومراعاة حقوق المتهمين خلال الإجراءات القانونية الواجبة.
ضمان أن تشمل الإجراءات القضائية التحقيق في المسؤولية المؤسسية إلى جانب الجرائم الفردية.
ضمان أن تُفصّل جميع التحقيقات والتقارير الرسمية وعمليات المساءلة البيانات بحسب العمر، والنوع الاجتماعي (الجندر)، والهوية الإثنية-الدينية وتوثق بوضوح أثر الانتهاكات على الأطفال وكبار السن. ويشمل ذلك تسجيل الأطفال وكبار السن ضمن أرقام الضحايا، وضمان إدراج تجاربهم في تقارير تقصي الحقائق، ووضع إجراءات حماية ودعم مصممة خصيصا لتلبية احتياجاتهم الخاصة.
دعم كافة الجهود الموثوقة لتحقيق عدالة مستقلة ونزيهة للضحايا والناجين من الجرائم التي ارتكبتها جميع أطراف النزاع الممتد بين 2011 و2024، بما في ذلك توسيع ولاية "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية" بشكل واضح، مع استبعاد أي عفو عن الجرائم الدولية الجوهرية، والتعاون الفعّال مع الآليات الدولية القائمة. يشمل ذلك منحها الوصول الكامل، وإقامة مكاتب وأطر تعاون دائمة مع الهيئات الأممية مثل "الآلية الدولية المستقلة والمحايدة"، و"لجنة التحقيق الدولية المستقلة"، و"المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين"، بما يشمل جمع الأدلة، وحفظها وتحليلها، وتتبع المشتبه بهم واعتقالهم عند الاقتضاء.
إلى الحكومات الأخرى (بما يشمل تركيا ودول الخليج والداعمون الدوليون):
- حثّ الحكومة الانتقالية السورية على الالتزام بعدالة شاملة يملكها ويديرها السوريون، ومراجعة الأطر القانونية ذات الصلة لضمان استقلال القضاء، واحترام الإجراءات القانونية التي تكفل حقوق المحتجزين، وضمان وجود رقابة مدنية فعّالة.
- استخدام النفوذ الدبلوماسي والمالي لضمان أن تُشكل المساءلة محورا أساسيا في أجندة إعادة الإعمار والعملية الانتقالية في سوريا.
- زيادة التمويل والدعم طويلَيْ الأمد للمجتمع المدني السوري ومجموعات التوثيق المنخرطة في مبادرات العدالة وكشف الحقيقة.
- ضمان أن تضع جميع آليات ومبادرات العدالة حماية الضحايا والناجين في صدارة أولوياتها، ولا سيما عند إشراكهم في الإجراءات أو الاستماع إلى شهاداتهم.
جبر الضرر
إلى الحكومة الانتقالية في سوريا:
الإقرار العلني بالمسؤولية عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما فيها تلك التي ارتُكبت خلال فظائع مارس/آذار 2025، والاعتراف بحق جميع ضحايا الانتهاكات في جبر الضرر، بمن فيهم المتضررون من الحكومات السابقة.
إنشاء آلية وطنية شاملة وشفافة لجبر الضرر، تُعنى بوجه خاص بفظائع مارس/آذار، وبشكل أوسع بالانتهاكات الأخرى المرتبطة بالنزاع المرتكبة في جميع أنحاء سوريا.
ضمان أن يتم جبر الضرر بشكل شفاف وعادل، بعيدا عن أي تعزيز للانقسامات القائمة على الهوية أو الانتماء السياسي.
التنسيق مع الأمم المتحدة والهيئات الدولية المعنيّة لضمان الحصول على الدعم الفني والقانوني.
ضمان أن يشمل جبر الضرر التعويض المالي، وإعادة التأهيل النفسي-الاجتماعي والجسدي (بما يشمل تزويد الضحايا بالأجهزة المساعِدة)، واستعادة الممتلكات، وتحقيق الرضا عبر كشف الحقيقة بشأن الفظائع، وتوفير ضمانات عدم التكرار.
التشاور مع الضحايا والمجتمع المدني في تصميم جميع تدابير جبر الضرر وتنفيذها، مع ضمان احترام حقوق الضحايا وكرامتهم وسلامتهم.
إلى الدول المانحة والشركاء الدوليين:
تقديم التمويل والمساندة الفنية والدعم السياسي لإنشاء آلية موثوقة لجبر الضرر، تتمحور حول الضحايا ، وتوفر لهم دعما مؤقتا يشمل الخدمات الطبية والنفسية-الاجتماعية وإعادة التأهيل، على أن تُدمج هذه الآلية في جميع محادثات إعادة الإعمار المستقبلية. ويجب أن تضمن شمول جميع الضحايا المتضررين من الانتهاكات الجسيمة، بغض النظر عن الجناة، وتقديم تعويضات مخصصة للأشخاص الذين أصيبوا بإعاقات، بما في ذلك الإعاقات النفسية-الاجتماعية، نتيجة انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان أو القانون الإنساني الدولي.
دعم المجتمع المدني السوري العامل في مجال العدالة، بما في ذلك المبادرات التي توثق الانتهاكات، وتدافع عن حقوق الضحايا، وتعزز قدرتهم على الاستفادة من الآليات القضائية الدولية والإقليمية.
المنهجية
يستند هذا التقرير إلى أبحاث مشتركة أجرتها هيومن رايتس ووتش، وسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، والأرشيف السوري بين يناير/كانون الثاني ومايو/أيار 2025.
أجرت هيومن رايتس ووتش وسوريون من أجل الحقيقة والعدالة مقابلات شخصية وعن بُعد مع أكثر من 85 شخصا، بينهم ناجون، وشهود، وأقارب ضحايا، وصحفيون، وعسكريون شاركوا في عمليات مارس/آذار 2025، و45 شخصا إضافيا تضرروا خلال حملات أمنية سابقة. أُجريت جميع المقابلات بشكل خاص بالعربية بناء على موافقة مستنيرة. شرح الباحثون للذين قابلوهم الغرض من البحث وحقهم في رفض المشاركة أو الانسحاب؛ وحُجبت هوياتهم عند الضرورة من أجل سلامتهم.
راجع الأرشيف السوري وسوريون من أجل الحقيقة والعدالة أكثر من 600 فيديو وصورة ومنشور على وسائل التواصل الاجتماعي متاحة للعموم، تمت مشاركتها مباشرة مع الباحثين أو جُمعت من منصات التواصل الاجتماعي من ضمنها تلغرام، وفيسبوك، وإكس. غطت المواد التي تمت مراجعتها حوادث من 27 موقعا مختلفا وقعت بين 7 مارس/آذار 2025 و11 مارس/آذار 2025. عبر مطابقة المعالم المرئية مع صور الأقمار الصناعية، أو الصور الملتقطة على مستوى الشارع، أو مواد بصرية أخرى، استخدم الأرشيف السوري وسوريون من أجل الحقيقة والعدالة الفيديوهات والصور التي جُمعت، حيثما أمكن، للتحقق من الموقع والتاريخ التقريبي لبعض الهجمات. كما راجع الباحثون التصريحات العلنية، وبيانات النعي، وقوائم الضحايا.
في 6 مايو/أيار، التقى ممثلون عن هيومن رايتس ووتش وسوريون من أجل الحقيقة والعدالة مع أعضاء لجنة تقصي الحقائق السورية المكلفة بالتحقيق في الأحداث الدامية التي وقعت في أوائل مارس/آذار، لمناقشة نطاق ونتائج هذا التحقيق. في 26 مايو/أيار، أرسلت هيومن رايتس ووتش مراسلات رسمية إلى السلطات الانتقالية السورية توضح فيها الاستنتاجات الأولية، وتطرح أسئلة محددة، وتطلب الوصول إلى المناطق المتأثرة. لم تتلقَ أي رد حتى وقت نشر هذا التقرير.
I. لخلفية
أنهت الإطاحة بالرئيس بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 عقودا من الحكم الاستبدادي، وفتحت الباب أمام مرحلة انتقالية مضطربة. في هذا السياق، تولّت حكومة جديدة برئاسة أحمد الشرع (المعروف سابقا بأبي محمد الجولاني) إدارة السلطة، واعدة بالإصلاح. غير أنّها واجهت منذ اللحظة الأولى تحديات تتعلق بالأمن والعدالة والشرعية.
جهود دمج القوات العسكرية
سعيا إلى ترسيخ سيطرتها، سارعت السلطات الانتقالية إلى توحيد الفصائل المسلحة ضمن إطار وزارة دفاع مستحدثة تولّى إدارتها قادة سابقون في هيئة تحرير الشام.[2] دُمجت فصائل مدعومة من تركيا، مثل "فرقة السلطان سليمان شاه" (المعروفة بـ العمشات)، و"فرقة الحمزة" (المعروفة بـ الحمزات)، و"فرقة السلطان مراد"، وعُيِّن قادتها في مناصب رفيعة، على الرغم من السجلات المثقلة بالانتهاكات لتلك الفصائل.[3]
في جنوب البلاد، أفضت اتفاقية أُبرِمت مع زعماء الطائفة الدرزية مطلع يناير/كانون الثاني،[4] إلى إخضاع قوات الأمن في السويداء لإشراف وزارة الداخلية. غير أنَّ اندلاع الاشتباكات في يوليو/تموز، والتي انتهت بوقف إطلاق نار بوساطة أمريكية، أدَّى إلى انسحاب قوات دمشق، ما أعاد عمليا إدارة الشأن الأمني اليومي إلى السلطات المحلية الدرزية. أما في الشمال الشرقي، نص إطار عمل مؤرَّخ في 10 مارس/آذار 2025 على دمج تدريجي لـ "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، بقيادة الأكراد، ضمن الجيش الوطني، مع بقاء القادة الأكراد محتفظين بالسلطة المحلية بشكل مؤقت إلى حين التنفيذ الكامل للاتفاق.[5] مع ذلك، يظل كلا الترتيبين هشّا، إذ تكفي شرارة توتر واحدة لإرجاع أيٍّ من المنطقتين إلى دوامة النزاع المفتوح.
عملية التسوية، والتمشيط الأمني، وفلول النظام
كان تفكيك ما تبقّى من الأجهزة العسكرية والأمنية التي تعود إلى عهد الأسد من الأولويات القصوى [للسلطات الجديدة]. أطلقت السلطات عملية "تسوية" للتدقيق في خلفيات المنتمين إلى هذه الأجهزة، وبخاصة في المناطق الساحلية ذات الغالبية العلوية، حيث سجّل عشرات الآلاف أسمائهم في مراكز المصالحة.[6]
بموازاة ذلك، نفّذت قوات الأمن مداهمات واسعة في الساحل السوري ومناطق شمال غرب البلاد، لا سيما في محافظات حلب وحمص وحماة واللاذقية، بزعم استهداف أفراد عسكريين وأمنيين سابقين متورطين في انتهاكات سابقة، ومصادرة الأسلحة المخزنة. تفيد تقارير بأنَّ هذه العمليات أسفرت عن حدوث مخالفات واعتقالات تعسفية، مما زاد من حدة التوتر في مجتمعات كانت أصلا على حافة الانفجار.[7]
الموروثات البنيوية وتهميش العلويين
مع أن العلويين لم يكونوا جميعهم مؤيدين للأسد، فإنّ حضورهم غير المتناسب في القيادة العسكرية والأجهزة الأمنية والقطاع العام، الذي كان نتيجة استراتيجية حكومية وضيق الخيارات الاقتصادية المتاحة لهم آنذاك، جعل الكثيرين منهم في مرتبطين بنيويا للدولة.[8]
منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، فقد آلاف الأشخاص في محافظات اللاذقية وحمص ودمشق وطرطوس مصادر رزقهم نتيجة التسريحات الجماعية من الوظائف الحكومية وحلّ الوحدات العسكرية والأمنية السابقة.[9] أُجبِرت عائلات كثيرة أيضا على إخلاء مساكن كانت قد حصلت عليها من الدولة أو منازل خاصة كانت تشغلها، مما ترك مجتمعات كانت تعتمد سابقا على الدولة كمصدر للدخل والسكن والحماية في هشاشة متزايدة.[10] كان أثر هذه التسريحات على أبناء الطائفة العلوية غير متناسب بسبب البنية التي تشكّل عليها جهاز الدولة في عهد الأسد.
عقود من الدعاية الرسمية التي ساوت بين بقاء الدولة وبقاء الطائفة العلوية في الحكم، جعلت شريحة واسعة من السوريين ينظرون إلى العلويين كمرادف للقمع في عهد الأسد. في المقابل، ساهم تصاعد خطاب الكراهية، الذي غالبا ما ضُخِّم على الإنترنت وتُرك دون أي تدخل فعّال من السلطات المحلية، في تعميق شعور العلويين بالعزلة والضعف. ورغم أن بعض المسؤولين في الحكومة الانتقالية، ومن بينهم الرئيس أحمد الشرع، أدانوا في مناسبات محدودة الخطابات المعادية للعلويين على خلفية أعمال العنف الطائفي الأخيرة، لم تُتخذ إجراءات منهجية أو مستدامة توضح أن المسؤولية عن جرائم الماضي تقع على عاتق مرتكبين محددين وليس مجتمعات بأكملها. ساهم تراخي الحكومة في معالجة هذه الانقسامات استباقيا في إبقاء المجتمع العلوي عالقا بين إرث من الامتيازات المتصوّرة خلال عهد الأسد ومخاوف من الانتقام بعد سقوط النظام.
قتل عشوائي واختفاءات قسرية على أساس الهوية
في الأشهر التي سبقت تصعيد 6 مارس/آذار، برز نمط مقلق من عمليات القتل والاختطاف والاختفاء القسري ذات الدوافع الإجرامية والطائفية، استهدفت في المقام الأول مدنيين علويين. بين ديسمبر/كانون الأول 2024 ومطلع مارس/آذار 2025، وثّقت هيومن رايتس ووتش وسوريون من أجل الحقيقة والعدالة 18 حالة اختطاف وقتل استهدفت مدنيين علويين في محافظات حمص واللاذقية وطرطوس ودمشق، أسفرت عن مقتل أو فقدان 16 شخصا على الأقل.
وقعت هذه الانتهاكات في ظل إفلات مفترض من العقاب. وأفادت عدة أسر بأن السلطات امتنعت عن تسجيل شكاواها، أو أعاقت مجريات التحقيق، أو قدّمت معلومات متضاربة حول أماكن وجود أقاربها. وفي بعض الحالات، عرّف المعتدون أنفسهم على أنهم منتسبون إلى فصائل مسلّحة محددة أو جماعات إسلامية متشددة. رافقت بعض عمليات القتل طلبات فدية، وشتائم طائفية، وإشارات إلى تعذيب.
وفقا لتحقيق أجرته "رويترز" في يونيو/حزيران 2025، تم اختطاف أو فقدان ما لا يقل عن 33 امرأة وفتاة من الطائفة العلوية، بعضهن لا يتجاوزن سن 16 عاما، في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة خلال 2025.[11] وتتطابق هذه الأرقام مع تقرير لاحق أصدرته "منظمة العفو الدولية" في يوليو/تموز 2025، وكذلك مع بيان متزامن صادر عن لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة.[12]
اشتباكات الساحل وتمرّد 6 مارس/آذار
أدَّى هذا النمط من العنف المُستهدف إلى تفاقم المخاوف من تصاعد الانتقام الطائفي وتعميق حالة الفوضى، وهي ظروف مهدت الطريق لتصعيد أوسع للعنف الذي اندلع بعد 6 مارس/آذار، عندما شنت شبكات من المتمردين، كانت تنشط أصلا في مناطق متفرقة من سوريا، والتي وصفتها السلطات بأنها موالية للرئيس المخلوع بشار الأسد أو فلول النظام السابق، سلسلة من الهجمات المنسقة ضد عناصر الحكومة وأقامت نقاط التفتيش في المناطق الساحلية.[13] ظهر ضباط عسكريون سابقون في فيديوهات يعلنون عن تشكيل "المجلس العسكري لتحرير سوريا" الجديد.[14]
شكلت هذه الهجمات التحدي الأخطر حتى الآن للحكومة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وأشعلت شرارة واحدة من أكثر حلقات العنف الطائفي دموية في سوريا منذ سقوط الحكومة السابقة.
على مدى أربعة أيام، قتل المتمردون ما لا يقل عن 238 موظفا حكوميا.[15] ووفقا لتقرير لجنة التحقيق الأممية الصادر في أغسطس/آب بشأن أحداث مارس/آذار، نفَّذت قوات موالية للنظام السابق هجمات استهدفت مدنيين وصحفيين ومرافق طبية.[16] مثَّلت هذه الهجمات تحوّلا دراماتيكيا في المرحلة الانتقالية الهشّة أصلا التي تمر بها سوريا تحت حكم الرئيس المؤقت أحمد الشرع. سارعت قوات الأمن إلى احتواء العنف، مستخدمة أسلحة ثقيلة في مناطق مأهولة بالمدنيين، وحشدت آلاف المقاتلين، وفرضت حظر تجول، ونفذت ما وصفتها بـ"عمليات تمشيط" في جميع أنحاء محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة. وبالتوازي، أُغرقت منصات التواصل الاجتماعي فورا بمئات الفيديوهات التي تُظهر رجالا بالزي العسكري يُعدمون محتجزين، منازل، ويطلقون النار عشوائيا على مناطق مدنية، ويمارسون انتهاكات ذات طابع طائفي.
بحلول 9 مارس/آذار، كانت التقارير الإعلامية المحلية تُشير إلى أنَّ عدد الضحايا بالآلاف، بينهم مئات المدنيين.[17] وعلى الرغم من صعوبة التحقق المستقل من هذه الأرقام، خلَّف حجم وشراسة العنف صدمة واسعة في مختلف أنحاء البلاد.
حجم وطبيعة أعمال العنف التي شهدها الساحل السوري في مارس/آذار 2025، بين الحكومة المؤقتة والعناصر المسلحة المنظمة، يدعمان الاستنتاج بأن نزاعا مسلّحا غير دولي كان لا يزال قائما في تلك الفترة مما يستدعي استمرار تطبيق القانون الدولي الإنساني إلى جانب التزامات سوريا بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
II. الفظائع والانتهاكات الموثَّقة
في الفترة ما بين 6 و10 مارس/آذار على الأقل، شهدت المجتمعات العلوية في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة تصعيدا مروعا في العنف.
على مدى عدة أيام، نفّذت قوات الأمن المكوّنة من عناصر الأمن العام التابع لوزارة الداخلية، إلى جانب مقاتلين سابقين من هيئة تحرير الشام، والجيش الوطني السوري، وفصائل أخرى دُمجت رسميا ضمن وزارة الدفاع، إضافة إلى عناصر مسلحة تابعة للدولة وأخرى غير تابعة لها،[18] عمليات تمشيط واسعة في القرى والبلدات والأحياء ذات الغالبية العلوية، تخللها مداهمات من منزل إلى آخر، بذريعة القضاء على المتمرّدين ومصادرة الأسلحة. بحسب ما أوردته اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل لاحقا، حُشد نحو 200 ألف مقاتل من مختلف أنحاء سوريا لتنفيذ هذه العمليات.[19] تطوّرت هذه العمليات بسرعة لتصبح فظائع واسعة، شملت القتل خارج نطاق القانون، وانتهاك كرامة الأفراد، والنهب، وتدمير الممتلكات.
وفقا لتقرير اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصي الحقائق الصادر في 22 يوليو/تموز، قُتل ما لا يقل عن 1,426 شخصا، غالبيتهم من الرجال العلويين، في 33 موقعا داخل المحافظات المتضررة.[20]
أفادت بعض المجتمعات المحلية بسقوط حصائل مرتفعة من القتلى، حيث سجّلت معظم المواقع ما بين 30 و90 حالة وفاة، فيما وثّقت قريتان على الأقل سقوط 150 قتيلا في كلٍ منهما.[21] في بعض المواقع، قُتلت أسر بأكملها. في مدينة بانياس بمحافظة طرطوس، أصدرت مدرسة ثانوية نعيا لأكثر من 80 من المعلمين والطلاب وأقارب أعضاء الهيئة التدريسية الذين قُتلوا خلال أعمال العنف التي شهدها الساحل السوري في مارس/آذار.[22]
نظرا لحجم القتل ولحالة انعدام الأمن المستمرة في المناطق المتأثرة، أفادت العائلات للباحثين بأنها لم تتمكن من إجراء مراسم الدفن التقليدية، واضطرت إلى دفن موتاها على عجل في ساحات المنازل، أو بعد عدة أيام في مقابر جماعية.
إلى جانب القتل، وردت تقارير كثيرة عن أعمال نهب وحرق للمنازل.[23] نهبت الفصائل المسلحة المنازل والمتاجر والمركبات وأحرقتها بشكل منهجي في مختلف أنحاء الساحل. في إحدى القرى، تمَّ حرق أو سرقة ما لا يقل عن 26 منزلا وعشرات السيارات، بينما صُودرت المجوهرات والنقود والهواتف،[24] وسُجّلت أنماط مماثلة في مناطق أخرى.[25] تحدَّث ناجون من حيّين في القرية عن عودة مسلحين مرارا وتكرارا بعد إعدام أقاربهم الذكور لنهب المنازل والمطالبة بالنقود، ونهبوا المتاجر المملوكة للعلويين وأضرموا فيها النار.[26] تركت هذه الهجمات العديد من الأسر في ضائقة اقتصادية شديدة. في 8 مارس/آذار، أقرّ محافظ اللاذقية "بعمليات سرقة واسعة النطاق" خلال العملية،[27] وأفاد بأن بعض المشتبه بهم قد اعتُقلوا،[28] إلا أن السكان لم يشهدوا أي تعويض فعّال أو مساءلة حقيقية حتى الآن.
منذئذ، فرّ آلاف الأشخاص إلى قرى جبلية نائية، أو إلى قاعدة حميميم الجوية الروسية قرب مدينة اللاذقية، أو عبروا الحدود إلى لبنان.[29] بحسب تصريحات نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، كان آلاف السوريين لا يزالوا متواجدين في قاعدة حميميم حتى يونيو/حزيران 2025.[30]
وفي تقريرها الصادر في أغسطس/آب بشأن أحداث مارس/آذار، خلصت لجنة التحقيق الأممية إلى أنَّ قوات الحكومة الانتقالية، وأفرادا عاديين، إلى جانب مقاتلين موالين للحكومة السابقة، ارتكبوا انتهاكات جسيمة شملت القتل والتعذيب والاختطاف والنهب وتدمير الممتلكات، والتي من المرجح أن ترقى إلى جرائم حرب.[31]
إعدامات خارج نطاق القضاء وقتل غير مشروع
تُظهر نتائج التحقيق الذي أجريناه أنَّه، في 24 موقعا على الأقل، حدثت معظم عمليات القتل أثناء مداهمات المنازل أو مباشرة بعدها. قال شهود إنَّ رجالا مسلحين ملثمين، كثير منهم بالزي العسكري، بدأوا بقصف الأحياء ثم اقتحموا المنازل عدة مرات واستجوبوا الضحايا حول هويتهم العلوية ووجهوا إليهم شتائم معادية للعلويين، وأعدموهم على الفور.
مداهمات من منزل إلى منزل
ترافقت عمليات التمشيط الأمني التي شنتها وزارتا الدفاع والداخلية بشكلٍ روتيني مع فرض حظر تجول. في 7 مارس/آذار، أمرت المديرية العامة للأمن التابعة لوزارة الداخلية سكان اللاذقية بالبقاء في منازلهم من منتصف الليل حتى صباح اليوم التالي،[32] فيما فرضت محافظة طرطوس حظرا مماثلا، استُثنيت منه فترات صلاة الجمعة والإفطار.[33] نشرت صفحات محلية على فيسبوك في بانياس ومدن أخرى تعليمات البقاء في المنازل.[34]
وصف "خالد"، أحد سكان مدينة بانياس، حالة الذعر والارتباك التي سادت مع دخول القوافل العسكرية حي القصور قرابة منتصف نهار 7 مارس/آذار، قائلا: "من كان يملك سيارة هرب، أمّا نحن فلم نهرب. سمع والدي أنَّ هيئة تحرير الشام قد طمأنت الناس بأنهم سيكونون بأمان إذا بقوا في منازلهم، فوثق بهم".[35]
لكن بحلول بعد الظهر، سمع خالد أنَّ ابن عمه وصديقه قد أُعدما. توالت بعدها الأخبار عن مقتل المزيد من الأشخاص، جيران، وأقارب، وأصدقاء للعائلة، بعضهم اقتيد من منازلهم، وآخرون أُطلق النار عليهم في الشوارع. وفي المجمل، ذكر خالد مقتل ما لا يقل عن 13 شخصا يعرفهم شخصيا في بانياس.
وفي اليوم نفسه، ظهر مسؤول من وزارة الدفاع في فيديو يُطمئن السكان قائلا: "الأوضاع تحت السيطرة الكاملة، والعمليات مستمرة وفق الخطة بدقة ولا داعي للقلق".[36] لكن هذا التطمين ثبت لاحقا أنه كان مضلل بشكل كارثي.
في قرية برابشبو الصغيرة الواقعة شمال شرق مدينة اللاذقية، أُبلغ عن مقتل ما لا يقل عن 43 شخصا خلال مداهمات منازل نُفذت في ظهيرة يوم واحد. أفاد سكان فرّوا إلى التلال المجاورة، بعد سماعهم بمجازر سابقة في القرى المحيطة، بأنَّ عناصر الأمن العام أبلغوهم في وقت مبكر من يوم 9 مارس/آذار بأنَّ الوضع تحت السيطرة، وأنَّ العودة إلى منازلهم آمنة، فأقدم كثيرون على العودة، ليُقتلوا بعد ساعات خلال حملة أمنية بعد ظهر ذلك اليوم.[37]
روت "جميلة"، إحدى سكان برابشبو، كيف بقيت هي وزوجها في المنزل مع أطفالهما الثلاثة في 8 مارس/آذار، بعد أن طمأنهم المسؤولون المحليون وقوات الأمن العام بأنَّ المدنيين الذين يبقون في منازلهم لن يتعرضوا للأذى. في ذلك المساء، اقتحم مسلحون منزلهم وسألوا عن طائفتهم، وعندما علموا أنهم علويون، اقتادوا زوجها إلى الخارج وأطلقوا عليه النار عند عتبة الباب. قالت جميلة: "لم يسألوا عن عمله أو أي شيء آخر، فقط أطلقوا عليه النار".[38]
وفي فيديو حُدد موقعه الجغرافي في برابشبو، تظهر ما لا يقل عن 16 جثة مُكَفّنة مُلقاة على الطريق الرئيسي المؤدي إلى القرية، فيما يتجمع حولها عدد من الأشخاص أغلبهم نساء، من ضمنهن مسنات، ورجال مُسنون، يظهر الحزن واضحا على وجوه الكثير منهم، بينما ينتحب بعضهم بصوت عال.[39] ويُظهر فيديو ثانٍ من الموقع نفسه السكان وهم يحملون الجثث ويضعونها في شاحنة. ويُسمع صوت المرأة التي تصوّر الفيديو وهي تقول: "اليوم 10 مارس/آذار؛ هذه مجزرة برابشبو".[40]
في قرية شريفا، على بُعد كيلومتر واحد شرق برابشبو، قدّر أحد الشهود الذين ساعدوا في انتشال الجثث أن ما لا يقل عن 29 شخصا قُتلوا في 7 مارس/ آذار، وأكّد شاهد آخر روايته.[41] أفاد شاهد ثان بأنَّ ثلاثة مدنيين، بينهم صبي، قُتلوا أيضا على الطريق الرئيسي المؤدي إلى قرية الزوبار، على بُعد نحو 500 متر غرب برابشبو، مع احتمال أن يكون عدد القتلى الإجمالي هناك أعلى.[42] كما شهدت قريتا دغريون والسفكون مقتل شخصَيْن على الأقل في كل منهما. وبناء على ست مقابلات مستقلة، إضافة إلى قوائم الضحايا التي قُدمت للباحثين ونشرت على الإنترنت، يُقدّر إجمالي عدد المدنيين الذين قُتلوا في هذه القرى الخمس بين 79 و83 شخصا.[43]
تشير تحليلات سجلات الضحايا في قرى برابشبو والزوبار ودغريون والسفكون إلى أنه من بين 52 ضحية تم تحديد هويتهم، كان 27 منهم بالغين تزيد أعمارهم عن 50 عاما، بينهم شخص عمره 90 عاما.[44] ومن بين القتلى ست نساء على الأقل وطفلان عمرهما 14 عاما. ويؤكد وجود عدة أشخاص من نفس العائلة بين الضحايا على الطبيعة العشوائية للعنف، التي لم تميّز بين المستهدفين لأنهم من المتمردين المسلّحين أو لأنهم علويين.[45]
في مواقع عديدة، وصف الناجون رجالا مسلحين يتنقلون بشكل منهجي من منزل إلى آخر، ويقتحمون المنازل بالقوة، ويضعون السكان الذكور في صفوف، ويستجوبونهم عن طائفتهم أو ولائهم المفترض لنظام الأسد. قال عدة شهود إنَّ المداهمات تكررت على مدار أيام متتالية، غالبا من قِبل فصائل مختلفة، بعضها تصرف بشكل لائق وترك العائلات دون أذى، بينما قام آخرون بالنهب وتنفيذ إعدامات بشكل عشوائي، تاركين العائلات في حيرة من أمره بشأن من تثق به أو ما إذا كانت ستُستهدف مرة أخرى. كان استخدام الشتائم الطائفية والاستجواب على أساس الهوية سمة ثابتة في هذه العمليات، مما يوحي بنية ترهيب ومعاقبة مجتمعات بأكملها على افتراض ارتباطها بالحكومة السابقة.
في قرية صنوبر في ريف مدينة جبلة بمحافظة اللاذقية، والتي سجّلت ثاني أعلى حصيلة قتلى في المحافظة بما لا يقل عن 148 شخصا،[46] روت "رؤى"، وهي صيدلانية من سكان صنوبر، الأحداث المروّعة التي شهدتها منطقتها ابتداء من 6 مارس/آذار.[47] قالت إنه في تلك الليلة، ومع اندلاع إطلاق النار في الجوار، أغلق السكان متاجرهم ولجأوا إلى منازلهم، وقد استولى عليهم الخوف. طوال الليل، اشتدت أصوات إطلاق النار، ما حرم الأهالي من النوم وأبقاهم في حالة من القلق، حسبما قالت. وفي صباح اليوم التالي، بدأت الفصائل المسلحة بدخول القرية وتنفيذ عمليات تفتيش عدوانية من منزل إلى آخر. وصفت رؤى كيف اقتحمت المجموعة الأولى منزلها بالقوة، مطالبة بمعرفة إذا كانت هناك أي أسلحة. عندما لم تجد المجموعة شيئا، غادرت، إلا أن مجموعات أخرى تبعتها لاحقا. قالت إن إحدى الفصائل صادرت الهواتف الخلوية لوالدها وشقيقها، فيما حاول فصيل آخر اعتقال شقيقها، وهو مهندس عمره 27 عاما وابن العائلة الوحيد. قالت رؤى إنه بعد أن توسل إليهم وقدم لهم أوراق إعفائه من الخدمة العسكرية، تراجع المهاجمون، لكنهم حذروه من أنه سيتم إطلاق النار عليه إذا شوهد بالقرب من النافذة.[48]
بدورها، حققت لجنة التحقيق الأممية في أحداث قرية صنوبر بجبلة، ووجدت أن فصائل مسلحة، شملت وحدات سابقة من الجيش الوطني السوري وهيئة تحرير الشام، إلى جانب مقاتلين أجانب، قتلت وجرحت عشرات المدنيين العلويين، ودمرت أحياء بأكملها، في حين تقاعست قوات الأمن العام المتمركزة في القرية عن حماية المدنيين أو منع هذه الانتهاكات.[49]
قالت "رؤى" إنه وقت لاحق من تلك الليلة، اقتحمت مجموعة من المسلحين أبدت وحشية استثنائية منزلها، وأجبَروا والدها وشقيقها على الركوع، موجهين إليهما إساءات لفظية، وتجاهلوا توسلات جدتها، بل سخروا منها عندما أغمي عليها. أضافت إنه وعلى الرغم من تأكيدات العائلة بأنها مدنية ولا تمتلك أي أسلحة، اقتاد المعتدون الرجال إلى الخارج وأعدموهم، مع عدد من أقاربهم وجيرانهم الذكور. حاولت "رؤى" الوصول إلى جثثهم لكنها أصيبت برصاصة في ساقها. وذكرت أنَّ الجناة كانوا يضحكون ويحتفلون بعمليات القتل.[50]
في قرية حمام واصل بريف بانياس، استيقظ السكان في 9 مارس/آذار على حالة من الفوضى العارمة، عقب موجة المجازر التي حصلت مؤخرا في مناطق مجاورة، بما يشمل بانياس واسقبلة وبارمايا، مما دفع العائلات إلى الفرار خوفا من مصير مشابه.[51]
روت "تالين" كيف أنه بعد فرارها مع عائلتها من قرية حمام واصل، عاد والدها مع شقيقها في وقت لاحق من اليوم نفسه للاطمئنان على منزلهم، بعد سماعهم أخبار عن أعمال نهب واسعة النطاق وتدمير للممتلكات. عند وصولهما، وجد والدها شقيقه، الذي لديه إعاقة جسدية ويستخدم كرسيا متحركا، مقتولا في فراشه بطلقتين ناريتين في البطن، وفقا لروايتها. قالت إن آخرين قُتلوا في الحي، بينهم جارهم الذي لديه إعاقة ذهنية.[52] قدمت تالين صورا للرجلين، تظهرهما على قيد الحياة قبل الهجوم، ثم بعد مقتلهما، حيث أظهرت إحدى الصور أن نصف رأس الجار قد فُجّر.[53] في يوم الجمعة، 7 مارس/آذار 2025، هاجم مسلحون قرية المتركية قرب جبلة في محافظة اللاذقية.[54] ذكر "محمد"، الذي كان يعمل كعامل بناء في قرية مجاورة آنذاك، إنَّ المهاجمين اقتحموا منزل أسرته، وأشهروا أسلحتهم في وجه أقاربه وأجبروهم على الخروج منه.[55]
في الداخل، نهب المهاجمون المنزل، وأتلفوا الأثاث وسرقوا مقتنيات ثمينة، بما يشمل ذهب ونقود وهواتف وشواحن ودراجتين ناريتين، وحتى جهاز شحن محمول (باور بانك). كما اعتقلوا والد محمد وشقيقه، الذي يعمل حلاقا. قال محمد إن المهاجمين حاولوا أيضا أخذ ابنه البالغ من العمر عشرة أعوام، الذي تشبث بأمه باكيا، إلا أن توسلاتها اليائسة أنقذت الصبي.[56]
ثم جمع المهاجمون مزيدا من رجال الحي أمام منازلهم، وأجبروهم على الركوع، وسخروا منهم وصوّروهم وهم يُجبرون على تنفيذ أوامر مهينة، من بينها النباح مثل الكلاب. قدم محمد فيديو، يظهر فيه تسعة رجال راكعين، من بينهم ثلاثة مسنّين، محاطين برجال مسلحين يرتدون الزي العسكري ويأمرونهم بالاستلقاء على الأرض، والنباح، ثم الركوع مجددا.[57]
وفقا لمحمد، نُقل الرجال المحتجزون لاحقا في سيارة فان إلى مستودع قرب جسر الجبّة.[58] هناك، كما أخبره والده لاحقا، قام المعتدون بتعذيب المحتجزين وإذلالهم، وأُعدموهم واحدا تلو الآخر. قدم محمد مقطعَيْ فيديو قال إنهما يوثّقان الحادثة: في أحدهما، يظهر ما لا يقل عن سبعة رجال، أغلبهم عراة الصدور وبعضهم مسنّون، راكعين فيما يفترض أنه مستودع، يتعرضون للضرب والسخرية على يد مسلحين يرتدون ما يفترض أنها بزات عسكرية. [59] في فيديو آخر نُشر على تلغرام ويبدو أنه صُوّر في نفس الموقع، يُأمَر رجل، يقول محمد إنه شقيقه، بالخروج من الغرفة التي تضم رجالا محتجزين آخرين، ويُجبر على الركوع بجانب الحائط والنباح، قبل أن يُطلق عليه رجل يرتدي زيا عسكريا خمس طلقات نارية. لم يتمكن الباحثون من التحقق بشكل مستقل من مكان أو زمن تصوير هذه الفيديوهات.[60] قال محمد إنه قبل لحظات من إعدام والده، تدخل رجل من الجماعة المسلحة وأمر الآخرين بإعادة الرجال الناجين إلى منازلهم. نجا والده واثنان آخران، وساروا حفاة في الظلام عائدين إلى القرية. أضاف محمد أن سبعة رجال، بينهم مسنون، قُتلوا، وأُعيدت جثثهم إلى ذويهم بعد ثلاثة أيام.[61]
استنادا إلى مقابلة مع أحد الناجين، وشهادات أقارب الضحايا، وتصريحات مصوّرة نُشرت على الإنترنت، ومواد مرئية موثّقة من موقع الأحداث، برزت صورة مروّعة لما حدث في قريتي المختارية والخريبة المتجاورتين – غالبا ما يُشار إليهما مجتمعتين باسم "المختارية" – في ريف اللاذقية بتاريخ 7 مارس/آذار، حيث سُجّل في القريتين أعلى عدد من الضحايا في المحافظة بما لا يقل عن 151 رجلا وفتى، وقد تحقّقت لجنة التحقيق من مقتل 55 منهم.[62]
يستذكر "حسن"، أحد الناجين، رؤية أولى قوافل الفصائل المسلحة تصل حوالي الفجر عبر الطريق السريع "إم4" قادمة من إدلب وحلب. وال: "كانت القوافل لها بداية، وليس لها نهاية".[63] تُظهر صور التقطها ذلك الصباح صحفي مُرافق لمقاتلين تابعين لوزارة الدفاع طوابير طويلة من المركبات العسكرية وشاحنات البيك أب، التي يبدو أنها تحمل رجالا يرتدون الزي العسكري، إلى جانب مركبات مدنية، على طول الطريق السريع قبل جسر المختارية مباشرة. تُظهر إحدى الصور بعض المركبات وهي تنعطف من الطريق السريع باتجاه القرية وعلى متنها رجالا ببزّات عسكرية.[64]
قال حسن إن إطلاق النار قد دوي طوال الليلة السابقة من نقطة تفتيش قريبة، على مدى نحو عشر ساعات، ويفترض أن ذلك كان لاستفزاز رد فعل. قال: "أرادوا أن يرد أحد بإطلاق النار، لكن أحدا لم يفعل، كنا جميعا مدنيين، وبقينا في منازلنا".[65]
وبحلول السادسة صباحا، تعرضت القرية للهجوم، حيث أطلق مسلحون على سيارات بيك أب مُجهزة بما وصفه حسن بـ"مدافع عيار 23 ملم" النار، بينما اصطف آلاف المقاتلين على طول طريق إم 4 مقابل المختارية. أضاف: "أرادوا محو القرية من الوجود". فرّ بعض السكان، بينما لجأ آخرون، بينهم حسن وشقيقه، إلى منازل مجاورة، واختبأ حسن في غرفة تخزين بمنزل عمته. علم لاحقا أن شقيقه ذهب إلى منزل شقيقهما الأكبر، حيث اعتُقل على الفور مع أشقائه وابن عمه، واقتيدوا إلى مستودع قريب وأُعدِموا، حسبما قال. ذكر محمد أسماء عشرة أشخاص آخرين من ثلاث عائلات قُتلوا معهم، بينهم صبي عمره 14 عاما.[66]
قال الشاهد "أحمد"، من قرية الخريبة، للباحثين إنه استيقظ في ذلك الصباح على خبر مجزرة وقعت في قريته. لم يتمكن من الاتصال بوالده وإخوته عبر الهاتف. قال إنَّ ابن عمه، الذي يسكن في الجوار، أخبره بأنَّ مسلحين دخلوا القرية عند الفجر وبدأوا بسحب الرجال والصِبية من منازلهم، وأكد له لاحقا أنَّ والده وشقيقيه كانوا من بين الذين أُعدموا.[67]
تُظهر فيديوهات صُوِّرت في ذلك اليوم، وتحققت منها صحيفة "لوموند" الفرنسية وحددت مواقعها الجغرافية، وأكدها كل من الأرشيف السوري وسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، مسلحين ملثمين وغير ملثمين يرتدون زيا عسكريا وملابس سوداء يتجولون في القريتين.[68] وفي مقطعين من قرية الخريبة، يظهر ما لا يقل عن 12 رجلا وفتى يزحفون على الأرض، يُضرَبون ويُجبَرون على النباح كالكلاب، بينما يُطلق مسلحون النار في الهواء من حولهم. يظهر أحد الرجال ينزف من كتفه.[69] تظهر خلفهم ما يفترض أنها جثث، بعضها مضرّج بالدماء على الجذع. تُظهر فيديوهات وصور أخرى، تحققت من صحتها هيومن رايتس ووتش وحددت موقعها، ما لا يقل عن 32 جثة لرجال على الأرض، وكثير منها غارق في الدماء.[70]
تحت ذريعة التحقيقات
أفاد 12 شخصا قابلهم الباحثون بأنَّ مقاتلين اقتادوا أقاربهم وجيرانهم من منازلهم بذريعة التحقيق، قبل أن يُعدموهم لاحقا بإجراءات موجزة.
في قرية الرصافة بمحافظة حماة، قُتل ما لا يقل عن 63 من سكان القرية خلال ثلاثة أيام ابتداء من 7 مارس/آذار، من بينهم أطفال ونساء وكبار في السن. وكان بعض الضحايا قد سبق أن "سوّوا أوضاعهم" مع السلطات، معتقدين أن ذلك سيحميهم. إلا أن العديد منهم، ورغم إبرازهم أوراق التسوية، أُعدِموا، غالبا بعد اقتيادهم من منازلهم بذريعة التحقيق. قابل الباحثون تسعة شهود وناجين وأقارب لضحايا من الرصافة، وحددوا الموقع الجغرافي لـ 15 فيديو، من بينها 14 فيديو تتضمن شهادات مصوّرة لآباء وأمهات وزوجات رجال قُتلوا في القرية.[71]
في الصباح الباكر من 7 مارس/آذار، اقتحم نحو 30 مقاتلا منزل "أمين"، حيث كانت عائلته الكبيرة تتجمع لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، حسبما قال. وعلى الرغم من إبرازهم أوراق "التسوية" ووثائق تُثبت أن أبناءه الثلاثة يعملون في وظائف مدنية — أحدهم في إدارة الهجرة والجوازات، وآخر في شرطة المرور، والثالث محاسب إداري — تجاهل المقاتلون تلك المستندات. ضربوا الأبناء الثلاثة عند باب المنزل، ثم فصلوا بينهم. قال أمين للباحثين إن أحد أبنائه أُعدِم قرب بئر القرية، وآخر قرب مبنى حكومي، وقُتل الثالث وعُثر على جثته ملقاة على جانب الطريق بعد يومين.[72]
حوالي الساعة الحادية عشرة صباحا، اقتحم مسلحون منزل "هاني"، وانهالوا بالضرب على أفراد الأسرة، ووجهوا إليهم شتائم طائفية، قبل أن يحتجزوا ولديه، أحدهما عمره 17 عاما فقط ولديه سرطان الدم، والآخر طالب عمره 25 عاما، وفقا لرواية هاني. على مسافة قصيرة من المنزل، وأثناء اقتياد ولدَيْه، تدخلت مجموعة أخرى من المسلحين وتمكنت من إقناع المهاجمين بإطلاق سراح الابن الأصغر. قال هاني إن المسلحين أخذوا ابنه الأكبر بدعوى التحقيق معه، وأقنعته مجموعة المسلحين الثانية أنهم سيعيدونه إذا لم يُثبت تورطه في أي تجاوزات. في مساء اليوم نفسه، تلقى هاني اتصالا أُبلِغ فيه ببرود أنَّ ابنه قد قُتل، وأرشده المتصل إلى مكان جثته في القرية. عند وصوله، وجد جثة ابنه مصابة بالرصاص وعارية ومشوّهة وقد انتُزع منها القلب. بمساعدة عدد من الأهالي، نقل هاني جثة ابنه إلى المنزل ودفنها إلى جانب جثث أربعة من أبناء عمومته الذين قُتلوا أيضا في ذلك اليوم، مما ترك شقيقه دون أي أبناء على قيد الحياة.[73]
يُظهر فيديو إعدام تم التحقق منه، صُوّر على أطراف القرية، رجلا ممددا على جانب الطريق، بينما يطلق عليه رجلان يرتديان زيا عسكريا النار عدة مرات. بعد ذلك، يركل أحدهما جثته إلى الحرج المجاور، حيث ترقد جثة أخرى، فيما يُسمع صوت الشخص الذي يصوّر وهو يسخر قائلا: "قلنا له، هذا الخنزير، قلنا له: لا تمر من هنا وإلا ستتزحلق".[74]
تبعت حالات أخرى نمطا مشابها، حيث طمأن المقاتلون العائلات أنهم يحتجزون الرجال للتحقيق فحسب، ليقوموا بإعدامهم بعد ساعات.
حققت لجنة التحقيق الأممية في أحداث الرصافة، وتحققت من 24 حالة من حالات ال قتل.[75]
لم يُقابل الباحثون شهود من حي بسنادا في مدينة اللاذقية أو من قرية الشير في المحافظة، إلا أن أدلة مصورة حُدّد موقعها الجغرافيا من كلا المكانين تشير إلى تكرار الانتهاكات المتعمدة والإعدامات خارج نطاق القضاء. وعلى الحدود بين حيَي بسنادا والدعتور، تُظهر ستة فيديوهات حُدد موقعها الجغرافي في الموقع نفسه وصُوّرت في أوقات مختلفة، مقاتلين يحتجزون أشخاصا وينفذون إعدامات، ثم يستعيد السكان المحليون الجثث لاحقا. ويُظهر مقطعا فيديو إعدامات واضحة، بينما يُظهر فيديو آخر ما لا يقل عن تسع جثث في نفس المكان. في فيديو آخر، صُوّر من مسافة بعيدة، تظهر سيارتان وحوالي 12 مقاتلا واقفين فوق ما لا يقل عن عشرة أشخاص لا تتضح حالتهم ممددين على الأرض. كما توثق فيديوهات إضافية دخول مقاتلين ومركبة مدرعة إلى الحي من الجنوب الشرقي، متجاوزين حاجزا مؤقتا.[76]
في قرية الشير، يُظهر فيديو تحقق منه الباحثون رجالا يرتدون زيا عسكريا وهم يحتجزون رجلَيْن غير مسلحين يرتديان ملابس مدنية، ويركعان على جانب الطريق. يشتم المسلحون الرجلان ويضرباهما قبل أن يُعدماهما، وأُعدم أحدهما برصاصة في الرأس. ويُظهر فيديو آخر حُدد موقعه الجغرافي تنفيذ إعدامات إضافية في مكان قريب، حيث تظهر ما لا يقل عن خمس جثث ملقاة في برك من الدماء، بينما تُسمع أصوات إطلاق النار.[77] كما توثق لقطات إضافية إساءة معاملة المحتجزين على يد المقاتلين. في أحد الفيديوهات، يصوّر مقاتل نفسه وهو يركب على ظهر محتجز يزحف، ويُجبره على النباح مثل الكلب، بينما لا تزال جثث الإعدامات السابقة ظاهرة للعيان.[78] يُظهر فيديو آخر، صُوّر بعد انسحاب المقاتلين، الموقع نفسه وقد تناثرت فيه 11 جثة على الأقل.
باتجاه الشرق، في ريف حماة، قال حفيد الشيخ شعبان منصور، وهو شخصية دينية علوية بارزة في بلدة سلحب، للباحثين إنَّ مسلحين بأعداد كبيرة اقتحموا المدينة مساء الخميس 6 مارس/آذار، بعضهم سيرا على الأقدام وبعضهم في مركبات، وأطلقوا النار في الهواء، ورددوا شعارات طائفية بهدف ترهيب السكان المحليين.[79] قال الحفيد: "كانوا يصيحون: جئنا لنذبحكم يا علويين". وأضاف أن عائلته بقيت داخل منزلها، معتقدةً أنها ستكون آمنة لعدم امتلاكها أسلحة.
في صباح اليوم التالي، اقتحم المقاتلون منزل العائلة، حيث كان الشيخ وأبناؤه وأحفاده، وأجبروهم على الركوع، وضربوهم بأعقاب البنادق، وهددوهم بإطلاق النار عليهم. سخر المسلحون من الشيخ المسن وسحبوه من فراشه. حاولت العائلة التدخل، حيث اعترض حسين، ابن الشيخ، طريقهم وتوسل إليهم، لكنهم ضربوه وأُطلقوا عليه النار مرتين في جنبه. بينما كان ملقىً جريحا، سحب المقاتلون الشيخ شعبان بعيدا.
أخذوه إلى منطقة مجاورة تبعد كيلومتر تقريبا، حيث أُعدموه بثلاث طلقات نارية. قالت العائلة إنها لم تتمكن من استعادة جثة الشيخ إلا بعد خمس ساعات، بسبب تواجد المقاتلين في المنطقة. عندما حاولوا نقل حسين إلى المستشفى، أطلق مسلحون النار على السيارة، ما اضطرهم للعودة. بعد ساعتين، حاولوا نقله مرة أخرى لكنه توفي على الطريق. بعد ظهر ذلك اليوم، دُفن الشيخ وحسين قرب المستشفى الذي كان الشيخ بصدد بنائه، بحضور أقاربهم وأهالي القرية.[80] قال الحفيد إن ما لا يقل عن 30 من سكان القرية قُتلوا في ذلك اليوم، واعتُقل آخرون دون تبرير أو تفسير، وذكر أسماء ثمانية رجال منهم يعرفهم شخصيا.[81]
تؤكد ثلاثة فيديوهات تم التحقق منها وتحديد موقعها الجغرافي روايات الشهود حول الإعدامات التي نُفذت داخل وخارج مدينة سلحب، وتورّط قوات الأمن العام فيها. يُظهر أول فيديو، صُوّر على الطريق الرئيسي قبل مفرق الطريق المؤدي إلى بلدة سلحب بقليل،[82] ثلاثة رجال، اثنان بملابس سوداء وثالث بملابس مدنية، يضربون رجلا أعزل على ما يبدو بأعقاب بنادقهم حتى انهار، ثم رجعوا إلى الوراء وأعدموه، واستمروا في إطلاق النار عليه لأكثر من 15 ثانية. عندما تحركت الكاميرا يسارا، ظهر عشرات المسلحين يسيرون على طول الطريق، بينما كانت مركبة يظهر عليها شعار الأمن العام بشكل واضح متوقفة خلف موقع الإعدام مباشرة. الفيديو الثاني، الذي صُوّر في زقاق خلف ورشة لتصليح السيارات على أطراف البلدة، يظهر فيه مسلّح غير ملثّم يرتدي لباسا أسود، وآخر ملثّم يحمل شارة الأمن العام بوضوح، وهما يقتادان مُحتجَزَيْن يرتجفان، مغطّى وجهيهما، إلى داخل الزقاق.[83] وبالقرب منهما ثلاث جثث ملقاة على الأرض. يُجبر المُحتجزان على الركوع ثم الاستلقاء على وجهيهما مع وضع أيديهما خلف رأسيهما، قبل أن يُطلق ثلاثة رجال على الأقل النار عليهما من مسافة قريبة. يُظهر الفيديو أحد مطلقي النار، وهو يرتدي أيضا شارة الأمن العام، وهو يلقّم بندقيته ويطلق النار، بينما يمرّ ضابط ثالث من الأمن العام أمام الكاميرا أثناء وقوع الحادثة.
ويُظهر الفيديو الثالث، الذي صُوِّر أمام مركز للشرطة في سلحب، عشرات المحتجزين يُسحَبون من شاحنة نقل ويتعرّضون للضرب الشديد على يد عناصر شرطة بزيّهم الرسمي ومقاتلين يرتدون ملابس عسكرية ومدنية. يُجبَر المحتجزون على الاستلقاء على وجوههم فوق درجات مدخل المركز، بعضهم فوق بعض، بينما يحيط بهم مسلحون ينهالون عليهم بالركل والضرب في أنحاء أجسادهم. وخلال المشهد، يُسمع أحد الرجال قريبا من الكاميرا وهو يصرخ: "بدنا نذبحهم!"، بينما يأمر آخر المحتجزين بالنباح. في الوقت نفسه، يتبادل عدد من المقاتلين التحية والمصافحة بابتسامات واضحة، ويطلق بعضهم النار في الهواء، فيما يواصل آخرون ضرب المحتجزين بأعقاب بنادقهم. في نهاية الفيديو، يظهر رجل يرتدي زيا عسكريا يقف في مستوى أعلى من الحشد، يدعو الحاضرين إلى الهدوء، ويثني على ما وصفه بـ "حماسهم".[84]
في مدينة بانياس، قابل الباحثون 15 ناجيا وأقارب ضحايا، أفادوا جميعهم بوقوع عمليات قتل ونهب وتدمير منازل ومتاجر في الحي. قابلوا أيضا عسكريين اثنين ورجل من بانياس تطوّع للانضمام إلى العمليات الأمنية، وراجعوا 14 فيديو وصورة تُظهر عمليات إعدام ونهب وحرق ومقابر جماعية.
في حي القصور في بانياس، بتاريخ 6 مارس/آذار، كانت "رنا" في منزلها مع والديها وولديها اللذين يبلغان من العمر 6 و8 سنوات،[85] عندما سُمِع طرق عنيف على الباب. فتح والدها، البالغ من العمر 71 عاما، الباب، فدخل رجلان مسلحان أمراه بالخروج، واستفسرا عن انتماء العائلة الطائفي وما إذا كان لديهم أسلحة، قبل أن يشرعا في تفتيش المنزل. قالت رنا: "لم يكن لدينا أسلحة وطوال الوقت كنت أضم طفليّ إلى صدري". في الخارج، أُجبِر والدها على الوقوف إلى جانب جاره وابني جاره، أحدهما عمره 16 عاما فقط والآخر طالب جامعي. أضافت رنا: "بدأوا بأخذهم بعيدا. ركضت أمي خلفهم، لكن أحد المسلحين صرخ في وجهها آمرا إياها بالعودة إلى المنزل، وهددها بسلاحه".
في 10 مارس/آذار، علمت رنا أن والدها والآخرين الذين اقتيدوا معه قد قُتلوا. قالت: "علمنا من فيديو شاركته جارتنا [والدة الصبي البالغ من العمر 16 عاما]". أظهر الفيديو خمس جثث ملقاة على جانب الطريق بالقرب من سيارة متوقفة.[86] إحدى الجثث، التي أكدت رنا أنها لوالدها، كانت مغطاة بجثة ما يبدو أنه طفل. ويُظهر فيديو ثان، صُوّر عند الغروب في الموقع نفسه، خمس جثث محترقة ومتفحمة، بينما يتصاعد الدخان من السيارة المركونة.[87] يظهر أيضا رجل مسلح غير ملثّم يرتدي زيا عسكريا يدوس على إحدى الجثث ويسخر من الضحايا واصفا إياهم بـ"الكلاب العلويين"، فيما يُسمع الرجل الذي يُصوِّر، وهو أيضا مسلح وغير ملثم، يهدد قائلا: "سنحرقكم جميعا". تم التحقق من الموقع الجغرافي لكلا المقطعين، وتبين أنهما صُوّرا قرب الطريق الرئيسي في بانياس، على بُعد نحو 500 متر من منزل رنا.
أكد جميع من قابلهم الباحثون أن عمليات قتل واسعة وقعت في بانياس خلال ذلك الأسبوع، لا سيما في حي القصور. لأيام بعد ذلك، وصف سكان محليون الجثث المتناثرة في الشوارع، والمقابر الجماعية التي حُفرت على عجل، والشاحنات المبردة التي تنقل جثثا مجهولة الهوية. ذكر عدد من الناجين أن المقاتلين برروا أعمالهم بالثأر، مستشهدين بفظائع سابقة ارتكبتها حكومة الأسد. في 2013 مثلا، وثقت هيومن رايتس ووتش قيام قوات الحكومة السابقة بإعدام جماعي لـ248 شخصا على الأقل في بانياس وبلدة البيضا المجاورة، حيث أعدِم الكثيرون، معظمهم من السنّة، عقب انسحاب مقاتلي المعارضة من المنطقة.
يصف "جاد"، وهو طالب جامعي عمره 22 عاما من بلدة القطيبلية في ريف جبلة، نُقل إلى مستشفى بانياس الوطني بعد إصابته برصاص مسلحين أثناء عودته إلى بلدته في 6 مارس/آذار، المشاهد المروّعة التي شاهدها على مدى عدة أيام في بانياس، قائلا:
في ساحة المستشفى، كانت الجثث مصفوفة في كل أنحاء المكان، وفي نهاية الساحة كانت هناك كومة من الجثث. سألنا أحد الممرضين، فأخبرنا أن البرادات امتلأت. طوال اليوم، كانت الشاحنات تأتي لتحميل الجثث، كما لو كانت خضارا أو شيئا من هذا القبيل".[88]
بعد تلقي العلاج، قرر جاد الذهاب للإقامة مع عائلته في حي القصور في بانياس، وهناك شهد مزيدا من الأهوال:
كانت الجثث في وسط الشارع، وكان علينا القيادة على الرصيف لتجنّب دهسها. كانت هناك جثث لأطفال ونساء وكبار في السن.[89]
في المجمل، جمع الباحثون وتحققوا من 27 فيديو صوّرها مسلحون، تُظهر الإذلال والمعاملة المهينة للمعتقلين وللجثث.
تعذّر الحصول على الرعاية الطبية
قال شهود إن بعض الضحايا لقوا حتفهم متأثرين بإصابات لم تُعالج في الوقت المناسب، إما لخوف العائلات من الذهاب إلى المرافق الطبية أو لعدم تمكن الفرق الطبية من الوصول إلى مناطقهم جراء استمرار حالة انعدام الأمن.
في قرية الرصافة، شهدت "شيرمين"، وهي طالبة كانت تحتمي مع عائلتها، مقتل والدها خلال المداهمة الثالثة لمنزلهم في 7 مارس/آذار. قالت إنَّ مجموعة من المقاتلين اعتدت عليه في المداهمة الثانية، حيث ضربوه بمؤخرة بندقية، ما تسبب له بجروح عميقة في الرأس، وألقوا به تحت الدرج. وعندما وصلت المجموعة الثالثة، سحبوه إلى الخارج وأطلقوا عليه ثماني رصاصات في ساقيه. حاولت العائلة إسعافه ووقف النزيف، وتواصلت مع موظفين في "الهلال الأحمر العربي السوري"، قالوا إنهم لا يستطيعون الوصول إلى القرية. حاول طبيب في دمشق أن يشرح للعائلة عبر الهاتف كيفية تقديم رعاية طبية طارئة، إلا أن جهودهم باءت بالفشل، وتوفي والدها بحلول الساعة الرابعة عصرا.[90]
قال "مازن"، أحد سكان بارمايا، للباحثين إنه في 8 مارس/آذار، قتلت جماعات مسلّحة عمه، وهو طبيب، مع زوجته وابنهما علي، البالغ من العمر أكثر من 18 عاما، وتوأمهما عبادة وجنادة، اللذين لم يتجاوزا 18 عاما. قال إن زوجة عمه، التي كانت حاملا آنذاك، أُصيبت بجروح بالغة بعد تعرضها لإطلاق نار في البطن، لكنها تمكنت في حالتها تلك من الاتصال بهم لإبلاغهم بمقتل جميع أفراد أسرتها وأنها الناجية الوحيدة. وفقا لمازن، توفيت بعد المكالمة متأثرة بجراحها، لعدم تمكن أحد من الوصول إليها أو إسعافها.[91]
النساء
أودت المجازر التي شهدتها المناطق خلال ذلك الأسبوع بحياة ما لا يقل عن 90 امرأة.
في مساء 7 مارس/آذار، بدءا من حوالي الساعة التاسعة مساء، شهدت قرية التويم في ريف حماة هجوما مفاجئا وعنيفا. قال "شادي"، أحد سكان القرية، للباحثين إنَّ أربع سيارات فان سوداء اللون دون لوحات، دخلت القرية وعلى متنها مسلحون.[92] قال إن المهاجمين أطلقوا النار عشوائيا وهم يرددون شعارات متشددة، مستهدفين الرجال والنساء والأطفال على حدّ سواء.
قال شادي إنَّ المدخل الرئيسي للقرية، الذي كان عادة تحت حراسة مقاتلين من الفصيل المسلّح المعروف سابقا بـ"جيش العزة" (وهو فصيل ذو غالبية سنية)، انهار سريعا بعد فرار الحراس من مواقعهم. وعندما سمعت قوات الأمن المتمركزة قرب طريق حماة–مصياف إطلاق النار، بدأت بالرد معتقدة أن مصدره جماعات متمردة. أوضح شادي أنه ما إن رأت تلك القوات أهالي القرية الفارّين حتى أوقفت إطلاق النار وتواصلت مع السلطات لتنسيق إيصال المساعدة. وخلال فرار الناجين إلى قرى مجاورة مثل أم الطيور، ساعد المقاتلون المتواجدون على الحواجز في إجلاء الجرحى والتواصل مع منظمات الإغاثة، غير أن المساعدات الطبية المتخصصة لم تصل إلا بعد مرور عدة ساعات.
أكد شادي أنَّ المهاجمين بدا عليهم أنهم غرباء يستغلون حالة الفوضى الأمنية. زوّد الباحثين بصورٍ لجثث، بينها نساء وأطفال، وقائمة بالضحايا تضم 31 شخصا من سكان القرية، من بينهم أربع نساء و11 طفلا تتراوح أعمارهم بين ثلاث سنوات و16 عاما.[93]
في 7 مارس/آذار، حوالي الساعة الواحدة ظهرا، تلقّى "سامر"، المقيم في حي القصور في بانياس، اتصالا من جار شقيقه في الحي نفسه، يبلغه بمقتل شقيقه وزوجته وابنتهما البالغة من العمر ثلاث سنوات، إضافة إلى والدته التي كان عمرها 66 عاما. قال سامر إن العائلة كانت قد قررت البقاء في منزلها متوقعة التعرّض للنهب، لكن ليس القتل. قال: "لم يكن هناك أي سلاح في المنزل، ولم نشارك في أي قتال أو أعمال عدائية. شقيقي كان مدرس رياضيات، وزوجته مدرسة علوم، ووالدتي متقاعدة". قال إن الجار شرح لهم كيف تجنّب المهاجمون التعرّض له ولعائلته لأنه مسيحي، لكنهم عند وصولهم إلى منزل شقيق سامر، حطموا الباب، وأطلقوا النار على والدته في عنقها، وهشموا جمجمة زوجة أخيه.
الأطفال
بالإضافة إلى الضحايا الأطفال المذكورين في الحالات أعلاه، أُبلِغ عن مقتل عدد أكبر بكثير في مختلف مناطق الساحل. وثّق تحقيق مشترك أجرته منصتا "يد صغيرة" و"درج ميديا" مقتل أكثر من 60 طفلا في أنحاء المنطقة بين 6 و9 مارس/آذار 2025، تراوحت أعمارهم بين الرضع والمراهقين، وغالبيتهم قُتلوا داخل منازلهم مع عائلاتهم.[94]
رغم العدد الكبير المفترض من الضحايا الأطفال، نادرا ما أُشير إليهم في التقارير الرسمية. لم يتضمن تقرير اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث الساحل أي ذكر للأطفال، فيما أقرت لجنة التحقيق الأممية بوجود أطفال بين القتلى، لكنها لم تقدّم تقديرا لعدد الحالات الموثقة.
في أعقاب موجة العنف، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بمنشورات النعي الشخصية التي ترثي فقدان الأقارب، بما يشمل عائلات بأكملها. أعرب أحد الأشخاص عن حزنه لفقدان والديه، وهما معلمان، وشقيقته الصيدلانية، مشيرا إلى التزامهم بالسلام والدور المهم الذي كانوا يؤدونه في المجتمع.[95] كما نعت امرأة والدتها وشقيقيها، مسلطةً الضوء على الطبيعة الوحشية لوفاتهم رغم حياتهم السلمية.[96] وبالمثل، عبّرت امرأة أخرى عن حزنها لفقدان عمتها وزوجها، وكلاهما طبيبان، وابنيهما، أحدهما طالب طب أسنان، والآخر في المرحلة الثانوية، متسائلة عن مبررات هذا القتل ومعربة عن ألمها العميق إزاء العنف الطائفي.[97] تؤكد هذه النعوات الطبيعة العشوائية للعنف، الذي أودى بحياة عائلات بأكملها.
كبار السن
جرى تجاهل كبار السن أيضا في التقارير الرسمية: أظهرت نتائج بحثنا أن عددا من كبار السن كانوا بين من قُتلوا أو احتُجزوا أو تعرّضوا للمعاملة المهينة، إلا أن التحليلات لم تأت على ذكرهم إلى حد كبير. لم يتضمن تقرير اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث الساحل أي إشارة إلى الضحايا من كبار السن، في حين ذكرت لجنة التحقيق الأممية وجود كبار في السن بين القتلى، لكنها لم تقدّم تقديرا لعدد الحالات الموثقة.
III. تحديد المسؤولية
يرتكز هذا الفصل على 17 مقابلة أُجريت مع عسكريين شاركوا في العمليات، وثلاثة أفراد انضموا طوعا إلى التعبئة، وصحفيين اثنين رافقوا الفصائل أثناء تحركها من حمص وإدلب نحو الساحل. جرى التحقق من صحة هذه الروايات عبر فيديوهات تم تحديد موقعها الجغرافي، وصوّر العديد منها مقاتلون أو وسائل إعلام مرافقة، ونُشرت على قنوات مؤيدة للفصائل. استخدم الأرشيف السوري هذه المواد لرسم خرائط تحركات الوحدات والانتشارات الأمنية في المناطق المتضررة، كما هو مفصل في تقريره الصادر في 8 يوليو/تموز.[98] استند التحقيق أيضا إلى تصريحات علنية صادرة عن مسؤولين عسكريين وممثلين عن وزارة الدفاع لتقييم هياكل التنسيق والقيادة.
كانت العملية الأمنية التي اجتاحت محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة، بدءا من 7 مارس/آذار، منسقة مركزيا. أشارت تصريحات رسمية صادرة عن مسؤولين حكوميين إلى نشر عشرات الآلاف من المقاتلين بأوامر من وزارة الدفاع، بينما تؤكد المقابلات مع مقاتلين كانوا في مواقع متعددة، أنَّ هذه العملية لم تكن عفوية، بل خُطط لها ونُسّقت ونُفذت عبر قنوات عسكرية رسمية.
في إطار هذه العملية المنسّقة مركزيا، ظهرت أنماط متسقة من الانتهاكات. في عشرات المواقع، نفذت القوات والأفراد المشاركون في عمليات التمشيط إعدامات تعسفية، ونهبوا المنازل، وأحرقوا الممتلكات. ورغم عدم وجود أدلة تشير إلى صدور أوامر صريحة بهذه الانتهاكات من مستويات قيادية عليا، فإنَّ اتساع نطاقها وتكرارها من قبل وحدات تعمل تحت مظلة وزارة الدفاع يشيران إلى أنها لم تكن حوادث معزولة أو غير متوقعة.
يُشكّل تقاعس كبار مسؤولي وزارة الدفاع عن منع هذه الانتهاكات أو وقفها، رغم وجود أدلة واضحة على وقوعها، بما في ذلك مقاطع مصوّرة وردود فعل علنية، إخلالا بالتزاماتهم القانونية في منع ومعاقبة الجرائم التي يرتكبها من هم تحت قيادتهم. كان كبار المسؤولين والقادة في الوزارة على علم، أو كان ينبغي أن يكونوا على علم، بما يجري، ومع ذلك استمروا في تنسيق العملية وسمحوا للوحدات المسؤولة عن الانتهاكات بالبقاء في الميدان. ينطبق هذا الالتزام أيضا على قادة الفصائل، الذين استمروا في إدارة عمليات قواتهم، وبالتالي يتحمّلون المسؤولية عن سلوك عناصرهم.
وزارة الدفاع والتعبئة المركزية
رد المسؤولون الحكوميون على هجمات المتمردين بسلسلة من التصريحات والإجراءات التي بدأت في 6 مارس/آذار. في ذلك اليوم، أعلن مدير الأمن العام في محافظة اللاذقية حالة تعبئة أمنية شاملة لقوات المحافظة، وسرعان ما نشرت وزارة الدفاع تعزيزات وُصفت بـ"الضخمة"، على طول المنطقة الساحلية، لا سيما في مدن اللاذقية وطرطوس وجبلة، بالتعاون مع الفصائل الموالية لها.[99]
أظهر تحليل أجراه الأرشيف السوري للمنشورات الموالية للحكومة على فيسبوك أنَّ عمليات الانتشار في الساحل بدأت في 6 مارس/آذار، عبر الطرق الرئيسية القادمة من دمشق وإدلب وحمص. شاركت في الحملة ما لا يقل عن ثماني فرق تابعة مباشرة لهيئة تحرير الشام، إلى جانب وحدات من "الجبهة الوطنية للتحرير" المتحالفة معها، وكان بعض هذه الوحدات متواجدا في المنطقة أصلا. سرعان ما انضمت إلى هذه القوات فرق من وزارة الدفاع المشكّلة حديثا بعد ديسمبر/كانون الأول 2024، مؤلفة في معظمها من مقاتلين سابقين من المعارضة دُمجوا لاحقا في الهياكل العسكرية الرسمية. كما نشرت الفصائل الرئيسية السابقة في الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا قواتها إلى الساحل، وقد دُمج بعضها رسميا في الجيش السوري الجديد على الأقل من الناحية الشكلية. إلى جانب ذلك، شاركت ميليشيات محلية وأفراد مسلحون من مناطق مثل ريف دمشق، إما بشكل غير رسمي أو عبر تنسيق محدود مع الجماعات المسلحة الرسمية.
أفاد جميع المقاتلين الـ 17 الذين قابلهم الباحثون بأنهم تلقوا أوامر بالانتشار من مسؤولي وزارة الدفاع وعملوا بالتنسيق معهم، سواء عبر أوامر مباشرة من قادة الوزارة، أو من خلال عمليات مشتركة مع وحدات تابعة لها، أو عبر منح السيطرة على مناطق محددة لقوات الأمن العام. ذكرت المقابلات مرارا أسماء شخصيات محددة في الوزارة عملت كقنوات لإصدار أوامر التعبئة، أو لتقديم الدعم اللوجستي، أو للتنسيق مع السلطات المحلية. وفقا لهؤلاء المقاتلين، استمر هذا التنسيق حتى بعد انتشار التقارير عن وقوع عمليات القتل الجماعي والفظائع.
وصف أحد قادة هيئة تحرير الشام حملة الساحل بأنها بدأت بقيادة الهيئة، مساندة لقوات الأمن العام، في 7 مارس/آذار. بعد تكبدها خسائر نتيجة ضعف معرفتها بجغرافيا المنطقة ومقاومة ما وصفه بـ"فلول النظام"، قال إنَّ الهيئة قدمت تقريرا إلى وزارة الدفاع، التي تولت على إثره القيادة المركزية للحملة وأصدرت أوامر التعبئة الرسمية. وفقا له، احتفظت الهيئة بالإشراف على جميع جبهات القتال، بينما توزعت الفصائل الأخرى جغرافيا. وأوضح القائد أن الأيام الثلاثة الأولى سارت وفق خطة منظمة، إلا أن ديناميات ساحة المعركة سرعان ما أخلّت بالتنسيق، وبدأت الوحدات تتصرف بشكل مستقل.[100] شدد على أنَّ معظم عمليات القتل الموثقة وقعت خلال الأيام الثلاثة الأولى.
تحدَّث مقاتل من "لواء عثمان بن عفان" التابع لـ هيئة تحرير الشام عن تنسيق مكثف بين وحدته ووزارة الدفاع السورية خلال العمليات العسكرية التي أعقبت 6 مارس/آذار. وفقا له، أصدرت الوزارة أوامر مباشرة للفصائل المتحالفة مع هيئة تحرير الشام والجيش الوطني السوري، ونظمت عمليات انتشار متعددة الجبهات في المنطقة الساحلية. قال: "كان الجميع يتحركون بأوامر رسمية من الوزارة"، موضحا كيف تم تعبئة وحدته – التي تضم حوالي 600 مقاتل ومجهزة بفرق مدفعية وقناصة وأطقم مركبات وفرق مشاة – في 8 مارس/آذار، وإرسالها عبر حمص، حيث انضمت إلى قوافل إضافية من فصائل متعددة من هيئة تحرير الشام والجيش الوطني السوري، بما في ذلك فرقة السلطان مراد،[101] وفرقة السلطان سليمان شاه،[102] قبل التوجه نحو بانياس. قال إن فرقة السلطان مراد كُلّفت بتأمين طرطوس بحوالي 800 مقاتل، بينما أُرسل فصيل السلطان سليمان شاه إلى اللاذقية وبانياس، مع ما يُقدر بألف مقاتل مدعومين بمركبات مدرعة، وأُمِر لواء عثمان بن عفان بالدخول إلى بانياس مباشرة، حسب قوله.[103]
وصف مقاتل آخر من "لواء المهاجرين والأنصار"، التابع لهيئة تحرير الشام والمكوّن في معظمه من مقاتلين أجانب، كيف انتشرت وحدته، التي تضم 450 مقاتلا في ريف اللاذقية في 10 مارس/آذار استجابة لأمر تعبئة صادر عن وزارة الدفاع. أوضح أن التنسيق تم على مستويات متعددة، إذ اجتمع قائده مباشرة مع مسؤول عسكري من وزارة الدفاع، وتواصل مع قادة فصائل أخرى لضمان تقدم متزامن وفق الخرائط المحددة للمناطق المستهدفة. وذكر المقاتل مشاركة تشكيلات أخرى في العمليات، منها "كتائب تركستان" و"أنصار الإسلام" و"جند الإسلام" و"جند التوحيد"، والتي تضم مجتمعةً أكثر من 600 مقاتل. وصف كيف تقدمت هذه الوحدات معا عبر قرى شمال وشرق اللاذقية، وشاركت في القتال، ونفذت عمليات تفتيش من منزل إلى منزل ومداهمات بحثا عن فلول قوات الحكومة السابقة والميليشيات المرتبطة بها، وتحدث المقاتل عن تنفيذ اعتقالات واسعة وفي بعض الحالات إعدامات فورية، وذلك حسب "وضع وسياق" كل مداهمة. وأضاف أن وزارة الداخلية وقوات الأمن العام تولّتا مسؤولية الأمن في 16 مارس/آذار، عقب انسحاب الوحدات القتالية.[104]
في مقابلة عامة، أكّد قائد الفرقة 62 (فصيل السلطان سليمان شاه سابقا)، "محمد الجاسم" (المعروف بـ أبو عمشة)، صحة الروايات السابقة، مشيرا إلى وجود تنسيق مركزي للعمليات.
رغم أن رواية الجاسم تقلّل من مدة وكثافة انتشار فصيله وتنفي أي تورط له في الانتهاكات المبلّغ عنها، فإنها تتماشى مع الاتجاه العام لروايات العسكريين، التي تفيد بأن وزارة الدفاع كانت المركز العملياتي الرئيسي للتعبئة والتوزيع الجغرافي للفصائل والتنسيق فيما بينها. في الوقت نفسه، يُظهر تكرار الانتهاكات المستمر، رغم العلم الواسع بها بين المسؤولين، أن كبار مسؤولي الوزارة لم يتدخلوا أو يتخذوا أي إجراءات تأديبية حتى بعد معرفتهم بها.
أنماط تنفيذ العمليات في المناطق المختلفة
أكد جميع المقاتلين الذين أُجريت معهم المقابلات مشاركتهم في عمليات تمشيط ومداهمات للمنازل في المناطق ذات الأغلبية العلوية بين 8 و10 مارس/آذار، وهي الفترة التي سُجّلت خلالها أخطر الانتهاكات. وأفاد أحدهم بتلقيه أوامر بالتحرك في 7 مارس/آذار، بينما تلقى خمسة مقاتلين الأوامر في 8 مارس/آذار، وثمانية في 9 مارس/آذار، وثلاثة في 10 مارس/آذار. وأوضح جميعهم أنهم تلقوا لاحقا أوامر بالانسحاب بعد فترة تراوحت بين ثلاثة أيام وأسبوعين، مع تعليمات غالبا بتسليم السيطرة على المناطق إلى قوات الأمن العام.
وفي حين زعم البعض أنهم حاولوا تجنب استهداف المدنيين، اعترفوا جميعهم تقريبا بوقوع عمليات نهب واسعة، وعنف انتقامي، وقتل غير قانوني على يد وحداتهم أو وحدات حليفة.
في 14 مقابلة شملت 11 مقاتلا، ومتطوعَين، وصحفيا مرافقا، وردت روايات عن إعدامات تعسفية. وُصف الضحايا بأنهم متعاونون مع الحكومة السابقة، أو مُخبرون مشتبه بهم، أو أشخاص مرتبطون بالطائفة العلوية، وغالبا ما نُفذت عمليات القتل دون أي إجراءات تحقق تُذكر. وردت أسماء عدة فصائل، من بينها فرقة السلطان مراد، وفرقة الحمزة، و"لواء مغاوير الشام"، وكتيبة المهاجرين والأنصار، في روايات تتعلق بعمليات القتل خارج نطاق القضاء وأعمال عنف طائفي. أشار من أُجريت معهم المقابلات إلى أنَّ فصائل أخرى، من بينها فرقة السلطان سليمان شاه و"لواء المجد" وجماعات تابعة لـ هيئة تحرير الشام، شاركت في نهب المنازل وإعدام مدنيين أثناء عمليات التفتيش.
في 8 مارس/آذار، وبينما كانت القوافل العسكرية لا تزال منتشرة، أعلنت وزارة الدفاع رسميا إغلاق الطرق المؤدية إلى الساحل وتشكيل لجنة رقابية للتحقيق في الانتهاكات، في إشارة واضحة إلى علمها بالعنف الدائر.[105] مع ذلك، استمرت أنماط الانتهاكات المنسقة في عشرات القرى والبلدات، بما يشمل مداهمات المنازل، والقتل على أساس الهوية، والنهب.
أقرّ قائد في هيئة تحرير الشام بارتكاب مقاتلين من "جميع الفصائل" انتهاكات، شملت قتل المدنيين ونهب الممتلكات، رغم تلقيهم تعليمات رسمية بعدم الإضرار بالمدنيين. زعم أنَّ الأمن العام كُلّف لاحقا بالتحقيق في هذه الانتهاكات.[106]
روى أحد المقاتلين كيف أُرسلت وحدته، المؤلفة من 70 عنصرا، من ريف دمشق إلى ريف حماة في 10 مارس/آذار. وبعد التنسيق مع قوافل تابعة لـ وزارة الدفاع، بدأت المجموعة بمداهمات منازل في قرية الحيدرية، واصفا إعدام رجال سبق أن "سوّوا أوضاعهم" مع السلطات، قائلا: "أُعدموا بدافع الكراهية، أو الطائفية العمياء، أو التعطش للانتقام".[107]
أقرّ مقاتل آخر من لواء عثمان بن عفّان التابع لـ هيئة تحرير الشام بأنَّهم قتلوا العديد ممن وصفهم بـ "فلول النظام" أثناء اختبائهم في المنازل، واعتقلوا آخرين وسلّموهم إلى قوات الأمن العام لمجرد الاشتباه بتعاونهم مع الفلول. قال: "خلال هذه العمليات، قتلنا العديد من الفلول الذين كانوا مختبئين داخل المنازل، واعتقلنا أيضا العديد من المدنيين الذين تعاونوا معهم أو قاومونا عند دخولنا المدينة". أضاف أنَّ فصائل أخرى أعدمت العديد من الرجال والنساء العلويين داخل منازلهم، دون أي دليل على مشاركتهم في أنشطة قتالية.[108]
وصف مقاتل من لواء عمر بن الخطاب التابع لـ هيئة تحرير الشام، والذي شارك في العمليات حول مدينتي الشيخ بدر وصافيتا بريف طرطوس، عملية انتشار منسقة شاركت فيها قوات الأمن العام ووحدات أخرى تابعة للهيئة، بناءً على أوامر مباشرة من قائد لوائه. بعد الاشتباكات الأولية مع "فلول النظام"، ساعدت مجموعته في تأمين السيطرة على المنطقة. أشار إلى أنه ابتداءً من 10 مارس/آذار، قاموا بمداهمات من منزل إلى منزل للبحث عن أسلحة واعتقال أفراد يُشتبه بانتمائهم للحكومة السابقة. وبينما نُقل بعض المحتجزين إلى الأمن العام، أقرّ المقاتل بأن وحدات حليفة نفذت موجة من عمليات القتل الانتقامية، واصفا هذه العمليات بأنها "انتهاكات فردية"، موضحا: " قتلوا عددا كبيرا من الرجال والشباب في المنطقة، بعضهم مدنيون، وآخرون من عائلات فلول النظام. بلغ عدد القتلى حوالي 170، انتقاما من دعمهم للنظام السوري وانتقاما للإخوة الذين فقدناهم خلال الاشتباكات".[109]
اعترف عدة مقاتلين ضمنيا بسلوكيات غير قانونية ارتكبتها فصائلهم والقوافل التي انضموا إليها، رغم محاولتهم تبرير أفعالهم أو تهوينها، وغالبا ما أشاروا إليها في رواياتهم باعتبارها جزءا روتينيا من عملياتهم. وصف أحد أعضاء فيلق الشام عمليات تمشيط الأحياء والمنازل والمستودعات والأقبية قائلا إن وحدته "قتلت كل من شوهد وهو يساعد فلول النظام أو أطلق رصاصة واحدة من منزله".[110] أضاف أنهم أعدموا أيضا عدة رجال وشباب خلال هذه المداهمات بعد العثور على أسلحة أو ذخيرة في منازلهم.
أكد أحد الصحفيين المرافقين أنه شهد أنماط انتهاكات مماثلة في طرطوس وجبلة وبانياس، شملت إطلاق نار ومصادرة ممتلكات واعتداءات على يد مقاتلين، بعضهم ينتمي إلى وحدات عسكرية رسمية. رافق الصحفي قوافل تحت قيادة وزارة الدفاع من وسط سوريا إلى طرطوس، ثم إلى بانياس، وشهد نمطا من العنف العشوائي والانتقامي في كثير من الحالات. وبالقرب من تلكلخ، أطلق الموكب الذي رافقه النار عشوائيا ردا على رصاصة طائشة، مما عرض المدنيين للخطر. في طرطوس، شهد إطلاق نار عشوائي من قبل مقاتلين بقصد الترهيب، وفي بانياس، وثّق مشاهد نهب وتهديد وإعدامات في الأحياء ذات الأغلبية العلوية. استذكر قائلا: "اصطف سبعة أفراد من عائلة واحدة على جدار وقيل لهم: إما أن نقتلكم أو نأخذ سيارتكم". بعد أيام، عندما عاد إلى جبلة، قال إنَّ عمليات انتشال الجثث من المنازل لا تزال مستمرة، وإن فرق الدفاع المدني تجري عمليات بحث من منزل إلى منزل لتحديد أماكن القتلى.[111]
روى صحفي آخر، رافق قافلة تضم مجموعات مسلحة تعمل تحت قيادة وزارة الدفاع في 7 مارس/آذار، أن انتهاكات واسعة وقعت على الطريق إلى طرطوس. وأوضح أنَّ إطلاق رصاصة واحدة على القافلة أدى إلى رد فعل عشوائي ومفرط، حيث أطلق المقاتلون النار بكثافة على القرى المحيطة. وفي حادثة مروعة، شاهد الصحفي رجلا يُعتقد أنه علوي يحاول توزيع الطعام على القافلة، وقال: "قفز بعض المقاتلين وضربوه، ثم أطلق أحدهم النار عليه. أنا متأكد أنه مات". ومع وصولهم إلى طرطوس، مُنع الصحفيون من مرافقة الوحدات التي كانت تقوم بالمداهمات، وكان الوصول مقتصرا على وسائل الإعلام التابعة للفصائل. وفي نهاية المهمة، غادر الصحفي المنطقة، مشيرا إلى مخاوف تتعلق بسلامته.[112]
على الرغم من أن جميع الفصائل لم تكن تعمل بالضرورة تحت إشراف مباشر أو مستمر من القيادات، فإن الأنماط المتكررة للانتهاكات في عشرات المواقع، بدءا من عمليات التمشيط ومداهمات المنازل وصولا إلى أعمال غير قانونية مثل الاستهداف على أساس الهوية والنهب والإعدامات العلنية، تشير إلى أنَّ هذه الانتهاكات لم تكن حوادث معزولة. بل شكّلت جزءا من حملة عسكرية منسقة مركزيا، حيث عملت الفصائل وفق خطة مشتركة للانتشار والتوزع الجغرافي. لم تجد تحقيقاتنا دليلا على أن كبار المسؤولين في وزارتي الدفاع والداخلية أصدروا أوامر صريحة بتنفيذ الانتهاكات، أو أنَّ الانتهاكات نفسها كانت منسقة عملياتيا. إلا أنَّ اتساق الانتهاكات عبر وحدات عسكرية متعددة يشير بوضوح إلى تقاعس كبار المسؤولين في وزارة الدفاع عن ممارسة الرقابة الفعالة أو فرض السيطرة الفعلية على قواتهم بمجرد علمهم بالانتهاكات. وفي الوقت نفسه، احتفظ قادة الفصائل بالسيطرة العملياتية على وحداتهم، وهم مسؤولون عن سلوك مقاتليهم خلال هذه العمليات.
في 8 مارس/آذار، وبينما كانت القوافل لا تزال منتشرة على طول الساحل السوري، أصدرت وزارة الدفاع بيانا رسميا نقلته وكالة الأنباء السورية - سانا، أعلنت فيه إغلاق الطرق المؤدية إلى المنطقة الساحلية "لضبط المخالفات ومنع التجاوزات وعودة الاستقرار تدريجيا إلى المنطقة"،[113] مؤكدة تشكيل لجنة رقابية لرصد المخالفة وإحالة من تجاوز التعليمات إلى المحاكم العسكرية، وأعلنت إغلاق الطرق المؤدية إلى المناطق الساحلية لمنع المزيد من "التجاوزات" ومن أجل "عودة الاستقرار". تُثبت هذه الإجراءات، التي اتُخذت في ذروة التعبئة، أن الوزارة كانت على دراية تامة بحجم العنف غير المنضبط الجاري على الأرض.
يشير تقاعس وزارة الدفاع عن وقف الممارسات التعسفية، ومحاسبة الوحدات العسكرية، وتحديد تسلسل القيادة بوضوح، إلى أنَّ دورها لم يقتصر على التعبئة فحسب، بل شمل أيضا خلق ظروف ساهمت في وقوع الانتهاكات على نطاق واسع.
لا تزال انتهاكات قوات الأمن الحكومية والجماعات المسلحة التابعة لها مستمرة، مع ورود تقارير موثوقة عن استمرار الاعتقالات التعسفية، والاستهداف الطائفي، والقتل غير القانوني، حتى بعد فظائع مارس/آذار 2025.
مشاركة "عناصر غير منظمة"
انتشرت الدعوات في المساجد والساحات العامة في أنحاء سوريا لحثّ الناس على التطوّع لدعم قوات الأمن عقب هجمات 6 مارس/آذار.[114] عملت قنوات على تلغرام تدعي أنها تابعة لـ إدارة العمليات العسكرية – وهي هيئة جامعة نسقت العمليات بين الفصائل المسلحة في الأيام التي سبقت الإطاحة ببشار الأسد ولأسابيع بعدها – على بث هذه الدعوات مشجعة على "النفير العام" نحو الساحل.[115] صوَّرت هذه الرسائلُ المشاركةَ كواجب وطنيّ وفرصة للثأر لشهداء الأمن، فساهَمت في تدفّق المتطوعين والمقاتلين السابقين إلى الخطوط الأمامية إلى جانب الوحدات العسكرية النظامية.
في 7 مارس/آذار، دعا الرئيس المؤقت أحمد الشرع إلى التهدئة، حاثّا المتمردين على الاستسلام، ومتعهدا بالحفاظ على سلطة الدولة وحماية المدنيين، ومدينا التمرد بوصفه تهديدا لاستقرار البلاد. غير أنَّ تصريحاته شهدت تحولا لافتا في النبرة، حيث قال: "انتهى زمن العفو والمسامحة، وبدأت مرحلة التحرير والتطهير".[116]
وفي 8 مارس/آذار، أصدر مسؤول في وزارة الدفاع تعليمات علنية تدعو الأفراد [المدنيين] إلى الانسحاب، مؤكدا أن الوضع "تحت السيطرة" وأنَّ العمليات تسير "وفق الخطة".[117] أقرّ مصدر في وزارة الداخلية لاحقا بحدوث "انتهاكات فردية" ارتكبتها عناصر "غير منظمة".[118] مع ذلك، قال متطوّعون شاركوا فعليا في القتال إنهم واصلوا المشاركة في العمليات، سواء في يوم صدور التوجيه بالانسحاب أو بعده.
وصف "ماهر"، وهو رجل سني من بانياس، كيف وصل صباح يوم 8 مارس/آذار مسؤول تابع لوزارة الدفاع لتنظيم ونشر المتطوعين الذين جندهم شيخ في مسجد محلي، بالتنسيق مع وحدات الأمن العام والجيش. تم نشر ماهر في مدينة بانياس، حيث كان دوره الرئيسي مساعدة نحو 150 من أفراد الأمن العام على التحرك في المدينة. قال إنه خلال هذه العمليات شارك في مداهمات المنازل، وشهد اعتداءات بالضرب، وعمليات قتل واعتقالات لمن وصفهم بـ "فلول النظام". وتحدث عن إحدى الحالات قائلا: "كنا نداهم منزلا ووجدنا مجموعة من عشرة أشخاص مختبئين داخله. حاصرهم الأمن العام، وقتل ستة منهم واعتقل الباقين". لم يُسرَّح ماهر، بل دُمِج في العمليات الأمنية، واستمر في مساعدة قوات الأمن على تحديد أماكن المطلوبين لفترة طويلة بعد 8 مارس/آذار.[119]
قال متطوع آخر يُدعى "عُدي" من حمص إنه جُنّد أيضا مع 30 متطوعا آخرين على يد شيخ مسجد محلي في 10 مارس/آذار، ثم ألحِق بقافلة تضم نحو 200 مقاتل تحت القيادة الرسمية لوزارة الدفاع. نُقل إلى ريف اللاذقية قرب قريتي المختارية والزوبار، حيث شارك في القتال ودعم عمليات تمشيط مشتركة مع القوات الحكومية. روى عُدي أنهم داهموا منازل، واعتقلوا رجالا، وقتلوا أربعة ممن قاوموا الاعتقال. شارك أيضا في المداهمات وأدار حواجز تفتيش، وظل نشطا في المنطقة الساحلية حتى 18 مارس/آذار على الأقل، أي بعد عشرة أيام من صدور البيان الرسمي لوزارة الدفاع.[120]
في المقابل، قال أحد المتطوعين إنه شارك في القتال خارج أي هيكل قيادي رسمي. أقرّ أن مجموعته، المكوّنة من نحو 90 متطوعا مسلحا، انطلقت من إدلب بقيادة خطيب مسجد محلي، ودخلت قرى سنجوان والخلالة والهنادي وبَكسا قرب مدينة اللاذقية في 8 مارس/آذار، دون أي تنسيق مع الفصائل المرتبطة بوزارة الدفاع. ونفّذوا عمليات تفتيش من منزل إلى منزل، وقتلوا عشرات الشبان، زاعمين أن كثيرين منهم كانوا من المسلحين أو المتعاونين معهم، فيما وصفه المتطوع بأنه عملية انتقامية. قال: "عدنا في تلك الليلة حوالي منتصف الليل بعد أن انتقمنا لأنفسنا"، مشيرا إلى صدور أمر عام آنذاك من وزارة الدفاع يمنع أي مقاتل خارج قيادتها من البقاء في مناطق القتال.[121]
أنماط الانتهاكات السابقة
وردت تقارير عن وقوع انتهاكات خلال عمليات التمشيط، بما يشمل عمليات قتل تعسفية، منذ مطلع يناير/كانون الثاني على الأقل، طالت قرى ذات غالبية علوية في ريف حمص الغربي.[122] ووفق شهود، اتسمت هذه العمليات بأنماط مماثلة لتلك التي ظهرت لاحقا في الساحل، من شتائم طائفية، وإجبار المحتجزين على الزحف والنباح، ونهب ممنهج، وإفلات من العقاب، مما يدل على إلى أن عمليات القتل في مارس/آذار كانت تصعيدا لنمط راسخ بالفعل.
في 23 يناير/كانون الثاني، نفذت قوات الأمن العام عملية تمشيط في قرية فاحل، اعتُقل خلالها عشرات السكان، بينهم ضباط متقاعدون وآخرون سبق لهم تسوية أوضاعهم، واعتُدي عليهم بالضرب علنا، وفقا لأحد سكان القرية.[123] وأفاد شهود محليون بأن أربعة عشر عسكريا سابقا، بعضهم اعتُقل خلال العملية، قُتلوا في ذلك اليوم، إضافة إلى مدنيين اثنين.[124] لاحقا، ألقى مسؤول رسمي في حمص باللوم في هذه العملية على "مجموعات إجرامية" غير تابعة للقوات الحكومية.[125] ذكرت صحيفة الجمهورية أن مسؤولين في الأمن العام أكدوا أن "القتلى كانوا عُزّلا، وجرى اعتقالهم وتصفيتهم خارج إطار القانون".[126]
كانت قرية أرزة في شرق حماة من بين المناطق التي تأثرت بشكل متكرر من هذا العنف المستمر، حيث تعرضت لهجوم في أوائل يناير/كانون الثاني، وتلاه هجوم ثان في 7 مارس/آذار.
في 31 يناير/كانون الثاني، تجاوز مسلحون حاجزا أقامته هيئة تحرير الشام بناءً على طلب أهالي القرية عبر المرور بطريق زراعي فرعي. اقتحموا ثلاثة منازل، واعتقلوا جميع الرجال فيها، وأعدموا سبعة رجال وصبيا مراهقا، وفقا لشاهدين. قالت "دينا" (25 عاما): "قتلوهم واحدا تلو الآخر على الفور". حُبست النساء في غرفة تحت حراسة مسلحة.
ردّت قوات الأمن بإغلاق القرية واعتقال ثلاثة مشتبه بهم، لكن في 7 مارس/آذار عاد مسلحون من قرى سنية مجاورة ونفذوا مجزرة ثانية، أسفرت عن مقتل 25 من سكان القرية، وأجبرت بقية السكان على الفرار.
وفقا لصحيفة "ذا ناشيونال"، كان المهاجمون في كلا الحادثين موالين للشيخ "أبو جابر"، مقاتل سابق في صفوف المعارضة عاد إلى مسقط رأسه في بلدة خطاب بحماة في ديسمبر/كانون الأول. نفى أبو جابر مشاركته في مجزرة 7 مارس/آذار، لكنه أكد وجوده في المنطقة خلال تلك الفترة، وبرّر عمليات القتل علنا بأنها انتقام لانتهاكات يُزعم أن سكان أرزة ارتكبوها في عهد الأسد، قائلا: "كبارا كانوا أم صغارا، الجميع في أرزة مذنبون". وأضاف أن عمليات القتل توقفت فقط لأن "السلطات الجديدة طلبت ذلك"، وحذّر المهجّرين من العودة، مشيرا: "لقد هُجّرنا لمدة 13 عاما، يمكنهم الانتظار بضعة أشهر أو سنوات".
لم يكن استهداف أرزة المتكرر حدثا معزولا، بل جزءا من سلسلة أوسع من العنف الانتقامي والقتل الطائفي. يعكس عدم التدخل الحازم بعد مذبحة يناير/كانون الثاني، وسهولة تهرّب المهاجمين من الحواجز المعروفة، نمطا واضحا من الإفلات من العقاب والإهمال الرسمي في حماية المجتمعات الضعيفة.
وجدت لجنة التحقيق أن هناك أسبابا معقولة للاعتقاد بأن قوات الحكومة المؤقتة، من ضمنها الأمن العام، ارتكبت انتهاكات جسيمة في يناير/كانون الثاني 2025، شملت القتل التعسفي، والتعذيب، وأشكالا أخرى من سوء المعاملة، بالإضافة إلى الاعتقالات التعسفية.
المسؤولية القيادية
تعكس العمليات التي اندلعت على طول الساحل السوري في مارس/آذار 2025 ما يتجاوز مجرد انهيارٍ في الانضباط، إذ تكشف عن ممارسات ممنهجة ومتكررة جرى التغاضي عنها واستمرت طوال المرحلة الانتقالية.
وتشير أنماط الانتهاكات الموثقة في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة، من إعدامات واستهداف على أساس الهوية الطائفية ونهب وإذلال علني، إلى سلوك يوازي ما لوحظ في عمليات أمنية سابقة في حمص وحماة. ويُظهر تكرار هذه الانتهاكات عبر محافظات وفترات زمنية مختلفة، ومن قِبل مجموعات مسلحة متعددة، أنها لم تكن حوادث فردية معزولة، بل نهجا قابلا للتكرار تشكّل ضمن ثقافة عملياتية متساهلة.
لا يدّعي هذا التقرير أن جميع الانتهاكات بأوامر مركزية أو نُفّذت بشكل موحّد. تُظهر المقابلات مع المقاتلين تباينا في السلوك. ومع ذلك، اضطلعت وزارة الدفاع بدور محوري في تنسيق العملية العسكرية، وإصدار أوامر التعبئة، وتوجيه الانتشار، والتنسيق بين الفصائل، ولم تتدخّل علنا إلا بعد تصاعد الانتهاكات. وعلى الرغم من علمهم بارتكاب انتهاكات جسيمة على نطاق واسع، لم يتخذ كبار المسؤولين أي إجراءات فعّالة لمنعها أو معالجتها.
بموجب القانون الدولي العرفي والمادة 28 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، قد يتحمل القادة المسؤولية الجنائية عن الجرائم الدولية التي ترتكبها القوات الخاضعة لسيطرتهم الفعلية، إذا علموا أو كانت لديهم أسباب تحملهم على العلم بارتكاب هذه الأفعال، ولم يتخذوا التدابير اللازمة والمعقولة لمنعها أو معاقبة المسؤولين عنها. وينطبق هذا المعيار على القادة العسكريين والمدنيين على حدٍّ سواء، ولا يشترط ثبوت صدور أمر مباشر منهم، بل يفرض عليهم واجبا مستمرا بالرقابة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع الانتهاكات المتوقعة، والتدخل حيثما تكون الانتهاكات جارية، وضمان المساءلة عند وقوعها.
قد ترقى جرائم معينة، من ضمنها القتل العمد، والاضطهاد على أسس تشمل الدين أو العرق، إلى جرائم ضد الإنسانية إذا ارتُكبت في إطار "هجوم واسع النطاق أو منهجي موجَّه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين"، وهذا يعني جرائم متكررة تُرتكب عملا بسياسة دولة أو منظمة.
IV. جهود المساءلة
استجابة لأعمال العنف التي شهدها الساحل السوري في مارس/آذار 2025، أنشأت الرئاسة في 9 مارس/آذار لجنتين رسميتين: لجنة لتقصي الحقائق للتحقيق في عمليات القتل، ولجنة للحفاظ على السلم الأهلي مؤلفة من ثلاثة أعضاء، هدفها تهدئة التوترات الطائفية.[127]
زارت لجنة تقصي الحقائق، وقضاة، ومحامٍ واحد، ومسؤول عسكري، أكثر من 30 موقعا، وأجرت مقابلات مع ناجين وقادة. وبعد تمديد فترة عملها ثلاثة أشهر، أصدرت اللجنة في 22 يوليو/تموز تقريرا وثّق مقتل ما لا يقل عن 1,426 شخصا، وأحال 298 مشتبها بهم إلى القضاء.[128] غير أن التقرير لم يوضّح رتب أو مناصب المحالين، ما يترك تساؤلات حول ما إذا كان من بينهم كبار المسؤولين أو قادة الوحدات. كما لم تجد اللجنة دليلا على صدور أوامر مباشرة من كبار القادة، ولم تتطرق إلى مبدأ مسؤولية القيادة، وتحديدا الالتزام القانوني الواقع على من يتولون مواقع السلطة في منع الجرائم الدولية التي ترتكبها قوات تحت سيطرتهم الفعلية أو المعاقبة عليها. يحمي هذا الإغفال فعليا كبار المسؤولين وقادة الوحدات من المساءلة، رغم ثبوت أنماط الانتهاكات التي كان ينبغي أن تؤدي إلى التدقيق في دورهم.
بخلاف هذه المبادرات، كانت المساءلة الملموسة محدودة. أبلغ مسؤولون لجنة التحقيق الأممية بأن 42 فردا تابعين لوزارة الدفاع قد اعتُقلوا وأحيلوا إلى القضاء – تم تحديد هوية بعضهم من خلال مواد تدينهم على الإنترنت – مع ورود تقارير عن جهود جارية لتحديد المزيد من المشتبه بهم.[129] مع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما هي بالتحديد التهم التي يواجهها هؤلاء الأفراد، إن وُجدت. كما أعلنت وزارة الداخلية عن إنشاء مكتب لتلقي شكاوى المواطنين بشأن سوء سلوك قوات الأمن، ولا يوجد ما يشير إلى توجيه أي اتهامات لأي من كبار المسؤولين.
اتخذت السلطات الانتقالية السورية بعض الخطوات نحو إصلاح قطاع الأمن الذي يتميز باللامركزية الشديدة وتعدد الولاءات والأيديولوجيات. إلى جانب الجهود المبذولة لتسريع دمج الفصائل المسلحة تحت قيادة واحدة، مع تعهدات بحل الوحدات غير الخاضعة للمساءلة وحصر السلاح بيد الدولة، أصدرت وزارة الدفاع في 30 مايو/أيار مدونة "قواعد السلوك والانضباط العسكري"، التي تحظر إساءة معاملة المدنيين، وارتكاب أفعال تمييزية، أو إساءة معاملة المحتجزين.[130]
مع ذلك، يظل تطبيق هذه الإجراءات غير مضمون. فقد عملت العديد من الفصائل المسلحة لفترة طويلة بشكل مستقل، مع أيديولوجيات وولاءات وهياكل قيادية متنافسة تجعل من الصعب دمجها ضمن جيش مركزي. لا يزال الولاء للقادة الأفراد قويا وقد أدَّت النزاعات حول الرتب والنفوذ وتوزيع الموارد إلى احتكاكات بالفعل.[131]
في 16 مايو/أيار، أعلنت السلطات السورية عن تشكيل هيئة للعدالة الانتقالية، مكلفة بالتحقيق في الجرائم التي ارتُكبت خلال عهد النظام السابق. وبعد ذلك بوقت قصير، أُنشئت الهيئة الوطنية للمفقودين، المكلفة بتوثيق حالات الاختفاء القسري وتقديم الدعم للأسر المتضررة.
أثارت الولاية المحدودة لهيئة العدالة الانتقالية، والتي تركز حصرا على انتهاكات الحكومة السابقة، حفيظة الرأي العام، خاصة في ظل أعمال العنف الأخيرة وإفلات جهات أخرى من العقاب.[132] ورغم التعهدات الخطابية بـ"عدالة تركز على الضحايا" والمشاورات المحدودة مع المجتمع المدني، فإنَّ غياب آليات واضحة وشاملة لمشاركة الضحايا خلق تصورا بوجود تأخير وعدم اهتمام. ودون خطوات ملموسة لإشراك مجموعة متنوعة من الأطراف المعنية، قد تبدو هذه الجهود شكلية أكثر من كونها جوهرية.
أدّى غياب نظام قضائي فعّال إلى خلق بيئة خصبة للعنف الانتقامي والاغتيالات وتصفية الحسابات الطائفية في جميع أنحاء البلاد.[133] ربط الصحفيون موجة عمليات القتل المستهدف بجماعات مثل "داعش" و"سرايا أنصار السنة"، مؤكدين أنَّ غياب العدالة يدفع الضحايا للانتقام بأنفسهم.[134]
لا تزال الهيئات الدولية الرئيسية، بما فيها الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، و"الآلية الدولية للتحقيق في جرائم الحرب"، ولجنة التحقيق الدولية بشأن الجمهورية العربية السورية التابعة للأمم المتحدة تواجه قيودا تشغيلية كبيرة، بما يشمل عدم إمكانية الوصول الدائم وغير المقيد إلى الأراضي السورية. تُعيق هذه القيود قدرتها على إجراء تحقيقات داخل البلاد، والتواصل المباشر مع المجتمعات المتضررة، وبناء العلاقات اللازمة مع المؤسسات المحلية. علاوة على ذلك، لم تُصادق سوريا بعد على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. يتطلب ضمان عملية انتقالية ذات مصداقية يتطلَّب توسيع نطاق ولاية هيئة العدالة الانتقالية، ونشر تقرير التحقيق في أحداث الساحل، والتعاون مع هيئات المساءلة الدولية.
شكر وتقدير
أُعِدّ هذا التقرير بناء على بحث مشترك أجرته هبة زيادين، الباحثة الأولى في شؤون سوريا بقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، وبسّام الأحمد، المؤسس المشارك والمدير التنفيذي لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، وأليكس ماكيفر، الباحث في المصادر المفتوحة في المنظمة نفسها، وقصي جوخدار، الباحث السابق فيها. كما ساهم عدد من الزملاء في الأرشيف السوري في جمع وتحليل المعلومات، لكنهم فضلوا عدم الكشف عن هويتهم.
كتبت التقرير هبة زيادين، بينما أشرف على مراجعته وتحريره آدم كوغل، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش. وقدم كلّ من كليف بالدوين، المستشار القانوني الأول، وتوم بورتيوس، نائب مدير البرامج، مراجعات قانونية وبرامجية. ساعد أحد موظفي قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في عملية التحرير. قدّم زملاء من قسم حقوق الطفل وقسم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وقسم حقوق المرأة وبرنامج العدالة الانتقالية ومختبر التحقيقات الرقمية في هيومن رايتس ووتش، إلى جانب زملاء من سوريون من أجل الحقيقة والعدالة والأرشيف السوري، مراجعات متخصصة.
تتقدم هيومن رايتس ووتش، وسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، والأرشيف السوري، بجزيل الشكر والامتنان إلى الناجين والشهود وأفراد العائلات وممثلي المجتمع الذين أطلعونا على تجاربهم، وكثير منهم روى أحداثا مؤلمة وصادمة. كما تعبّر المنظمات عن تقديرها لأعضاء اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث مارس/آذار لموافقتهم على الاجتماع بنا خلال عملهم.