(بيروت) –  نفّذ التحالف بقيادة السعودية الذي يُقاتل في اليمن ما لا يقل عن 6 غارات جوية يبدو أنها غير قانونية، في أحياء سكنية بالعاصمة صنعاء، في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2015، ما أدى لمقتل 60 مدنيا. بموجب قوانين الحرب، مطلوب من أعضاء التحالف، والولايات المتحدة – كطرف في النزاع – التحقيق في هذه الهجمات، لكن هذه الدول لم تقم بذلك.

منزل صالح البدوي المُتضرر في غارة جوية على حي حدّة السكني في صنعاء يوم 4 سبتمبر/أيلول 2015، ما أسفر عن مقتل ابنة البدوي ومستأجرَين في المبنى.

© 2015 بلقيس ويلي/هيومن رايتس ووتش

لم تجد هيومن رايتس ووتش أدلة على أي هدف عسكري في الغارة على صنعاء القديمة وعلى حي الأصبحي في سبتمبر/أيلول. الضربات الجوية التي أدت لخسائر في صفوف المدنيين على بيوت في شارع مأرب وأحياء حدة والحصبة وضاحية ضبوة وقعت على مسافة 200 متر أو أكثر من أهداف عسكرية محتملة. لم تميز هذه الهجمات بين المدنيين والأهداف العسكرية، أو أدت إلى خسائر غير متناسبة في صفوف المدنيين. عرّضت القوات الحوثية – في هجمتين على الأقل – المدنيين لخطر غير ضروري إذ انتشرت في أحياء مأهولة بالمدنيين. تفقدت هيومن رايتس ووتش المواقع في أواخر أكتوبر/تشرين الأول وقابلت بعض الناجين.

قال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط : "كم من المدنيين يجب أن يموتوا في غارات غير قانونية على اليمن قبل أن يحقق التحالف وحليفته الولايات المتحدة في الأخطاء المرتكبة وتحديد المسؤولين عنها؟ تجاهلهم لسلامة المدنيين أمر مروع".

استمرت محادثات السلام بين مختلف الأفرقاء اليمنيين من 15 إلى 20 ديسمبر/كانون الأول في سويسرا، قبل أن تتأجل. أي محادثات مستقبلية يجب أن تضمن توفير جبر مناسب لضحايا انتهاكات قوانين الحرب، أيا كان مسببها. على المشاركين في المفاوضات ضمان ألا يتم العفو عن المتورطين في الجرائم الخطيرة التي تنتهك القانون الدولي.

منزل وورشة حدادة غير مُستعملة تضررا في غارة جوية قتلت 5 مدنيين في شارع مأرب في صنعاء يوم 18 سبتمبر/أيلول 2015

© 2015 بلقيس ويلي/هيومن رايتس ووتش

أصابت إحدى غارات التحالف بيتا في مدينة صنعاء القديمة، يعد موقع تراث عالمي بحسب تصنيف "اليونسكو"، ليلة 13 سبتمبر/أيلول. أدت الغارة إلى مقتل 18 مدنيا وإصابة آخرين. قال عبد الخالق محمد الخميسي (29 عاما) لـ هيومن رايتس ووتش إنه كان نائما في البيت مع أسرته، في شقة بالطابق الثاني على مسافة 50 مترا من موقع الانفجار: "أفقت على جلبة هائلة، وشعرت وكأن زجاج جميع نوافذ الحجرة انفجر وحط على رؤوسنا. تبادلنا الأسئلة، أنا وزوجتي، لماذا سقطت قنبلة هنا. لا يوجد هدف عسكري قريب. كان الصوت مدويا، والظلام دامسا". وجد الخميسي أمه تعانق ابنه البالغ من العمر عامين وكانا مغمورين بالتراب ولم يصبهما أذى.

بحسب "الأمم المتحدة"، فإن أغلب الوفيات المدنية البالغ عددها 2500 منذ بدأ التحالف حملته العسكرية أواخر مارس/آذار ضد الحوثيين – المعروفون أيضا بـ "أنصار الله" – كانت جراء غارات التحالف الجوية. لا تعلم هيومن رايتس ووتش بأية تحقيقات تجريها السعودية أو أعضاء آخرون في التحالف الذي يضم 9 دول، في هذه الغارات غير القانونية المزعومة أو في غارات أخرى، أو إن كانت قُدمت أية تعويضات للضحايا. الولايات المتحدة – بتنسيقها ومساعدتها العمليات العسكرية للتحالف بشكل مباشر – هي طرف في النزاع ومن ثم فهي مُلزمة بالتحقيق في الهجمات غير القانونية المزعومة التي شاركت فيها.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه تكرر استخدام التحالف للقنابل الملقاة جوا ذات نطاق الانفجار الكبير، ما يؤدي إلى احتمالات كبيرة لسقوط ضحايا مدنيين حتى إذا أُصيب هدف عسكري بالقنبلة. الهجمات التي وثقتها هيومن رايتس ووتش كانت باستخدام قنابل كبيرة ملقاة جوا، تزن من 250 كيلوغراما إلى نحو 1000 كيلوغرام. آثارها الانفجارية والحرارية ومجال انتشار الشظايا المنبعثة منها، يطال دائرة بشعاع يصل إلى عشرات أو مئات الأمتار.

منذ اتساع رقعة النزاع في اليمن في مارس/آذار، وثقت هيومن رايتس ووتش وأطراف أخرى انتهاكات جسيمة لقوانين الحرب من قبل جميع الأطراف. وثقت هيومن رايتس ووتش بالفعل 10 غارات جوية للتحالف يظهر بوضوح أنها غير قانونية، في الفترة من أبريل/نيسان إلى أغسطس/آب في إب وعمران وحجة والحديدة وتعز وصنعاء، أودت بحياة ما لا يقل عن 309 مدنيين وأصابت أكثر من 414 آخرين. في جميع تلك الحالات، إما لم تجد هيومن رايتس ووتش أدلة على هدف عسكري قريب أو أخفق الهجوم في التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية.

فَحَص تقرير لمنظمة "العفو الدولية" في ديسمبر/كانون الأول 5 غارات جوية ضربت بشكل غير قانوني مدارس في حجة والحديدة وصنعاء، في الفترة من أغسطس/آب إلى أكتوبر/تشرين الأول، ما أدى لمقتل 5 مدنيين وإصابة 14 آخرين على الأقل.

ذكرت منظمة "أطباء بلا حدود" أن إحدى عياداتها الطبية في صعدة أصيبت في أكتوبر/تشرين الأول، وأخرى في تعز في ديسمبر/كانون الأول، لكن لم تتلق بعد أية توضيحات بسبب الهجمات على هذه المنشآت الخاضعة للحماية.

أعلنت الولايات المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني بيع ذخائر تُلقى جوا لتعويض ترسانة السعودية والإمارات. دعمت كل من المملكة المتحدة وفرنسا التحالف ببيع أسلحة للسعودية ودول أخرى من أعضاء التحالف.

بموجب قوانين الحرب، لا يحق لأي من أطراف النزاع إلا استهداف الأهداف العسكرية ويجب اتخاذ جميع التدابير الممكنة لتقليص الضرر اللاحق بالمدنيين والأعيان المدنية. الهجمات التي لا توجد فيها أدلة على وجود هدف عسكري أو التي لا تميز بين المدنيين والأعيان المدنية أو تؤدي لخسائر غير متناسبة في صفوف المدنيين مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة، تعد غير قانونية. من يرتكبون هذه الانتهاكات الجسيمة لقوانين الحرب بقصد إجرامي يصبحون مسؤولين عن جرائم حرب.

على أطراف القتال أيضا تفادي الانتشار في مناطق كثيفة السكان وأن تُبعد المدنيين عن القوات العسكرية قدر المستطاع. إقدام أحد أطراف النزاع على انتهاك قوانين الحرب لا يبرر انتهاك الطرف الآخر إياها.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على "مجلس الأمن" أن يعلن بوضوح لجميع أطراف القتال في اليمن أن المسؤولين عن انتهاكات للقانون الدولي الإنساني أو القانون الدولي لحقوق الإنسان يجب أن يخضعوا للمحاسبة، وأنهم قد يخضعون لحظر سفر وتجميد الأصول. على "مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان" إنشاء لجنة تقصي مستقلة ودولية للتحقيق في مزاعم انتهاكات قوانين الحرب التي ربما ارتكبتها جميع الأطراف.

قال جو ستورك: "تكرر ضرب التحالف بقيادة السعودية للبيوت والمدارس والمستشفيات، حيث لا توجد أهداف عسكرية قريبة. الدول الأكثر قدرة على منع التحالف من تنفيذ هذه الانتهاكات المروعة – لا سيما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة – عليها الضغط بقوة وإلا وجدت نفسها متواطئة في هذه الانتهاكات".

حي حدة، صنعاء
منذ بداية القتال الحالي في مارس/آذار، تكررت هجمات طائرات التحالف على مجمع حدة لقوات الأمن الخاصة، وهي قوة شبه عسكرية تخضع لوزير الداخلية وتتحرك حاليا بناء على أوامر الحوثيين. سند علي البدوي (35 عاما) الذي يعيش على مسافة 200 متر، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن في 4 سبتمبر/أيلول بين 9 مساء ومنتصف الليل، ضربت 5 غارات جوية للتحالف مجمع قوات الأمن الخاصة.

وقعت غارة سادسة حوالي الساعة 1:15 صباح 5 سبتمبر/أيلول فأصابت بناية سكنية من 4 طوابق تقيم فيها عائلة سند البدوي. قُتل 3 مدنيين، هم امرأة وطفلين.

قال البدوي لـ هيومن رايتس ووتش، وكان والده يملك البناية السكنية التي كان نائما فيها:

أفقت من النوم لأجد الطوب فوقي. سمعت أخي يهتف مناديا عليّ. فتح باب حجرة نومي وألقى بالأنقاض التي اعترضت مساره بعيدا، محاولا إخراجي. نزلنا السلم إلى أبويّ وشقيقي الصغير، حيث كانوا نائمين، وكانوا جميعا بخير. ثم ذهبنا لنتفقد شقيقتي سناء وتبلغ من العمر 17 عاما. كانت جدران حجرتها قد تداعت والتراب يغمر كل شيء. انهار السقف فوق حجرتها، وانهارت الأرض من تحتها، فسقط سريرها مقدار طابقين للأسفل.

طلبت عائلة البدوي المساعدة من الشرطة والسلطات الحوثية والمارة، لكن على حد قول سند البدوي، رفضوا جميعا وقالوا إنهم يخشون وقوع غارة أخرى. الساعة 3 صباحا – بعد ساعتين تقريبا – تمكن ومعه أقاربه من إخراج سناء من تحت الأنقاض، وكانت ما زالت حية، ونقلوها إلى المستشفى. الساعة 3:50 صباحا أعلن الأطباء موتها.

مزق الانفجار جدار حجرة حيث كان والد سند، وهو صالح البدوي (55 عاما) وأصيب في عنقه وظهره. قال: "افترضت أن الغارة كانت على مجمع الأمن القريب. استغرقت فترة قبل أن أدرك أنها أصابت بيتي وأن الحجرة التي أنا بها أصبحت مفتوحة على الخلاء". خسرت زوجته محلية صالح (50 عاما) الكثير من القدرة على السمع بأذنيها بسبب الانفجار.
 

كانت هناك أسرة سورية تستأجر الشقة بالطابق العلوي. الأم ريماز (35 عاما) فقدت ساقها وماتت تلك الليلة. ومات ابنها نزار (8 أعوام) متأثرا بإصاباته بعد 8 أيام.

قال سند علي البدوي إن الانفجار دمر خزنة العائلة، وكان بها ما يُعادل 18500 دولار نقدا، وكانت في الطابق الثالث وهوت إلى الشارع. أخبره الجيران لاحقا إنهم رأوا رجالا مسلحين في مركبة عسكرية يأخذون الخزنة بعد ساعات من الانفجار. اتصلت العائلة بالسلطات الحوثية للمطالبة بإعادة الخزانة لكن لم يصلهم أي رد.

شارع مأرب، صنعاء
في 18 سبتمبر/أيلول، حوالي الساعة 10:30 مساء، قصفت طائرة للتحالف بيتا من طوب مجاورا لورشة حدادة مهجورة. أضرت الغارة بالبيت ودمرت الورشة، وكانت عبارة عن سقف من الألومنيوم فوق هيكل خشبي. قُتل 5 مدنيين، بينهم امرأة وطفل، وأصيب 8 آخرين إصابات خطيرة.

رجال يُزيلون أنقاض غارة جوية قتلت 13 مدنيا في مدينة صنعاء القديمة، التي صنفتها اليونسكو موقع تراث عالمي. 18 سبتمبر/أيلول 2015.

© 2015 بلقيس ويلي/هيومن رايتس ووتش

في ساعة مبكرة من ذلك المساء، بدأت غارات مكثفة على مجمع وزارة الداخلية على مسافة كيلومتر. غادر إبراهيم عتيق الجحم وشقيقه فايز بيتهما، ومن على ناصية شارع الحي راحا يشاهدان غارة أخرى تضرب سوق بعثر، عند ميدان على مسافة كيلومتر تقريبا.

قال الجحم لـ هيومن رايتس ووتش:

صاح أخي: "هيا لنعد الآن للبيت! لم يعد البقاء هنا آمنا". ونحن في طريقنا للبيت وجدت نفسي فجأة أطير في الهواء وأسقط على الأرض. كنت مغطى بالحصى والتراب. رأيت الدخان ينبعث من حولي والدم يغمرني. وجدت صعوبة في التنفس، وكأن هناك من يضغط على صدري بقوة. نهضت أخيرا ونظرت حولي باحثا عن شقيقي، وكان راقدا إلى جواري.

لم يُقتل شقيقه، لكن رأى الجحم 3 أشخاص راقدين على الأرض على مسافة قريبة، تغطيهم الأنقاض. أحدهم هو وليد فضل محمد ثابت، لم يحرك ساكنا. الاثنان الآخران – وأحدهما يعمل في ورشة حدادة قريبة والآخر في ورشة الألومنيوم – كانا يتأوهان ويرتعشان. هرع الشقيقان إلى البيت لتفحص العائلة ووجدا ابن عم أحد المؤجرين للبناية مصابا إصابة بليغة. أخذاه إلى المستشفى.

قال 3 شهود إن هذه كانت الغارة الجوية الأولى على المنطقة. بعد 6 أيام – في 24 سبتمبر/أيلول – بدأت طائرة للتحالف قصف مقر الشرطة العسكرية على مسافة 350 مترا من موقع القصف الأول. وفي ظرف 4 أيام نفذ التحالف ما لا يقل عن 24 غارة جوية على المقر.

مدينة صنعاء القديمة
في 18 سبتمبر/أيلول، الساعة 11:30 ليلا، ضربت غارة جوية مدينة صنعاء القديمة وقتلت 13 مدنيا، بينهم امرأتين و7 أطفال وأصابت ما لا يقل عن 12 آخرين. دمرت بيتا وأضرت كثيرا بسبعة بيوت أخرى. أعلنت اليونسكو، منظمة الأمم المتحدة للثقافة، عام 1986، أن صنعاء القديمة موقع تراث عالمي لأن بيوتها الـ 6000 ومساجدها الـ 100 بُنيت قبل القرن الحادي عشر. أضافت اليونسكو صنعاء القديمة إلى قائمة التراث العالمي 2015 المعرض للخطر.

منزل حفظ الله العيني، الذي دُمر في غارة جوية قتلت 13 مدنيا، منهم 10 أفراد من عائلة العيني، في المدينة القديمة بصنعاء التي صنفتها اليونسكو موقع تراث عالمي. 18 سبتمبر/أيلول 2015.

© 2015 بلقيس ويلي/هيومن رايتس ووتش

قال عادل المسوري (19 عاما) إنه كان في البيت يتناول عشاءه مع 10 من عائلته وقت الهجوم. قال إنه سمع في البداية طائرة ثم انفجارا، وامتلأت الحجرة بالتراب والغبار. انفجرت القنبلة على مسافة 20 مترا وأرسلت بشظايا معدنية تطايرت داخل البيت. هرع المسوري وأقاربه إلى الخارج، حيث رأوا الكثير من الناس وسمعوا صراخا. بعد 5 دقائق رأى أن بيت جاره حفظ الله العيني قد أصيب وأن البناية أصبحت أنقاضا. قُتل أقارب العيني من عائلته المباشرة الـ 10 على الفور، وتتراوح أعمارهم بين 4 و38 عاما. جاء عناصر حوثيون للمساعدة في إنقاذ أي ناجين، على حد قول المسوري.

كان سعودي العلافة (42 عاما) يعيش مع 5 من أفراد أسرته في بيت على مسافة 10 أمتار من بيت العيني. قال إنه قبل إصابة البيت بالانفجار كان يقف خارجه، ينظر إلى السماء، لأن في ساعة سابقة من نفس المساء وقعت عدة غارات على حي الحصبة، على مسافة كيلومترين إلى 3 كيلومترات. فيما بعد عرف أن هذه الغارات استهدفت وزارة الداخلية وبيت الرئيس السابق علي عبدالله صالح ومقر الشرطة العسكرية. وهو واقف أمام البيت سمع طائرة ثم صوت طنين وطار ليرتطم بجدار بيته:

شممت رائحة الدخان ورأيت التراب من حولي كثيفا، لكن لم أسمع انفجارا أو أدركت حتى ما الذي يحدث أمامي بالضبط. شعرت بالضغط [من الانفجار]. بعد ثوانٍ قليلة بدأت أسمع صرخات داخل بيتي. كان 4 من أفراد أسرتي مصابين.

قال علافة إن 2 من أبنائه وإحدى بناته أصيبوا لكن كانت الإصابات طفيفة. ثم حوّل العلافة انتباهه إلى جيرانه:

هرعت إلى بيت العيني لأرى كيف يمكن أن أساعد. كانت الرمال قد دفنت البيت حتى الطابق الثاني. رأيت صبحية وعمرها 50 عاما، تزحف خارجة من الرمال. كانت في البيت مع زوجها صالح العيني (60 عاما) وابنة عم حفظ التي تقيم في حجرة بالطابق العلوي. رماها الانفجار من الطابق العلوي، لكن كان زوجها ما زال في الطابق العلوي. ساعدته في النزول ومعي أحد الجيران. ثم عدنا وبدأنا في الحفر، رغم أننا كنا خائفين من وقوع ضربة أخرى. رحنا نحفر من منتصف الليل حتى الساعة 8:30 صباحا.

قال عبد الخالق محمد الخميسي الذي يعيش في الجوار إنه بعد الهجوم ظل هو وأسرته في البيت، خشية وقوع غارة أخرى. راح يراقب من النوافذ، فيما أمضى الجيران 9 ساعات في محاولة إنقاذ عائلة العيني.

قال الجار محمد الجلال (33 عاما) إنه ساعد في إخراج عائلة العيني من تحت الأنقاض، ويبدو أنهم قُتلوا على الفور:

كان الطعام في فمهم جميعا. كانت حورية سعد الحديد زوجة العيني ما زالت ممسكة بكوب في يدها وكسرة خبز في الأخرى. أخيرا، حوالي الساعة 8:30 صباحا تمكنا من إخراج ملك [4 أعوام]. كانت تشهق محاولة التنفس. ماتت في المستشفى بعد ذلك بقليل.

كان الجلال جالسا على حافة يراقب الأطفال يلعبون عندما وقع الانفجار على مسافة 20 مترا منه:

سمعت طنينا ثم رأيت نورا مبهرا. خفت للغاية، حسبت أنني سأموت لحظتها. أصبت بصدمة. كان الزجاج متناثرا في كل مكان والطوب المحطم، وحديد من أبواب البنايات يتطاير. هرعت إلى بيت يحيى يحيى العصبة، حيث كان يعمل رجلان وصبي خارج البيت على تجهيز منصة صغيرة لتحويلها إلى واجهة دكان. رأيت في البداية يحيى وقد فقد جلد يده اليمنى كاملا وانكشفت عظامه. حاولت رفعه من خصره، لكن مرت يديّ بجسده ببساطة. كان مصابا بقطع كبير في عنقه حاولنا لفه بوشاح لنوقف النزيف.

مات العصبة ذلك اليوم، وكان يبلغ من العمر 35 عاما.

قال الجلال إن قاطن صالح الرواحي (14 عاما) أصيب بشظية معدنية في بطنه وكان يبدو أن ساقيه لُوِيتا معا في اتجاه واحد. مات بعد يومين. كان عصام يحيى العصبة (25 عاما) راقدا على مسافة أمتار. مات بعد أسبوع. قال جميع سكان صنعاء القديمة الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش إنه لم تكن هنالك أهداف عسكرية في صنعاء القديمة. قال من قابلناهم إن السكان لم يسمحوا بجلب أسلحة ثقيلة إلى صنعاء القديمة. مجموعة البيوت تلك بعيدة عن الطريق، لذا فلا يمكن أن تمر بها مركبات عسكرية. لكن أثناء الزيارة مع تحليق طائرة في السماء فوقنا، سمع الباحثون 3 دفعات من نيران الرشاشات المضادة للطائرات على مقربة.

حي الحصبة، صنعاء
في 21 سبتمبر/أيلول – بدءا من حوالي الساعة 4:30 صباحا – أصابت 4 غارات جوية بيوتا في حي الحصبة بصنعاء، حيث عرّض الحوثيون المدنيين للخطر، إذ نشروا قواتهم في منطقة سكنية كثيفة السكان. دمرت الغارات 4 بيوت وأضرت بما لا يقل عن 11 بيتا آخر. قتلت الغارات الأربع 20 مدنيا. كان بينهم 18 شخصا من عائلة واحدة، و6 منهم نساء و11 طفلا.

دُمر منزل عائلة عقلان في غارة جوية في حي الحصبة السكني في صنعاء، في 21 سبتمبر/أيلول 2015. غادرت العائلة المنزل قبلها بدقائق، بعد أن أصابت غارة منزل جيرانهم، لذلك لم يُصب أي منهم في الغارة

© 2015 بلقيس ويلي/هيومن رايتس ووتش

قال 6 من السكان لـ هيومن رايتس ووتش إن الغارة الأولى أصابت بيت سام الأحمر، وقد احتله المقاتلون الحوثيون لمدة عام. قال 3 سكان إن الحوثيين أخلوا البيت في الليلة السابقة على الغارات وتركوا 3 حراس، أصيب أحدهم في الغارة. بعد دقائق من الغارة جاءت عربة مطافئ وأطفأت الحريق ثم مضت سريعا مبتعدة. رأت هيومن رايتس ووتش بقايا محترقة من عدة مركبات عسكرية، لكن الحارس الحوثي منع الباحثين من دخول المنطقة أو التقاط أكثر من 3 صور.

قال السكان إن عربة الإطفاء كانت تغادر عندما وقعت ضربة أخرى على بيت متعدد الطوابق، هو بيت عائلة عقلان، إلى جوار بيت الأحمر. فرت عائلة عقلان من بيتها بعد الضربة الأولى.

بعد حوالي 10 إلى 15 دقيقة، أصابت ضربة ثالثة فناء مفتوحا على الجانب الآخر من الشارع، في مواجهة البيتين، ما أدى لتدمير بيت من طابق واحد يقيم فيه 10 أشخاص، ولم يكن أي منهم داخله وقتها. كما دمرت الضربة بناية أخرى من طابق واحد كان يعيش فيها 8 أشخاص، فأصابت وليد النميس (17 عاما) وأضرت بأربع بنايات أخرى.

ساحة مفتوحة حيث دُمر منزلان، وجُرح فتى (17 عاما) في غارة جوية ثالثة على حي الحصبة السكني في صنعاء، في 21 سبتمبر/أيلول

© 2015 بلقيس ويلي/هيومن رايتس ووتش

حمران غالب عباس (45 عاما)، وهو بائع حلوى، خرج من بيته الساعة 5:30 صباحا، بعد 15 دقيقة من الضربات. قال إنه سمع جاره محمد مفرح على الجانب الآخر من الشارع ينادي على ابنه عند بوابة البيت لكي يدخل:

وهما يدخلان سمعت طائرة تحلق فوقنا ثم صوت طنين. رماني الضغط [الناتج عن الانفجار] عبر الباب المفتوح لبيتي. هرع ابني إليّ من فوق وهو يصرخ أنهم ضربوا بيتنا، وقد ظن هذا بسبب الدمار اللاحق ببيتنا. سمعت مفرح يهتف: "النجدة، ساعدونا!"

في الواقع وقعت الضربة الرابعة على بيت مفرح متعدد الطوابق، على مسافة 260 مترا من بيت الأحمر على امتداد الشارع. قتلت الضربة 18 فردا من عائلة مفرح، بينهم 10 أطفال و2 من الجيران وأحدهما صبي عمره 13 عاما. دمرت الضربة بيت مفرح وأضرت كثيرا بأربعة بنايات أخرى متعددة الطوابق وبيتا من طابق واحد.

مدخل منزل محمد مفرح، الذي دُمر في غارة رابعة على حي الحصبة السكني في صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2015. قتلت الغارة مفرح و17 من أفراد عائلته

© 2015 بلقيس ويلي/هيومن رايتس ووتش

قال محمد عبدالله الحضرمي (70 عاما) وهو إمام مسجد الهداية القريب، إنه كان واقفا في الشارع في مواجهة بيت مفرح عندما وقعت الضربة الرابعة. قال إنه رأى نورا براقا ثم سمع الناس يصرخون يطلبون النجدة. لم ير أي شيء بسبب التراب، لذا رقد على الأرض وراح يزحف نحو البيت. فور دخوله رأى زوجة مفرح وزوجة ابنه وكانتا مدفونتين حتى العنق. أخرجهما بمساعدة الجيران. كانتا الوحيدتين من بين أفراد العائلة اللتين نجيتا من الانفجار.

مات مفرح وآخرون من أسرته وسط أنقاض بيتهم قبل أن يتمكن الجيران من نقلهم إلى المستشفى.

منزل محمد مفرح، الذي دُمر في غارة رابعة على حي الحصبة السكني في العاصمة صنعاء، في 21 سبتمبر/أيلول 2015. قتلت الغارة مفرح و17 من أفراد عائلته

© 2015 بلقيس ويلي/هيومن رايتس ووتش

حي الأصبحي، صنعاء
في 23 سبتمبر/أيلول حوالي الساعة 7:30 صباحا، ضربت غارتان جويتان حي الأصبحي في صنعاء. قتلت الغارتان 19 مدنيا بينهم امرأتين و10 أطفال. دمرت الغارتان 3 بيوت وأضرت ببناية سكنية من 4 طوابق، و3 بيوت أخرى متعددة الطوابق.

صورة غير مؤرخة لأحمد علي عايد الجرشي، 27 عاما، وُجدت بين رُكام منزله عقب أولى الغارات على حي الأصبحي السكني في صنعاء يوم 23 سبتمبر/أيلول 2015. مات الجرشي في الغارة الجوية

© 2015 بلقيس ويلي/هيومن رايتس ووتش

إدريس ردمان (27 عاما)، وهو من السكان المحلين، رافق هيومن رايتس ووتش أثناء تفقد آثار الضربة الأولى، التي دمرت 3 بيوت من طابق واحد. في بيت سائق سيارة أجرة يُدعى أحمد المغربي قُتل شخصان. في بيت مفتش الشرطة علي الجرشي قُتل 7 أفراد. وفي البيت الثالث، الذي يملكه العامل بشركة نفط سيد الذوباني، أصيب 5 أشخاص.

قال نجيب حسين (عامل نفط يبلغ من العمر 43 عاما): "كنت نائما مع أسرتي وفجأة حوالي الساعة 7:30 صباحا أيقظني شيء ما وأحسست بالرعب. صوت مدو رهيب، انفجار".

 

مبنى سكني دُمر في غارة جوية ثانية على حي الأصبحي السكني في صنعاء، العاصمة، يوم 23 سبتمبر/أيلول 2015. قتلت الغارتان ذلك الصباح 19 مدنيا

© 2015 بلقيس ويلي/هيومن رايتس ووتش

بعد 5 دقائق وقع الانفجار الثاني وأصاب بناية سكنية من 4 طوابق، ليدمر الواجهة المطلة على اتجاه الجنوب ويلحق أضرارا بثلاث بنايات أخرى متعددة الطوابق. كان في المبنى عائلات حلاق وفني طلاء وسباك. قُتلت زوجة مختار داديه و3 أطفال. قال هشام غمدان (35 عاما)، أحد الجيران، إن داديه نجى من الموت لأنه كان قد خرج ليساعد عند نقطة الانفجار الأول. قال غمدان: "كنت إلى جواره عندما اكتشف أن أسرته قد ماتت كلها. كانت لحظة مأساوية، لا توصف".

قال غمدان إنه كان نائما وقت وقوع الغارة الجوية الأولى:

فجأة سمعت صوتا مدويا. ناديت على علي ابني، وعمره 16 عاما، لأعرف ماذا حدث، لأنه رغم اعتيادي سماع أصوات الغارات الجوية المدوية، فقد كانت تلك صاخبة للغاية، وشعرت أنها أقرب من المعتاد. عاد ابني بعد دقائق مرعوبا، شاحب الوجه يرتعد من الخوف، وكان يبكي: "ضرب صاروخ بيت علي الجرشي، ضرب صاروخ بيت علي الجرشي!"

زين الفتيني (43 عاما) الذي يقيم في بناية ثانية على الجانب الآخر من الشارع، قال إنه كان راقدا في فراشه عندما سمع الانفجار الأول، ثم الثاني بعد دقائق. لم يظنه قريبا لأنه لم يكن يعلم بأية أهداف عسكرية في المنطقة. لكن بدأت بنايته تهتز والطوب يتساقط. خرج إلى الشارع:

رأيت امرأة مصابة في رأسها و3 أطفال ورجلين على الأرض، وكانت هناك امرأة انشطر جسدها من عند الخصر. أخرجت برفقة بعض الجيران 3 نساء وطفلين من قبو البناية السكنية.

أحد الصبية [صبي آخر] كان يقيم في الطابق الثالث من المبنى، وقد خرج إلى الشرفة بعد الانفجار الأول ليرى ماذا يحدث، لذا وعندما وقع الانفجار الثاني رماه الانفجار ليرتطم بواجهة البناية المجاورة.

قال سكان من المنطقة إنه لم تقع غارات جوية أخرى على الحي. بيت علي الدفيف – وكان قائدا في الحرس الجمهوري سابقا الذي يدعم الحوثيين الآن – يقع على مسافة 50 مترا من موقع الضربة الأولى، و115 مترا من موقع الثانية. كان قد غادر البيت برفقة أسرته منذ بداية الحرب، على حد قول الجيران، لذا لم يعد بيته هدفا عسكريا مشروعا. ضربت غارة جوية سابقة قريته بيت الدفيف بمنطقة همدان في 8 يونيو/حزيران.

ضاحية ضبوة، صنعاء
في 26 أكتوبر/تشرين الأول حوالي الساعة 11:30 صباحا ضربت غارة جوية ضبوة، وهي ضاحية تقع جنوب صنعاء، ما أدى لإصابة امرأة وابنها البالغ من العمر 3 سنوات. دمرت الغارة بيتين.

حُفرة خلفتها غارة جوية، جرحت امرأة وابنها في حي الضبوة السكني في العاصمة صنعاء، في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2015

© 2015 بلقيس ويلي/هيومن رايتس ووتش

عبدالله حسين الفتوحي – الذي يقع بيته على مسافة 10 أمتار من موقع القنبلة – قال إنه سمع طنينا:

قالت زوجتي في خوف: "هناك صاروخ يقترب منّا". أحسست بخوف بالغ. فجأة سمعنا انفجارا وبدأ البيت يتداعى على رؤوسنا. انهار ثلثا البيت. فقدت زوجتي وعيها وكانت غارقة في الدماء. سمعت ابني البالغ من العمر 3 سنوات يصرخ "بابا! بابا!"

هرعت إليه ورحت أقلب في الأنقاض، وأخرجته. كان يبكي وينزف من ساقيه. حملته إلى بيت جاري الحاج محمد، وأعطيتهم ابني. ثم هرعت عائدا للبيت أتفقد زوجتي. كنت أفكر طوال الوقت أن ابنتي سالي البالغة من العمر 7 سنوات، وأنها ماتت جراء الانفجار. كانت قد غادرت قبل دقائق من الانفجار وذهبت إلى بيت الجيران. فجأة سمعت سالي تنادي علي: "بابا! بابا! حسبتكم قُتلتم جميعا".

كانت ابنة الفتوحي على ما يرام، لكن زوجته إلهام ناجي كانت تنزف من صدرها. أخذها إلى المستشفى. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من الوصول للأسرة ثانية لتعرف المزيد عن حالتها الصحية.

بقايا قطعة التوجيه لقنبلة "بيفواي 3" المُوجهة بالليزر، التي تُنتجها شركة "رايثون" الأمريكية، عُثر عليها في الموقع عقب غارة جوية على حي الضبوة في العاصمة صنعاء، في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2015

© 2015 بلقيس ويلي/هيومن رايتس ووتش

سقطت القنبلة إلى جوار عدة منشآت عسكرية، منها معسكر الضبوة العسكري، على مسافة 1.2 كيلومترا إلى الشرق، ومعسكر ريمة حميد على مسافة 3 كيلومترات غربا. ويقع بيت اللواء علي محسن الأحمر القائد السابق للفرقة الأولى مدرع على مسافة 250 مترا إلى الغرب. بحسب السكان، كان ما لا يقل عن 12 حوثيا يحتلون بيته لعدة شهور، فعرّضوا المدنيين بالمنطقة لخطر الهجمات. لم تضر الغارة الجوية ببيت الأحمر.

وجدت هيومن رايتس ووتش في الموقع مخلفات زعنفة توجيه القنبلة طراز "بيفواي III" الموجهة بالليزر، وهي من إنتاج شركة "رايثيون" الأمريكية. تُعد سلاحا دقيق التوجيه للغاية عند استخدامه بالشكل المناسب. لم يكن من الممكن التأكد مما إذا كانت القنبلة قد وُجهت لنقطة الانفجار عمدا أم أن مشكلة في نظام توجيهها أدت لانحرافها لتضرب النقطة التي انفجرت فيها بالخطأ.