تصدّر خطاب"حالة الاتحاد الأوروبي" العام الماضي عناوين الأخبار حين اقترحت رئيسة "المفوضية الأوروبية" أورسولا فون دير لاين أخيرا تعليق الشق التجاري من "اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل" وفرض عقوبات على وزراء ومستوطنين إسرائيليين. بعد عام، لم يُعتمد أي من تلك التدابير تقريبا، وبينما تتوالى الدول الأوروبية والحليفة التي تعلن حظرا على التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، تتخلف أوروبا بقيادة فون دير لاين عن القيام بالمثل.
لهذا التقاعس عواقب، ليس فقط على مصداقيتها الشخصية ومصداقية "الاتحاد الأوروبي"، بل قبل كل شيء على حياة ملايين المهجّرين والقتلى والجرحى في فلسطين وسائر المنطقة.
يتعين على فون دير لاين أن تستغل خطاب هذا العام لتدارك ذلك، أولا بتنفيذ مقترحات العام الماضي، ثم بضمان انضمام الاتحاد الأوروبي إلى صفوف الدول التي تحظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية.
مقترحات بلا متابعة
لم تأتِ مقترحات فون دير لاين العام الماضي إلا بعد إعلان رسمي عن المجاعةفي قطاع غزة، حيث عرقلت السلطات الإسرائيلية بصورة غير قانونية المساعدات الإنسانية في إطار حملة الإبادة الجماعية التي تشنها.
جاءت مقترحاتها عقب احتجاجات حاشدة في كافة أنحاء أوروبا طالبت بإنهاء تقاعس الاتحاد الأوروبي وتواطئه، ودعوات من عدة دول أعضاء ومنظمات من المجتمع المدنيإلى تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، التي خلص الاتحاد إلى أن إسرائيل انتهكتبند حقوق الإنسان الأساسي فيها.
اعترفت قائلة: "يؤلمني حقا أن أنطق بهذه الكلمات"، قبل أن تعلن مقترحاتها، التي شملت أيضا عقوبات محددة الهدف على وزراء ومستوطنين إسرائيليين "متطرفين"، وتعليق بضعة ملايين يوروهات من تمويل الاتحاد الأوروبي للمشاريع الإسرائيلية.
لكنها توقفت عند هذا الحد. وبينما عرقلت ألمانيا وإيطاليا تعليق الاتفاقية، واستخدمت هنغاريا وتشيكيا حق الفيتو ضد العقوبات على وزراء إسرائيليين، أحجمت فون دير لاين عن الجهر بموقفها، في تناقض صارخ مع نهجهاإزاء استخدام هنغاريا المتكرر للفيتو ضد عقوبات الاتحاد الأوروبي على روسيا.
وفيما كرّر الاتحاد الأوروبي إدانته للمستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، قاومت فون دير لاين الدعوات المتزايدة إلى فرض حظر على تجارة الاتحاد الأوروبي التي تغذي اقتصاد المستوطنات والانتهاكات المرتبطة بها.
والتزمت فون دير لاين الصمت أيضا حين هاجم وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، ولم تعلق كذلك عندما التقت به مفوضة الاتحاد الأوروبي دوبرافكا شويتسا في تل أبيب بعد ذلك بقليل، ما كشف انقساما متزايدا وغيابا للتضامن داخل مفوضيتها يعكسان الانقسامات بين دول الاتحاد.
ومع إظهار أوروبا الضعف والانقسام وعجزها عن اتخاذ ما يتجاوز حفنة من العقوبات على مستوطنين إسرائيليين، واصل الوضع في المنطقة التدهور.
انتهاكات إسرائيل المتصاعدة
عندما ألقت فون دير لاين خطابها لعام 2025، كان ما لا يقل عن 64 ألف فلسطيني قد قُتلوا في قطاع غزة. يناهز العدد الآن 74 ألفارغم "وقف إطلاق النار" المزعوم الساري منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025. تُواصل السلطات الإسرائيلية فرض قيود شديدة وتعسفية وغير قانونية على المساعدات، بعدما حصرت السكان في نحو 30% من مساحة القطاع، وتناقش مجددا وبصورة علنية خططا لتطهير غزة عرقيا من سكانها الفلسطينيين.
في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ورغم احتجاجات الاتحاد الأوروبي وحلفاء مقربين آخرين، سرّعت السلطات الإسرائيلية توسّع المستوطنات غير القانونية بشكل هائل. وأدى ذلك إلى تسريع هدم المنازل، والاستيلاء على الأراضي، وتجزئتها، وسلب الفلسطينيين ممتلكاتهم، وهي سمات للتطهير العرقي والفصل العنصري اللذَيْن تُمارسهما إسرائيل ضد الفلسطينيين. قُتل ما لا يقل عن 88 فلسطينيا، بينهم 22 طفلا، في الضفة الغربية هذا العام وحده، ليرتفع المجموع منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى نحو 1,100.
كما أقرت السلطات الإسرائيلية قانونا لعقوبة الإعدام ينطبق فعليا على الفلسطينيين وحدهم، وتُواصل احتجاز آلاف الفلسطينيين من دون تهمة أو محاكمة، بمن فيهم أطباء مثل حسام أبو صفية، وتُخضع كثيرين منهم لتعذيب ممنهج.
في لبنان، ورغم وقفَيْ إطلاق النار اللذَيْن دخلا حيز التنفيذ في 17 أبريل/نيسان و20 يونيو/حزيران، قتلت الهجمات الإسرائيلية 4,383 شخصا على الأقل منذ بدء تصعيد مارس/آذار 2026، بينهم 261 طفلا و399 امرأة و135 عاملا في المجال الطبي، بحسب وزارة الصحة اللبنانية. تواصل القوات الإسرائيلية إحداث دمار واسع النطاق وتهجير جماعي، مرتكبة أفعالا خلصت "منظمة العفو الدولية" إلى أنها تشكل جرائم حرب.
مسؤوليات فون دير لاين
بصفتها رئيسة المفوضية الأوروبية، يقع على فون دير لاين واجبضمان امتثال جميع سياسات الاتحاد الأوروبي، بما فيها سياساته التجارية والخارجية، للقانون الدولي.
لا يمكنها الاختباء خلف المساعدات الإنسانية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي إلى الفلسطينيين بينما لا تفعل شيئا لمعالجة الأسباب التي تجعل الحاجة إلى هذه المساعدات ماسة إلى هذا الحد. كما لا يمكنها لوم الدول الأعضاء على عدم إقرار مقترحاتها الفاترة؛ بل عليها العمل معها بفاعلية ووضوح وحثها على الامتثال للالتزامات القانونية بموجب "اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها".
بحلول موعد خطاب العام الماضي، كانت منظمة العفو الدولية، ومؤسسة "الحق"، و"بتسيلم"، وخبراء الأمم المتحدة، و"الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية" من بين الجهات التي سبق أن خلُصت إلى أن إسرائيل ترتكب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة. بعدها بوقت قصير، أكدّت لجنة تحقيق مستقلة تابعة للأمم المتحدة هذه النتائج.
لكن لا أهمية لما إذا كانت فون دير لاين توافق على توصيف الإبادة الجماعية أم لا: فبموجب اتفاقية الإبادة الجماعية، إدراك وجود "خطر جسيم" بوقوع إبادة جماعية ينبغي أن ينتج عنه تفعيل "واجب المنع"، ما يُلزم جميع الدول الأطراف في الاتفاقية، بما فيها جميع دول الاتحاد الأوروبي، "باستخدام جميع الوسائل المتاحة لها بصورة معقولة، لمنع الإبادة الجماعية قدر الإمكان". وبالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، يعني ذلك تعليق اتفاقية الشراكة وفرض عقوبات على المسؤولين الإسرائيليين.
يتعين على فون دير لاين أيضا إعادة تأكيد التزام الاتحاد الأوروبي بالعدالة الدولية، واقتراح استخدام "آليات الحماية من قيود العقوبات" (قانون الحجب) للاتحاد الأوروبي لحماية "المحكمة الجنائية الدولية" والأشخاص والجهات المتعاونة معها من العقوبات المُعطِّلة التي فرضتها الولايات المتحدة في إطار حملتها لتفكيك المحكمة وحماية مسؤوليها والمسؤولين الإسرائيليين من المساءلة.
ينبغي لفون دير لاين أن تستغل هذا الخطاب لاقتراح حظر على مستوى الاتحاد الأوروبي للتجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية. كما فعلت بشأن اتفاقية الشراكة، فهي لا تحتاج إلى دعم مسبق من "مجلس الاتحاد الأوروبي". ومهما كان ذلك "مؤلما" لها، عليها طرح المقترح والعمل بفاعلية مع الدول الأعضاء، لا سيما ألمانيا وإيطاليا، لضمان الحصول على الأغلبية المؤهِلة اللازمة لإقرار تدبير يفرضه القانون الدولي.
في خضم الاضطرابات وعدم الاستقرار العالميين، تشتد حاجة أوروبا والعالم إلى قادة مبدئيين وملتزمين، عازمين على صون القواعد، لا سيما تلك المصممة لمنع أشدّ الفظائع والمعاقبة عليها وجبر أضرارها، واتخاذ جميع التدابير اللازمة لتحقيق ذلك.
بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، فإن عاما آخر من الإخفاقات والتقاعس والمقترحات الفاترة يوجّه ضربة إلى مصداقيته. أما بالنسبة إلى الفلسطينيين وكثيرين غيرهم في المنطقة، فهي مسألة حياة أو موت.