العمال المهاجرين عقد لافتات خلال مظاهرة لدعم حقوق عاملات المنازل المهاجرات في عيد العمال العالمي أو عيد العمال، في بيروت في 1 مايو، 2011

(c) 2011 Reuters

(بيروت، 23 مارس/آذار 2012) – قالت ثمان منظمات منالمجتمع المدني اليوم إن على السلطات اللبنانية أن تتحرك سريعاً لإصلاح نظام الكفيللعاملات المنازل ، وأن تتبنى قانوناً للعمل يحميهن ويتصدى لارتفاع معدلات الانتهاكات والوفيات بين عاملات المنازل الوافدات الى لبنان. كما ينبغي على الحكومة أن تنشر نتائج التحقيق في واقعة الإساءة إلى عاليم ديشاسا-ديسيسا، عاملة المنزل الأثيوبية، ثم انتحارها.

المنظمات الثمان هي هيومن رايتس ووتش، ومركز كاريتاس للمهاجرين، وكفى عنف واستغلال، وحركة مناهضة العنصرية، ومؤسسة عامل الدولية، وإنسان، والمجلس الدنماركي للاجئين.

كانت المؤسسة اللبنانية للارسال (LBCI) قد بثت في 8 مارس/آذار 2012 مقطعفيديو تم تصويره في 24 فبراير/شباط من قبل أحد المارة المجهولين، وفيه يقوم موظف بمكتب استقدام بضرب ديشاسا ديسيسا خارج القنصلية الأثيوبية في بيروت. بينما كانت هي تقاوم، قام هو ورجل آخر بجرجرتها إلى سيارة. فيما بعد تعرفت قناة ال LBCIفي الرجل على المدعو علي محفوظ، وهو شقيق  رئيس مكتب الاستقدام الذي جلب ديشاسا-ديسيسا إلى لبنان، وقد وافق علي محفوظ على مقابلته على التلفزيون وزعم أن مكتب أخوهحاول إعادتها إلى بلدها لأن عندها اضطرابات نفسية.

وصلت الشرطة إلى مسرح الأحداث بعد قليل، ووجدت السيارة ما زالت في مكانها، فأخذت ديشاسا-ديسيسا إلى مركز الاحتجاز. بناء على طلب من مركز كاريتاس للمهاجرين – الذي يتواجد ممثلون له في مركز الاحتجاز – نقلوها إلى الرعاية الطبية بعد يومين، لكن لم تقبض الشرطة على من قاموا بالإساءة اليها. انتحرت ديشاسا-ديسيسا في مشفى دير الصليب النفسي في ساعات الصباح الأولى من يوم 14 مارس/آذار. قالت أخصائية اجتماعية من مركز كاريتاس للمهاجرين – وكانت قد زارت ديشاسا-ديسيسا في دير الصليب – قالت لـ هيومن رايتس ووتش إن طبيباً شرعياً لبنانياً فحصها في 10 مارس/آذار.

وقال نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "وفاة عاليم ديشاسا-ديسيسا فضيحة لسببين، بسبب المعاملة العنيفة التي تعرضت لها، وبسبب غياب أي تدابير حماية كان من شأنها منع هذه المأساة. على الحكومة أن تتبنى تدابير الحماية التي طال تأخرها، من أجل وقف الإساءات المتفشية بحق عاملات المنازل، ولكي تقل معدلات وفاتهن في لبنان".

إثر انتشار مقطع الفيديو، أعلن وزيرا العمل والعدل في 10 مارس/آذار عن فتح التحقيق في ضرب وإساءة معاملة ديشاسا-ديسيسا. لم يتم الإعلان عن نتيجة التحقيق وليس من الواضح إن كان الادعاء سوف يوجه اتهامات جزائية إلى علي محفوظ. وحتى الآن لم تعلن وزارة العمل – الناظمة لشؤون مكاتب ا الاستقدام – عن أية إجراءات متخذة ضد مكتب محفوظ.

وقال نديم حوري: "لم تفتح السلطات اللبنانية التحقيق إلا لأنها وجدت نفسها تحت أضواء الإعلام". وتابع: "على الحكومة أن تتصدى على وجه السرعة للأسباب التي تدفع كل هذا العدد من عاملات المنازل إلى اليأس التام".

في عام 2008 وثقت هيومن رايتس ووتش وفاة عاملات منازل أجنبيات في لبنان وانتهت إلى أن متوسط وفاة العاملات لأسباب غير طبيعية يبلغ حالة واحدة في الأسبوع، ومن أسباب الوفاة الانتحار والسقوط من المباني العالية. وقامت منظمة كفى عنف واستغلال – وهي منظمة لبنانية معنية بحقوق المرأة – بجمع معلومات عن تسع وفيات في أغسطس/آب 2010. طبقاً لمركز كاريتاس للمهاجرين، فهناك خمس عاملات منازل أثيوبيات في الوقت الحالي في مشفى دير الصليب للأمراض النفسية، بعد أن نُقلن إليه من مركز احتجاز الأمن العام.

تستخدم العائلات اللبنانية ما يُقدر بمئتي ألف عاملة منازل أجنبية، بالأساس من سريلانكا وأثيوبيا والفلبين ونيبال. تُستبعد عاملات المنازل من قانون العمل ويخضعن لقواعد تنظيم الهجرة التقييدية، التي تستند إلى نظام كفالة أصحاب العمل للعمال، مما يعرض العاملات لخطر الاستغلال، ويصعب عليهن ترك أصحاب العمل المسيئين. ارتفاع معدلات الإساءات أدى بدول عديدة – منها أثيوبيا – إلى منع مواطنيها من العمل في لبنان. حظر السفر الرسمي إلى لبنان لم يمنع عاملات المنازل من التوافد، بل ربما أسهم في تهريب النساء الأثيوبيات إلى لبنان أو الإتجار بهن.

الشكاوى الأكثر انتشاراً والتي وثقتها سفارات الدول الراسلة للعاملات ومنظمات المجتمع المدني شملت إساءة معاملة مكاتب الاستخدام للعاملات، وعدم حصولهن على الأجور، والتأخر في دفع الأجور، وتحديد الإقامة جبراً بمحل العمل، ورفض منح العاملات أي أوقات راحة، والعمل الجبري، والإساءات اللفظية والبدنية. ورغم تكرر إعلان مسؤولين لبنانيين على الملأ أن الحكومة ستعمل على تحسين أوضاع عاملات المنازل الأجنبيات، فقد كانت الإصلاحات في هذا الصدد محدودة. تم إدخال نموذج عقد عمل إلزامي في يناير/كانون الثاني 2009، وهو حتى الآن متوفر باللغة العربية فقط، وينص على تدابير حماية أضعف من المتوفرة للعمال الآخرين بموجب قانون العمل الأساسي.

ولقد أخفقت الجهود لتبني قانون جديد لتنظيم إقامة وعمل عاملات المنازل. في فبراير/شباط 2011 اقترح وزير العمل بطرس حرب مشروع قانون لتنظيم عمل عاملات المنازل الأجنبيات – ولم يعالج هذا الاقتراح نظام "الكفالة" القائم – لكن تم التخلي عن مشروع القانون الذي قدمه مع تغير الحكومة. في 23 يناير/كانون الثاني أعلن وزير العمل الجديد شربل نحاس أنه سيبحث في أمر إلغاء نظام "الكفالة"، لكنه استقال بسبب أمور لا صلة لها بهذه القضية بعد شهر على الاعلان. وزير العمل المُعين الجديد، الاستاذ سليم جريصاتي لم يعلن بعد عن أية خطط لإنهاء الإساءات المتفشية ضد عاملات المنازل.

وقال نديم حوري: "يسهم نقص التشريعات الحامية لحقوق العاملات المنازل، وسياسات التأشيرات التقييدية، في عزلة عاملات المنازل والإساءة إليهن واستدانتهن وعدم قدرتهن على الهروب من الإساءات". وأضاف: "على الحكومة أن تعتبر إصلاح نظام الكفالة من أولوياتها وأن تتبنى قانوناً للعمل يخص عاملات المنازل، يستقيم مع المعايير الدولية".

صوّتت الحكومة اللبنانية لصالح اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 189 الخاصة بظروف العمل اللائقة لعاملات المنازل، وقد تم إقرارها في يونيو/حزيران 2011، لكن لم تتخذ خطوات بعد للتصديق على الاتفاقية أو الالتزام بها. تنص الاتفاقية على أول معايير دولية خاصة بما يُقدر بـ 50 إلى 100 مليون عاملة منازل في شتى أرجاء العالم. تطالب الأركان الأساسية للاتفاقية الحكومات بإمداد عاملات المنازل بتدابير حماية عمالية توازي تلك التي يحصل عليها العمال الآخرين، ومراقبة مكاتب الاستخدام بدقة، وتوفير تدابير حماية من العنف.

كما أن السجل اللبناني في معاقبة من يسيئون إلى عاملات المنازل متواضع. أصدرت هيومن رايتس ووتش تقريراً في عام 2010 بعنوان "بلا حماية: إخفاق القضاء اللبناني في حماية عاملات المنازل الوافدات" راجعت فيه 114 حكماً قضائياً خاصاً بعاملات المنازل الأجنبيات وانتهى التقرير إلى عدم تعرض أي صاحب عمل لاتهامات على خلفية حبس العاملات في المنازل أو مصادرة جوازات سفرهن أو حرمانهن من الطعام.

انتهت مراجعة لـ 13 قضية جنائية إلى أن متوسط فترة تسوية القضايا هو 24 شهراً، وأن الملاحقات القضائية أسفرت عن عقوبات خفيفة. أغلظ عقوبة لضرب عاملة منازل تعرف بها هيومن رايتس ووتش، كانت الحبس شهراً، وتم فرض هذه العقوبة في محكمة جنائية بتاريخ 26 يونيو/حزيران 2010 ضد صاحبة عمل ضربت بشكل متكرر عاملة منازل سريلانكية.

وقال نديم حوري: "على السلطات اللبنانية أن تبحث وفاة ديشاسا ديسيسا من كافة الأوجه؛ من حيث القسوة والعنف الذين ظهرا في مقطع الفيديو، ومن حيث عدم تحقيق الشرطة في الإساءات قبل ظهور الفيديو، ومن حيث ملابسات وفاتها فيما كانت تحت رعاية المشفى". وأضاف: "على الحكومة أيضاً أن تتبنى خطة وطنية لتحسين قدرة عاملات المنازل على الإبلاغ عن الإساءات، ولتدريب الشرطة ومسؤولي الهجرة والقضاة على كيفية التعامل مع هذه الحالات".

 

خلفية عن عاليم ديشاسا ديسيسا

ديشاسا ديسيسا مواطنة أثيوبية كانت تبلغ من العمر 33 عاماً، وهي من حي بورايو في أديس أبابا. لديها طفلين، وقد وصلت إلى لبنان في ديسمبر/كانون الأول 2011، من خلال مكتب استقدام لبناني عبر قنوات غير شرعية لاستقدام العاملات منذ فرضت أثيوبيا حظراً على عمل مواطنيها في لبنان.

الأخصائية الاجتماعية من كاريتاس، التي راقبت قضية ديساشا ديسيسا بعد أن تم احتجازها من طرف الأمن العام في 24 فبراير/شباط، قالت إنها عملت في البداية لدى أسرة لبنانية لمدة شهر، ثم عادت إلى مكتبها بسبب مشاكل في التخاطب. لم تحصل على أجرها عن أول شهر عمل. ثم عملت لطرف صاحب عمل ثانٍ عدة أيام، قبل أن تتم إعادتها إلى مكتبها مرة أخرى.

قالت ديشاسا ديسيسا للأخصائية الاجتماعية إن مسؤول مكتب الاستقدام ضربها وهددها بإعادتها إلى أثيوبيا بعد أن أعادها صاحب عملها الثاني. قالت إنها بحاجة لكسب النقود لتسدد الديون التي استدانتها في أثيوبيا – لتسافر إلى لبنان – ولترسل نقوداً لأسرتها. حاول المكتب أخذها إلى المطار مرتين لإعادتها إلى أثيوبيا لكنها رفضت وراحت تصرخ في المطار. لدى عودتها إلى المكتب، حاولت الانتحار بشرب الكلوركس. يزعم المكتب أنها حاولت الانتحار مرة ثانية بالقفز من السيارة.

وفي 24 فبراير/شباط أخذها موظف مكتب الاستقدام إلى القنصلية الأثيوبية، قائلاً إن عندها مشاكل نفسية وطلب تركها هناك. قال ناشط لبناني تحدث إلى مسؤول بالقنصلية لـ هيومن رايتس ووتش إن القنصلية الأثيوبية – حسب الزعم – رفضت وقالت لهم أن يأخذوها إلى مشفى أمراض نفسية. ثم ظهر مسؤول المكتب مع الرجل الآخر وهو يضرب ديشاسا ديسيسا ويجبرها على ركوب السيارة ضد رغبتها. كانت تلك الواقعة هي ما تم تسجيله في مقطع فيديو من قبل أحد المارة، وانتشر المقطع على الإنترنت بعد أسبوعين.

بعد ذلك الحادث الذي تم تصويره بقليل، وصلت الشرطة إلى مسرح الأحداث وأخذت ديشاسا ديسيسا إلى مركز الشرطة ثم إلى مركز احتجاز وترحيل الأمن العام. قال شهود لـ هيومن رايتس ووتش إن ديسيسا كانت قد ظهرت عليها بوادر الانهيار العصبي، إذ راحت تبكي بلا انقطاع، وأنها نُقلت إلى مشفى نوفل في اليوم التالي. عندما لم تتحسن حالتها، أحيلت في 2 مارس/آذار إلى مشفى دير الصليب للأمراض النفسية.

وفي 8 مارس/آذار ظهرت موجة استنكار واسعة إثر ظهور مقطع الفيديو. فتح الادعاء تحقيقاً في الواقعة. وقام طبيب شرعي وممثل عن القنصلية الأثيوبية بزيارتها للمرة الأولى في مشفى دير الصليب يوم 10 مارس/آذار. كما أعلنت القنصلية الأثيوبية عن رفعها قضية بالنيابة عنها. وفي 14 مارس/آذار انتحرت ديشاسا ديسيسا بعد أن خنقت نفسها، حسب الزعم، بأغطية السرير.