(واشنطن) – قالت هيومن رايتس ووتش والاتحاد الأمريكي للحريات المدنية في تقرير مُشترك تم نشره اليوم، إن ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية من مراقبة واسعة النطاق يُعرقل بشدة عمل المحامين والصحفيين المقيمين في الولايات المتحدة. تحد أعمال المراقبة من حرية وسائل الإعلام ومن الحق في الاستشارة القانونية، وتؤدي في النهاية إلى عرقلة قدرة الشعب الأمريكي على محاسبة حكومته، بحسب المنظمتين.

يستند التقرير الذي جاء في 120 صفحة، بعنوان "في ظل حرية مراقبة الجميع: كيف تعيق المراقبة الصحافة والقانون، والديمقراطية الأمريكية"، يستند إلى مقابلات مكثفة مع عشرات الصحفيين والمحامين ومسؤولين كبار بالحكومة الأمريكية. وهو يوثق كيف اتبع الصحفيون والمحامون المتخصصون في شؤون الأمن القومي خطوات تتسم بالحذر، أو غيروا من طرق أدائهم من أجل تأمين اتصالاتهم ومصادرهم، وغيرها من المعلومات السرية في ضوء ما تم الكشف عنه من مراقبة غير مسبوقة تقوم بها حكومة الولايات المتحدة لوسائل الاتصالات والمعاملات الإلكترونية.ويخلص التقرير إلى أن المراقبة والسرية التي تنتهجمها الحكومة الأمريكية تقوضان حرية الصحافة وحق الرأي العام في الحصول على المعلومات، والحق في الاستشارة القانونية، وكلها حقوق إنسانية أساسية لإقامة ديمقراطية سليمة.  

قال معد التقرير، ألكس سينها، عضو زمالة آرييه نيير في هيومن رايتس ووتش والاتحاد الأمريكي للحريات المدنية: "يعد عمل الصحفيين والمحامين أمرا محوريا لديمقراطتينا، وعندما يعانون في عملهم، فإننا نشعر بالمعاناة كذلك".

تأثير المراقبة على الصحافة
اعتمد التقرير على مقابلات مع نحو 50 من الصحفيين الذين يقومون بتغطية الاستخبارات والأمن القومي وإنفاذ القانون لصالح منافذ إعلامية من بينها نيويورك تايمز والأسوشيتد برس وإيه بي سي وأن بي آر.

لقد قدمت الولايات المتحدة نفسها لوقت طويل على أنها رائدة في مجال حرية الإعلام على مستوى العالم. ومع ذلك، فقد اكتشف الصحفيون الذين تمت مقابلتهم من أجل إعداد التقرير أن المراقبة تحد من قدرتهم على الكتابة الصحفية عن أمور هي مثار اهتمام كبير بالنسبة للرأي العام.

لقد زادت المراقبة من حدة المخاوف الموجودة بالفعل لدى الصحفيين ومصادرهم جراء الحملة المشددة التي تشنها الإدارة الأمريكية على التسريبات. وتتضمن الحملة قيوداً جديدة على التواصل بين مسؤولي الاستخبارات وبين وسائل الإعلام، وزيادة في المُلاحقات القضائية لمن يقومون بالتسريبات، وبرنامج تهديد من له سلطة الاطلاع، الذي يلزم المسؤولين الفدراليين الإبلاغ عن أحدهم الآخر حال وجود سلوك "مُريب"، قد يوحي بوجود نية لتسريب المعلومات.   

قال الصحفيون الذين تمت مقابلتهم إلى أن المراقبة تخيف المصادر، وتجعلهم أكثر إحجاما عن مناقشة القضايا التي تثير اهتمام الرأي العام، حتى وإن كانت غير سرية. وتخشى المصادر من فقدان تصاريحهم الأمنية، أو فصلهم من وظائفهم، أو- في أسوأ الحالات- خضوعهم للتحقيق الجنائي.

وأشار أحد الفائزين بجائزة بوليتزر إلى أن، "الناس أصبحوا يخافون بشكل متزايد من الحديث عن أي شيء، حتى الأمور غير السرية التي تعد مثار اهتمام مشروع بالنسبة إلى الرأي العام".

كما وصف بعض الصحفيين اعتمادهم على تكتيكات معقدة في مناخ يتسم بالريبة إلى حد بعيد، في محاولة منهم لإخفاء الأدلة على تعاملهم مع المصادر. تراوحت تلك التكتيكات من استخدام التشفير وحواسب معزولة بطريقة الفجوة الهوائية (التي تبقى معزولة تماماً عن الشبكات غير الآمنة، بما فيها شبكة الإنترنت)، إلى التواصل مع المصادر عبر هواتف غير موثقة، إلى التخلي تماماً عن وسائل الاتصال الإلكترونية. أبطأت هذه التكتيكات الجديدة المرهقة من قدرة الصحفيين على الوصول إلى المصادر التي تزداد تخوفا، ما أدى إلى تناقص حجم المعلومات التي تصل إلى الرأي العام.

وتوصلت هيومن رايتس ووتش والاتحاد الأمريكي للحريات المدنية إلى أن لهذا الوضع تأثيرا مباشرا على قدرة الرأي العام في الحصول على معلومات مهمة بشأن نشاطات الحكومة، وكذلك في قدرة وسائل الإعلام على لعب دور رقابي على الحكومة.   

أعرب الصحفيون عن قلقهم بشأن التعامل معهم كمُشتبه بهم لأنهم يمارسون عملهم، بدلاً من معاملتهم كمراقبين أساسيين على الأداء الحكومي، وشركاء في توفير نقاش ديمقراطي سليم. ولقد لخص صحفي بارز ما يبدو أنه شعور العديد من الصحفين، بقوله: "لا أود أن تُجبرني الحكومة على أن أتصرف كجاسوس. أنا لستُ جاسوساً؛ أنا صحفي".

تأثير المراقبة على ممارسة القانون
في ما يتعلق بالمحامين، أثارت المراقبة واسعة النطاق مخاوف بشأن قدرتهم على الوفاء بمسؤولياتهم المهنية بالحفاظ على سرية المعلومات الخاصة بموكليهم. وقد يؤدي الإخفاق في الوفاء بالمسؤوليات إلى تعرضهم لإجراءات تأديبية من خلال المؤسسات المهنية، أو يؤدي حتى إلى مُقاضاتهم.

يعتمد المحامون أيضاً على حرية تبادل المعلومات مع موكليهم  من أجل بناء الثقة وتطوير استراتيجية قانونية. إن المخاوف من المراقبة الحكومية تجعل من الصعب على المحامين الموكلين –لاسيما محامو الدفاع، وإن كانت على نحو لا يقتصر عليهم فقط - بناء الثقة مع موكليهم أو حماية استراتيجياتهم القانونية. كلتا المشكلتين تضعفان من قدرة المحامين على تمثيل موكليهم على نحو فعال.

وكما هو الحال مع الصحفيين، يشعر المحامون بالحاجة على نحو متزايد إلى اتباع أساليب لتحاشي ترك آثار إلكترونية يمكن مراقبتها. بعضهم يستخدم هواتف غير موثقة، وبعضهم يسعى للحصول على وسائل تقنية مُصممة لتوفير الأمن، بينما أورد البعض الآخر أنهم يكثرون من السفر لعقد اجتماعات بشكل شخصي. وشأن الصحفيين، يشعر بعض المحامين بالإحباط، بل ويشعرون بتعرضهم للإهانة، لأنهم يتعرضون لمثل هذا الوضع. قال أحدهم: "فلتحل عليّ اللعنة إن اضطررت إلى التصرف كمروجي المخدرات لكي أتمكن من حماية خصوصية موكلي".

وكانت نتيجة القلق بشأن خصوصية الموكلين هي تآكل الحق في الاستشارة القانونية، وهو الحق الذي يمثل أحد أعمدة العدالة الإجرائية بموجب قانون حقوق الإنسان ودستور الولايات المتحدة الأمريكية، بحسب ما توصلت إليه هيومن رايتس ووتش والاتحاد الأمريكي للحريات المدنية.

لدى الولايات المتحدة التزام بحماية الأمن القومي، ووفق معايير حقوق الإنسان، يمكنها ممارسة المراقبة من أجل هذه الغاية، ولكن فقط إلى الحد الذي تكون فيه المراقبة قانونية، وضرورية، ومتناسبة، وتتدخل بأقدر قدر ممكن لمناهضة تهديدات ملموسة للأمن القومي. ويتسم العديد من برامج المراقبة الحالية بالعشوائية واتساع النطاق، وتهديد حرية التعبير، والحق في الاستشارة القانونيةٍ، وقدرة الرأي العام على مُحاسبة الحكومة. أما البرامج التي تسمح بمراقبة الأشخاص من غير مواطني الولايات المتحدة، فهي توفر مستويات أقل من الحماية. قالت هيومن رايتس ووتش والاتحاد الأمريكي للحريات المدنية إن على الولايات المتحدة إصلاح برامجها للمراقبة لتضمن أنها مُحددة الهدف، ومشروعة، وعليها أن ترفع من درجة الشفافية بشأن الأمور المتعلقة بالأمن القومي والمراقبة، وأن تتخذ خطوات لتوفير حماية أفضل للمبلغين عن المُخالفات ولوسائل الإعلام.

قال ألكس سينها: "تقدم الولايات المتحدة نفسها على أنها نموذج للحرية والديمقراطية، إلا أن برامجها الخاصة بالمراقبة تمثل تهديداً لكل القيم التي تدعي أنها تمثلها. على الولايات المتحدة أن تواجه بصدق حقيقة أن برامجها واسعة النطاق للمراقبة تضر بالعديد من حقوق الإنسان بالغة الأهمية".

مقتطفات من أقوال الصحفيين
أعرب الصحفيون عن عدة مخاوف تتعلق بعملهم. في ما يخص المناخ الحالي للتغطية الصحفية:

"كل من أعرفهم من مراسلي الأمن القومي سيقولون إن المناخ الذي يبحث فيه المراسلون المحترفون عن الإخفاقات السياسية [و] القرارات العسكرية غير السليمة أصبح أكثر صعوبة ورعباً".
- ستيف كول، هضو هيئة التحرير في مجلة نيويوركر، وعميد كلية الدراسات العليا للصحافة في جامعة كولومبيا.

"أصبح [المشهد] أسوأ على نحو ملحوظ بعد تداول وثائق سنودن. وإذا كانت الشكوك قد ساورتك بشأن قدرة الحكومة على القيام بمراقبة جماعية، فقد اكتشفت أن ذلك كان صحيحا تماماً".
- بيتر ماس، كاتب بارز في صحيفة زي انترسبت

"هو وقت عصيب إذا كنت تقوم بتغطية شؤون الحكومة".
- توم جيلتون، مراسل مُخضرم في ناشينوال بابليك راديو

"منذ عام، في مسار عملنا، كنا نخشى من تجسس الحكومة الصينية للحصول على ميزة عن طريق جمع ما لا نقوم بنشره. أما الآن، فقد تراجعت إلى المركز الثاني، بفارق كبير عن حكومتنا".
- أحد مراسلي شؤون الأمن القومي.

بشأن المصادر:

"[قبل ذلك] كنت تقوم بإزاحة الستار، وكان هناك الكثير من الناس على استعداد لتقديم المعلومات. أما الآن، فقد أصبح عدد أقل بكثير من الناس على استعداد إلى تقديم المعلومات".
- جيم آشر، مدير مكتب صحيفة ماكلاتشي في واشنطن.

"لن نتمكن من أداء عملنا إذا تعرضت المصادر للخطر".
- أحد مراسلي شؤون الأمن القومي

"ستتحسن فقط قدرة الحكومة في كشف المصادر".
- بيتر فن، محرر شؤون الأمن القومي بصحيفة واشنطن بوست.

بشأن التأثير على تغطيتهم للأحداث:

"القصص الإخبارية التي كان يمكن القيام بها ببساطة، أصبحت تتطلب المزيد من الجهد".
- ستيف انجلبرج، رئيس تحرير جريدة بروببلكا.

"كان يمكن لي مضاعفة عملي، إذا لم أبذل الكثير من الجهد في التشفير، واتباع خطوات عمل آمنة بين الأجهزة الموصولة بالشبكات العنكبوتية والأجهزة المعزولة.

بشأن قيمة عملهم:

"صحافة شؤون الأمن القومي ضرورية بشكل خاص لنظام فعال ويمكن محاسبته على نحو ديمقراطي".
- شارلي سافيدج، مراسل لصحيفة نيويورك تايمز.

"ما يجعل أداء الحكومة أفضل، هو عملنا في كشف المعلومات. لم يعد الأمر يقتصر على زيادة الصعوبات التي أواجهها من أجل أداء عملي. إنه [أيضاً] يجعل البلد أقل أمناً. والمؤسسات تعمل بكفاءة أقل، و[هو] ما يزيد من مخاطر الفساد.... السرية تعمل ضدنا جميعاً".
- دانا بريست، مراسلة لدى صحيفة واشنطن بوست.

"لا أود أن تُجبرني الحكومة على أن أتصرف كجاسوس. أنا لستُ جاسوساً؛ أنا صحفي".
- آدم جولدمان، مراسل شؤون الأمن القومي بصحيفة واشنطن بوست.

مقتطفات من المحامين

بشأن اتخاذ تدابير حماية جديدة:

"في رأيي أن المحامين –لاسيما الذين قد تثير الشؤون القانونية لموكليهم اهتمام الحكومة- لديهم مخاوف مشروعة بشأن المراقبة الحكومية".
- أندرو بيرلمان، أستاذ في كلية القانون بجامعة سافولك، وكبير مراسلين سابق في لجنة جمعية المحامين الأمريكيين بشأن الأخلاق 20/20.  

"حتى وإن لم تكن تقوم بعمل يتسم بالحساسية، عليك أن تهتم بكمية [المعلومات] التي يتم جمعها".
- جوناثان هافتز، استاذ مساعد لمادة القانون، في كلية القانون بجامعة سيتون هول.

"نحن نخشى من مراقبة اتصالاتنا بالشهود خارج قاعات المحاكم، [ويتم هذا من أجل محاولة دعم دفاعنا في القضايا] وهو ما قد يلحق الضرر بالناس".
- جيسون رايت، عضو في فيلق المحامي العام القضائي التابع للجيش الأمريكي، والذي يعمل أمام لجان غوانتانامو.

"كل شخص تلتقي به، قد يكون خطراً مُحتملاً".
- أحمد غبور، أستاذ القانون في كلية هاستنج للقانون، بجامعة كلفورنيا، ومدير عيادة الحرية والأمن والتكنولوجيا.

"الشخص الأحمق فقط، هو من يُدرك أن الاتصالات يمكن رصدها، دون أن يفعل شيئاً حيال ذلك. هذا أشبه بأن توصد باب مكتبك".
- روبرت فيتيل، محامي دفاع، تخصص في قضايا المخدرات المعقدة والدولية، ومدعٍ اتحادي سابق.

"لن يمر [وقت] طويل، حتى تقول لك إحدى نقابات المحامين أنه ليس بإمكانك... إرسال بريد إلكتروني غير مُشفر".
- جيمس كونيل الثالث، محامي دفاع عن أحد مُعتقلي غوانتانامو.

عما يشعرون به عند اتباع التدابير الجديدة الخاصة بهم:

"فلتحل عليّ اللعنة إن اضطررت إلى التصرف كمروجي المخدرات لكي أتمكن من حماية خصوصية موكلي".
- توم داركن، محامي دفاع في قضايا الأمن القومي.

"لم يمارس أحد مهنة المُحاماة بهذه الطريقة منذ 15 عاماً، إلا إذا كان مُحتالاً".
-ليندا مورينو، محامية دفاع في قضايا الأمن القومي.

"لا أود أن أبدو كمن يقوم بعمل غير قانوني".
- جيمس كونيل الثالث، محامي دفاع عن أحد مُعتقلي غوانتانامو.

بشأن طمئنة الموكلين:

"اعتدت على طمئنة [الموكلين] أن الحكومة لا تمتلك القدرات اللازمة للتركيز عليهم. إلا أنها تمتلك هذه القدرات في الوقت الراهن – يمكنها التركيز على الجميع".
- رون كوبي، محامي دفاع جنائي وحقوق مدنية.

"إذا أدرك موكلك أنك تشعر بعدم الارتياح أثناء التواصل معه، فسوف يمتنع عن الإفصاح لك بكل شيء. إنه أمر يفقد الحوار الحميمية".
- محام فيدرالي.