(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن القوات الإسرائيلية تواصل قتل المدنيين وجرحهم وحرمان الفلسطينيين في غزة من الغذاء والمساعدات والمياه الكافية، بعد عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025. استمرت أفعال الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها إسرائيل، بما فيها التهجير القسري والإبادة، طوال فترة وقف إطلاق النار. ينبغي للدول الأخرى اتخاذ تدابير فورية لحماية المدنيين وضمان بدء إعادة إعمار قائمة على الحقوق.
يتولى "مجلس السلام"، المفوّض بموجب القرار رقم 2803 الصادر عن "مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة"، مهمة تقييم مدى امتثال الأطراف لـ "الخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة". تشكّل الوعود بالإغاثة الإنسانية واستعادة البنية التحتية المدنية الأساسية محورا أساسيا في الخطة. لكن، بعد عام، ما يزال حجم المساعدات أقل بكثير من المستويات المطلوبة، وتعرّضت مسارات الوصول الإنساني الحيوية للعرقلة مرارا، ولم تبدأ إعادة الإعمار بعد. قتلت الهجمات الإسرائيلية المستمرة ما لا يقل عن 1,400 فلسطيني وجرحت 4,881 آخرين، بحسب وزارة الصحة في غزة، ما يرفع حصيلة القتلى منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى أكثر من 74 ألفا، بينهم أكثر من 21 ألف طفل.
قالت سارة صنبر، باحثة إسرائيل وفلسطين بالإنابة في هيومن رايتس ووتش: "قد يكون العالم الخارجي تحت وهم خطير مفاده أن الحياة في غزة تعود إلى طبيعتها، لكن الواقع مختلف تماما. لا شيءَ طبيعيٌ في العيش داخل خيمة تحت القصف، دون ما يكفي من الغذاء أو مياه الشرب لعائلتك".
مع اقتراب فصل الشتاء، تواجه العائلات التي تعيش في أزمة مأوى هندستها إسرائيل وفيات ومعاناة يمكن تفاديهما، وهي أزمة تمس حقوقا إنسانية أساسية مثل الحق في السكن والصحة والتعليم. أفادت "مجموعة المأوى في فلسطين"، استنادا إلى مسح شمل نحو ألفَي أسرة في أنحاء غزة، بأن 94% من سكان غزة يفتقرون إلى مأوى ملائم. دُمّر نحو ثلثَيْ الوحدات السكنية، والعديد من المساكن التي ما تزال قائمة متضررة وغير آمنة. أظهر المسح أن أكثر من نصف الأسر التي قارب عددها ألفَيْن تعيش في خيام. في سبتمبر/أيلول 2026، انهار مبنى متضرر كان يؤوي نحو 100 شخص، فقتل 21 منهم، بينهم 12 طفلا.
لا يزال قطاعا التعليم والصحة في غزة مدمرَيْن. بدأ العام الدراسي الجديد الشهر الماضي، فيما دُمّر أو تضرر 93% من المدارس. سجّلت "منظمة الصحة العالمية" 56 هجوما على الرعاية الصحية في غزة بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2026، فيما لا يعمل جزئيا سوى 35 من أصل 57 مستشفى ومستشفى ميدانيا في غزة، ولا يعمل أي منها بكامل طاقته. في غضون ذلك، أفادت منظمات إنسانية بزيادة الأمراض بسبب ظروف العيش في المخيمات والملاجئ المكتظة، بما فيها سوء إدارة النفايات، وفيضان مياه الصرف الصحي، وانتشار القوارض.
يخيّم خطر المجاعة وانعدام الأمن الغذائي الحاد على غزة، إذ ما يزال دخول المساعدات الإنسانية محدودا وغير منتظم، فيما يعجز سكان غزة عن إنتاج غذائهم بسبب تدمير القوات الإسرائيلية الواسع للأراضي الزراعية والقيود على صيد الأسماك. في يوليو/تموز، أفاد "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي"، الذي يضم أبرز خبراء الأمن الغذائي في العالم، بأن 67% من السكان، أي أكثر من 1.4 مليون شخص، "يُتوقع أن يواجهوا مستوى الأزمة أو مستويات أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد بين يوليو/تموز وديسمبر/كانون الأول 2026".
بحسب "الاتحاد الأوروبي" والأمم المتحدة، تُقدّر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة بـ 71.4 مليار دولار أمريكي على مدى العقد المقبل. في 23 سبتمبر/أيلول، قدّم مجلس السلام "برنامج تعافي غزة لمدة ستة أشهر" جاهزا للبدء "حالما يسمح التمويل والوصول"، لكن بعد عام لم تبدأ أي جهود للتعافي.
تُواصل إسرائيل تحريك "الخط الأصفر"، وهو الحد المعلن للوجود الميداني للقوات البرية الإسرائيلية بموجب وقف إطلاق النار، غربا إلى ما وراء حدوده المتفق عليها، فيما يصف مسؤولون إسرائيليون الخط بأنه "الحدود الجديدة" لإسرائيل. باتت المنطقة الواقعة داخل الخط الأصفر تشكّل نحو 64% من قطاع غزة، وتعمل القوات الإسرائيلية على تهجير الفلسطينيين مع تحرّك الخط، مانعة السكان من العودة إلى منازلهم وراءه، وحاشرة سكان غزة البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة في شريط من الأرض يتقلص باستمرار.
في يونيو/حزيران، وثّق "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" (أوتشا) مقتل 196 فلسطينيا قرب الخط الأصفر، وأن تحريكه غربا يبتلع نقاط المياه والمرافق الصحية، ما يمعن في تقييد الخدمات الأساسية للفلسطينيين. بالتوازي مع هذه الأفعال، يواصل مسؤولون إسرائيليون الإعلان صراحة عن هدف التطهير العرقي لغزة. مثلا، اقترح وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في سبتمبر/أيلول "خطة فك الارتباط 710"، الهادفة إلى إفراغ غزة من سكانها خلال سبع سنوات، وإنشاء وزارة لـ "الهجرة الطوعية" لهذا الغرض.
بحسب سلطات "الدفاع المدني الفلسطيني"، جرى انتشال أكثر من 630 جثة من تحت الأنقاض منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وتقدّر السلطات أن أكثر من 8 آلاف جثة ما تزال تحت الأنقاض. حذّرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة في سبتمبر/أيلول 2026 من أن إزالة الأنقاض على نطاق واسع في مناطق غزة الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية ينبغي ألا تصبح وسيلة لمحو آثار جرائم الفظائع. قالت هيومن رايتس ووتش إن العثور على رفات المفقودين تحت الأنقاض ضروري كي تعرف العائلات مصير ذويها، وتتيح دفنهم بشكل لائق، وتبدأ مسارا طويلا للتعافي والانتصاف.
بينما يناقش قادة العالم مستقبل غزة، من الضروري أن يعالجوا بصورة عاجلة حقوق الفلسطينيين في إعادة بناء حياتهم في غزة، ويرفضوا رفضا قاطعا جميع المقترحات الإسرائيلية للتهجير القسري والتطهير العرقي، ويدعموا جميع تدابير المساءلة لإنهاء الوضع الحقوقي الكارثي في غزة.
قالت صنبر: "يستحق الفلسطينيون مستقبلا أفضل تُحترم فيه حقوقهم ويعيشون فيه بكرامة، لكن لا شيء من هذا ممكن ما لم تتوقف الفظائع ويصبح العدل والانتصاف حقيقة واقعة".