(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن التفجيرين الانتحاريين في كنيستين مصريتين في 9 أبريل/نيسان 2017 اللذين أسفرا عن مقتل 45 شخصا على الأقل هي واقعة مرعبة تذكّر بالتهديدات المتزايدة التي تواجه الأقلية المسيحية في مصر. قال 2 من مرتادي إحدى الكنيستين وأحد القساوسة لـ هيومن رايتس ووتش إن حماية الشرطة لدى بوابة الكنيسة لم تكن كافية وربما أدت للسماح للانتحاري بالدخول.

تمثل الهجمتان أثناء الاحتفال بأحد السعف في كنيستين في طنطا والإسكندرية – اللتان تبناهما تنظيم "الدولة الإسلامية" المتطرف ("داعش") – أسوأ أيام العنف المستهدف للمسيحيين في تاريخ مصر المعاصر. ردا على الواقعة، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي حالة الطوارئ في البلاد، وهي الأولى منذ فض قوات الأمن باستخدام العنف للمظاهرات المعارضة للحكومة في 2013، ما أودى بحياة المئات.

أقارب الضحايا في حالة حزن بجانب التوابيت، بعد وصولها إلى الكنيسة القبطية التي استُهدفت بتفجير يوم الأحد في طنطا، مصر، 9 أبريل/نيسان 2017. 

قال جو ستورك نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "تفجير الكنيستين هو عمل همجي لمتطرفين لا يراعون حرمة الحياة البشرية. يوفر التعصب الطائفي عميق الجذور في مناطق كثيرة في مصر المناخ المناسب لنمو إيديولوجية الكراهية هذه، لكن حالة الطوارئ تمهد الطريق لانتهاكات أخرى، لا لحماية أكبر لأرواح المسيحيين".

في طنطا، وهي مدينة بالدلتا تقع على مسافة 95 كم شمالي القاهرة، تمكن رجل يرتدي حزاما ناسفا من المرور ببوابة أمنية أمام كنيسة مار جرجس وتفجير نفسه قّرب الصفوف الأولى، ما تسبب في مقتل 28 شخصا وإصابة 77 آخرين على الأقل، بحسب تقارير إعلامية. في الإسكندرية، يُظهر مقطع سجلته كاميرا مراقبة الكنيسة انتحاريا آخر يحاول دخول الكنيسة المرقسية عبر بوابة مفتوحة، فتم توجيهه إلى جهاز كشف المعادن الذي يحرسه عناصر من الشرطة. عندما أوقف عنصر أمن الرجل، فجر نفسه فقتل 17 شخصا على الأقل وأصاب 48 آخرين.

كان البابا تواضروس الثاني بطريرك الكنيسة الأرثودكسية داخل الكنيسة المرقسية لكن لم يُصب بأذى، بحسب وزارة الداخلية.

قال شخصان من مرتادي كنيسة مار جرجس وأحد قساوسة الكنيسة لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة لم تتخذ خطوات جدية بالقدر الكافي لتأمين الكنيسة في أحد السعف، رغم قيامها بتفكيك جهاز متفجر في الشارع المجاور للكنيسة قبل 11 يوما فحسب. قال أحد مرتادي الكنيسة إنه كان على الشرطة أن تفهم من اكتشاف الجهاز المتفجر قبل 11 يوما أن ثمة هجوم مُضمر.

واجه المسيحيون الأقباط في مصر تهديدات متصاعدة منذ 11 ديسمبر/كانون الأول 2016 عندما فجّر داعش الكاتدرائية المرقسية في القاهرة، ما أسفر عن مقتل 25 شخصا على الأقل وإصابة 49 آخرين. قُتل 7 أقباط على الأقل في شمال سيناء، معقل فرع داعش في مصر، خلال الشهور التالية، ما أدى بأغلب السكان الأقباط في العريش، كبرى مدن المنطقة، إلى الفرار وعبور القناة إلى باقي مناطق مصر. في 19 فبراير/شباط 2017 – في مقطع فيديو تبنى فيه تفجير الكاتدرائية بالقاهرة – هدد داعش بهجمات أخرى على المسيحيين، متهما إياهم بأنهم "رأس حربة المشروع الصليبي لمحاربة دين الله في مصر".

يواجه الأقباط – ويقدرون بـ 10 بالمائة من سكان مصر – تمييزا قانونيا واجتماعيا كبيرين، ويحرمون من المناصب الرفيعة في الحكومة وفي الأجهزة الأمنية. وقعوا ضحايا لهجمات طائفية متزايدة منذ انتفاضة 2011، لا سيما منذ يوليو/تموز 2013 وقت إطاحة الجيش بمحمد مرسي، أول رئيس مصري يأتي بانتخابات حرة. في عدة مناسبات، وثقت هيومن رايتس ووتش كيف أخفق مسؤولو الداخلية والنيابة في إجراء تحقيقات كافية أو ملاحقات قضائية في الاعتداءات الطائفية على الأقباط.

في بيان صدر في 10 أبريل/نيسان ذكر داعش أن الانتحاريين مصريان وأسماؤهما التنظيمية هي أبو البراء المصري وأبو إسحق المصري. هدد التنظيم بمزيد من العنف واصفا المسيحيين بـ "الصليبيين" و"المرتدين" وأعلن أن "الفاتورة بيننا وبينهم كبيرة جدا وسيدفعونها من دماء أبنائهم أنهارا بإذن الله".

بعد الهجمات بساعات أقال وزير الداخلية مجدي عبد الغفار لوائي شرطة كانا مسؤولين عن مديرية أمن الغربية، وتشمل طنطا، ونقلهما إلى مناصب جديدة. في اليوم التالي أعلن السيسي رسميا حالة الطوارئ 3 أشهر، معطيا القوات المسلحة مسؤولية الحفاظ على الأمن في شتى أنحاء البلاد وحماية الممتلكات الخاصة والعامة.

في 11 أبريل/نيسان وافق البرلمان بالإجماع على قرار السيسي. بموجب الدستور، مطلوب الأغلبية لتمرير قرار حالة الطوارئ، وأغلبية الثلثين لتجديدها لأية فترة إضافية.

قانون الطوارئ المصري الذي يعود إلى 1958 يمنح الحكومة سلطات كبيرة في اعتقال واحتجاز ومحاكمة والحُكم على أي مشتبه دون أية مراجعة قضائية تقريبا. طُبقت حالة الطوارئ بلا انقطاع بين أكتوبر/تشرين الأول 1981 – بعد اغتيال متطرفين للرئيس أنور السادات – ويونيو/حزيران 2012 – عندما سمحت الحكومة بإنهاء حالة الطوارئ بعد أكثر من عام على الانتفاضة المصرية التي خلعت الرئيس المتولي للسلطة منذ عقود، حسني مبارك.

مشهد صُوّر بعد التفجير الذي جدّ في كنيسة قبطية يوم الأحد في طنطا، مصر، 9 أبريل/نيسان 2017. 

رغم اتخاذ إدارة السيسي خطوات عديدة لاسترجاع السلطات التي كان يتمتع بها مبارك أثناء تطبيق حالة الطوارئ – بما يشمل قانون مكافحة الإرهاب واسع النطاق الذي صدر عام 2015 – فإن قانون الطوارئ يتمادى أكثر. تكرر انتقاد هيومن رايتس ووتش لمصر على لجوئها إلى قانون الطوارئ ودعت الحكومة إلى استعمال قانون العقوبات والمحاكم الاعتيادية بدلا من حالة الطوارئ.

تسمح حالة الطوارئ بالمحاكمات أمام "محكمة أمن الدولة طوارئ" التي يحدد هيئتها الرئيس، والتي لا يمكن الطعن في أحكامها. يسمح للسلطات باعتقال وتفتيش المشتبهين دون أوامر قضائية وإجراء أعمال المراقبة والرقابة على المطبوعات، ومصادرة الممتلكات، وإخلاء المناطق قسرا، وتقييد الاجتماعات العامة، وتحديد مواعيد فتح وإغلاق المحال العامة. لا يمكن للمعتقلين بموجب قانون الطوارئ الطعن في احتجازهم إلا أمام محكمة أمن الدولة العليا طوارئ، إذا لم يُفرج عنهم في ظرف 6 أشهر، ويجب أن يوافق الرئيس على أمر إفراج المحكمة، ما يسمح بالاحتجاز دون أجل مسمى.

في يونيو/حزيران 2013 قضت المحكمة الدستورية العليا بأن الاعتقال دون أوامر قضائية في قانون الطوارئ وسلطات التفتيش التي ينص عليها تخالف الدستور. في غياب مجلس للنواب – وكانت الحكومة قامت بحلّه قبل عام لمخالفته قانون الانتخابات – ظل قانون الطوارئ دون تغييرات، وعزل الجيش إدارة مرسي من السلطة بعد شهر.

في 11 أبريل/نيسان اقترحت لجنة برلمانية تعديلات على قانون الطوارئ ليصبح متفقا مع حُكم المحكمة من عام 2013. تسمح التعديلات للشرطة باعتقال أي مشتبه بجريمة وتسمح للنيابة بطلب إذن من محكمة أمن الدولة طوارئ باحتجاز المعتقلين لمدة شهر قابل للتجديد دون أجل مسمى.

بعد إعلان السيسي حالة الطوارئ، قال رئيس البرلمان علي عبد العال إن مواقع التواصل الاجتماعي مثل "فيسبوك" و"تويتر" و"يوتيوب" ستدخل في عداد ما هو خاضع للمراقبة، حسبما نقلت صحيفة "المصري اليوم". قبل حالة الطوارئ بيوم صادرت السلطات عدد جريدة "البوابة" الموالية للحكومة، التي انتقدت السلطات على التقصير في حماية الكنائس.

تمارس السلطات المصرية على أرض الواقع سلطات الطوارئ منذ عزل الجيش للرئيس مرسي. منعت الحكومة فعليا مظاهرات المعارضة ولجأت الشرطة والأمن الوطني إلى الاعتقال التعسفي لآلاف المشتبهين، مع ممارسة التعذيب لانتزاع الاعترافات، والإخفاء القسري للمئات لشهور. أصدرت المحاكم والنيابات أحكام إعدام جماعية واحتجزت المئات من المحتجزين الآخرين في الحبس الاحتياطي لأكثر من عامين، بما يتجاوز الحد الأقصى للحبس الاحتياطي في القانون. لعب القضاة بشكل متكرر دور المتستر على ضباط الأمن الوطني، ولم يُنزل إلا بقلة منهم أحكاما جراء الإساءة إلى محتجزين رهن الاحتجاز، وما زالت جميع هذه الأحكام في الاستئناف.

بموجب القانون الدولي، يحق للحكومات إعلان حالة الطوارئ عند وجود "طوارئ عامة تهدد حياة الأمة" لكن لابد من أن تكون قيود الطوارئ متناسبة ومقتصرة لأقصى قدر ممكن من حيث مكان وزمن التطبيق. بعض الحقوق، مثل الحظر المطلق على التعذيب والحق في مراجعة الاحتجاز أمام القضاء، والحق في المحاكمة العادلة، لا يمكن تقييدها أثناء حالات الطوارئ.

مينا ناجي – من مرتادي كنيسة مار جرجس وكان في طريقه إلى الكنيسة عند وقوع الانفجار – قال لـ هيومن رايتس ووتش إن الكنيسة لم تُفتح إلا من بوابة واحدة ذلك اليوم، لكن كاشف المعادن لم يكن يعمل. أدت الشرطة المتمركزة عند البوابة أعمال تفتيش سطحية وسريعة على من كانوا يدخلون، على حد قوله.

قال ناجي: "هذا رجل يدخل الكنيسة، فما الذي ستفتشه إذن؟ في هذا الموقف الأمني يجب أن أكشف على هويته لو بدا مريبا، وكأنه ليس من هنا. أحاول أن أعرف من هو، وهويته، مثل ما حدث في الإسكندرية مثلا. رفض الرجل إدخاله من البوابة الرئيسية فانتقل للدخول من جهاز كشف المعادن".

هناك شخص آخر من مرتادي الكنيسة، ويعرف بعض الناجين من الانفجار وطلب عدم ذكر اسمه، قال بدوره إن كاشف المعادن بالكنيسة نادرا ما يعمل وأن حراسة الشرطة نادرا ما فتشت حقائب أو ملابس من يدخلون الكنيسة. قال إن على الشرطة وضع نقاط تفتيش في الشارع على مسافة من بوابة الكنيسة، نظرا لكثرة المصلين في العيد.

قال: "المشكلة كلها هي حماية الكنيسة".

هناك قس كان داخل الكنيسة وقت الانفجار الذي أدى إلى مقتل ابنه، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن مقاطع فيديو كاميرا المراقبة من داخل الكنيسة أظهرت رجلا يرتدي قبعة ونظارة شمسية وفي يده معطف، يدخل الكنيسة ويتحرك سريعا نحو منطقة يقف فيها القساوسة قبل أن يفجر نفسه.

قال القس: "يوجد باب واحد يمكن أن يعبر منه شخص واحد: عبر كاشف المعادن. هذه النقطة هي مسؤولية وزارة الداخلية من حيث المبدأ. كيف إذن ركض عبر البوابة، لا أحد يعرف".

قال القس إن الأمن المرابط عند الكنيسة ليس إلا "ديكور" وأضاف: "مجرد زينة، جزء من المشهد".