(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إنه من المحتمل أن تكون قوات الأمن الداخلي المصرية، التي تقوم بحملة ضد عناصر من فصيل مقرب من تنظيم "الدولة الإسلامية" في شبه جزيرة سيناء، قد أعدمت بين 4 و10 رجال خارج إطار القضاء. قد تكون قوات الأمن احتجزت أيضا هؤلاء الأشخاص تعسفا وأخفتهم قسرا ثم لفّقت المداهمة لتغطية الإعدامات.

يفيد هذا التحقيق لـ هيومن رايتس ووتش معتمدا على عدة مصادر، منها وثائق ومقابلات مع أقارب القتلى بالإضافة إلى فيديو عن المداهمة المفترضة خضع للمونتاج ونشرته السلطات، أن الشرطة أوقفت بعض الرجال قبل أشهر من تبادل إطلاق النيران المزعوم في أحد المنازل شمال سيناء وأن المداهمة نفسها ملفقة.

قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إنه من المحتمل أن تكون قوات الأمن الداخلي المصرية، التي تقوم بحملة ضد عناصر من فصيل مقرب من تنظيم "الدولة الإسلامية" في شبه جزيرة سيناء، قد أعدمت بين 4 و10 رجال خارج إطار القضاء.

قال جو ستورك، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "تُظهر هذه الإعدامات بدون محاكمة أن القوى الأمنية تتمتع بحصانة تامة في شبه جزيرة سيناء في ظل حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي. على النيابة العامة أن تقوم بتحقيقات شاملة وشفافة لإظهار حقيقة ما يمكن أن يكون انتهاكا جسيما".

يبدو أن الإعدامات تتبع نمط انتهاك ضد المدنيين على يد الجيش وقوات الأمن الداخلي اللذين يحاربان تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف أيضا بـ "داعش")  في أوسع انتشار عسكري مصري في سيناء منذ حرب 1973 مع إسرائيل. أسفر القتال في سيناء عن مئات القتلى منذ 2013، بما في ذلك مدنيون وعناصر في القوى الأمنية ومقاتلون مزعومون في داعش. قتل تنظيم "ولاية سيناء"، التابع لداعش، العديد من المدنيين باستهدافهم بسبب تعاونهم المزعوم مع السلطات أو لأنهم مسيحيون.

نادرا ما يتمكن الصحفيون والناشطون الحقوقيون من التحقيق في تقارير ذات مصداقية عن انتهاكات لأن الحكومة تمنعهم من الدخول إلى سيناء.

في 13 يناير/كانون الثاني، نشرت وزارة الداخلية بيانا ادعت فيه أن قوات مكافحة الإرهاب في الوزارة تعقبت مجموعة من مقاتلي داعش المشتبه بهم حتى منزل مهجور في العريش، شمال سيناء، في وقت سابق من ذلك اليوم، وكانت تتحضر لمداهمة المكان حين تعرضت لإطلاق النيران. حسب البيان، ردت القوات على النيران وقتلت الـ 10 المشتبه بهم الذين كانوا في المنزل. أعلنت الوزارة عن أسماء 6 منهم متهمة إياهم بالمشاركة في قتل عناصر من القوى الأمنية بالإضافة إلى أحداث أخرى تبنى داعش بعضها، ولم تحدد هوية الأربعة الآخرين حتى الآن.

وفي نفس اليوم نشرت الوزارة فيديو قصيرا على "يوتيوب"، من المفترض أنه يُظهر المداهمة، بعنوان "مصرع 10 من العناصر الإرهابية فى تبادل لإطلاق النيران مع قوات الأمن بشمال سيناء". يظهر في الفيديو، الممنتَج بشكل كبير، 8 عناصر كوماندوس يقتربون من مبنى، بينما يطلق 2 منهم النيران على شخص في الخارج، و6 أشخاص ميتين بملابس مدنية في غرف مختلفة من المبنى ومحاطين بالأسلحة والدماء وتظهر آثار الرصاص على الجدران.

تحدثت هيومن رايتس ووتش مع أقارب 3 من القتلى – أحمد رشيد ومنصور جامع ومحمد أيوب – ومع محام يمثل رشيد ورجل رابع هو عبد العاطي عبد العاطي. قالوا جميعا إن قوى الأمن اعتقلت هؤلاء الأشخاص بدون مذكرات توقيف في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2016، أي أشهر قبل مداهمة يناير/كانون الثاني المزعومة.

أثار القتل غضب سكان العريش واحتجاجات -نادرا ما يُسمح بحدوثها - ضد وزارة الداخلية أثناء جنازات بعضهم. التقى كبار العائلات المحلية في 14 يناير/كانون الثاني لتشكيل "لجنة شعبية" وأعلنوا عددا من المطالب من بينها الإفراج الفوري عن المحتجزين بدون تهم واستقالة نواب شمال سيناء ومحاسبة المسؤولين عن القتل. طالب النائب عن شمال سيناء، حسام الرفاعي، بتشكيل لجنة تقصي حقائق حكومية للتحقيق في الحادثة.

صلاح سلام، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان المدعوم من الحكومة، قال لموقع "أصوات مصرية"، في 15 يناير/كانون الثاني إن أسماء 6 من الذين قُتلوا هي ضمن لائحة من 650 اسما يُزعَم أنهم محتجزون بدون تهم في شمال سيناء، طلب منه السكان تقديمها للجنة العفو الرئاسي. في 16 مارس/آذار، قال سلام لـ هيومن رايتس ووتش إنه ليس لديه نسخة من القائمة التي أرسلها إلى لجنة العفو، لكن هؤلاء الذين جمعوا الأسماء قالوا له إن أسماء الستة رجال كانت في القائمة. كما قال إنه طالب الحكومة بالتحقيق.

أرسلت عائلتا رشيد وعبد العاطي رسائل تلغرافية إلى السلطات للاستعلام عن ابنيهما مباشرة بعد توقيفهما وقد قدمتا إلى هيومن رايتس ووتش نسخا عن الإيصالات التي تثبت تاريخ إرسال الرسائل في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني. تحتوي الإيصالات التي اطلعت عليها هيومن رايتس ووتش على أرقام تسلسلية يمكن أن تُظهر للمحققين متى أُرسِلَت. كما قدمت العائلتان شكوى مشتركة إلى النائب العام تطلبان فيها التحقيق في مقتل ابنيهما. لم تستجب السلطات لأي من هذه المطالب أو طلبات الاستعلام.

اعتقلت الشرطة الصديقين أحمد راشد، 24 عاما، (يسار) وعبد العاطي عبد العاطي، 25 عاما، (يمين) في أكتوبر/تشرين 2016 الأول بفارق أسبوع بين الحادثتين.

© خاص

قال أقارب جامع وأيوب إن خوفهم من القوى الأمنية منعهم من تقديم شكاوى أو المطالبة بأي إجراء قانوني. قال يحيى أيوب، المحامي الذي يمثل عائلتي رشيد وعبد العاطي، لـ هيومن رايتس ووتش إن مسؤولين في وزارة الداخلية اتصلوا ببعض أقارب القتلى ونصحوهم بالتوقف عن ملاحقة الأمر، وإن الشرطة أوقفت في أواخر فبراير/شباط أوائل مارس/آذار 2 من أقارب رشيد و3 من أقارب عبد العاطي من ضمنهم ابن عمه من أجل الضغط على عائلتيهما للتنازل عن القضية. لن تنشر هيومن رايتس ووتش أسماء الأقارب حرصا منها على سلامتهم.

قال المحامي وبعض الأقارب لـ هيومن رايتس ووتش إن كلا من وزارة الداخلية والنيابة العامة لم يفتحا تحقيقا بمقتل هؤلاء الأشخاص. يدعي بيان الوزارة إن قوات الأمن قامت بالمداهمة بعد حصولها على إذن النيابة العامة.

قال ستورك: "بالإضافة إلى التحقيق الفوري والشامل، على السلطات المصرية فتح شمال سيناء أمام الصحفيين ومحققي حقوق الإنسان ومنظمات الإغاثة؛ منذ سنوات أصبحت شمال سيناء ثقبا أسود لا أحد يعرف شيئا عنها".

شكوك حول الرواية الرسمية

نادرا ما يُسمح للمراقبين المستقلين بالتحقيق في النزاع الدائر في منطقة شمال سيناء التي تتعامل معها الحكومة على أنها منطقة عسكرية مغلقة، وحيث يوجد حظر تجول وحالة طوارئ منذ أكتوبر/تشرين الأول 2014. تعرض الصحفيون المصريون الذي غطوا أخبار شمال سيناء للملاحقة كما حصل مع المحللين الذين كتبوا عن النزاع. الباحث اسماعيل الاسكندراني، الذي غطى الحركات الإسلامية والتطورات في شبه جزيرة سيناء، مُحتَجَز منذ 29 نوفمبر/تشرين الثاني بانتظار محاكمته بتهمة نشر معلومات كاذبة ومساعدة مجموعة غير قانونية.

راجعت هيومن رايتس ووتش فيديو الوزارة ووثائق أخرى حصلت عليها من العائلات، بما في ذلك وثائق دفن وصور 3 جثث في المشرحة. وبحثت هيومن رايتس ووتش بموضوع صور وفيديو المداهمة مع خبير شرعي وعدة خبراء عسكريين.

قال 2 من الخبراء العسكريين إن بعض عناصر الفيديو تجعلهم يشكون بمصداقيته، منها الإضاءة المسلَّطة على الكوماندوس عند اقترابهم من المنزل وسلوكهم الذي لا يشير إلى تعرّضهم للخطر.

قال ستيفان شميت، مدير برنامج الطب الشرعي الدولي في "أطباء من أجل حقوق الإنسان"، إن الفيديو كان ممنتجا لدرجة لا يمكن اعتباره تصويرا صادقا لرواية السلطات وإن مواضع الجثث وآثار الدماء تثير الشكوك بأن إحدى الجثث على الأقل قد حُرّكَت قبل تصوير الفيديو. وأضاف أن القُطَب التي تظهر على جثتين على الأقل في الصور المأخوذة في المشرحة تشير إلى حصول تشريح للجثث، ما يعني وجود تقارير عن التشريح. قال أيوب، محامي عائلتي رشيد وعبد العاطي، إن السلطات لم تسلّم العائلات تقارير التشريح.

كان راشد قد تخرج مؤخرا من المعهد التقني، ويعمل كسائق سيارة أجرة، وتزوج قبل نحو شهرين من اعتقاله، وفقا لعائلته. 

© خاص

قال أيوب وبعض أقارب رشيد لـ هيومن رايتس ووتش إنهم رأوا جثتي رشيد وعبد العاطي في المشرحة ويبدو أن كلا منهما أصيب برصاصة واحدة في الرأس. ثم إنهم وأحد أقارب جامع وصفوا آثار احمرار على أقدام وأيادي 3 جثث يعتقدون أنها ناجمة عن صعقات كهربائية وحروق بالسجائر، ولكن لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من التأكد من أسباب الآثار أو وجود الإصابة في الرأس.

قال أقارب أيوب وجامع إن مُحتَجزَين سابقَين قالا للعائلتين إنهما رأياهما في أوقات مختلفة، بعد اختفائهما بثلاثة أسابيع، داخل مركز جهاز الأمن الوطني في وزارة الداخلية في العريش. قالت العائلتان إنهما لم تتمكنا من التأكد من الرواية.

أكد جميع الأقارب أنهم عَلِموا بمقتلهم من نشرات الأخبار وأن السلطات لم تتصل بهم قبل ذلك. قال ناشط سياسي من منسقي عمل "اللجنة الشعبية" في العريش إن رد السلطات الوحيد كان إطلاق سراح 36 شخصا محتجزين بطريقة غير قانونية في شمال سيناء.

بعثت هيومن رايتس ووتش رسائل إلى وزارة الداخلية والنيابة العامة في 6 مارس/آذار للاستعلام عن مزاعم العائلات وإذا كانت السلطات قد بدأت التحقيقات. لم يجب أي منهما.

تحليل بيان وفيديو وزارة الداخلية

يكرر الفيديو، وطوله دقيقة ونصف تقريبا، الذي نشرته وزارة الداخلية على يوتيوب في يوم المداهمة المزعومة، بيانا نشرته في نفس اليوم على صفحتها على فيسبوك. حدد البيان هوية أحد الأشخاص، أحمد محمود يوسف عبد القادر، بصفته أحد قادة تنظيم داعش المحلي والذي تحمله الوزارة مسؤولية تشكيل "مجموعات إرهابية" وأمرها بالقيام بسلسلة هجمات، منها هجوم على حاجزين للشرطة في العريش قبل 4 أيام نتج عنهما مقتل 8 عناصر شرطة ومدني.

يقول بيان الوزارة إن بعد "عمليات متابعة ميدانية مكثفة" تمكنت قواتها من التعرّف على بعض مقاتلي داعش الذين شاركوا في هجمات يناير/كانون الثاني. ادعت الوزارة إن المهاجمين كانوا يتنقلون بكثرة بين عدة أماكن اختباء، ولكن أقارب أيوب وجامع ورشيد قالوا إنهم أُوقفوا في منازلهم. وأضافوا إنهم لم يكونوا يعيشون متخفين، فرشيد كان قد تزوج قبل توقيفه بشهرين وجامع يعيش مع زوجته ويزور أحد الأطباء باستمرار للمعالجة من عدم القدرة على الإنجاب.

قالت الوزارة إن قوات مكافحة الإرهاب تعقبت العناصر في "شاليه" مهجور في منطقة قسم شرطة رابع العريش. وفي 13 يناير/كانون الثاني بدأت قوات المكافحة مداهمة المبنى ولكن المقاتلين في الداخل "بادروا بإطلاق وابل من الأعيرة النارية تجاهها محاولين الهرب"، حسب البيان. "تم التعامل مع مصادر النيران" ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص داخل المبنى. لم يذكر البيان أي إصابات بين عناصر قوات المكافحة.

لقطة ثابتة من شريط فيديو نشرته وزارة الداخلية المصرية، يظهر فيه رجال قوات خاصة يقتربون خلسة من مبنى. لكن خبراء عسكريين قالوا إن الضوء الساطع الأبيض المسلط على رجال القوات الخاصة خلال المداهمة يشكل أحد الدلائل أن المداهمة مفبركة.

فيديو المداهمة المزعوم يبدأ بمشهد 8 عناصر على الأقل من قوات مكافحة الإرهاب، مدرّعين ويحملون أسلحة صغيرة ويقتربون من مبنى أحمر من عدة طوابق. يقترب العناصر ببطء، لتفادي اكتشافهم على ما يبدو، ولكن المشهد مضاء بضوء أبيض ساطع.

قال أحد باحثي هيومن رايتس ووتش، الذي كان قناصا وخدم سابقا في سلاح المشاة الأمريكي ويملك خبرة مداهمات ليلية مع القوات الخاصة، إن هكذا إضاءة خلال مداهمة فعلية، خاصة مع تحرك عناصر قوات المكافحة ببطء، "غير مناسبة البتة وخاطئة تكتيكيا" وتعرضهم للخطر. قال خبير خارجي، ذو خبرة قتالية مع الجيش الأمريكي، إن لحظات الفيديو الأولى تشبه التمارين.

بعد حوالي 12 ثانية ينتقل الفيديو إلى مكان آخر خارج المبنى. ويظهر 2 من عناصر قوات المكافحة وهما يطلقان النار على شخص بملابس مدنية وهو جاثٍ على ركبتيه أو أنه يقع على بعد 3 أمتار من مدخل المبنى. بنفس الوقت يظهر عنصر ثالث على اليمين يسلط المصباح اليدوي داخل غرفة عبر المدخل.

لقطة ثابتة من شريط فيديو نشرته وزارة الداخلية المصرية، يظهر فيه رجال قوات خاصة يطلقون النار على رجل يبدو أنه راكع أو ساقط على الأرض. قال خبراء عسكريون إنه يبدو كما لو أن القوات الخاصة قد سيطرت على المنطقة بالفعل ولم يكن الرجل يشكل تهديدا عندما أطلقت عليه النار. يمكن رؤية رجل القوات الخاصة الثالث يدخل غرفة من خلال الباب الخارجي للمبنى مع مصباح يدوي. قال خبراء عسكريون إن رجال القوات الخاصة الذين يشاكون في مداهمة جارية، مع إطلاق النار في مكان قريب، لن يدخلوا غرفة بمثل هذه الطريقة ومن دون دعم، وهذا مؤشر على أن المداهمة كانت مفبركة. 

الباحث في هيومن رايتس ووتش ذو الخبرة العسكرية وأحد ضباط الجيش الكولومبي في الخدمة الفعلية قالا إن الخطة المُنفَذة في هذه اللحظة من الفيديو خاطئة ولا تعكس كيفية تصرف هكذا قوات خلال مداهمة فعلية. وأضاف باحث هيومن رايتس ووتش إن العنصر الذي يتوقع خطرا أثناء دخوله الغرفة لا يسلط الضوء على الغرفة بدون مساندة بينما يفتح آخرون النيران على أحد مصادر الخطر على مسافة قريبة.

شكك الخبيران بإطلاق النار، ملاحظَين أن الشخص الذي يتعرض لإطلاق النار كان يبدو جاثيا وأن الفيديو الذي يُظهر جسده بمشهد أقرب بعد ثوانٍ يكشف عن مسدس معلق في سرواله. حقيقة أن تُطلَق النار عليه بهذه الطريقة ومن مسافة قريبة تشي بأن قوات المكافحة كانت قد أمنت المنطقة قبل ذلك، بحسب الضابط. بينما قال باحث هيومن رايتس ووتش إن الكوماندوس قد يقتربون لهذه الدرجة من المشتبه به في حال أرادوا توقيفه فقط.

بعد مشهد إطلاق النار يُظهر الفيديو عدة غرف، داخل المبنى على ما يبدو، و6 جثث ودماء تتجمع على الأرض وأسلحة ملقاة قرب الجثث أو موضوعة على الحائط. قال شميت، الخبير الشرعي، إن برك الدماء الظاهرة على الأرض، في إحدى الغرف على الأقل، والجثث الممددة على السرير إلى جانب الدماء، تثير الشكوك أن تكون  الجثث قد حُرِّكت قبل تصوير الفيديو. في حين لا يعني هذا بحد ذاته أن المداهمة كانت مُلَفَّقة فإنه لا يمكن اعتماد الفيديو كدليل على رواية الوزارة، بحسب شميت.

قال الضابط في الخدمة الفعلية إن وجود الجثث في مواضع متقاربة وأماكن وجود الأسلحة تشير إلى أن المقاتلين المزعومين لم يكونوا في وضعية دفاعية مع أسلحتهم كما قد يفعلون لو أنهم فعلا فتحوا النيران على الكوماندوس أثناء المداهمة، أو لو أنهم تنبّهوا للمداهمة بسبب الضوء الساطع أو إطلاق النار على الشخص في الخارج.

إفادات الأقارب والمحامين

أحمد يوسف محمد رشيد

اتهمت وزارة الداخلية في بيانها الصادر في 13 يناير/كانون الثاني رشيد "بالتورط فى اغتيال العديد من المواطنين بدعوى تعاونهم مع رجال الأمن". قالت زوجة رشيد وأحد أقربائه لـ هيومن رايتس ووتش إن رشيد (24 عاما) كان قد تخرج مؤخرا من المعهد التقني، وكان يعمل سائق سيارة أجرة، وكان قد تزوج قبل شهرين من اعتقاله بتاريخ 17 أكتوبر/تشرين الأول.

لقطة ثابتة من شريط فيديو نشرته وزارة الداخلية المصرية، يظهر فيه رجال قوات خاصة يطلقون النار على رجل يبدو أنه راكع أو ساقط على الأرض. قال خبراء عسكريون إنه يبدو كما لو أن القوات الخاصة قد سيطرت على المنطقة بالفعل ولم يكن الرجل يشكل تهديدا عندما أطلقت عليه النار. يمكن رؤية رجل القوات الخاصة الثالث يدخل غرفة من خلال الباب الخارجي للمبنى مع مصباح يدوي. قال خبراء عسكريون إن رجال القوات الخاصة الذين يشاكون في مداهمة جارية، مع إطلاق النار في مكان قريب، لن يدخلوا غرفة بمثل هذه الطريقة ومن دون دعم، وهذا مؤشر على أن المداهمة كانت مفبركة. 

قالت قريبة رشيد إنه في ذلك اليوم، عشرات الرجال الذين يرتدون زيا مكتوبا عليه "الشرطة"، وغيرهم من الرجال في ملابس مدنية، داهموا منزلهم في حي سمران بالعريش واعتقلوا رشيد دون إظهار مذكرة. لم يسبق للشرطة اعتقال رشيد على خلفية أي جريمة، وقالت قريبته إنهم لم يعلموا بسبب مجيء الشرطة.

قالت: "قارب الوقت ظهيرة يوم 17 أكتوبر/تشرين الأول. فُتح الباب عنوة فجأة، فشعرت بالرعب عندما رأيت قوى (الأمن) ولم أقوَ على الكلام".

قالت قريبة رشيد إن قوات الأمن انقسمت ودخلت شقة في الطابق الأرضي وشقة رشيد في الطابق الثاني. أخذوا رشيد في عربة مدرعة لبعض الوقت ثم عادوا معه.

قالت قريبته: سألته "ما الأمر، لكنه لم يُجب. أمرني بالخروج فاضطررت لذلك، لكني كنت أسمع أصواتا. ضربوه خلال وقوف جدته التي صرخت عليهم: حرام، حرام".

قالت قريبة رشيد إن الجيران أخبروها لاحقا بوجود 15 مركبة مدرعة وسيارة شرطة على الأقل خارج منزلها خلال المداهمة. فتشت قوات الأمن الشقتين ودمرت معظم ممتلكات الأسرة، بما في ذلك السرير والثلاجة والتلفزيون، والمرحاض، والموقد، والخزائن الزجاجية. وقالت القريبة إن الشرطة أخذت أيضا 3 هواتف نقالة وحوالي ألفي جنيه مصري (119 دولار). أرسلت الأسرة لهيومن رايتس ووتش صورا للأثاث المدمر.

زوجة رشيد، التي كانت حاملا في الشهر الأول في ذلك الوقت، صاحت على الشرطة بأن هذه المفروشات جديدة وأنها تزوجت مؤخرا. فرد الضابط: "تعالي لتريها تُدمّر"، بحسب ما قالت. أمسكها ضابط آخر ودفعها إلى الجدار مرتين. قالت إنها أجهضت لاحقا، ولكن هيومن رايتس ووتش لم تتمكن من الحصول على أي وثائق طبية.

بعد ذلك بيومين، عادت قوات الأمن لشارعهم، واعتقلت عددا أكبر من السكان. عندما اقتربت زوجة رشيد من الضباط لسؤالهم عن رشيد أجابها أحدهم: "لن يرى الشارع ثانية، ابحثي عن زوج آخر".

بعد 3 أيام من اعتقاله، وجهت عائلة رشيد برقيات إلى وزيري العدل والداخلية والنائب العام للاستفسار عن مكان وجود رشيد لكنها لم تتلق أي رد.

قالت عائلة رشيد إنها أرسل برقية إلى النائب العام في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2016، بعد أسبوعين من اعتقاله، لمعرفة ما حدث له. ويظهر الإيصال الذي قدمته العائلة لـ هيومن رايتس ووتش تاريخا مكتوبا بخط اليد ورقما تسلسليا مختوما في الأعلى، وهو ما يمكن أن يساعد المحققين من التأكد مما إذا كان راشد قد اعتقل قبل وفاته.

© خاص

بتاريخ 13 يناير/كانون الثاني، يوم المداهمة المزعومة، فقدت عائلة رشيد الاتصال بالإنترنت، لكن أصدقاءها اتصلوا وأخبروها أنهم رأوا اسم رشيد في البيان.

قالت قريبت رشيد:"لم أصدق ذلك. اعتقدت أنه ربما كان بيانا كاذبا أو شيئا من هذا القبيل".

لما رأت قريبة رشيد جثته في مشرحة الإسماعيلية، وهي مدينة تقع على قناة السويس وتبعد 124 ميلا غرب مدينة العريش، رأوا ما كان يعتقد أنه جرح ناجم عن رصاصة في رأسه. كانت العائلة قد تعرفت أيضا على رشيد في فيديو وزارة الداخلية باعتباره أحد الرجال الذين ظهروا مقتولين داخل المنزل، على الرغم من أن السروال الأخضر والسترة السوداء التي ظهر وهو يرتديها في الفيديو ليست الملابس التي ألقي القبض عليه بها.

قالت قريبة رشيد إن الأخير كان صديقا مقربا من أحد الرجال الستة الآخرين الذين وردت أسماؤهم في بيان وزارة الداخلية وقتل في المداهمة المزعومة، وهو عبد العاطي علي عبد العاطي الديب، الذي اعتقل قبل رشيد بنحو 9 أيام.

 

محمد إبراهيم محمد أيوب

كان محمد أيوب (23 عاما) يعمل سائقا عندما اعتقلته الشرطة بعد رؤيته يمشي على سطح منزله في العريش ذات ليلة في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، وفقا لعائلته. نفت الشرطة والمراكز العسكرية في جميع أنحاء العريش اعتقاله. لم تسمع الأسرة عنه شيئا حتى إعلان وزارة الداخلية عن مقتله في 13 يناير/كانون الثاني 2017. 

© خاص

اتهمت وزارة الداخلية أيوب بالمشاركة في قتل العقيد أحمد رشاد، نائب مأمور قسم شرطة القسيمة في سيناء في يوليو/تموز 2016، وعدد من الهجمات الأخرى على الشرطة. قال قريب أيوب الذي طلب عدم الكشف عن هويته إن أيوب كان سائقا يبلغ من العمر 23 عاما اعتقلته الشرطة في 26 نوفمبر/تشرين الثاني. لم يكن أيوب مهتما بالسياسة وكان من المقرر أن يلتحق بالجيش في وقت قريب.

قال القريب الذي شهد الاعتقال إن قوات الأمن جاءت ليلا دون أمر قضائي وكسرت باب منزل أيوب في منطقة المساعيد بالعريش. قال إن الشرطة أتت إلى منزل أيوب بعد رؤيته يمشي على السطح. شعر أيوب بالخوف وذهب إلى الطابق السفلي عندما رأى قوات الأمن قادمة، وصرخ عليه شرطي مطالبا إياه بالخروج. قال قريبه إن أيوب عندما طلب دقيقة ليشرب الماء، صرخوا في وجهه ودفعوه إلى عربة مدرعة. وأضاف القريب أن والدة أيوب عندما طلبت من الضابط أن تذهب لارتداء ملابس مناسبة، أثناء المداهمة،  صاح الضابط في وجهها بأنه سيطلق النار إذا تحركت.

قال أحد الأقرباء إن ضابط الشرطة أمر والد أيوب وشقيقه الأصغر و2 من أعمامه بالوقوف بحيث تكون وجوههم إلى الجدار، وقال للجنود أن "اقتلوا كل من يتحرك". عندما كانت الشرطة تغادر، سأل شرطي قائده عما يفعله بهما، مشيرا إلى والد أيوب وشقيقه الأصغر. قال القريب إن الضابط أمره بوضعهما في عربة مدرعة أخرى، ونقلوهما إلى قسم ثان العريش للشرطة، حيث قضيا 5 أيام في الحجز.

بعد الإفراج عنهما، سأل والد أيوب وشقيقه عن أيوب في كل أقسام الشرطة ومراكز الاعتقال العسكرية التي يعرفونها في المنطقة، لكن السلطات نفت احتجازه. بعد حوالي شهر من اختفاء أيوب، جاء رجل إلى منزل العائلة وقال لها إنه رأى أيوب في مركز الأمن الوطني في العريش وإن أيوب تعرض للتعذيب بالصدمات الكهربائية. وقال قريب أيوب لـ هيومن رايتس ووتش إنه لم يكن يعرف الرجل، ولم يتمكن من التحقق من قصته.

لم تسمع الأسرة شيئا عن أيوب من السلطات حتى بيان وزارة الداخلية بتاريخ 13 يناير/كانون الثاني. قالت قريبه إن الأسرة تعرفت على جثة أيوب في فيديو وزارة الداخلية ولكنها لم تتخذ أي إجراءات قانونية لأنها شعرت بالخوف. قالت الشرطة إن عليهم توقيع ورقة تفيد بأن أيوب قتل بعيار ناري دون مزيد من التفاصيل. قالت القريب إن السلطات لم تفتح تحقيقا.

قال: "ذهبنا لاستلام الجثة من مشرحة الإسماعيلية. شعرت بسكين في قلبي عندما رأيت الجثة... أنا خائف... لا أستطيع النوم. أخشى من مداهمة منزلنا خلال نومي".

منصور محمد سليمان جامع

اتهم بيان وزارة الداخلية جامع (28عاما) بسرقة مركبات النقل و"تفخيخها" لاستخدامها في هجمات داعش. قال أحد الأقارب الذي طلب عدم الكشف عن هويته إن جامع سائق يبلغ من العمر 27 عاما، متزوج بدون أولاد، ولا يعرف الرجال الآخرين.

قال قريبه إن زوجة جامع هاتفته حوالي منتصف ليلة 17 أكتوبر/تشرين الأول، نفس اليوم الذي اعتقل فيه رشيد، لتخبره أن قوات وزارة الداخلية داهمت منزلهما واعتقلت جامع دون أمر قضائي. وقالت زوجة جامع للقريب إنها سألت الشرطة عن مكان اقتيادهم إياه فقالوا لها إنه سيعود بعد يومين من الاستجواب.

اُعتقل منصور جامع، 28 عاما، في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2016. شعرت زوجته وباقي أفراد أسرته بالخوف مما قد يفعله رجال الأمن بهم إن قدموا أي شكوى ضدهم متصلة بوفاته. 

© خاص

قال القريب: "هنا [في شمال سيناء] لا تستطيع التنفس"، واصفا معاملة قوات الأمن للمدنيين. "لا يمكنك أن تطلب من [الضباط] أن يبرزوا مذكرة التوقيف".

قال القريب إن صديقا للعائلة اعتقل بعد حوالي 20 يوما من اعتقال جامع زار الأسرة بعد الإفراج عنه، وقال إنه قضى نحو 15 يوما من الاحتجاز مع جامع في مركز الأمن الوطني في العريش.

وأضاف: "لم نوكل محاميا أو نتقدم بأي شكوى بسبب الظروف. حتى المحامي لن يستطيع الحصول على حقوقنا. الله فقط سوف يحصل لنا على حقوقنا".

قال إنه استفسر عن جامع في بعض مراكز الشرطة ولكنها نفت وجوده هناك. لم تتلق العائلة أي معلومات حول جامع حتى بيان وزارة الداخلية يوم 13 يناير/كانون الثاني.

قال قريبه إن أي شخص متورط في أعمال العنف المزعومة من قبل وزارة الداخلية لن يبقى في منزله مثل جامع، الذي كان يرغب في إنجاب الأطفال ويسعى إلى علاج مشكلة العقم.

قال قريبه: "لم نرسل أي رسائل بالفاكس [للسلطات]... كنا نظن أنه سوف يعود لمنزله قريبا لأنه رجل مستقيم ونظيف. لم نكن نعلم أن الأمور ستصل إلى هذا المستوى".

 

عبد العاطي علي عبد العاطي الديب

اُعتقل عبد العاطى عبد العاطي (25 عاما) في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2016، وفقا لمحامي العائلة. تقدمت العائلة بشكوى إلى النائب العام تتهم فيها عناصر  الأمن الوطني بقتله، ولكن الشرطة ألقت القبض على 3 من أقارب عبد العاطي، للضغط عليهم للتخلي عن دعواهم القانونية، بحسب المحامي. 

© خاص

اتهمت وزارة الداخلية عبد العاطي (25 عاما) بالتورط في قتل محمد مصطفى عياد، وهو مهندس أجرى بعض الأعمال للقوات المسلحة، وكان قد اختطف من قبل مسلحين مجهولين في سبتمبر/أيلول 2016 وقتل رميا بالرصاص علنا بعد 5 أيام في ساحة رئيسية في العريش، وفقا لتقارير وسائل الإعلام وناشطين على فيسبوك.

أيوب، المحامي الذي يمثل عائلتيّ رشيد وعبد العاطي، قال إن قوات الأمن ألقت القبض على عبد العاطي في 8 أكتوبر/تشرين الأول وإن العائلتين وكّلته بعد قرابة أسبوعين.

كان أيوب في مشرحة الإسماعيلية عندما تم تسليم بعض جثث الرجال لأسرهم، قال إن كلا من عبد العاطي ورشيد بديا وكأن كل منهما مصاب بعيار ناري واحد في الرأس. وقال أيضا إنه رأى حروقا على جسم عبد العاطي، وكدمات على المعصمين يعتقد بأنها آثار الأصفاد. رأت هيومن رايتس ووتش صورا للجثتين ولكنها لم تتمكن من التأكد بشكل مستقل من وجود أعيرة نارية في رأسيهما. قال شميت، خبير الطب الشرعي، إنه لا يستطيع تأكيد سبب العلامتين، ولكن يبدو أن جثة عبد العاطي تعرضت للتشريح الكامل.

قال أيوب إن السلطات لم تسمح له بالحصول على نسخة من تقرير تشريح الجثة، وإنه لا يعرف ما جاء فيه. أشارت شهادة من صفحة واحدة من فرع الإسماعيلية التابع لمصلحة الطب الشرعي في وزارة الصحة، اطلعت عليها هيومن رايتس ووتش، إلى أن سبب وفاة عبد العاطي كان "طلقات نارية"، من دون مزيد من التفاصيل.

تقدم أيوب بشكوى إلى النيابة العامة، اطلعت عليها كذلك هيومن رايتس ووتش، بتوكيل من أسرتيّ عبد العاطي ورشيد بعد بضعة أيام من وفاتهما، تتهم عناصر الأمن الوطني بوزارة الداخلية في العريش بإخفاء الرجلين قسرا وقتلهما. قال إن النيابة العامة لم ترد.