معالي الوزير لو دريان،

نكتب إليكم قبيل الاجتماع الوزاري المزمع عقده برئاستكم ورئاسة نظيركم الإيطالي وبمشاركة قادة عالميين حول ليبيا على هامش انعقاد "الجمعية العامة للأمم المتحدة" في نيويورك، الخميس 26 سبتمبر/أيلول 2019، لحثكم على العمل مع زملائكم من إيطاليا ودول أخرى على إعطاء الأولوية في المناقشة للمخاوف الحقوقية والحاجة إلى المساءلة عن الجرائم الخطيرة.

لاحظنا بقلق متزايد غياب المساءلة وحقوق الإنسان عن المفاوضات المتصلة بالهدنة والتسوية السياسية لإنهاء حمام الدم الحالي في ليبيا. نؤمن بشدة بضرورة زيادة التركيز على العدالة والمساءلة لمعالجة التجاوزات والانتهاكات في ليبيا والحيلولة دون المزيد من الجرائم. 

اندلعت الاشتباكات الحالية في محيط طرابلس في أبريل/نيسان 2019 مع قيام الجنرال خليفة حفتر، قائد الجماعة المسلحة المعروفة باسم "الجيش الوطني الليبي" في الشرق، بشن هجوم ضد الجماعات المسلحة في طرابلس الداعمة لـ"حكومة الوفاق الوطني" المناوئة والمدعومة أُمميا. قتلت المعارك ما يزيد عن ألف شخص، منهم أكثر من 100 مدني، ونزوح ما يزيد عن 120 ألفا آخرين. الجماعات المسلحة الداعمة لجميع أطراف النزاع مسؤولة عن أضرار جسيمة لحقت بالبنية التحتية المدنية، كما استهدفت الكادر الطبي وانتهكت الحظر المفروض على الأسلحة عدة مرات.

بدأت محنة ليبيا قبل الصراع الحالي بفترة طويلة. وثقت "هيومن رايتس ووتش" على مدار السنوات الخمس الماضية انتهاكات للقانون الدولي في شرق ليبيا وغربها وجنوبها، بما فيها إعدامات غير قانونية وعمليات اختطاف وإخفاء قسري وهجمات على البنية التحتية المدنية. ما يزال أكثر من 48 ألف شخص من تاورغاء قرب مصراتة مهجّرين منذ 2011 رغم اتفاقات المصالحة المتعددة بين تاورغاء والمسؤولين في مصراتة، ولا يمكن لعائلات بنغازي ودرنة وأجدابيا المعارضة للجيش الوطني الليبي العودة إلى منازلها في شرق ليبيا خوفا من التعذيب، والاحتجاز التعسفي، والإعدام خارج نطاق القضاء. 

آلاف الليبيين هم رهن الاحتجاز التعسفي المطوّل في ظروف سيئة وبلا تهمة في سجون تديرها وزارات العدل والداخلية والدفاع التابعة للحكومتين المتنافستين في شرق البلاد وغربها. وثّقنا سوء معاملة واسع النطاق ومنهجي وظروف مزرية في هذه السجون.

يعاني المهاجرون وطالبو اللجوء المحتجزون على يد المهربين والمتاجرين بالبشر أو ضمن مراكز الاعتقال التابعة لحكومة الوفاق الوطني من المعاملة اللاإنسانية والاكتظاظ والظروف غير الصحية والعنف، بما في ذلك الاعتداء الجنسي والضرب والجَلد. ساهم قيام مؤسسات "الاتحاد الأوروبي" والدول الأعضاء فيه بنقل مسؤولية ضبط الهجرة إلى السلطات الليبية، وتنازل الاتحاد الأوروبي جماعيا عن مسؤولية الإنقاذ في البحر، في تفاقم الوضع في ليبيا.

يتعرض الصحفيون والإعلاميون والنشطاء إلى المضايقة واعتداء السلطات والجماعات المسلحة المنتظم ضدهم في جميع أنحاء البلاد. نتيجةَ لذلك، فر معظم الصحفيون المستقلون من البلاد، واختفت بالكامل تقريبا مساحة الانتقاد. تعرض المحامون والقضاة ووكلاء النيابة، بالمثل، لهجمات الجماعات المسلحة وضغوطاتها، ما أدى إلى انهيار جزئي لنظام العدالة الجنائية الوطني

ثمّة حاجة ماسة إلى معالجة ثقافة الإفلات من العقاب في ليبيا. ينبغي للمجتمع الدولي العمل على ضمان مواجهة مرتكبي الجرائم الخطيرة المستمرة في البلاد عواقب ملموسة. نتيجةً للانهيار الفعلي للقضاء الجنائي المحلي، لم تحقق السلطات الليبية مع المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة أو تحاكمهم. وبينما ولاية "المحكمة الجنائية الدولية" تشمل ليبيا، يُرجح اقتصار نطاق عملها بدوره على بضعة أفراد ينظر إليهم على أنهم الأكثر مسؤولية عن الجرائم المرتكبة. أظهر بحثنا في الوقت نفسه أن التخلي عن المساءلة أو الإصرار على تسوية سياسية مشروطة بالإفلات من العقاب هو ببساطة ليس حلا مستداما. 

لذا، نحثكم والجهات الفاعلة المعنية الأخرى على:

  • التصريح علنا ​​وبشكل لا لبس فيه على وجوب محاسبة أي مسؤول عن انتهاكات القانون الدولي. ويشمل ذلك كبار المسؤولين الحكوميين الليبيين، مدنيين وعسكريين، ممن لم يبذلوا جهودا جادة لإيقاف الانتهاكات التي ترتكبها الجماعات الخاضعة لقيادتهم أو منعها؛
  • ضمان إدراج حقوق الإنسان والمساءلة كجزء أساسي من أي محادثات تسوية سياسية. ينبغي دعم مجموعة متنوعة من النشطاء الحقوقيين الليبيين لقيادة هذه الجهود؛
  • ضمان تنفيذ أقوى لبرنامج العقوبات الذي بدأ العمل به عام 2011، بالنظر إلى الانتهاكات واسعة النطاق لحظر الأسلحة الذي فرضه "مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة" على ليبيا وأسفر عن وصول أسلحة وذخائر إلى الجماعات المسلحة المسؤولة عن انتهاكات حقوقية خطيرة؛
  • دعم دعوة المنظمات غير الحكومية الليبية والدولية إلى إنشاء آلية تحقيق دولي تتمتع بصلاحية توثيق حالة حقوق الإنسان في ليبيا، ورصدها، وإعداد تقارير علنية عنها، وذلك في دورة مارس/آذار 2020 في "مجلس حقوق الإنسان" كونها الفرصة الآتية الأفضل. ينبغي أن تعمل الآلية على تحديد المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات الحقوقية الخطيرة، ومنها تلك التي تستهدف المهاجرين واللاجئين، بهدف المساهمة في جهود المساءلة الموثوقة على الصعيدين الوطني والدولي. حظيت هذه الدعوة بتأييد المبعوث الأممي الخاص إلى ليبيا غسان سلامة و"مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان"؛
  • اشتراط تقديم أي دعم إلى السلطات الليبية أو العمل المشترك معها بإنهاء الانتهاكات ضد المهاجرين وطالبي اللجوء، ودعوة السلطات الليبية إلى إغلاق مراكز الاحتجاز، وتسهيل إجلاء المهاجرين المحتجزين وطالبي اللجوء إلى أماكن آمنة خارج ليبيا. ينبغي لفرنسا تسريع إعادة توطين اللاجئين الذين تم إجلاؤهم من ليبيا إلى بلدان أخرى آمنة.
  • دعم جهود المحكمة الجنائية الدولية في ليبيا، بما في ذلك الضغط من أجل تسليم المطلوبين من قبل المحكمة وضمان امتلاك المدعية العامة للمحكمة موارد كافية لتنفيذ عملها بفعالية.

شكرا لكم على عنايتكم، ونتطلع إلى مناقشة هذه القضايا بالتفصيل معكم في الوقت الذي ترونه مناسبا.

مع كامل التقدير،

بينيدكت جانرو

مديرة مكتب فرنسا

هيومن رايتس ووتش

حنان صلاح

باحثة أولى في ليبيا

هيومن رايتس ووتش

نسخة إلى: الأمين العام للأمم المتحدة، ووزراء خارجية إيطاليا وألمانيا والإمارات ومصر وتركيا، وممثلي الدول الدائمة العضوية والاتحاد الأوروبي و"الاتحاد الأفريقي" و"جامعة الدول العربية"