أصبح أمين (18 عاما) لاجئا عندما هربت عائلته من سوريا إلى لبنان منذ 5 سنوات، فلم يذهب إلى مدرسة قط منذ ذلك الحين. وقعت مسؤولية العائلة المؤلفة من 7 أشخاص على عاتقه بسبب عدم تمكن أبيه من الحصول على عمل أو وضع قانوني. عندما ترك مدرسته في حمص كان في الصف السابع، ثم أصبح عامل بناء في سن 13، ينقل كتل الإسمنت للأبنية السكنية. قال:"أنا هنا منذ 5 سنوات، لقد أضعت 5 سنوات من حياتي".

بلغ عدد الأطفال الفارين من منازلهم بسبب القمع والنزاعات المسلحة حوالي 17000 طفل يوميا في 2015. الأطفال النازحون قسرا، بما في ذلك اللاجئون، لديهم الحق في الحصول على تعليم ثانوي جيد، بدون تمييز. بإمكان المدرسة حمايتهم وإضفاء روتين سوي أساسي لشفائهم، وتفتح أمامهم الفرص الاقتصادية وتغذي الأمل.

ولكن بالنسبة للعديد من الأطفال الأكبر سنا، بات الذهاب إلى المدرسة أمرا مستحيلا.

فهد، 15 عاما، الذي أتى من سوريا، لا يرتاد المدرسة، بل يعمل في ورش البناء في البقاع.

© 2016 بسام خواجا/هيومن رايتس ووتش

 

حسب "مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين"، فإن نصف الأطفال اللاجئين بسن الدراسة الابتدائية، البالغ عددهم 3.5 ملايين، يحصلون على تعليم، بينما أقل من ربع الأطفال بسن التعليم الثانوي البالغ عددهم 1.95 مليون فقط يحصلون على تعليم. في بلدان مثل باكستان ولبنان تنخفض نسبتهم إلى 5 بالمئة فقط.

الأمر أسوأ بالنسبة للفتيات: عالميا تحصل 7 فتيات لاجئات، مقابل كل 10 فتيان، على تعليم ثانوي. أما الأطفال النازحون من ذوي الاحتياجات الخاصة، فهم مقصيّون بشكل كامل.

نجد أساس المشاكل وحلولها في سياسات وتمويل اللجوء. عالميا يذهب 2 بالمئة من دعم المانحين للتعليم في حالات الطوارئ؛ وجزء كبير من هذه النسبة يذهب للتعليم الابتدائي وليس الثانوي. يتزامن عدم كفاية الموارد مع سياسات مقيِّدة للاجئين في البلدان المستضيفة والتي تؤثر على الأطفال أكثر عندما يبلغون سن المراهقة. بعض الدول تمنعهم بكل بساطة من تحصيل التعليم خارج مخيمات اللجوء.

الأطفال الحاصلون على تعليم ثانوي يتمتعون عادة بصحة أفضل، ولديهم فرصا أعلى للحصول على عمل والإفلات من الفقر. أما المنقطعون عن التعليم، فهم عُرضة للعمل الخطير وزواج الأطفال والعنف الجنسي ومضايقة القوى الأمنية والاستهداف والتجنيد من قبل المجموعات المسلحة.

فشل الدول المانحة ودول اللجوء بتأمين تعليم ثانوي للأطفال والمراهقين النازحين يؤدي إلى خطر تقويض النمو الاقتصادي. كما أنه يحرم الأطفال بسن التعليم الثانوي من المهارات التي يحتاجون للمساهمة في المجتمعات المضيفة، أو عندما يعودون إلى بلدانهم – مع عواقب على الأمن والاستقرار.

التعليم الثانوي والنزاعات

التعليم يعزز الاستقرار، فهو يمنح الأطفال أدوات حل الخلافات سلميا ويزيد من الإنتاجية. وقد تبيّن أن التعليم الثانوي الجيد يعزز التسامح ويقوي الإيمان بالديمقراطية ويساعد على مقاومة استقطاب التطرف العنيف.

الالتحاق بالتعليم الثانوي بنسب عالية من شأنه أن يخفض من احتمالات الحرب الأهلية، وحرمان المراهقين النازحين منه قد يعيق جهود إعادة الإعمار.

مع ذلك، غالبا ما يتأثر التعليم عندما يُجبَر الأطفال على الهرب من أجل سلامتهم. هرب الأطفال وعائلاتهم في الصومال بسبب التجنيد القسري وخطف الأطفال من قبل أطراف النزاع. أفادت تقارير أن نسبة ترك التعليم وصلت إلى 50 بالمئة في 2010.

للنزاعات آثار أكبر على التعليم الثانوي، فهو يحتاج إلى موارد متخصصة، مثل الأساتذة الذين يصعب إيجادهم في الأزمات. ومن المستبعد أن يعود المراهقون الذين تركوا التعليم إلى المدارس.

بعض الاستجابات الحكومية فاقمت الأوضاع.

في نيجيريا، لم تحم الحكومة المدارس كما يجب من هجمات جماعة "بوكو حرام" ("التعليم الغربي حرام") المتطرفة. قال مدرّس لـ "هيومن رايتس ووتش" في 2015 إن مدرسته الثانوية أصبحت "مذبحا لـ بوكو حرام... هم يجلبون كل من يقبضون عليه إلى المدرسة ويذبحونه". في الدول المتأثرة بالنزاعات، يحصل أقل من 90000 طفل، من أصل 590000 نازح بسن المدرسة، على تعليم.

ما يُفاقم المشكلة هو اغلاق الحكومة النيجيرية لمدارس ابتدائية وثانوية لكي تستخدمها القوى الأمنية كمراكز عمليات وثكنات، منتهِكةً بذلك التزامها بـ "إعلان المدارس الآمنة" الموقّع في 2015.

التغاضي ونقص التمويل

في العديد من الإحصاءات يحدد اللاجئون التعليم كحاجة أساسية يصرف عليها الكثير منهم أجزاء كبيرة من مدخولهم. بينما يواجه آخرون مخاطر كبيرة، فقد عادت امرأة إلى سوريا عندما لم تتمكن من تسجيل أولادها في المدارس اللبنانية رغم المخاطر. قالت لـ هيومن رايتس ووتش: "التعليم هو الهدف الوحيد".

مع ذلك حصة التعليم من مساعدة المانحين زهيدة وتفشل في مساعدة العديد من الأطفال. أقل من ربع المساعدات الخارجية تُصرف على الدول منخفضة المدخول التي تستضيف 86 بالمئة من اللاجئين في العالم. وينخفض تمويل بعض الأزمات طويلة الأمد في حين تذهب الأموال إلى الحالات الطارئة الأحدث والأكثر ظهورا. الكثير من المنح تستمر 12 شهرا فقط.

يستأثر التعليم الابتدائي بنصيب الأسد من مجموع التمويل المتاح للتعليم، المحدود أصلا، ويبقى التعليم الثانوي خارج دائرة الاهتمام، رغم الحاجة لكتب أكثر وقاعات تعليم وتجهيزات وأساتذة على درجة عالية من الكفاءة. فمثلا، في 2015 خصصت مفوضية شؤون اللاجئين 13 بالمئة فقط من ميزانية التعليم للتعليم الثانوي، ثلث ما صرفته على التعليم الابتدائي.

لا تملك المؤسسات بالضرورة برامج للتعليم الثانوي بقدر ما يقدمون للأطفال الأصغر سنا. لاتزال الجهات الإنسانية الفاعلة تحاول اللحاق بالركب فيما يخص التعليم الثانوي.

في لبنان حددت وزارة التربية والتعليم العالي بالتعاون مع المفوضية العام الماضي هدف تسجيل نحو 200000 طفل سوري لاجئ في المدارس الرسمية الابتدائية، و2080 فقط في المدارس الثانوية، من أصل 83000 طفل بسن المرحلة الثانوية.

حواجز بيروقراطية

في الكثير من الأوقات تعيق الحواجز البيروقراطية الوصول إلى التعليم الثانوي.

الأطفال بسن التعليم الثانوي النازحين قسرا يُمنَعون من التعلّم بسبب افتقارهم للوثائق الرسمية. في لبنان، على الأطفال البالغين 15 عاما دفع مبلغ 200 دولار – غالبا مبلغ باهظ – لتجديد إقامتهم، والكثير منهم لا يملكون وثائق رسمية. في تركيا على الأطفال السوريين الحصول على "هوية" للتسجيل في المدارس، ولكن غالبا ما يضطرون للانتظار نصف سنة.

تخلى بعض المراهقين السوريين عن الالتحاق بالتعليم الثانوي بعد سنوات وهم يحاولون تلبية متطلبات قاسية. قالت أمل (20 عاما) إنها أنهت كل امتحانات الثانوية "ما عدى آخر امتحان" قبل هرب عائلتها من سوريا، ولكن عندما حاولت استكمال امتحاناتها في الأردن رفض مسؤولو وزارة التربية. قالت:" قالوا إنه عليّ إثبات أني أنهيت الصف الحادي عشر بنجاح، ولم يقبلوا بالوثيقة التي وصلت عبر الفاكس، وقالوا إنه عليّ اظهار الوثيقة الأصلية". ذلك يعني أن عليها العودة إلى سوريا الممزقة بالحرب، ولكنّ "الحدود مغلقة".

في لبنان، على الأطفال اللاجئين اظهار بطاقة أعداد الصف التاسع للالتحاق بالمدارس الثانوية، والتي تركها العديد منهم عند الهرب من سوريا. يرفض بعض مسؤولي المدارس قبولهم. لم تحصل لورين (16 عاما) على أي تعليم منذ قطع القصف العنيف دراستها في الصف السابع في سوريا. عندما حاولت التسجيل في المدرسة في تركيا، قال مدير المدرسة إن عليها "الالتحاق بفئتها العمرية، بدون استثناء"، بالرغم من أنها لا تتكلم التركية. عندما سألت أمها المدرسة عن دروس الدعم اللغوي، قيل لها "ليس هناك أي دعم". تعمل لورين الآن بدوام كامل في معمل فاكهة مجففة.

حواجز تعليم الفتيات

يمكن للأزمات مفاقمة العقبات التي تواجه الفتيات في التعليم الثانوي، بما في ذلك العنف الجنسي والعنف على أساس الجنس والحمل المبكر والزواج.

في أفغانستان استهدفت قوات "طالبان" تعليم الفتيات بعدما خسروا السلطة في 2001؛ بحلول 2004 كانت 5 بالمئة فقط من الفتيات يحصلن على التعليم الثانوي، وزادت الهجمات بعد ذلك. هددت طالبان الفتيات للتوقف عن التعليم بعد البلوغ، وأطلقت النار على التلميذات والأساتذة، وألقت حامض البطاريات على وجوه التلميذات المراهقات، وأحرقت المدارس وقصفتها بالصواريخ والمتفجرات.

في حالات النزوح القسري قد يزوّج الأهل بناتهم بسبب الفقر والمخاوف الأمنية، وأغلب الفتيات المتزوجات يتركن التعليم. تضاعف زواج الأطفال 4 مرات بين الفتيات السوريات اللاجئات في لبنان وتركيا والأردن.

بالمقابل قد يغيّر التعليم الثانوي حياة الفتيات مع فوائد محتملة للبلدان المستضيفة والنمو الإجمالي. بإمكانه تخفيض معدل وفيات الأطفال لأنه بالعادة الأطفال الحاصلين على مستويات تعليم أعلى لديهم عادات غذائية أكثر صحة ويسعون للحصول على الرعاية الطبية، واحتمال الزواج المبكر بين الفتيات الحاصلات على تعليم ثانوي أقل.

الفقر وعمالة الأطفال

الفقر – الذي تفاقمه السياسات التي تحرم الأهل من العمل – يصعّب على الكثير من الأطفال تحصيل تعليمهم. كما يزيد الضغط عليهم لكسب المال مع تقدمهم بالسن. على كل حال لا تستطيع العديد من العائلات دفع رسوم المدارس الثانوية والزي الموحد والدفاتر وتكاليف المواصلات المرتفعة، بما أن المدارس الثانوية أقل وأبعد.

الأطفال الذين يتركون المدرسة من أجل العمل يتعرضون لمخاطر كبيرة: الاستغلال، والعمل في أماكن غير آمنة، والعنف. شهد لبنان ارتفاعا حادا في أسوأ أنواع عمالة الأطفال بين الأطفال اللاجئين في 2015، حيث تعرض الأطفال لإصابات وتعديات والتوقيف خلال العمل.

عندما تنخفض فرص العمل الذي يتطلب مهارات أو التعليم العالي – مثلما هو الحال في "مخيم داداب" في كينيا، حيث يذهب 13 بالمئة فقط من المراهقين إلى المدارس الثانوية – تقل المحفزات لتحصيل التعليم الثانوي. أظهرت دراسة للأمم المتحدة في مخيم الزعتري، أكبر مخيم لاجئين في الأردن، أن حواجز التعليم تتضمن "إحساس بعدم جدوى التعليم بما أن [الأطفال السوريين] لهم آمال محدودة في المستقبل".

السماح للاجئين بالعمل يُمكن أن يخفف من حدة الفقر وآثاره على التعليم الثانوي. قد تخاف البلدان المستضيفة من أخذ اللاجئين العمل بدل المواطنين، ولكن اللاجئين عادة ما يقومون بالأعمال التي يعزف عنها المواطنون، كما يمكن لإجراءات حماية العمال المساعدة على وقف تراجع الأجور الناتج عن العمل غير الرسمي.

حتى في البلدان التي تفتح المجال لحصول اللاجئين على إذن بالعمل، مثل تركيا، يبقى هناك قيود – مثل الكوتا والقيود الجغرافية والإذن المرتبط بكفالة محلية. اللاجئون السوريون في لبنان الممنوعون من فرص العمل القانوني والمعتمدون على مساعدات غير كافية، غرقوا في الفقر المدقع، ما صعب عليهم تحمل تكاليف إرسال أطفالهم إلى المدارس.

هناك حلول بديلة. في أوغندا يُسمَح لـ 500000 لاجئ العمل والوصول إلى المدارس الرسمية، ويعتمد 1 بالمئة منهم فقط على المساعدات كليا.

الاستجابة الدولية

استغرق المجتمع الدولي عقودا للاعتراف بأهمية التعليم في الاستجابة الإنسانية، ولكن بإمكان الوعود الأخيرة مساعدة الأطفال النازحين فقط إذا التُزِم بها.

في مايو/أيار 2016 أطلق المانحون وهيئات الأمم المتحدة مشروع "صندوق التعليم لا يمكن أن ينتظر"، وهو صندوق تمويل دولي يهدف إلى دعم تعليم 75 مليون طفل وقاصر متأثرين بحالات الطوارئ سنويا، ويسعى لجمع 3.85 مليار دولار بحلول 2020.

في سبتمبر/أيلول 2016 تعهدت بعض الدول بضمان وصول مليون لاجئ لعمل قانوني وحصول مليون طفل لاجئ على التعليم. وضعت "لجنة الأمم المتحدة للتعليم" أهدافا محددة وجدولا زمنيا للحكومات لتأمين تعليم ثانوي مجاني وعادل وجيد للجميع بحلول 2030، وهو هدف تعهدت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتحقيقه كأحد أهداف التنمية المستدامة الـ 17.

ولكن يجب أخذ الأخبار الجيدة مع قليل من التريث. فقد كان اهتمام المانحين بالتعليم متقلبا حتى الآن؛ في 2010 انخفض تمويل التعليم بشكل كبير عندما خفّض المانحون ميزانياتهم أو حولوا التمويل لقطاعات أخرى. هناك حاجة لشفافية أكثر لإلزام المانحين بتنفيذ وعودهم.

الطريق إلى المستقبل

من الضروري للحكومات المتأثرة بالأزمات حماية التعليم من الهجمات وخلق بدائل آمنة وضمان امتناع قواتها من استخدام المدارس عسكريا.

على الحكومات والجهات الإنسانية الفاعلة مواجهة الحواجز التي تحرم الأطفال الأكبر سنا من التعليم، بما في ذلك الفتيات والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وإدراج التعليم الثانوي في صلب خطط الاستجابة للأزمات. هناك حاجة ماسة لتمويل شفاف ومستدام على مدى عدة سنوات لضمان إمكانية حصول الأطفال على التعليم الثانوي كاملا.

لتمكين العائلات من دفع تكاليف تعليم أطفالهم، على الدول المستضيفة السماح للاجئين بالوصول إلى عمل قانوني. على المانحين تمويل جهود تحسين ظروف العيش بحيث لا تضطر العائلات إلى الاعتماد على عمالة الأطفال وبالتالي ترسل الأطفال بسن التعليم الثانوي إلى المدرسة.

على الدول المستضيفة لأطفال أجانب تأمين وصول قانوني للتعليم الثانوي والمهني على أساس المساواة مع المواطنين، وفصل المتطلبات المتعلقة بالهجرة، مثل الإقامة، عن التسجيل في المدارس.

على البلدان المستضيفة ضمان أن تشمل الخطط التربوية الوطنية الأطفال اللاجئين واستقبالهم بشروط تسجيل مرنة. يشكل تنظيم امتحانات تحديد المستوى بدل طلب ورقة العلامات إحدى الطرق لضمان عدم استثناء الأطفال من التعليم الثانوي بسبب عوامل خارجة عن إرادتهم.

على الدول المستضيفة الاعتراف بأن الأطفال الأكبر سنا يستحقون نفس الحماية والدعم المقدَّمان للأطفال بسن التعليم الابتدائي، ويجب قبل كل شيء الحاقهم بالمدارس. الاستمرار بتجاهل حاجاتهم خطأ جسيم.