(واشنطن) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن الولايات المتحدة ودول التحالف لم توفر بعد عدالة أو إنصافا حقيقيَّين بشأن جرائم الحرب وغيرها من الانتهاكات الجسيمة في أفغانستان خلال الأعوام الـ 25 منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2001. أصدرت المنظمة تسلسلا زمنيا لتقاريرها عن النزاع.
بعد هجمات تنظيم "القاعدة" في 11 سبتمبر/أيلول على الولايات المتحدة، سمحت الحكومة الأمريكية باستخدام أساليب ترقى إلى التعذيب لاستجواب المشتبه في انتمائهم إلى جماعات مسلحة. كما وثّقت هيومن رايتس ووتش وآخرون التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة على يد القوات الأمريكية في أفغانستان، بما يشمل الضرب والإذلال والإيهام بالغرق والحرمان المطوّل من النوم والإيهام بالإعدام. لم يُفرج عن كثير من المحتجزين المدنيين إلا بعد أشهر أو سنوات، من دون أن تُوجَّه إليهم أي تهمة. لم توفّر الحكومة الأمريكية قط محاسبة كاملة أو تعويضا عن هذه الانتهاكات.
قالت باتريشيا غوسمان، المديرة المشاركة الأولى لقسم آسيا في هيومن رايتس ووتش: "بعد 25 عاما، ما يزال الأفغان الذين تعرضوا للتعذيب أثناء اعتقالهم من قبل القوات الأمريكية وعائلات من قُتلوا ظلما بلا مسار واضح يمكّنهم من تقديم طلبات إلى الحكومة الأمريكية أو الحصول منها على إنصاف. تجاهلت الإدارات الأمريكية المتعاقبة الانتهاكات الجسيمة، وتركت الأشخاص الأكثر تضررا بلا تعويض ولا عدالة".
كان النزاع الأمريكي في أفغانستان، الذي استمر 20 عاما وانتهى باستعادة "طالبان" السيطرة على كابول في أغسطس/آب 2021، خاضعا لـ "اتفاقيات جنيف لعام 1949" والقانون الدولي الإنساني العرفي، اللذَيْن يحظران الإعدام التعسفي والتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة والهجمات المتعمدة أو العشوائية على المدنيين، وكذلك للقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما فيه "اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب".
قال مزارع لـ هيومن رايتس ووتش إن القوات الأمريكية احتجزته في غزنة عام 2019 بينما كان يتعافى من عملية جراحية في عينيه. قال إنه فقد بصره نهائيا بعدما ضربه جنود أمريكيون أثناء الاستجواب ولم يوفروا له رعاية طبية. قال: "كلما لم تعجبه إجاباتي، كان الأمريكي الآخر يضربني بأخمص بندقيته. قالوا إنني أكذب وضربوني باللكمات والركلات وأخمص البنادق". لم تُوجَّه إليه أي تهمة، ولم يُفرج عنه إلا في أغسطس/آب 2021.
حاكمت الولايات المتحدة بعض الجنود الأمريكيين بتهمة القتل غير المشروع. أُدين الرقيب روبرت بيلز عام 2012 بقتل 16 مدنيا أفغانيا في قندهار. وفي جرائم قتل 15 مدنيا أفغانيا في قندهار عام 2010، المعروفة بجرائم ما يسمى "فريق القتل"، أُدين الرقيب أول كالفن غيبس بالقتل العمد وحُكم عليه بالسجن المؤبد، وحُكم على الجندي جيريمي مورلوك بالسجن 24 عاما، وعلى عضوين آخرين في الوحدة – أحدهما بالسجن ثلاث سنوات والآخر سبع سنوات – لعدم منعهما عمليات القتل.
لم تُحاكَم أطراف في قضايا بارزة أخرى كثيرة، منها مذبحة بحق 18 مدنيا على الأقل في مديرية نرخ بولاية وردك عام 2014. أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عفوا عن عدة جنود أمريكيين أُدينوا بعمليات قتل غير مشروعة. أُدين الملازم كلينت لورانس بالقتل العمد استنادا إلى شهادات زملائه الجنود، لكنه حصل على عفو بعد أن أمضى ست سنوات من عقوبة بالسَّجن 19 عاما. وأسقط الجيش الأمريكي التهم عن الرائد ماثيو غولستين، الذي أقر بقتل رجل أفغاني ثم التستر على الجريمة، بعدما عفا عنه ترامب عام 2019.
لم تفعل قوات التحالف الأخرى أيضا أي شيء يُذكر للتصدي جديا للانتهاكات الخطيرة التي ارتكبها عسكريوها. ورغم استمرار التحقيقات في أستراليا والمملكة المتحدة في مزاعم قتل مدنيين تعسفا وإساءة معاملتهم على يد قواتهما، كان التقدم بطيئا. بعد نحو ست سنوات من إصدار "التحقيق المستقل بشأن أفغانستان" (تقرير بريريتون) في أستراليا، والذي فصّل جرائم حرب مزعومة ارتكبتها القوات الخاصة الأسترالية في أفغانستان بين 2005 و2016، لم ينفَّذ سوى اعتقالَيْن، ولم تبدأ المحاكمات، ولا يُعرف عن حصول أي من الضحايا أو عائلاتهم على تعويض.
بعدما كشفت وسائل إعلام في المملكة المتحدة أدلة على إعدامات تعسفية وجرائم حرب أخرى ارتكبتها القوات الخاصة البريطانية في أفغانستان، حاولت حكومات بريطانية متعاقبة منع أي ملاحقات قضائية عبر التستر على الجرائم وإغلاق التحقيقات الجنائية. وفي نهاية المطاف، فُتح تحقيق مستقل في مزاعم أفغانستان في ديسمبر/كانون الأول 2022، لكن نطاقه اقتصر على ثلاث سنوات، من 2010 إلى 2013.
كان رجال نافذون تدعمهم الولايات المتحدة في الحكومة الأفغانية آنذاك مسؤولين عن انتهاكات خطيرة، منها مهاجمة المدنيين وتعذيب المحتجزين واغتصابهم والإخفاء القسري. نفّذت مليشيات محلية موّلتها ودربتها القوات الأمريكية، و"قوات ضاربة" أفغانية تديرها "وكالة الاستخبارات المركزية"، إعدامات تعسفية وعمليات إخفاء.
استهدفت طالبان وجماعات متمردة أخرى المدنيين وتسببت بمقتل وجرح آلاف المدنيين أثناء النزاع. اغتالت قوات طالبان مسؤولات وصحفيات، وهاجمت سفارات وفنادق ومراكز اقتراع ومنظمات إغاثة. وكان استخدام طالبان العشوائي للعبوات الناسفة على الطرق العامة وفي المناطق المأهولة من الأسباب الرئيسية لمقتل المدنيين وإصابتهم. لم تُحاسِب طالبان عناصرها على الانتهاكات. ونفذت جماعات مسلحة أخرى، منها فرع تابع لـ تنظيم "الدولة الإسلامية"، هجمات انتحارية استهدفت الهزارة وغيرهم من الأقليات.
باشرت "المحكمة الجنائية الدولية" في البداية تحقيقا في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية محتملة ارتكبتها جميع أطراف النزاع في أفغانستان منذ 1 مايو/أيار 2003، ومنها طالبان والدولة الإسلامية وقوات الحكومة الأفغانية والجيش الأمريكي ووكالة الاستخبارات المركزية. نددت إدارة ترامب بأي محاولة للتحقيق في الجرائم المزعومة التي ارتكبها أفراد أمريكيون، وفرضت عقوبات على قضاة المحكمة ومدعيها العامين. في 2021، أعطى المدعي العام للمحكمة آنذاك كريم خان الأولوية فقط للجرائم المزعومة التي ارتكبتها طالبان والدولة الإسلامية. ولم يطرأ أي تقدم علني في التحقيقات في جرائم الأطراف الأخرى.
في أكتوبر/تشرين الأول 2025، اتخذ "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة" قرارا بالغ الأهمية بإنشاء آلية تحقيق مستقلة لأفغانستان لجمع الأدلة على الجرائم الدولية السابقة والمستمرة التي ارتكبتها جميع الأطراف وتجميعها وحفظها وتحليلها، وإعداد ملفات لتسهيل الملاحقات القضائية مستقبلا. ينبغي لقيادة الأمم المتحدة ضمان حصول الآلية على موارد كافية وبدئها التحقيقات دون تأخير. وينبغي للسلطات القضائية في الخارج التعاون مع الآلية لضمان أن يشمل عملها التشاور مع الناجين الأفغان من الانتهاكات، بمن فيهم النساء والفتيات، وأن يدعم ملاحقة المتورطين في الجرائم الدولية الخطيرة.
قالت غوسمان: "ينبغي للولايات المتحدة والدول الأخرى التي شاركت في الحرب في أفغانستان التحقيق بشكل مناسب في جرائم الحرب المزعومة التي ارتكبتها قواتها وملاحقة المسؤولين عنها، وتوفير الإنصاف الملائم لضحايا الانتهاكات وعائلاتهم. ينبغي ألا تحرم لامبالاة الحكومات ومرور الزمن الناس من العدالة والتعويض والاعتراف المستحق لهم".