(تونس) إن قانون الكنائس الذي طال انتظاره حافظ على القيود المفروضة على إنشاء وترميم الكنائس، والتمييز ضد الأقلية المسيحية في مصر. القانون الذي مرره البرلمان المصري في 30 أغسطس/آب 2016 ينطبق على دور العبادة المسيحية فقط.

الأسقف العام مكاريوس، أحد زعماء الأقباط الأرثدوكس، يتمشى حول الكنيسة الإنجيلية التي تعرضت للحرق والتدمير، في محافظة المنيا، حوالي 245 كلم (152 ميل) جنوب القاهرة، في 26 أغسطس/آب 2013.

© 2013 رويترز

وقعت في الآونة الأخيرة حوادث عنف ضد مسيحيين خلّفت قتيلا وعدد من المصابين مع أضرار كثيرة لحقت بممتلكات، وكانت مدفوعة أو مسبوقة بغضب في أوساط بعض المسلمين جراء إنشاء كنائس أو ادعاءات بإنشاء كنائس. حتى عندما قامت السلطات بتوقيف مشتبهين، فنادرا ما قامت بملاحقتهم أمام القضاء، ما هيأ لمناخ من الإفلات من العقاب على جرائم العنف التي تستهدف المسيحيين.

قال جو ستورك، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "في أعقاب انتفاضة 2011، أصبح الكثير من المصريين يأملون في أن تحترم الحكومات الحريات الدينية وتحميها، بما يشمل المسيحيين. لكن بدلا من هذا تتجاهل السلطات المشكلات المنهجية وراء التمييز، وترسل رسالة مفادها أنه من الممكن الاعتداء على المسيحيين مع الإفلات من العقاب".

نشر موقع صحيفة "اليوم السابع" القانون ومذكرته التوضيحية في 30 أغسطس/آب. يسمح القانون الجديد للمحافظين برفض تصاريح بناء الكنائس دون النص على طريقة الطعن في القرارات، كما يحتم القانون أن تكون الكنائس – من حيث الحجم – "متناسبة مع" عدد مواطني الطائفة المسيحية في المنطقة التي توجد بها الكنيسة. يحتوي القانون على مواد أمنية قد تُخضع الموافقة على التصريح ببناء كنيسة أو رفضه لضغوط التجمهرات العنيفة.

تتراوح تقديرات عدد المسيحيين في مصر – والأغلبية العظمى منهم من الأقباط الأرثودكس – بين 6 بالمائة و10 بالمائة من مجموع السكان البالغ 93 مليون نسمة. لم تبذل الحكومة جهودا تُذكر منذ انتفاضة 2011 لتغيير السياسات التي أدت منذ فترة طويلة إلى إجحاف بحق هذه الطائفة. تعهد الرئيس عبد الفتاح السيسي باحترام حرية المعتقد الديني وقام بزيارات مهمة لجموع المسيحيين الأقباط. لكن السلطات أخفقت في حماية المسيحيين الأقباط من اعتداءات عنيفة، ولجأت بدلا من حمايتهم إلى فرض جلسات "صلح" مع جيرانهم المسلمين، أدت إلى حرمانهم من حقوقهم، والسماح للمعتدين بالإفلات من العدالة. وفي بعض الحالات، أُجبر مسيحيون على ترك بيوتهم وقراهم وبلداتهم.

وقعت صدامات طائفية متزايدة من حيث العدد والشدّة منذ انتفاضة 2011. في محافظة المنيا وحدها، وثقت "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، وهي منظمة مستقلة، 77 واقعة من هذا النوع منذ 25 يناير/كانون الثاني 2011. المنيا – التي يُقدر عدد المسيحيين فيها بثلث السكان – شهدت أيضا اعتداءات عنيفة ضد المسيحيين في الشهور الأخيرة.

في أعقاب انتفاضة 2011، أصبح الكثير من المصريين يأملون في أن تحترم الحكومات الحريات الدينية وتحميها، بما يشمل المسيحيين. لكن بدلا من هذا تتجاهل السلطات المشكلات المنهجية وراء التمييز، وترسل رسالة مفادها أنه من الممكن الاعتداء على المسيحيين مع الإفلات من العقاب.

جو ستورك

نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش

في 17 يوليو/تموز قتلت حشود شابا مسيحيا وأصابت 3 آخرين في طهنا الجبل بعد مشادة بدأت في الأصل بين أطفال مسلمين ومسيحيين. قال إسحاق إبراهيم، باحث الحريات الدينية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، لصحيفة "دايلي نيوز إيجيبت" إن القرية كانت متوترة بالفعل بسبب أعمال ترميم مبنى الكنيسة. في آخر يونيو/حزيران ومنتصف يوليو/تموز، دمرت حشود 4 منازل لأقباط في كوم اللوفي و6 بنايات بينها حضانة في "أبو يعقوب" بعد أن زعم جيران مسلمون أن المسيحيين يعتزمون استخدام المنازل ككنائس للصلاة. وفي مايو/أيار، أجبرت حشود سعاد ثابت، قبطية عمرها 70 سنة، على الخروج من منزلها في الكرم، وجردوها من ملابسها في الشارع كردّ على إشاعات بأن ابنها أنشأ علاقة بمسلمة.

هاجمت حشود مسيحيين في مدن وبلدات أخرى أيضا. نُشر مقطع فيديو تم تصويره في قرية في الضواحي الغربية للإسكندرية على "يوتيوب" في يونيو/حزيران، يُظهر مجموعات من الناس في الشوارع يرددون: "مش عايزين كنيسة". هاجمت هذه المجموعات مسيحيين واعتدت على مبنى مجاور لكنيسة زعم المعتدون أنه يقدم خدمات دينية. كما نُشر فيديو آخر في يوليو/تموز يُظهر هجوم مجموعات من المعتدين على بنايات قبطية في الفشن، بمحافظة بني سويف، شمالي المنيا، بعد مزاعم مشابهة بأن المسيحيين يستغلون مبنى للصلاة.

رغم اعتقال قوات الأمن لعشرات الأشخاص إبان الاعتداءات الطائفية التي وقعت في المنيا في وقت سابق من العام، فقد تم إخلاء سبيل أغلبهم دون تحقيقات أو ملاحقة قضائية مناسبة. على سبيل المثال، أخلت الشرطة سبيل 16 شخصا اتهموا بارتكاب اعتداءات في أبو يعقوب بعد جلسة "صلح".

على مدار عقود، فسّرت المحاكم المصرية مرسوما عثمانيا يعود لعام 1856 بصفته يعطي الرئيس وحده حق التصريح ببناء الكنائس. في عام 1934 وضعت وزارة الداخلية قواعد مقيدة لإنشاء الكنائس. ومؤخرا، ناقشت عدة حكومات مصرية إصدار قانون "موحد" لدور العبادة لجميع الأديان، لكنه لم يصدر. تلزم المادة 235 من دستور 2014 البرلمان بأن يُصدر – في مدة انعقاده الأولى – قانونا ينظم الكنائس "بما يكفل حرية ممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية".

أصدر البرلمان المصري القانون الجديد بعد استلامه مسودة الحكومة بثلاثة أيام. تفاوضت الحكومة على مواد القانون مع قيادات الكنيسة القبطية سرا، دون أية مشاركة تقريبا لمنظمات المجتمع المدني أو النشطاء. في النهاية دعمت الكنيسة القانون، لكن قساوسة أقباط ونشطاء وجماعات حقوقية محلية وكذلك بعض نواب البرلمان الأقباط انتقدوا القيود التمييزية المستمرة ضد المسيحيين في القانون. قالت هيومن رايتس ووتش إن هذه القيود ترقى إلى مصاف التمييز بسبب الدين، كونها موجهة ضد المسيحيين بشكل غير مبرر.

امرأة تحمل صورة لمريم، طفلة عمرها 8 سنوات قتلت في هجوم على حفل زفاف في كنيسة العذراء في القاهرة، ورسم لمئذنة تعانق كنيسة أثناء تجمع صامت لمطالبة الحكومة بتوفير حماية أكبر للمسيحيين، أمام مبنى رئاسة الوزراء في القاهرة، مصر، في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2013.

© 2013 رويترز

لا يقرّ الدستور المصري بالحريات الدينية التي تتجاوز الديانات "الرسمية" الثلاث، وهي الإسلام والمسيحية واليهودية.

رغم أن القانون الجديد يفوض سلطة الرئيس في شأن تراخيص الكنائس للمحافظين، إلا أنه يطالب بأن يكون حجم الكنيسة "متناسب مع" عدد المسيحيين في المنطقة التي تُوجد بها الكنيسة. بما أن الحكومة لم يسبق لها إصدار إحصاءات بتعداد الأقلية المسيحية في مصر، وتعتبر عدد المسيحيين مسألة أمن قومي، فإن تحديد عدد المجموعات المسيحية المحلية مسألة صعبة، ويُرجح أنها تعسفية. المذكرة البرلمانية المصاحبة للقانون نصت على أن يأخذ المحافظون في اعتبارهم "الأمن والسلامة العامة" عند الفصل في طلبات بناء الكنائس، ما يسمح فعليا للتجمهرات العنيفة بالفصل في أمر الموافقة على بناء الكنائس أو رفضها.

تسيطر السلطات المصرية بحزم على أنشطة أغلب المساجد، لا سيما عن طريق تعيين الأئمة وتحديد محتوى الخُطب، ويتم تنظيم بناء المساجد بموجب قرار صدر عن وزارة الأوقاف في أكتوبر/تشرين الأول 2001. لكن على النقيض من الكنائس، فنادرا ما تتدخل السلطات في بناء المساجد، كما أن هيومن رايتس ووتش لم تعثر على أية حالات لإغلاق مساجد لعدم التزامها بالقيود من قبيل الحجم والسمات المعمارية.

يسمح قانون الكنائس الجديد بتقنين وضع الكنائس القائمة غير المرخص لها بعد أن تقدم أوراقها للجنة إدارية يشكلها رئيس الوزراء. وفقا للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن العديد من الكنائس القديمة – القائمة في مساكن على سبيل المثال – لن تستوفي متطلبات القانون الجديد، مثل المطلب الخاص بأن يكون للكنيسة قبة وسمات داخلية معينة. كانت عدم قدرة مئات الكنائس القبطية - غير المرخصة - على استصدار تراخيص سببا للعديد من وقائع العنف الطائفي، ويرجح أن تترك مواد القانون الجديد جعل الكثير من تلك الكنائس عالقة دون حل.

كما يشمل القانون تعديلا قانونيا وضعه الرئيس السابق حسني مبارك في 2005 باستصدار موافقة المحافظ قبل ترميم أو توسعة أي كنيسة. هذه المادة تناوئ حُكم للمحكمة الإدارية صدر عام 2013 نص على أن الكنائس لا تحتاج لاستصدار تصريح الترميم إلا لموافقة الهيئات الهندسية، بحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

شرطي من القوات الخاصة يحرس كاتدرائية القديس مرقس الأرثدوكسية القبطية في القاهرة، مصر، في 6 يناير/كانون الثاني 2015. عادة ما تُفرض حراسة مشددة على الكنائس قبل الأعياد بعد سلسلة الهجمات التي طالت أهدافا مسيحية في السنوات الماضية.

© 2015 رويترز

قالت هيومن رايتس ووتش إن على البرلمان المصري تعديل القانون الجديد بحيث ينطبق على جميع دور العبادة بشكل يحترم الحق في حرية المعتقد الديني، مع إزالة القيود المخالفة للمعايير المقبولة دوليا فيما يخص حماية السلامة العامة. على البرلمان والحكومة أيضا اعتماد تشريعات وسياسات تضمن حماية الأقلية المسيحية المصرية من العنف الطائفي، مثل التحقيق الجاد في وقائع العنف الطائفي ومحاسبة المشاركين في العنف ضد المسيحيين والمحرضين عليه، فضلا عن المسؤولين المتقاعسين عن اتخاذ جميع الخطوات المسؤولة المتاحة لتوفير الحماية والمحاسبة.

بموجب "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" و"العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية"، ومصر دولة طرف في كليهما، فإن لجميع المواطنين المصريين الحق في ممارسة ومراعاة شعائرهم الدينية، سواء في المجال الخاص أو الأماكن العامة، بكل حرية ودون تمييز. القوانين التي تميز بين المواطنين – أو بين دور العبادة المختلفة – على أساس الدين، تنتهك الدستور المصري والقوانين الدولية على حد سواء. تطالب المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بأن تضمن الدول قدرة أقلياتها الدينية على ممارسة شعائرها الدينية بحرية.

قال ستورك: "على السلطات المصرية محاسبة من ارتكبوا أعمال عنف، وتعديل القانون من أجل حماية حرية المعتقد الديني. لجميع المصريين الحق في أن يعيشوا حياتهم في سلام، بغض النظر عن معتقداتهم الدينية".