(القدس) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على الحكومة الإسرائيلية أن تكف على الفور عن أعمال التدمير التعسفي لمنازل الفلسطينيين وغيرها من البنايات في الضفة الغربية، وأن تعوض المشردين. وقامت السلطات الإسرائيلية بتدمير 141 بيتاً فلسطينياً وغيرها من البنايات في يوليو/تموز 2010، وهو أكبر عدد من البنايات المهدومة في شهر واحد منذ عام 2005 على الأقل، وقامت بالفعل بهدم عشرات المنازل في أغسطس/آب حتى الآن.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "بينما تعمل إسرائيل على هدم المزيد من المنازل الفلسطينية، فهي مستمرة في معاونة المستوطنات اليهودية القريبة من تلك المنازل. لقد خالفت إسرائيل القانون الدولي، ليس فقط بدعمها للمستوطنات في الأراضي المحتلة، بل أيضاً بإزالتها لمجتمعات سكنية فلسطينية مجاورة متواجدة منذ زمن بعيد".

من الأمثلة، قيام السلطات العسكرية الإسرائيلية مؤخراً بهدم الفارسية، وهي تجمع سكني زراعي قوامه 135 شخصاً تقريباً شمالي غور الأردن، ويسكنه الفلسطينيون منذ أجيال. وفي 19 يوليو/تموز، هدمت السلطات الإسرائيلية 76 بناية في الفارسية، مما أسفر عن تشريد 113 شخصاً تقريباً، منهم 52 طفلاً. وأمرت السلطات بإخلاء المنطقة في 24 يونيو/حزيران، قائلة بأن منازلهم مبنية في "منطقة عسكرية مغلقة". وبينما المنطقة "مغلقة" منذ أواخر الستينيات بالفعل، فإن القرية أنشئت قبل تخصيصها منطقة مغلقة بكثير وهي مسكونة منذ إنشاءها حتى الوقت الحاضر.

وسلمت السلطات الإسرائيلية أوامر إخلاء أخرى على نفس الأسس في 31 يوليو/تموز، ثم وفي 5 أغسطس/آب قامت بهدم 10 بنايات أخرى يسكنها 22 شخصاً، وهدمت 27 خيمة طوارئ كان قد نصبها سكان مشردون بعد جولة الهدم الأولى، حسب تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

وأقرت إدارة الشؤون المدنية الإسرائيلية في بريد إلكتروني منها في 8 أغسطس/آب بتدمير ممتلكات، لكن قالت إن عشرة بنايات على الأكثر هي التي هدمت. (لم يكن من الواضح إن كان المتحدث يشير إلى أعمال هدم 5 أغسطس/آب أو 19 يوليو/تموز أو كليهما). ورصدت هيومن رايتس ووتش وجود  عدد كبير من البنايات المهدومة في المنطقة. بعض العائلات الفلسطينية التي دمرت السلطات الإسرائيلية منازلها وممتلكاتها، تعيش في القرية منذ خمسين عاماً على الأقل.

ومنذ عام 1967، أنشأت الحكومة الإسرائيلية أربع مستوطنات على امتداد خمسة كيلومترات من الفارسي لمواطنين إسرائيليين يهود واستمرت في التصريح بأعمال البناء (باستثناء "تجميد" جزئي لمدة 10 شهور على إنشاءات المستوطنات الجديدة، ينتهي في سبتمبر/أيلول) وفي توفير معونات كبيرة للاستيطان هناك.

أعمال الهدم في الفارسية هي جزء من الزيادة الحادة في الآونة الأخيرة في إخلاء إسرائيل قسراً للفلسطينيين المقيمين في منازل تقول الحكومة الإسرائيلية إنها "غير مشروعة"، في 60 في المائة من الجزء الخاضع من الضفة الغربية للسيطرة المدنية والعسكرية الإسرائيلية الكاملة، المعروف باسم "المنطقة ج". وفي 19 يوليو/تموز، أفادت صحيفة هاآرتس اليومية الإسرائيلية بأن وزارة الدفاع أمرت هيئة الإدارة المدنية الإسرائيلية - الهيئة العسكرية التي تنفذ أعمال الهدم في الضفة - بتصعيد تنفيذ الأوامر ضد البنايات الفلسطينية "غير القانونية" في المنطقة. وفي 2 مارس/آذار أوردت هاآرتس قول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للجنة حكومية أن إسرائيل لن تتنازل مطلقاً عن إشرافها على غور الأردن في أية صفقات سلام مستقبلية، نظراً لأهميتها الإستراتيجية على امتداد الحدود الشرقية للضفة الغربية.

إجمالاً، دمرت السلطات الإسرائيلية 267 منزلاً فلسطينياً وبنايات أخرى في الضفة الغربية والقدس الشرقية حتى الآن، في عام 2010، مقارنة بـ 271 واقعة في عام 2009، و236 في 2008، و208 في عام 2007، طبقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. وفي أغلب الحالات تم تدمير تلك البنايات لأنها غير حائزة على تصريح بناء إسرائيلي، وهو التصريح الذي يكاد يستحيل على الفلسطينيين الحصول عليه.

أعمال الهدم في الفارسية

قام عناصر من الجيش الإسرائيلي وهيئة الإدارة المدنية بتسليم 13 أمر إخلاء لعائلات في الفارسية حوالي الساعة الخامسة صباح 24 يونيو/حزيران، على حد قول السكان لـ هيومن رايتس ووتش. وورد في الأوامر العسكرية أن العائلات كانت تعيش في "منطقة عسكرية مغلقة" ومُنحوا مهلة 24 ساعة للمغادرة.

في السادسة صباحاً، يوم 19 يوليو/تموز، وصل إلى الفارسية عدد كبير من سيارات جيب الجيش الإسرائيلي وجرافتان وعدة سيارات بيضاء تخص هيئة الإدارة المدنية، وأزاح المسؤولون قسراً سكان فلسطينيين من منازلهم، على حد قول السكان لـ هيومن رايتس ووتش. ودمرت الجرافتان بعد ذلك 26 بناية سكنية، و24 حظيرة، و8 أفران تحت الأرض، و12 بناء صغيراً وخزانات مياه، طبقاً لما رصدته هيومن رايتس ووتش، وبناء على تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

صالح دابابات، 58 عاماً، رأى الجرافتان الإسرائيليتان تهدمان حظائر حيوانات ومنزلاً كان يعيش فيه مع زوجته وابنيه. قال لـ هيومن رايتس ووتش: "جاءوا في السادسة صباحاً وحاصرونا وهدموا بيوتنا أمام أعيننا". دابابات، الذي قال إنه ولد وعاش في المنطقة طوال حياته، كان يحاول استعادة بعض من طعامه ومتعلقاته وملابس أطفاله والكتب المدرسية من تحت ركام منزله، حين تحدثت إليه هيومن رايتس ووتش.

عدنان دابابات، أحد سكان الفارسية ويبلغ من العمر 63 عاماً، قال لـ هيومن رايتس ووتش: "أنا أعيش هنا منذ أكثر من 40 عاماً، والآن دمروا بيتي وبناياتي، وفرننا الخشبي وخزان مياه الشرب. بل دمروا بالجرافات حتى مخزون السكر والقمح". فقد 11 بناية، منها منزله وحظائر حيوانات وخزان مياه وبنية للصرف، حسبما أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. وكان في بلدة طوباس بالضفة الغربية، على مسافة 14 كيلومتراً، عندما سلمت السلطات الإسرائيلية أوامر الإخلاء لمنزله، بأن ألصقت الأمر بأحد بناياته.

وقال سكان الفارسية إنه في 31 يوليو/تموز، بعد جولة أعمال الهدم الأولى، سلّمت السلطات الإسرائيلية أمريّ إخلاء جديدين بناء على نفس الأسس، طبقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ومنحت الأوامر سكان البنايات السكنية التي تستضيف 17 شخصاً منهم 7 أطفال، 24 ساعة لإخلاء منازلهم.

وقال شهود عيان لـ هيومن رايتسو وتش إنه في تمام الساعة 6:20 صباح 5 أغسطس/آب، قامت جرافتان و10 سيارات جيب تابعة للجيش وعدة سيارات تابعة لهيئة الإدارة المدنية بالوصول وبدأت في هدم بنايات عشرة أخرى، وكذلك 25 إلى 30 خيمة تم توزيعها على السكان من قبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر والسلطة الفلسطينية بعد جولة الهدم الأولى، وكذلك 30 شجرة تم زرعها بدلاً عن الأشجار المدمرة.

ولا يمكن الطعن في أوامر الإخلاء العسكرية في المحاكم العسكرية الإسرائيلية. عبد الله حماد، المحامي من مركز القدس للمساعدة القانونية والمشورة ويمثل الأسر، وتوفيق جبارين، محامٍ آخر على دراية بأعمال الإخلاء في المنطقة، قالا إن البديل القانوني الوحيد المُتاح أمام السكان الفلسطينيين هو الطعن في محكمة مدنية إسرائيلية. وقال السكان إنه لا يمكنهم تحمل التكاليف الخاصة بالتقاضي وأنهم طلبوا من ممثلين عن السلطة الفلسطينية في بلدة طوباس الترتيب للمساعدة القانونية من منظمة غير هادفة للربح. وطبقاً لحماد، فإن السلطة الفلسطينية لم تخطره بأوامر الإخلاء إلا بعد أن كان الوقت قد تأخر على طلب حُكم من المحكمة الإسرائيلية العليا.

ومن الواضح أن نظام المحاكم المدنية الإسرائيلي لا يستجيب لأغلب تلك الجهود الرامية لوقف أعمال الإخلاء. وتحدثت هيومن رايتس ووتش إلى ثلاثة محامين فلسطينيين وباحثين اثنين من منظمات إسرائيلية غير هادفة للربح، وقالوا إنهم لا يعرفون بقضايا حكمت فيها المحكمة لصالح سكان غور الأردن ضد أوامر الإخلاء أو الهدم العسكرية. وفي يناير/كانون الثاني، على سبيل المثال، حكمت المحكمة الإسرائيلية العليا ضد طعن من سكان خربة تانا، قرية قريبة من نابلس، حيث شردت أعمال الهدم 100 شخص. وفي مثال آخر، في ديسمبر/كانون الأول 2006 رفضت المحكمة العليا طعناً مقدماً من أسر تواجه أوامر هدم في تجمع الحديدية البدوي على أساس أنهم يشكلون تهديداً أمنياً على سكان مستوطنة روعي المجاورة. حتى لو منحت المحكمة أوامر تجميد مؤقتة للهدم، فبموجب القوانين العسكرية الإسرائيلية وإجراءات التخطيط، من الصعب للغاية ومن المكلف جداً على السكان اكتساب الاعتراف بالملكية وحقوق البناء على الأرض عبر الإثبات - على سبيل المثال - عدم تغيب الفلسطيني صاحب المطالبة بالأرض، عن أرضه، وقت احتلال إسرائيل للمنطقة في عام 1967، وأن أية بنايات على الموقع هي من ثم متسقة مع الخطط التي وافقت عليها إسرائيل.

وقالت سارة ليا ويتسن: "حياة هؤلاء الفلسطينيين، الذين يعيشون تحت السيطرة الكاملة للجيش الإسرائيلي، غير آمنة تماماً". وأضافت: "خلال أسابيع تحولوا من سكان يقيمون منذ أجيال في مجتمع سكاني قديم، إلى أشخاص يراقبون بيوتهم تهدمها الجرافات، دون فرصة حقيقية للطعن في أوامر التدمير هذه".

المناطق العسكرية المغلقة

لم يرد مكتب المحامي العام للجيش الإسرائيلي على طلب هيومن رايتس ووتش بتوضيح سبب هدم الفارسية. بعد أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية عام 1967، لم تمنح سكان الفارسية تصاريح أو هي أقرت بحقوقهم في الممتلكات وأعلنت المنطقة "منطقة عسكرية مغلقة" لا يمكن للمدنيين دخولها أو العيش فيها أو مغادرتها دون إذن.

وأفادت صحيفة هاآرتس الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي قام قبل عام بإعداد نظام تحذير لدى مدخل الفارسية، وأوردت الصحيفة تصريح من الإدارة المدنية بأن السلطات أعلنت المنطقة "منطقة ذخيرة حية". هيئة الإدارة المدنية سبق أن أخلت الفلسطينيين من مناطق "ذخيرة حية" و"تدريب" في أجزاء أخرى من الضفة الغربية، بحجة أن التدريب العسكري يفرض خطراً جسيماً عليهم.

لكن لم يكن من الواضح علاقة هذه الأوامر بالفارسية، وليس أي من المستوطنات القريبة، مثل روتيم (أُسست عام 1983)، التي تقع على مسافة أقل من كيلومتر واحد. ومثل روتيم، فإن مستوطنة ميحولا (أسست عام 1979)، على مسافة كيلومترين تقريباً، أسست على أراض يقول سكان الفارسية إنها مُستأجرة من صاحب أرض فلسطيني كان يعيش في طوباس.

كما قدمت السلطات الإسرائيلية منطقاً بديلاً لتدمير ممتلكات الفلسطينيين في المناطق العسكرية المغلقة، قائلة بأن الغرض هو إخلاء الأفراد غير المصنفين "سكاناً دائمين". بموجب الأمر العسكري الإسرائيلي رقم 378 لعام 1970، فمن حق الحكومة إخلاء الأشخاص المقيمين في "المناطق العسكرية المغلقة" دون إجراءات إدارية تُذكر. المادة 90 (د) من الأمر ورد فيها أن "السكان الدائمين" يمكنهم البقاء في المنطقة المغلقة، وأن أوامر الإخلاء لا تغير من وضعهم كسكان دائمين. وقالت السلطات الإسرائيلية بأن بإمكانها إخلاء السكان الفلسطينيين الذين لا يسكنون المنطقة العسكرية المغلقة بشكل دائم، بما أنهم ليسوا "سكاناً دائمين". ولا توجد أحكام في الأمر العسكري تسمح للجيش بإخلاء السكان الدائمين عن المناطق العسكرية المغلقة التي تُخصص فيما بعد لـ"إطلاق النار" أو "التدريب".

وفي رسالة بريد إلكتروني أرسلها متحدث باسم هيئة الإدارة المدنية الإسرائيلية لـ هيومن رايتس ووتش في 8 أغسطس/آب، قال إن لا أحد كان يعيش في المنازل المدمرة في الفارسية سواء في يوم تسليم أوامر الإخلاء أو أيام الهدم. وزعم المتحدث بأن المُلاك يقيمون في البنايات المُدمرة بشكل موسمي لمدة أيام قليلة كل عام، وأن لديهم مساكن يقيمون فيها بشكل دائم في أماكن أخرى. كما ذكر المتحدث أن إسرائيل لا تقر بالفارسية كموقع سكني ضمن سجل السكان الإسرائيلي.

وقال سكان الفارسية لـ هيومن رايتس ووتش إنهم يقيمون في المنطقة طوال العام ولا يسكنون في أماكن أخرى. وتفقدت هيومن رايتس ووتش المنطقة ورصدت الأثاث المدمر وأوعية المطبخ وغيرها من المتعلقات، التي يظهر منها الاستخدام السكني لعدة بنايات، وتحدثت إلى ناشطين بحقوق الإنسان وسكان من مناطق أخرى في غور الأردن، أكدوا أن الفارسية مسكونة منذ عشرات السنين. وكما أوضحت منظمة بيمكوم الإسرائيلية غير الحكومية، فإن التعداد السكاني الإسرائيلي لعام 1967 ألصق مسمى "مجتمع" بأي موقع فيه 50 شخصاً أو أكثر من السكان - وهو التعريف المنطبق على الفارسية.

عارف ضراغمة، رئيس مجلس منطقة المالح والمضارب البدوية في منطقة الأغوار الشمالية، والذي يضم الفارسية، شهد عملية الهدم الثانية في 5 أغسطس/آب. وقال ضراغمة لـ هيومن رايتس ووتش: "تفرق الناس شتاتاً واضطروا للإقامة مع أقاربهم وأصدقائهم في أماكن أخرى. جاء جيش كامل ودمر منازل أشخاص لا يملكون الكثير، بينما المستوطنات تتزايد يوماً بعد يوم".

بالإضافة إلى إزالة بنايات الفلسطينيين في المناطق المخصصة كمناطق عسكرية مغلقة، تلجأ السلطات الإسرائيلية بشكل ممنهج إلى رفض منح الفلسطينيين تصاريح البناء على الأبنية الجديدة، أو أية تعديلات في المساكن القائمة أو البنية التحتية أو حتى البنايات القائمة بالفعل. رفضت هيئة الإدارة المدنية 94 في المائة من طلبات تصاريح البناء الفلسطينية في الضفة الغربية، بين عام 2000 و2007، طبقاً للأرقام الحكومية.

وقالت سارة ليا ويتسن: "يعيش الفلسطينيون في كابوس أشبه بقصة لكافكا، إذ يرون منازلهم تُهدم لأن ليس لديهم التصاريح المطلوبة بينما رُفضت جميع طلباتهم بالحصول على التصاريح. وزعم إسرائيل الواهن بأنها تطبق القواعد لا أكثر، لا يقنع أحداً بعكس سياسة التمييز القاسية الكامنة وراء أعمال هدم المنازل".

هدم المنازل الفلسطينية ودعم المستوطنات

على النقيض، منحت إسرائيل المستوطنات اليهودية السيطرة على مناطق شاسعة من الضفة الغربية. يشارك المستوطنون في تخطيط المستوطنات مع السلطات الإسرائيلية، بينما لا يوجد ممثلون عن الفلسطينيين في لجان تخطيط هيئة الإدارة المدنية. وقامت إسرائيل في حالات عديدة بمنح المستوطنين بيسر التصريح ببناء بنايات جديدة، ومنها تصاريح صادرة بأثر رجعي تصرح ببناء البنايات المشيدة بالفعل.

الفارسية، مثل مستوطنات روتيم ومسكيوت وميحولا وشدموت ميحولا القريبة، تقع في "المنطقة ج" التي تشكل 60 في المائة من مساحة الضفة الغربية المحتلة التي تسيطر عليها إسرائيل سيطرة شبه كاملة بموجب اتفاقات أوسلو لعام 1995. طبقاً لدراسة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية فإن "1 في المائة فقط من أراضي المنطقة ج متاحة للأبنية الفلسطينية" بينما إسرائيل منحت المستوطنات السيطرة على أكثر من 70 في المائة من المنطقة ج، وسمحت للمستوطنات حصراً بأعمال البناء والتوسع.

وتقع الفارسية في أراضي منحتها إسرائيل لـ "المجلس الإقليمي" لمستوطني غور الأردن. وأدرجت عدة وزارات حكومية إسرائيلية شمال غور الأردن كمنطقة "أولوية وطنية"، ويتلقى المستوطنون مساعدات كبيرة في عدد كبير من الأنشطة، ومنها شراء الأراضي، والتنمية الزراعية والسياحية، وتعليم أطفالهم.

تصدر وتنفذ السلطات الإسرائيلية أوامر هدم كثيرة ضد الفلسطينيين، أكثر مما يصدر ضد مستوطنين يهود في الضفة الغربية المحتلة. منذ عام 2000 إلى 2007، نفذت السلطات الإسرائيليية 1663 أمر هدم من بين 4993 أمر هدم للبناء غير القانوني صدرت ضد الفلسطينيين، بينما نفذت 199 أمراً فقط من بين 2900 أمر ضد المستوطنين، طبقاً للإحصاءات الحكومية.

وتستمر إسرائيل في التصريح ببناء مساكن المستوطنين وفي توفير الحوافز للمستوطنين، بغض النظر عن "تجميد البناء" المطبق على المستوطنات بشكل جزئي والمقرر انتهاءه في سبتمبر/أيلول. طبقاً للإحصاءات الإسرائيلية، فقد تم الانتهاء من بناء 415 وحدة سكنية في المستوطنات في الفترة من 1 يناير/كانون الثاني إلى 30 مارس/آذار 2010، بينما توجد 2361 وحدة تحت الإنشاء حسبما أفادت منظمة "السلام الآن".

وقال السكان إنه سبق للسلطات الإسرائيلية أن هدمت بنايات في الفارسية، لكن ليس بهذا الشكل الموسع.

سكان الفارسية، التي تعود إلى ما قبل الخمسينيات من القرن العشرين على الأقل، يعملون بالنشاط الزراعي ورعي الأغنام بالأساس. وقالوا لـ هيومن رايتس ووتش إن القيود الإسرائيلية على بناء البنية التحتية من أجل خدمة القرية جعلت حياتهم صعبة حتى قبل أعمال الهدم الأخيرة. ولا تتوفر للسكان كهرباء أو مياه جارية، ويضطرون لشراء المياه بأسعار عالية. وأفادت هاآرتس بأن السلطات الإسرائيلية منعت سكان الفارسية من استخدام الآبار المحفورة في المنطقة من قبل شركة ميكوروت الإسرائيلية للمياه، وصادرت مضخات المياه قبل أربعة شهور، بعد أن دمرت أنابيب مياه الشرب التي مدّها سكان القرية قبل سنوات من جدول قريب.

واضطر السكان لمغادرة الفارسية مؤقتاً بعد أن قطعت السلطات الإسرائيلية عنهم المياه في وقت سابق من هذا العام، حسبما أفادت صحيفة هاآرتس. ورصدت هيومن رايتس ووتش خزان مياه مدمر، قال عدنان دابابات إنه من المرافق المُدمرة في 19 يوليو/تموز.

أعمال هدم يوليو/تموز الأخرى

هدمت إسرائيل منازل فلسطينية أخرى كثيرة في الضفة الغربية المحتلة في يوليو/تموز. في 19 يوليو/تموز، هدمت السلطات الإسرائيلية بركة مياه وصادرت أنابيب ري مستخدمة في ري أرض زراعية في وادي البقعة شرقي الخليل. كان يعيش من قطعة الأرض تلك أسرة من 17 فرداً، منهم 14 طفلاً. وأصيب ثلاثة أفراد من الأسرة أثناء الهدم، حسبما أفادت الأمم المتحدة.

في اليوم نفسه، هدمت السلطات الإسرائيلية بناية ملحقة بمنزل وحظيرة على مشارف الخليل، مما ألحق الضرر بأسرة من 9 أفراد، منهم 7 أطفال. وفي 20 يوليو/تموز، حسب تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، هدمت السلطات الإسرائيلية منزلين وست حظائر وخيمة، تخص ثماني أسر فلسطينية، منهم 38 طفلاً، في لوبان الغربي، وهي قرية فلسطينية تقع شمال غرب رام الله، بالقرب من مستوطنتي بيت آرييه وأوفاريم الإسرائيليتين.

عمليات الهدم الثلاث يبدو أنها تمت على أساس أن البنايات الفلسطينية تعوزها تصاريح البناء. البديل الوحيد الذي تقدمه السلطات الإسرائيلية للمُلاك الفلسطينيين المقدمة لهم أوامر إخلاء هو أن يهدموا بناياتهم بأنفسهم.

في القدس الشرقية، يوم 28 يوليو/تموز، هدمت بلدية القدس صوبات زراعية يملكها فلسطينيون، ومتجر لغسيل السيارات والأدوات والمعدات في أرض واد امجالي، بالقرب من نقطة تفتيش حزما، على أساس أنها بُنيت دون تصاريح. المتاجر التي هُدمت كانت مصدر الرزق الوحيد لخمس أسر فلسطينية، نحو 65 شخصاً، منهم 35 طفلاً، طبقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. فضلاً عن أن البلدية إما أضرت بكميات كبيرة من مواد البناء أو صادرتها ، ويقدر مكتب الشؤون الإنسانية أن ثمنها مئات الآلاف من الشيكلات.

وخصصت السلطات الإسرائيلية والبلدية 13 في المائة فقط من القدس الشرقية لأعمال البناء الفلسطينية، مقارنة بـ 35 في المائة للمستوطنين الإسرائيليين. بينما شيدت إسرائيل 50 ألف وحدة سكنية للمستوطنين اليهود في القدس الشرقية، فلم تقم ببناء أي وحدات تقريباً للفلسطينيين، طبقاً لمنظمات غير حكومية إسرائيلية.

وورد في دراسة أجريت عام 2009 من قبل اليونسيف ومنظمة الصحة العالمية ووكالة الأونروا وجود معدلات عالية من سوء النمو وعدم كفاية الطعام والفقر في صفوف مجتمعات الرعي الفلسطينية في المنطقة ج. وانتهى التقرير إلى أن "السبب الأساسي لضعف حالة المنطقة ج" هو القيود الإدارية والعسكرية الإسرائيلية التي تحظر فعلياً إنشاء أو إصلاح العديد من البنايات والمرافق - المنازل والحظائر والطرقات وأنابيب المياه وشبكات الكهرباء - وتؤدي إلى تقييد حركة الفلسطينيين كثيراً، مع سد العديد من الطرق المُرتادة ومنعهم من ارتياد طرق جديدة أُعدت للمستوطنين.

القانون الدولي واجب التطبيق

التزامات إسرائيل القانونية في هذه القضية تنبع من القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. مصدر هذه القوانين متوفر في القانون الدولي العرفي والمواثيق من قبيل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وأنظمة لاهاي لعام 1907، وهي المواثيق التي ارتأت محكمة العدل الدولية أنها تنطبق على الضفة الغربية.

الحقوق المُهدرة تشمل الحق في مسكن وفي الإسكان، والحق في التملك وعدم التعرض للتمييز في ممارسة هذه الحقوق. المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تطالب إسرائيل باحترام حق جميع الأشخاص في السكن. ويعني هذا أن أي تدخل في حق المرء في حياته المنزلية يجب ألا يكون تعسفياً، أي أن يكون بناء على قانون واضح، وغير تمييزي، مع إتاحة فرصة كاملة للفرد في الطعن في أي تدخل في هذه الحقوق.

ويجب أن يكون أي تدخل بناء على أسباب مشروعة وأن يكون متناسباً بالأساس، أي تطبيق أقل الوسائل تقييداً للحقوق المذكورة في سبيل تحقيق الهدف. ولا يمكن إجراء أعمال إخلاء وهدم لمنازل أسرية دون مبرر قوي للغاية. لجنة حقوق الإنسان - هيئة الخبراء المسؤولة عن تفسير العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية - قالت إن القانون المحلي في الدول الخاص بالتدخل في الحق في السكن "يجب أن يذكر تحديداً الظروف المحددة التي يُسمح فيها بمثل أعمال التدخل هذه".

والحظر ضد التمييز وارد في المادة 2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومقنن في كبرى مواثيق حقوق الإنسان التي صدقت إسرائيل عليها، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية حقوق الطفل. التمييز مُعرّف على أنه يترتب على قوانين أو سياسات أو ممارسات تعامل الناس في مختلف المواقف بشكل مختلف، بسبب العرق أو الخلفية الإثنية أو الدين - أو معايير أخرى - دون مبررات كافية.

ويطالب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إسرائيل باحترام الحق في المسكن الملائم. في التعليق العام رقم 4 الخاص بلجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية - التي تراقب التزام الدول الأطراف بالعهد، ورد أن "الحق في الإسكان يجب ألا يُفسر بمعناه الضيق الذي يساويه على سبيل المثال، بالمأوى المقتصر على سقف فوق رأس المرء، أو اعتبار المأوى نوع من السلع. بل يجب أن يُرى على أنه الحق في أن يعيش المرء في أمان وسلام وكرامة".

وورد في التعليق أن الإخلاء القسري "لا يمكن تقبله إلا في الحالات الأكثر استثنائية". التعليق العام رقم 7 الصادر عن اللجنة انتهى إلى أن الإخلاءات القانونية من بين أوامر الإخلاء الصادرة يجب ألا تُنفذ إلا بناء على قوانين واضحة، مع عدم ترك الأفراد بلا مساكن، وألا تُستخدم القوة إلا كحل أخير. كما يجب فرض العقاب في حالة إجراء عمليات إخلاء قسري غير قانونية.

وبموجب اتفاقية جنيف الرابعة، الحاكمة للأراضي المحتلة، فإن قوة الاحتلال يمكنها إجراء عملية "إخلاء" كلية أو جزئية لمنطقة معينة، فقط في حالة إن كان "أمن السكان يتطلب ذلك أو لأسباب عسكرية قوية". وعلى أية حال، فأي سكان يتعرضون للإخلاء يجب إعادتهم إلى منازلهم ما إن تتوقف أعمال القتال في المنطقة المتأثرة، وفي أثناء ابتعادهم عن منازلهم، يجب أن تضمن لهم قوة الاحتلال "إقامة ملائمة".

ويرد الحق في احترام الملكية في المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وورد فيه أن: " لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً"، والمادة 46 من أنظمة لاهاي لعام 1907 ورد فيها أن قوة الاحتلال عليها احترام الملكيات الخاصة، والتي لا يسعها "مصادرتها". المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة ورد فيها أن "تدمير" قوة الاحتلال للممتلكات الخاصة محظور ما لم يكن "ضرورياً للغاية" في العمليات العسكرية.

وفي مبادئ القانون الدولي عن الحق في الملكية، فإن المحاكم، ومنها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ومحكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان، انتهت إلى أن على الدول الاعتراف بملكية الأفراد والأسر والجماعات التقليدية في استخدامها وحيازتها للبنايات والأراضي، حتى في حالة عدم الاعتراف بالحقوق في هذه الملكيات رسمياً في السجلات. والتعدي على حقوق الملكية لا يُسمح به إلا في حالة وجود قانون محلي واضح، ويكون التعدي لتحقيق هدف مشروع، وأن يكون مقتصراً قدر الإمكان، مع دفع التعويض الملائم. المصادرة أو التدمير النهائيين للممتلكات لا يمكن تبريرهما إلا في حالة غياب أية وسيلة أخرى لتحقيق الهدف، ويجب دفع تعويض.