مخيم خيام مؤقتة في قرارة القطف لسكان تاورغاء النازحين قسرا، الذين منعوا من العودة إلى مسقط رأسهم من قبل الميليشيات من مصراتة، قرارة القطف، ليبيا، 10 فبراير/شباط 2018.

© 2018 عماد ارقيعة

(بيروت) - قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن الجماعات المسلحة والسلطات المدنية في مدينة مصراتة الساحلية الليبية تمنع عودة آلاف الأشخاص من أهالي تاورغاء إلى بلدتهم بعد 7 سنوات من نزوحهم القسري. توفي رجلان بسكتة دماغية منذ 1 فبراير/شباط 2018، في ظل ظروف متدهورة تمر بها الأسر العالقة في مخيمات صحراوية مؤقتة تفتقر إلى المرافق الصحية الكافية.

على المدعية العامة لـ "المحكمة الجنائية الدولية" فاتو بنسودة التحقيق مع المتورطين في جرائم محتملة ضد الإنسانية ضد أهالي تاورغاء، كجزء من جهودها المتواصلة للتصدي للانتهاكات الجسيمة الجارية في ليبيا.

قالت سارة ليا ويستن، مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "منع 40 ألف نازح قسرا من العودة إلى ديارهم من قبل ميليشيات مصراتة وسلطاتها، بعد 7 سنوات من العيش في ظروف مزرية، هو عمل قاسٍ يدل على الانتقام. على سلطات طرابلس التحرك لتضمن العودة السالمة لمن كانوا في طريقهم بالفعل إلى تاورغاء، ومساعدتهم على إعادة بناء حياتهم".

في 1 فبراير/شباط، منعت قوات مصراتة عودة آلاف الأشخاص إلى تاورغاء. جاءت جهود العودة بعد قرار طال انتظاره من "حكومة الوفاق الوطني"، المدعومة أُمميا، لبدء عملية العودة. تستند هذه الجهود إلى اتفاق توسطت فيه الأمم المتحدة بين ممثلي مصراتة وتاورغاء، ينص على المصالحة بين المجتمعات المحلية وتعويض ضحايا الجانبين.

هجرت ميليشيات مصراتة 40 ألفا على الأقل من سكان تاورغاء من مدينتهم عام 2011، كعقوبة جماعية لدعمهم الزعيم المخلوع معمر القذافي وارتكاب بعضهم انتهاكات ضد سكان مصراتة. منذئذ، تشتتوا في مختلف أنحاء البلاد في مخيمات مؤقتة ومساكن خاصة.

حاول الآلاف العودة منذ 1 فبراير/شباط. تحدثت هيومن رايتس ووتش هاتفيا في 2 و12 فبراير/شباط مع عماد إرقيعة، الناشط والمكلف بالإعلام عن "المجلس المحلي تاورغاء"، وهو الهيئة الرئيسية الممثلة لأهالي تاورغاء المهجرين والتي تنسق الإغاثة. قال إنه عندما حاول سكان تاورغاء العودة إلى بلدتهم في 1 فبراير/شباط، أحرقت جماعات مسلحة من مصراتة الإطارات، ضايقت الناس، وأطلقت النار في الهواء لتخويفهم.

أُجبر النازحون على التراجع عن نقطة التفتيش 14 ومنطقة تُعرف باسم طريق النهر الصناعي في 1 فبراير/شباط، ومرة ​​أخرى في 4 فبراير/شباط. قال إرقيعة إنه في 4 فبراير/شباط، أصابت جماعات مسلحة من مصراتة إيتيمه محمد جبريل، امرأة من تاورغاء، داخل سيارة قريبها.

قال إرقيعة إن العائلات نزحت إلى مخيمات مؤقتة أقيمت حديثا شرق تاورغاء، وفي قرارة القطف، 35 كيلومتر شرق تاورغاء. تقيم بين 240 و300 أسرة في خيام وفرتها مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، بالإضافة إلى عدد غير معروف ممن يقيمون مع أصدقائهم أو أقاربهم في المدينة القريبة.

في هراوة، 280 كيلومتر جنوب شرق تاورغاء، كان عدد غير محدد من العائلات يقيم في 20 إلى 25 خيمة، وآخرون يقيمون في مسجد وقاعة كبرى في البلدة قدمها المجلس البلدي. في بني وليد، على بعد 100 كيلومتر جنوب غرب مدينة تاورغاء، أُضيفت 55 أسرة وصلت حديثا إلى 230 عائلة هناك كانت قد نزحت من تاورغاء منذ 2011.قالت ويتسن: "لدى السلطات الليبية والأمم المتحدة أدوار مهمة تلعبها ضد المفسدين من مصراتة. من المسيء أن تستخدم جماعات مصراتة العنف لمحاولة تخريب اتفاق تم التفاوض عليه منذ فترة طويلة، بعد قبولها حزمة تعويضات سخية".

قال إرقيعة إن عدد السكان في المخيمات متفاوت، مع رحيل عائلات كثيرة إلى طرابلس ومدن أخرى بسبب الظروف الجوية القاسية وسوء الصرف الصحي ونقص الرعاية الصحية والمعيشة السيئة. أضاف إن رجلين عانيا من سكتات دماغية وتوفيا في حادثتين منفصلتين. قال إن الشاعلي أبو ناب (65 عاما) توفي في 1 فبراير/شباط في "مركز طرابلس الطبي"، على بعد 245 كيلومترا من مكان إقامته، بينما توفي محمد أحمد بركة في بلدة ترهونة في 12 فبراير/شباط، بعد إصابته بسكتة دماغية قبل يومين.

 في 13 فبراير/شباط، اندلع حريق حوالي الساعة 10 ليلا في خيمة في قرارة القطف، بعد أن حاولت عائلات طهو العشاء، بحسب إرقيعة. تسببت الحادثة في إصابة امرأتين من تاورغاء بحروق خفيفة، بحسب ما قال.

في 31 يناير/كانون الثاني، أصدر "المجلس العسكري مصراتة"، "رابطة أسر الشهداء والمفقودين"، و"مجلس أعيان مصراتة"، بيانا يعارضون فيه عودة سكان تاورغاء التي كانت متوقعة في 1 فبراير/شباط، مطالبين بتأجيلها. ادعى البيان أن ثمة أجزاء من اتفاق الوساطة الأممي لم يتم تنفيذها.  

تحدثت هيومن رايتس ووتش هاتفيا في 12 فبراير/شباط مع عبد الرحمن الشكشاك، رئيس المجلس المحلي في تاورغاء وكبير مفاوضيها. قال إن البعض في مصراتة عارضوا عودة سكان تاورغاء، رغم الاتفاق وتلقيهم 25 بالمئة من التعويض الذي وعدت به حكومة الوفاق الوطني كدفعة أولى للضحايا من الجانبين. ينص الاتفاق على تقديم 463 مليون دينار ليبي (348 مليون دولار أمريكي بحسب سعر الصرف الرسمي) كتعويضات، ومن المقرر حصول الضحايا من سكان تاورغاء على 170 مليون دينار ليبي، وفقا لمقابلة الشكشاك مع موقع "الوسط" الإخباري.

قال الشكشاك إن حكومة الوفاق الوطني قدمت أيضا دفعات إلى وزارة الداخلية، وزارة الحكم المحلي، والقوات الموالية للحكومة في المنطقة الوسطى لتسهيل العودة.

حاول سكان تاورغاء العودة إلى بلدتهم في عدة مناسبات منذ نزوحهم القسري، ولكن منعتهم ميليشيات مصراتة في كل مرة، بذريعة قتالهم إلى جانب قوات القذافي خلال نزاع 2011 وارتكابهم جرائم حرب في مصراتة. الميليشيات، ومعظمها من مصراتة، نهبت تاورغاء عام 2011، وهدمت وأحرقت مبانٍ عدّة في البلدة. منذ عام 2011، كانت الجماعات المسلحة من مصراتة مسؤولة عن انتهاكات متعددة ضد أهالي تاورغاء، منها إطلاق النار على مخيمات النازحين من البلدة، الاحتجاز التعسفي، الإخفاء القسري، والتعذيب.

كان هناك نقص في المساءلة عن الجرائم المرتكبة ضد سكان تاورغاء. لم تلاحق السلطات الليبية سوى الجرائم المنسوبة إلى سكان تاورغاء، وأدانتهم غالبا بتهم القتل وحيازة أسلحة بصورة غير مشروعة، وحكمت على المدانين بالسجن وحتى الإعدام. لم يقاضَ أحد، خصوصا من الميليشيات، لتهجير سكان تاورغاء قسرا أو لأي انتهاكات خطيرة أخرى ضدهم.

تنص "المبادئ التوجيهية بشأن التشريد الداخلي" على أن النزوح ينبغي أن يكون لفترة محدودة، وليس "أطول مما تقتضيه الظروف". وينص القانون الدولي أيضا على أن للمدنيين المهجرين قسرا أثناء النزاع الحق في العودة إلى ديارهم في أقرب وقت ممكن دون شروط.

تشكل بعض الانتهاكات المرتكبة كجزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي على السكان المدنيين، بما في ذلك التعذيب والاحتجاز التعسفي والتشريد القسري، جرائم ضد الإنسانية. خلصت "لجنة الأمم المتحدة الدولية لتقصي الحقائق حول ليبيا"، في تقريرها الصادر في مارس/آذار 2012، إلى أن ميليشيات مصراتة ارتكبت جرائم ضد الإنسانية ضد سكان تاورغاء، وأن التدمير المتعمد لتاورغاء "كان لجعلها غير صالحة للسكن".

المُدعية العامة لدى المحكمة الجنائية الدولية مكلفة بالتحقيق في الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، والإبادة الجماعية التي ارتكبت في ليبيا منذ 15 فبراير/شباط 2011. توصلت أبحاث هيومن رايتس ووتش في ليبيا منذ عام 2011 إلى وجود انتهاكات مستشرية للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي من قبل أطراف النزاع؛ منها الاعتقال التعسفي الجماعي الطويل الأجل، التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، التهجير القسري، والقتل غير المشروع. في مواجهة الفظائع المتصاعدة، دعت هيومن رايتس ووتش المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية إلى توسيع تحقيقاتها بشكل عاجل في الجرائم الخطيرة الجارية التي ترتكبها جميع الأطراف، بما فيها الجرائم المحتملة ضد الإنسانية.

قالت بنسودة إن الوضع في ليبيا لا يزال يشكل أولوية لمكتبها، وإنها لن تتردد في استصدار أوامر اعتقال جديدة إذا ما دعمت الأدلة ذلك. قالت هيومن رايتس ووتش إنه بالنظر إلى الجرائم الخطيرة المرتكبة في ليبيا والتحديات التي تواجه السلطات، فإن ولاية المحكمة الجنائية الدولية لا تزال حاسمة لإنهاء الإفلات من العقاب في ليبيا. قالت هيومن رايتس ووتش إن على مجلس الأمن الدولي، الذي منح المحكمة الجنائية الدولية ولاية عام 2011، بالعمل مع الدول الأعضاء في المحكمة، ضمان الدعم والموارد السياسية للمحكمة لتوفير العدالة بشكل كامل ومنصف لأسوأ الجرائم الدولية في ليبيا.

قالت ويتسن: "على المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية الالتزام بالتحقيق مع المتورطين في جرائم خطيرة ضد أهالي تاورغاء. في الوقت نفسه، السلطات الليبية ملزمة بالسماح لهؤلاء المهجرين بالعودة إلى ديارهم بأمان، دون تعرضهم لخطر الانتقام".