Skip to main content
تبرعوا الآن

غزة: إسرائيل تقيّد المساعدات وتقتل مدنيين أثناء وقف إطلاق النار

خطر المجاعة يعود مع تقاعس "مجلس السلام" عن الوفاء بالتزاماته

شاحنات إغاثة تدخل معبر كرم أبو سالم في خان يونس، غزة، 12 أكتوبر/تشرين الأول 2025. © 2025 عمر القطّاع/أ ف ب عبر غيتي إيمجز

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن البنية التحتية الإنسانية التي تُبقي الناس على قيد الحياة في غزة لا تزال مهددة بعد أكثر من ستة أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025. وبينما يستعد "مجلس السلام" لإحاطة "مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة" (مجلس الأمن) في 21 مايو/أيار بشأن تقريره الصادر حديثا حول التقدم خلال ستة أشهر، تقوّض السلطات الإسرائيلية الشرايين التي تغذي الإغاثة. قتلت الهجمات الإسرائيلية المستمرة ما لا يقل عن 856 فلسطينيا وأصابت 2,463 آخرين، بحسب وزارة الصحة في غزة.

ويتولى مجلس السلام، المفوّض بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2803، مهمة تقييم مدى امتثال الأطراف لـ "الخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة". التوسّع السريع في إيصال المساعدات وحمايتها محوري في هذه الخطة، إلى جانب استعادة البنية التحتية المدنية الأساسية. لكن حجم المساعدات لا يزال أقل بكثير من المستويات المطلوبة، كما أن مسارات الوصول الإنساني الحيوية تعرّضت للعرقلة مرارا، وفقا لـ "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" (أوتشا).

قال آدم كوغل، نائب مديرة الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "كان من المفترض أن تجلب الخطة انفراجا. لكن الفلسطينيين في غزة ما زالوا جياعا ومحرومين من الرعاية الطبية، وما يزال المدنيون يُقتلون. مهما قال مجلس السلام لمجلس الأمن، هذا واقع الحياة بعد ستة أشهر".

قال مجلس السلام في تقريره في15 مايو/أيار إن المساعدات التي وزعتها وكالات الأمم المتحدة وشركاؤها زادت أكثر من 70% خلال الفترة المشمولة بالتقرير مقارنة بمستويات ما قبل وقف إطلاق النار، وإن "الاحتياجات الغذائية الأساسية قد استقرت للمرة الأولى منذ عام 2023". تغفل الأرقام العريضة التي قدمها المجلس حقيقة أن حجم المساعدات قد انخفض منذ أوائل 2026، ولم يتعافَ إلى ما كان عليه قبل بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في أواخر فبراير/شباط، ولم يرجع قط إلى الحد الأدنى الذي تقول الأمم المتحدة إنه ضروري. وكانت أربع وكالات أممية قد حذّرت في ديسمبر/كانون الأول من أن المجاعة، التي تراجعت قبل أسابيع فقط بفضل وقف إطلاق النار، قد تعود بسرعة بدون استدامة الإمدادات وإمكانية الحصول عليها.

في 28 فبراير/شباط 2026، ومع بدء العمليات العسكرية الإسرائيلية-الأميركية ضد إيران، أغلقت السلطات الإسرائيلية جميع المعابر إلى غزة. وانخفض عدد الشاحنات الداخلة في الأسابيع التالية من متوسط أسبوعي بلغ 4,200 شاحنة إلى 590 فقط، استنادا إلى أرقام التنسيق العسكري الأميركي التي أوردتها "هآرتس". أُعيد فتح معبر كرم أبو سالم جزئيا في 3 مارس/آذار، بعد ضغوط أميركية أفادت بها تقارير، ولا يزال معبرا كرم أبو سالم وزيكيم نقطتي الدخول الوحيدتين العاملتين للمساعدات الإنسانية والسلع التجارية.

بدأت الشاحنات التجارية تدخل غزة مجددا بأعداد أكبر، إذ عبرت 789 شاحنة خاصة بين 4 و10 مايو/أيار، وفقا لـ أوتشا. لكن إجمالي الإمدادات لا يزال دون مستويات ما قبل 28 فبراير/شباط، وأقل بكثير مما يحتاج إليه سكان غزة.

وفقا لتقرير الحالة الإنسانية الصادر عن أوتشا في 1 مايو/أيار، أوصلت مجموعات الإغاثة حصصا غذائية إلى نحو 197 ألف أسرة في أبريل/نيسان، بما يغطي 75% من الحد الأدنى للاحتياجات اليومية من السعرات الحرارية، وهو تحسن مقارنة بمارس/آذار، حين كانت الحصص تغطي نصف تلك الاحتياجات فقط. بحسب أوتشا، انخفض العدد الإجمالي للوجبات المقدمة يوميا منذ أواخر مارس/آذار، مع تقليص بعض مجموعات الإغاثة للتوزيع المباشر للمواد الغذائية.

أفاد "برنامج الأغذية العالمي" أن الناس في غزة كانوا يأكلون أقل في النصف الأول من أبريل/نيسان مقارنة بمارس/آذار، إذ إن معظم الأسر لا تتناول الخضروات أو الفاكهة أو البروتين إلا مرة واحدة في الأسبوع أو أقل. ومع النقص الحاد في غاز الطهي، بات 68% من الناس يحرقون النفايات لطهي وجباتهم، بزيادة 13% عن مارس/آذار.

حتى 5 فبراير/شباط، لم يكن أي من مستشفيات غزة، البالغ عددها 37، يعمل بكامل طاقته، وكان 19 منها يعمل جزئيا، وفقا لـ أوتشا. تقدر "منظمة الصحة العالمية" أن أكثر من 43 ألف شخص تعرضوا لإصابات غيّرت حياتهم، ربعهم أطفال، ويحتاج أكثر من 50 ألف إلى رعاية تأهيلية طويلة الأمد. ولا يعمل أي مرفق تأهيلي بشكل كامل. قالت المنظمة أيضا إن التأخير الإسرائيلي في الموافقة على المعدات الجراحية المتخصصة يحدّ من الرعاية المعقدة، وإن 46% من الأدوية الأساسية نفدت من المخزون. وتتسبب القيود الإسرائيلية على إدخال المولدات وزيت المحركات وقطع الغيار في تعطّل قطاعات الرعاية الصحية والصرف الصحي وإزالة الأنقاض والعمل الإنساني، وفقا لـ أوتشا.

بحسب أوتشا، تنتشر القوارض والحشرات في أنحاء مخيمات المهجرين، فيما تتزايد الالتهابات الجلدية وأمراض أخرى. تحذّر وكالات الأمم المتحدة ومجموعات الإغاثة العاملة في مجال المياه والصرف الصحي من أن النقص الحاد في زيوت التشحيم وقطع الغيار يؤدي إلى تعطل المولدات. وفي خان يونس، توقفت محطات ضخ مياه الصرف الصحي عن العمل، وأخذت النفايات غير المعالجة تغمر الشوارع السكنية. وفي مختلف أنحاء غزة، يعمل أكثر من 200 مرفق للمياه والصرف الصحي على مولدات احتياطية منذ أكثر من عامين ونصف، ويعتمد معظمها الآن على زيت معاد تدويره.

في 6 أبريل/نيسان، أفادت "الجزيرة" بأن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على مركبة تابعة لمنظمة الصحة العالمية في شرق خان يونس، ما أسفر عن مقتل متعاقد وإصابة عدة آخرين. علّقت المنظمة عمليات الإجلاء الطبي عبر رفح لمدة ستة أيام ردا على ذلك. وحتى أواخر أبريل/نيسان، كانت أوتشا قد سجّلت مقتل ما لا يقل عن 593 عامل إغاثة في غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم ثمانية منذ وقف إطلاق النار.

قتلت غارات جوية عامل إغاثة عند بئر مياه في مدينة غزة في 20 أبريل/نيسان، وعاملا في منظمة "أرض الإنسان" غير الحكومية في 26 أبريل/نيسان، ما أدى في الحالتين إلى تعليق خدمات أساسية. وفقا لوزارة الصحة في غزة، توفي أكثر من 1,400 مريض أثناء انتظار الإجلاء الطبي منذ السيطرة على معبر رفح في مايو/أيار 2024، وما يزال أكثر من 18,500 مريض، بينهم 4 آلاف طفل، ينتظرون الإجلاء.

أفادت منظمة "چيشاة-مسلك" غير الحكومية بأن السلطات الإسرائيلية منعت كليا وصول مرضى غزة إلى المستشفيات في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وفي إسرائيل، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، رغم أنها سهّلت أحيانا حصولهم المحدود على العلاج في الخارج، بما يشمل عبورهم الأراضي الإسرائيلية منذ يوليو/تموز 2024.

منذ وقف إطلاق النار، نقلت القوات الإسرائيلية "الخط الأصفر"، وهو الحد المتفق عليه للسيطرة الإسرائيلية على الأرض داخل غزة، غربا إلى ما بعد حدوده المتفق عليها. وأنشأت ما لا يقل عن 32 موقعا عسكريا، وهي تبني ما يفترض أنه حاجز بري دائم أو طويل الأمد، وفقا لتحليل صور الأقمار الصناعية الذي نشرته هآرتس. ووثّق "مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان" مقتل ما لا يقل عن 167 فلسطينيا قرب الخط بين 11 أكتوبر/تشرين الأول و21 يناير/كانون الثاني، بينهم 26 طفلا و17 امرأة. وقال رئيس "أطباء بلا حدود" في غزة لـ هآرتس إن الخط، مع انتقاله غربا، يقضم نقاط المياه والمرافق الصحية.

وفقا لـ "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلطسين في الشرق الأدنى" (الأونروا)، يقع 127 من مرافقها الآن خلف الخط أو في مناطق يتطلب الوصول إليها موافقة إسرائيلية. منذ مارس/آذار 2025، منعت السلطات الإسرائيلية الوكالة من إدخال المساعدة الإنسانية مباشرة إلى غزة.

تتضمن الخطة الشاملة التزامات من جانب إسرائيل لا تزال غير مستوفاة، ومن ضمنها زيادة المساعدة الإنسانية. وكانت هيومن رايتس ووتش قد أثارت سابقا مخاوف بشأن عناصر أخرى من الخطة، منها إنشاء مجلس سلام من دون تمثيل فلسطيني.

في الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام في فبراير/شباط، تعهّدت 10 دول أعضاء ومراقبة في المجلس بتقديم ما مجموعه 17 مليار دولار أمريكي لإعادة الإعمار، مقابل تقديرات الأمم المتحدة بأن المطلوب هو 70 مليار دولار. حتى أبريل/نيسان، كان المجلس قد تلقى أقل من مليار دولار من المبلغ المتعهد به، مع تقديم ثلاثة مانحين فقط الأموال، وفقا لـ "رويترز".

على إسرائيل، بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، بموجب القانون الدولي الإنساني، أن تضمن حصول السكان المدنيين على الغذاء والمياه والرعاية الطبية والإمدادات الأساسية، وتسهّل المرور السريع وغير المقيّد للإغاثة الإنسانية. تجويع المدنيين كوسيلة من وسائل الحرب هو جريمة حرب بموجب "نظام روما الأساسي" المُنشِئ لـ "المحكمة الجنائية الدولية". كما أن فرض ظروف معيشية عمدا بقصد التسبب في التدمير المادي للسكان يشكل فعلا من أفعال الإبادة الجماعية بموجب "اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها".

وثّقت هيومن رايتس ووتش في ديسمبر/كانون الأول 2023 استخدام إسرائيل التجويع كسلاح حرب في غزة، وفي ديسمبر/كانون الأول 2024 نشرت تقريرا خلصت فيه إلى أن حرمان إسرائيل المتعمد للفلسطينيين في غزة من المياه يرقى إلى الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة بالإبادة وإلى أفعال الإبادة الجماعية.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطات الإسرائيلية أن تمتثل فورا لالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، بما يشمل ضمان المرور غير المعرقل للمساعدات الإنسانية على نطاق واسع عبر جميع المعابر، ورفع القيود غير القانونية المفروضة على الأونروا وغيرها من المنظمات الإنسانية الدولية، وضمان سلامة العاملين في المجال الإنساني.

ينبغي للحكومات تعليق نقل الأسلحة إلى الحكومة الإسرائيلية، وفرض عقوبات محددة الهدف على المسؤولين الإسرائيليين الذين توجد أدلة موثوقة على تورطهم في انتهاكات جسيمة، وتعليق اتفاقيات التجارة التفضيلية مع إسرائيل، وتعزيز المساءلة من خلال دعم "محكمة العدل الدولية" والمحكمة الجنائية الدولية، بما يشمل تنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.

قال كوغل: "عندما يقدم مجلس السلام إحاطته إلى مجلس الأمن، ينبغي للأعضاء مقارنة ما يسمعونه بالتقارير الميدانية من وكالات الأمم المتحدة. فلا يمكن لأي تضليل إخفاء حقيقة أن المساعدات لا تدخل بالقدر المطلوب، والمرض لا يحصلون على الرعاية الطبية الكافية، والعبور إلى غزة ما يزال محدودا". 

Your tax deductible gift can help stop human rights violations and save lives around the world.

الأكثر مشاهدة