Skip to main content
تبرعوا الآن

أسئلة وأجوبة: المحاكمات الأولى والمستقبلية في سوريا بشأن جرائم عهد الأسد

سميرة حاحامي أمام صور لابنها حمزة الخطيب، الذي توفي بعمر 13 عاما في مايو/أيار 2011 أثناء اعتقاله لدى قوات الأمن. حملت جثته آثار التعذيب.  © 2026 حسام حق عمير/الأناضول عبر غيتي إيمجز

 

 

  1. ما هي القضايا التي رُفعت في سوريا بشأن جرائم عهد الأسد؟

 

بدأت "محكمة الجنايات الرابعة" في دمشق محاكمة عدد من كبار المسؤولين في حكومة الأسد. وفي أغسطس/آب 2026، أصدرت أول حكم لها بشأن جرائم عهد الأسد في القضية رقم 1 لسنة 2026، حيث أدانت عاطف نجيب وثمانية متهمين آخرين حوكموا غيابيا، منهم الرئيس السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر، بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب

وكان نجيب، ابن خالة الرئيس السابق الأسد، هو المتهم الوحيد الذي مثل حضوريا أمام المحكمة. وقد اعتقلت السلطات السوريةنجيب في اللاذقية في يناير/كانون الثاني 2025، عقب سقوط حكومة الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.كان نجيب يترأس فرع الأمن السياسي في مدينة درعا عام 2011 خلال الاحتجاجات التي اندلعت بفعل اعتقال وتعذيب 15 صبيا متهمين بكتابة عبارات مناهضة للحكومة على الجدران. وأطلقت قوات الأمن لاحقا النار على مظاهرة سلمية تطالب بالإفراج عن الصِبية، وهو حادث يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره محفزا للانتفاضة. 

عاطف نجيب خلال جلسة محاكمة في قصر العدل في دمشق، سوريا، في 26 أبريل/نيسان 2026. © 2026 أسوشيتد برس/غيث السيد

وثّقت "هيومن رايتس ووتش" عمليات قتل وتعذيب ممنهجة بحق المتظاهرين على يد قوات الأمن السورية في درعا، وهو ما يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية. فرضت الولايات المتحدة و"الاتحاد الأوروبي" عقوبات على نجيب عام 2011. وأصبح لاحقا رئيسا لفرع الأمن السياسي في إدلب، حيث وثقت هيومن رايتس ووتش انتهاكات جسيمة، منها التعذيب والاحتجاز التعسفي بدءا من العام 2011.  

في 18 أغسطس/آب، أدين أيضا وسيم الأسد، وهو قريب آخر للرئيس السابق الأسد – ابن عمه – وحُكم عليه بالإعدام؛ كان وسيم الأسد يقود مجموعات شبه عسكرية موالية للحكومة. ولا تزال المحاكمة جارية بحق المفتي الأكبر السابق لسوريا أحمد حسون.  

 

  1. ما هي الجرائم التي كانت موضوع الدعوى المرفوعة ضد عاطف نجيب والمتهمين الآخرين معه؟ 

 

وفقا للحكم الشفهي الذي أصدرته المحكمة في 11 أغسطس/آب 2026، أُدين المتهمون الثمانية بارتكاب جرائم عادية، فضلا عن جرائم ضد الإنسانية وجرائم حربوصرّحت المحكمة أن النص الكامل للحكم سيُنشر على الموقع الإلكتروني الرسمي لوزارة العدل.

وأدان القضاة نجيب بما وصفوه بجرائم ضد الإنسانية، وهي القتل العمد، وقتل أكثر من شخص واحد منهم أطفال دون سن 15 عاما، والقتل المصحوب بالتعذيب، والتعذيب المؤدي إلى الوفاة، والحرمان من الحرية، والاختطاف. 

بالإضافة إلى ذلك، أدانوا نجيب بتهم التحريض على الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، فضلا عن اختلاس الأموال العامة وغسل الأموال. لا ينص قانون العقوبات السوري على جرائم ضد الإنسانية. تمت مقاضاة الجرائم بموجب مواد محددة من قانون العقوبات السوري (منها المواد 534 و535 و216 و556 و298)، و"قانون تجريم التعذيب" السوري لسنة 2022، والمرسوم لسنة 2013 بشأن الاختفاء القسري. واستشهد القضاة بتعريف الجرائم ضد الإنسانية الوارد في "نظام روما الأساسي"، وهو الوثيقة التأسيسية لـ "المحكمة الجنائية الدولية".

خلال الجلستين الأولى والثانية من المحاكمة، خلصت المحكمة إلى أن سبعة متهمين آخرين – هم بشار الأسد، وماهر الأسد، وفهد الفريج، ولؤي العلي، وقصي مهيوب، ووفيق ناصر، وطلال العيسمي – قد تم استدعاؤهم للمثول أمام المحكمة لكن لم يحضروا. أعلنت المحكمة أنهم هاربون، وأمرت بمحاكمتهم غيابيا، وجردتهم من حقوقهم المدنية، ووضعت ممتلكاتهم تحت الإدارة الحكومية. وأسقطت المحكمة الدعوى المرفوعة ضد متهم تاسع، هو محمد أيمن عيوش، الذي توفي في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، بعد أن تأكدت المحكمة من وفاته.

لا يشجع القانون الدولي لحقوق الإنسان المحاكمات الغيابية، لكنه لا يحظرها، شرط وجود ضمانات. ومن أهم هذه الضمانات حق المتهمين في إخطارهم بشكل فعال، والحق في إعادة محاكمة كاملة ونزيهة إذا اعتُقلوا لاحقا. وينص القانون السوري على هذه الحقوق، لكن من غير الواضح ما إذا كان الذين حوكموا غيابيا قد حصلوا على تمثيل قانوني فعال، وهو ضمانة ضرورية أخرى.

وأدانت المحكمة بشار الأسد بما وصفته بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب تتمثل في القتل العمد، والتعذيب، والتعذيب المؤدي إلى الوفاة، والحرمان المتكرر من الحرية، والتحريض على القتل. وأكدت المحكمة مسؤوليته عن الأفعال المنسوبة إليه مباشرة، وباعتباره رئيسا، كمنفّذ غير مباشر مسؤول عن الأفعال التي ارتكبها آخرون تحت سلطته. إلا أن القانون السوري لا ينص رسميا على الدور غير المباشر كنوع منفصل من المسؤولية. 

بشار الأسد موجود حاليا في روسيا، ومن غير المرجح أن يتم تسليمه. أدين جميع المتهمين الآخرين الغائبين عن المحاكمة بجرائم مماثلة،وقد أشارت الأحكام أيضا إلى مسؤولية القيادة، وهي غير منصوص عليها في القانون السوري. والمسؤولية القيادية هي شكل من أشكال المسؤولية التي تُحمِّل الرؤساء المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم. 

أُدين وسيم الأسد بما وصفته المحكمة بأنه جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب تتمثل في جرائم قتل متعددة و"القتل القصد المترافق مع أعمال التعذيب والشراسة".  

 

  1. ما هي المحكمة التي نظرت في القضية؟ 

 

نظرت في القضية "محكمةُ الجنايات الرابعة" في دمشق، المؤلفة من ثلاثة قضاة عيّنتهم وزارة العدل للنظر في "قضايا العدالة الانتقالية"، أي تلك المتعلقة بالجرائم المرتكبة خلال عهد الأسد. عمليا، اقتصر هذا المسار على الجرائم التي يُزعم أن حكومة الأسد ارتكبتها؛ ولا توجد أي إجراءات قضائية محلية جارية تتناول الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف أخرى في النزاع، بما فيها فصائل المعارضة المسلحة وتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). 

وتضم هيئة المحكمة رئيسها القاضي فخر الدين العريان، المُعيّن بموجب مرسوم رئاسي. ويبدو أن المحكمة أُنشئت بموجب إعلان وزاري وليس بموجب تشريع. وقد وصف المسؤولون إنشاء المحكمة بأنه وسيلة لتسريع الإجراءات وتلبية مطالبة الرأي العام بالمساءلة.

 

  1. ما هي الأدلة التي قُدمت ضد المتهمين؟

تدرج لائحة الاتهام أكثر من 40 بندا، تتناول بشكل أساسي سلوك نجيب: إفادات رسمية من عشرات الشهود والمدعين تم تسجيلها أمام قضاة التحقيق؛ وإفادات نجيب نفسه أثناء الاستجواب، التي أنكر فيها التهم الموجهة إليه؛ وصور فوتوغرافية، منها صورة لجثة أحد الضحايا في المستشفى؛ وقائمة مصدقة بأسماء 33 شخصا قُتلوا في "الجامع العمري"؛ وعمليات قتل متظاهرين؛ وسجلات طبية ووثائقية مرتبطة بمدعين محددين. حصلت هيومن رايتس ووتش على لائحة الاتهام بشكل غير رسمي، لكن لم يُنشر هذا القرار بعد. 

استندت مرافعة الادعاء في جلسات الاستماع بشكل شبه كامل إلى شهادات الشهود. ويستشهد قرار الإحالة أيضا بوثائق خارجية، منها تقرير لـ "منظمة العفو الدولية" صدر عام 1987 حول أساليب التعذيب المستخدمة في عهد الرئيس السابق حافظ الأسد، والد بشار الأسد، وتقرير "أقبية التعذيب" الصادر عن هيومن رايتس ووتش عام 2012، الذي حدد نجيب كرئيس لمركز اعتقال مورست فيه أعمال التعذيب.

لا يبدو أن سجل الأدلة قد ركز على السلوك الفردي للمتهمين الآخرين الذين حوكموا غيابيا. 

 

  1. هل أُثيرت مخاوف بشأن عدالة المحاكمة في هذه الإجراءات؟ 

المعلومات المحدودة المتاحة للجمهور بشأن الإجراءات تجعل من الصعب تقييم مدى نزاهتها وما إذا كانت حقوق المتهمين قد حظيت بالحماية. وهذا الافتقار إلى الشفافية بحد ذاته يثير مخاوف بشأن عدالة المحاكمة.

شدد مراقبو المحاكمةومنظمات المجتمع المدني السوري على أن ضمانات المحاكمة العادلة تشكل عنصرا أساسيا في العدالة ذات المصداقية، بما يشمل الحق في افتراض البراءة، والحق في التمثيل القانوني، والحق في تقديم دفاع. وقد أعرب "المركز السوري للعدالة والمساءلة" عن مخاوفه من الاستعجال في القضية، مشيرا إلى أن الحكم صدر بعد تسع جلسات استماع فقط، وتساءل عما إذا كانت الأدلة تثبت بشكل كافٍ مسؤولية نجيب الفردية عن الجرائم المنسوبة إليه. 

كما كانت هناك مخاوف بشأن التمثيل القانوني للمتهمين. وقالت نقابة المحامين السورية إن محامي نجيب واجه ضغوطا شعبية بسبب عمله. ووجد المركز السوري للعدالة والمساءلة، الذي حضر جميع جلسات المحاكمة، أن محامي نجيب لم يدافع بشكل كافٍ عن مصالحه. ولم يبدُ أن المتهمين الذين حوكموا غيابيا لديهم تمثيل قانوني، وبصرف النظر عن بيان أدلى به القاضي خلال جلستي المحاكمة الأوليين، ليس واضحا ما إذا كانت السلطات قد أخطرتهم بالإجراءات المتخذة ضدهم. 

وتتعلق مخاوف أخرى بعدم وجود وضوح قانوني حول التهم ولائحة الاتهام في ظل غياب إطار قانوني محلي يحدد العناصر المحددة لجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. لا يُعرّف قانون العقوبات السوري جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية. لمعالجة هذا الأمر، اعتمدت المحكمة على المادة 12(2) من "الإعلان الدستوري السوري"، الذي يدمج في القانون المحلي الحقوق والحريات الواردة في المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها سوريا. وتصنف لائحة الاتهام صراحةً جوانب من السلوك المتهم به على أنه جرائم ضد الإنسانية باستخدام تعريف نظام روما الأساسي، على الرغم من أن سوريا ليست عضوا في المحكمة الجنائية الدولية.  

المحاكم ملزمة باحترام مبدأ الشرعية في القانون الدولي، والذي يشمل عدم المحاكمة بأثر رجعي. أي ينبغي أن يتمكن المتهم من معرفة أن سلوكه كان جنائيا في وقت ارتكابه. ولا يمنع ذلك الملاحقة القضائية في حالة الجرائم الدولية الخطيرة المحظورة بموجب القانون الدولي، حتى لو لم تكن تلك الجرائم منصوصا عليها في القانون المحلي وقت ارتكابها. وهناك شرط ثانٍ مستقل يتمثل في وجود تعريف واضح ودقيق للجريمة نفسها وعناصرها المحددة. 

ورغم أن الحكم أكد حق نجيب في الاستئناف، إلا أن إجراءات الاستئناف لا تزال غير مؤكدة. وقد أشار وزير العدل إلى أن أمام نجيب 30 يوما لاستئناف الحكم.

  1. ما هي الأحكام التي صدرت؟

 

حكمت المحكمة بالإعدام على المتهمين الثمانية جميعا. 

ورغم أن القانون الدولي لا يحظر عقوبة الإعدام، فقد اعتمدت "الجمعية العامة للأمم المتحدة"، منذ عام 2007، 10 قرارات غير ملزمة تدعو إلى وقف تنفيذ أحكام الإعدام بهدف إلغاء العقوبة. وفي أحدث قرار صدر في 17 ديسمبر/كانون الأول 2024، صوتت 130 دولة عضوة في الأمم المتحدة، بدعم من مختلف الأقاليم – أي أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة – لصالح وقف تنفيذ عقوبة الإعدام.

تعارض هيومن رايتس ووتش عقوبة الإعدام في جميع الظروف، باعتبارها ممارسة فريدة في قسوتها ونهائيتها. ويمكن أن يؤدي فرض عقوبة الإعدام إلى تقويض مصداقية جهود المساءلة وتعقيد التعاون الدولي. وقد دعت هيومن رايتس ووتش السلطات السورية إلى إلغاء عقوبة الإعدام، وإلى ذلك الحين، فرض تجميد على جميع الإعدامات. 

  1. هل كانت الإجراءات شفافة ومتاحة للمراقبين والجمهور؟

 

دُعيت منظمات مختارة، منها هيومن رايتس ووتش، لمراقبة جلسات المحاكمة. راقبت هيومن رايتس ووتش مباشرةً عدة جلسات على مدار المحاكمة، التي بدأت في 26 أبريل/نيسان 2026.

ما تزال هناك مخاوف بشأن إتاحة المحاكمة أمام المراقبين وعامة الجمهور، بما في ذلك الافتقار إلى معايير وإجراءات واضحة لاختيار المنظمات المسموح لها بالحضور. بُثت الجلسة الأولى وجلسة النطق بالحكم النهائي على الهواء مباشرة. واستندت المحكمة إلى حماية الشهود، وهي أساس مشروع لإغلاق الجلسات وفقا للمعايير الدولية لإغلاق عدة جلسات أمام وسائل الإعلام والجمهور، وطبقت تدابير محددة منها وقف البث المباشر أثناء الشهادات الحساسة. لكن لا يوجد في القانون السوري أي إطار قانوني أو لائحة تنظم حماية الشهود. 

ولم يكن من السهل على المراقبين الاطلاع على الوثائق ذات الصلة بالقضية. قُرئت التهم في المحكمة، لكن المحكمة لم تنشر أي وثيقة رسمية مكتوبة تحددها. وأفادت التقارير أن أحد محامي نجيب أعرب عن مخاوف بشأن شرعية المحكمة، مستشهدا بالمادة 44 من الإعلان الدستوري السوري، التي تنص على أن المحاكم يجب أن تُنشأ وتُحدد مسؤولياتها بموجب القانون. ولا يُعرف علنا كيف تعاملت المحكمة مع هذه المسألة، أو ما إذا كانت قد تعاملت معها أصلا. كما لا يزال من غير الواضح ما هي الضمانات الإجرائية لحماية الشهود التي نظمت سير الإجراءات.

لم يتمكن جميع الناجين وأسر الضحايا الذين رغبوا في حضور الجلسات من القيام بذلك. ولا علم لـ هيومن رايتس ووتش بأي خطوات قد تكون الحكومة اتخذتها، مثل البث المباشر التلفزيوني أو عبر الإنترنت، لضمان تمكن الجمهور العام في أماكن تشمل درعا من متابعة الجلسات. 

  1. هل جرت اعتقالات أخرى على خلفية جرائم دولية مزعومة ارتُكبت خلال فترة حكومة الأسد؟ 

نفذت السلطات السورية مؤخرا عددا من الاعتقالات البارزة. منها اعتقال أمجد يوسف بسبب مسؤوليته المزعوم عن مذبحة التضامن عام 2013؛ واعتقال عدنان عبود حلوة بسبب مسؤوليته المزعومة عن هجوم السارين على الغوطة عام 2013؛ واعتقال جايز الموسى، رئيس أركان القوات الجوية السابق في عهد الأسد، على خلفية انتهاكات جسيمة مزعومة، منها هجمات بالأسلحة الكيميائية. وقد سبق أن أثارت هذه القضايا مخاوف بشأن اتباع الإجراءات القانونية السليمة، منها نشر فيديوهات لعمليات اعتقال واستجواب مهينة، فضلا عن الخطاب المسيء الصادر عن المسؤولين والذي يهدد بتقويض مصداقية العملية القضائية. 

وصرّح مسؤولون سوريون لوسائل الإعلام أنهم يهدفون إلى إجراء 500 محاكمة تتعلق بجرائم ارتُكبت خلال عهد الأسد على مدى السنوات الخمس المقبلة. وستتطلب هذه الجهود من السلطات وضع استراتيجية ادعاء للتعامل مع النطاق الواسع للجرائم الدولية المرتكبة والعدد الكبير من الجناة المزعومين. 

وبالإضافة إلى هذه المحاكمات، ستكون هناك حاجة أيضا إلى محاكمة أفراد من الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، منها داعش و"هيئة تحرير الشام"، اللتين ارتكبتا أيضا العديد من الانتهاكات الجسيمة، ولا توجد حاليا أي إجراءات قانونية ضد أعضائهما. ينبغي قدر الإمكان استشارة المجتمعات المتضررة كجزء من هذه العملية.

  1. كيف يمكن لهذه المحاكمات أن تحقق مساءلة ذات مصداقية؟

 

في حكمها في قضية نجيب، أقرت المحكمة بأن سوريا تتحمل المسؤولية الأساسية عن مقاضاة الجرائم الدولية المرتكبة على أراضيها، لكن لا تزال هناك مخاوف جدية بشأن مدى قدرة الإجراءات القضائية المحلية على تلبية المعايير الدولية للمحاكمة العادلة. 

ينبغي للسلطات السورية أن تعمل على وجه السرعة على تأمين وحفظ الأدلة المتعلقة بالجرائم الخطيرة المرتكبة في الماضي. فقد اشتهرت أجهزة الأمن السورية بدقتها الشديدة في حفظ السجلات، وما تزال كميات كبيرة من الملفات الداخلية وسجلات الاستجواب وأوامر الإعدام، فضلا عن العديد من المقابر الجماعية، موجودة بعد سقوط الحكومة. ونظرا لخطر فقدان الأدلة وتدهور حالتها، من الأهمية بمكان أن تقوم الحكومة بشكل ممنهج بتحديد مواقع أرشيفات الاستخبارات وسجلات مرافق الاحتجاز وملفات السجل المدني ومواقع المقابر الجماعية، ورقمنتها ومعالجتها، لضمان إمكانية استخدامها في الإجراءات الجنائية المستقبلية، وكذلك للمساعدة في تبيان ما حدث للمخفيين. 

وتتطلب إعادة بناء الثقة في المؤسسات القضائية السورية إرادة سياسية مستمرة لإصلاح البنية القانونية والمؤسسية التي تقوم عليها جميع القضايا، وليس مجرد محاكمة عدد صغير من المشتبه بهم البارزين. كما يجب أن تشمل جهود المساءلة جميع أطراف النزاع، وليس الحكومة السابقة فحسب. وبموجب القانون الدولي، فإن واجب التحقيق في الجرائم الدولية الجسيمة ومقاضاة مرتكبيها على النحو المناسب أمر غير قابل للتفاوض: فلا يمكن التنازل عنه من خلال العفو أو قوانين التقادم أو أي عوائق قانونية محلية أخرى، بما في ذلك التسويات السياسية أو الترتيبات غير الرسمية التي تحمي الجناة من العدالة.

وينطبق هذا المعيار أيضا على الجرائم الخطيرة المرتكبة منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، والتي كانت جهود المساءلة بشأنها محدودة حتى الآن. وتشمل هذه الجرائم عمليات القتل التي وقعت في مارس/آذار 2025 واستهدفت السوريين العلويين، وأعمال العنف في السويداء في يوليو/تموز 2025، وقد وثّقت هيومن رايتس ووتش في كلتا الحالتين ارتكاب قوات الحكومة والجماعات المسلحة انتهاكات تشكل جرائم حرب مفترضة. وقد فتحت المحاكم العسكرية في حلب ودمشق بعض الإجراءات القضائية ضد أفراد يُزعم ضلوعهم في تلك الحوادث، لكن ما يزال الغموض يكتنف نطاق هذه الإجراءات واستقلاليتها وشفافيتها، وما إذا كانت ستشمل المساءلة القادة والمسؤولين الكبار. 

المساءلة الجنائية ليست سوى ركيزة واحدة من ركائز العدالة الانتقالية: فالحقيقة، وجبر الضرر، وإحياء الذكرى، وضمانات عدم التكرار، وإصلاح قطاع الأمن، كلها عناصر أساسية. ولا تزال الجهات الفاعلة الدولية التي عملت لسنوات على تعزيز العدالة تلعب دورا أساسيا: وينبغي على السلطات السورية أن تتيح الوصول الكامل للهيئات التي أمضت سنوات في تحليل أدلة الانتهاكات، ولا سيما "الآلية الدولية والمحايدة والمستقلة" و"لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الجمهورية العربية السورية". كما ينبغي للسلطات السورية التعاون مع الدول الثالثة التي تبذل جهودا في إطار الولاية القضائية العالمية بشأن الجرائم المرتكبة في سوريا. 

وينبغي لسوريا المصادقة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وتقديم إعلانا المحكمة ولاية قضائية بأثر رجعي يعود إلى عام 2002.

 

Your tax deductible gift can help stop human rights violations and save lives around the world.