(واشنطن) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المرتقب مع رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب في 3 أبريل/نيسان 2017 ينعقد في لحظة بلغت فيها حقوق الإنسان الحضيض في مصر، وأصبحت فيها مهددة في الولايات المتحدة.

اجتماع السيسي بترامب هو أول زيارة لرئيس مصري إلى البيت الأبيض منذ 2009. كان السيسي كوزير للدفاع قد عزل محمد مرسي، أول رئيس مصري منتخب بشكل حر، في يوليو/تموز 2013، وأشرف على فض مظاهرات للمعارضة بطريقة عنيفة، ما خلف أكثر من 1150 قتيلا بعد أسابيع من عزل مرسي. في عهد السيسي اعتقلت قوات الأمن عشرات الآلاف من المصريين وارتكبت انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، وتشمل التعذيب والإخفاء القسري، وربما عمليات إعدام ميداني خارج نطاق القضاء.

اجتماع بين دونالد ترامب، المرشح الرئاسي آنذاك، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، 19 سبتمبر/أيلول 2016، مانهاتن، نيويورك.
© 2016 رويترز

قالت سارة مارغون مديرة مكتب هيومن رايتس ووتش في واشنطن: "دعوة السيسي إلى واشنطن في زيارة رسمية فيما يقبع عشرات الآلاف من المصريين وراء القضبان، ومع عودة التعذيب نهجا طبيعيا للتعامل، هي طريقة عجيبة لبناء علاقة استراتيجية مستقرة".

السيسي الذي انتُخب في مايو/أيار 2014 أشرف على الإفلات شبه الكامل من العقاب للجيش والشرطة وعلى القيود المشددة على الحريات المدنية والسياسية، ما أدى إلى محو مكتسبات انتفاضة 2011 التي خلعت حسني مبارك بعد عقود من الحكم.

بعد مقابلته السيسي أثناء زيارته "الجمعية العامة للأمم المتحدة" في سبتمبر/أيلول 2016، أصدر ترامب – وكان حينها مرشحا رئاسيا – بيانا أعلن فيه "الدعم القوي لحرب مصر على الإرهاب، وكيف أنه في عهد ترامب ستكون الولايات المتحدة صديقا مخلصا، ليس حليفا فقط، ويمكن لمصر أن تعتمد عليها في الأيام والسنوات المقبلة".

منذ إبرام معاهدة سلام مع إسرائيل في 1979، نالت مصر امتيازات كثيرة من تحالفها مع الولايات المتحدة، بما يشمل 1.3 مليار دولار معونة عسكرية سنوية منذ 1987، والكثير من المعدات العسكرية الأمريكية وتدريب عسكري خاص والحق في شراء معدات دون السداد الفوري، وهو الترتيب المعروف بمسمى "تمويل التدفق النقدي"، الذي كان حتى وقت قريب موجه فقط لمصر وإسرائيل.

بعد الانقلاب العسكري في 2013 قيدت الولايات المتحدة من برامج المساعدات المخصصة للحكومة المصرية. لكن بعد قتل قوات الأمن ما يُقدر بـ 817 شخصا أثناء فض اعتصام معارض لعزل مرسي بميدان رابعة العدوية بالقاهرة، في 14 أغسطس/آب 2013، راجعت الإدارة الأمريكية المساعدات العسكرية للقاهرة وعلقت مؤقتا تسليم نظم أسلحة كبرى. تم استئناف تسليم طائرة إف-16 وصواريخ "هاربون" ومعدات تخص الدبابة طراز "إم 1 أيه 1 أبرامز" في 2015. وفي فبراير/شباط 2017 قالت الولايات المتحدة إنها ستعاود بدء المناورات العسكرية المقررة مرة كل عامين. لم يتوقف التعاون العسكري الأمريكي مع مصر قط، ولم يُحاسب أي مسؤول حكومي أو عنصر أمن على أعمال القتل الجماعي.

منذ 2012 ربط الكونغرس بعض المساعدات العسكرية لمصر باتخاذها خطوات نحو دعم حقوق الإنسان والتحول الديمقراطي إلى حكومة مدنية. لكن في كل السنوات، عدا واحدة، سمح الكونغرس لوزير الخارجية بإسقاط هذه القيود من منطلق مصالح الأمن القومي الأمريكي.

منذ عزل مرسي، اعتقلت قوات الأمن المصرية ما لا يقل عن 41 ألف شخص، وربما يصل العدد إلى 60 ألفا، بحسب منظمات حقوقية محلية. احتجزت قوات الأمن تعسفا الكثيرين بناء على اتهامات بالانتماء إلى أو التعاطف مع "الإخوان المسلمين"، الحركة التي ينتمي إليها مرسي. حكمت المحاكم على الآلاف بانتهاك قانون صدر في 2013 يحظر المظاهرات المُعارضة، وبينهم يساريون ونشطاء غير إسلاميين آخرين، فضلا عمن يُزعم أنهم يؤيدون الإخوان المسلمين.

بين المحتجزين حاليا آية حجازي، مواطنة مصرية أمريكية، أسست "مؤسسة بلادي لأطفال الشوارع"، والتي شابت محاكمتها بدعوى الإتجار بالبشر واستغلال أطفال في المظاهرات، عدة انتهاكات خطيرة لسلامة الإجراءات القانونية، ومنها احتجازها دون سند قانوني منذ مايو/أيار 2014.

منذ مارس/آذار 2015، لمّا عيّن السيسي مجدي عبد الغفار وزيرا للداخلية، وهو ينحدر من جهاز الأمن الوطني المعروف بارتكاب الانتهاكات، دأبت الشرطة والأمن الوطني على إخفاء مئات المشتبهين قسرا لفترات تتراوح بين أيام وشهور. استخدمت الشرطة والأمن الوطني التعذيب بشكل روتيني، عادة ضد مُعارضين، وأثناء فترات الإخفاء القسري، لحمل المشتبه بهم على الاعتراف أو كشف معلومات، أو لمعاقبتهم. كما نفذ عناصر الأمن الوطني ما يُرجح أنها عمليات إعدام ميداني في عدة وقائع وثقتها هيومن رايتس ووتش، منذ 2015. أدانت المحاكم قلة من رجال الشرطة وحكمت عليهم بتهمة تعذيب المحتجزين منذ 2013، وما زالت هذه الإدانات القليلة في مرحلة الاستئناف. لم يُدن أي ضابط أمن وطني في حُكم نهائي بتهمة ارتكاب انتهاكات.

جهود مكافحة الإرهاب المصرية في شبه جزيرة سيناء شابتها انتهاكات جسيمة. في شمال سيناء، حيث تنشط مجموعة منتمية لتنظيم "الدولة الإسلامية" المتطرف ("داعش")، ارتكبت قوات الجيش والشرطة المصرية أعمال تعذيب وإخفاء قسري وربما عمليات إعدام ميداني. قتلت الغارات الجوية والقصف المدفعي للجيش الكثير من المدنيين. بين 2013 و2015 أزال الجيش معظم بلدة رفح الحدودية من على الخريطة بدعوى القضاء على أنفاق التهريب التي يستفيد منها داعش، ما اضطرّ آلاف العائلات إلى الانتقال، مع انتهاك حقوقهم في الحصول على إخطار مسبق وتعويض كاف. لكن استمر داعش في العمل حتى في البلدات التي يُزعم أنها تخضع لسيطرة الحكومة. قتل التنظيم المتطرف عشرات المدنيين الذين يعتبرهم متعاونين مع الحكومة، واستهدف المسيحيين بهجمات وتهديدات، ما دفع مئات العائلات المسيحية إلى الفرار.

اتخذ السيسي والبرلمان المصري خطوات لخنق المنظمات الحقوقية التي توثق الانتهاكات وتقدم المساعدات لضحاياها. في فبراير/شباط 2017 ذهبت قوات الأمن لإغلاق مقر "مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب" المفتوح منذ 23 عاما، وهو من بين عشرات المنظمات الحقوقية التي استُهدفت بتحقيقات جنائية قائمة منذ سنوات، بناء على مزاعم بتلقي المنظمات لتمويل أجنبي غير قانوني. بحسب صياغة تعديلات قانون العقوبات الفضفاضة التي أصدرها السيسي بقرار في 2014، فأي شخص يتلقى تمويلا أجنبيا "بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة قومية أو المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو الإخلال بالأمن والسلم العام" يواجه عقوبة السجن 25 عاما. مُنع ما لا يقل عن 20 مدافعا بارزا عن حقوق الإنسان من السفر خارج مصر، مع التحفظ على أموال الكثير من المدافعين. هذا التجريم للتمويل الأجنبي للمنظمات الحقوقية غير الحكومية يخرق "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية".

في نوفمبر/تشرين الثاني أعد البرلمان قانونا جديدا للجمعيات وراء أبواب مغلقة، من شأنه أن يحظر المنظمات غير الحكومية المستقلة في مصر لأنه يطالب بأن يوافق نشاط المنظمة "خطة الدولة واحتياجاتها التنموية". يجرم القانون جملة من الأنشطة الفضفاضة، ومنها إجراء استطلاعات الرأي أو البحث الميداني دون موافقة حكومية، أو إجراء أي عمل "ذي طابع سياسي". وافق البرلمان على القانون بعد يومين فحسب من المناقشات لكن لم يرسله للسيسي لاعتماده إثر موجة استنكار دولية واسعة.

في 2015 أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن الولايات المتحدة ستستأنف تسليم المعدات العسكرية الكبرى التي علقت تسليمها بعد مذبحة رابعة، من منطلق مصالح الأمن القومي الأمريكي. لكن أعلنت إدارة أوباما أيضا نهاية تمويل التدفق المالي وأعلنت فئات محددة توجه كيف يمكن لمصر استخدام معونتها العسكرية، التي لم تخفضها.

في السنة المالية 2015 ربط الكونغرس كما كبيرا من التمويل المقدم لمصر – ويشمل المعونة العسكرية – بإحراز تقدم على مسار الديمقراطية وحقوق الإنسان. لكن وزير الخارجية جون كيري اعتمد على اعفاء يخوّله الأمن القومي للالتفاف على هذه الشروط. في السنة المالية 2016 ربط الكونغرس 15 بالمائة من المعونة العسكرية بإحراز الدولة تقدما على مسار الديمقراطية وحقوق الإنسان، يُثبته وزير الخارجية. مرة أخرى تم الاعتماد على الاعفاء المتعلق بالأمن القومي، دون أن يتحقق الاثبات أو الاعفاء على أرض الواقع. لم يمرر الكونغرس بعد قانون التمويل الذي يحدد المعونة المصرية للسنة المالية 2017.

يبدو أن إدارتي السيسي وترامب ترغبان في توسيع مجال التعاون، لا سيما في مكافحة الإرهاب، رغم استمرار هذه الانتهاكات الخطيرة. على سبيل الرد، يجب على الكونغرس أن يحافظ – على الأقل – على القيود المفروضة على المساعدات الأمنية منذ الأعوام السابقة، ما لم يحدث تطور جاد وقابل للقياس بمجال حقوق الإنسان، مثل إيقاف التحقيق مع منظمات المجتمع المدني، أو إلغاء قانون حظر التظاهر، أو البدء في مراجعة قضايا المحتجزين والمحكومين تعسفا لمجرد ممارستهم لحقوقهم المدنية والسياسية. على الكونغرس ضمان ألا تُسقط إدارة ترامب هذه القيود.

قالت مارغُون: "إعطاء المزيد من المال لحكومة السيسي أمر ضار بالمصالح الأمريكية والمصرية. لا يبدو أن كلا الطرفين في هذه العلاقة مهتمين بتعزيز حقوق الإنسان، لكن الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها السلطات المصرية يجب أن تُلزم الكونغرس بالاستمرار في الحد من الدعم".