Skip to main content

آلاف الأجانب محتجزون بشكل غير قانوني في شمال شرق سوريا

على الدول استعادة مواطنيها وضمان الإجراءات القانونية للمشتبه بانتمائهم إلى "داعش"

صبي يطيّر طائرة ورقية يدوية الصنع في قسم الأجانب في مخيم الهول في شمال شرق سوريا، 15 مارس/آذار 2021.  ©  2021 سام تارلنغ

قالت "هيومن رايتس ووتش" إن نحو 43 ألف أجنبي من الرجال، والنساء، والأطفال المرتبطين بـ تنظيم "الدولة الإسلامية" المعروف بـ داعش ما زالوا محتجزين في ظروف لا إنسانية أو مهينة من قبل السلطات الإقليمية في شمال شرق سوريا. يحدث ذلك غالبا بموافقة صريحة أو ضمنية من الدول التي يحملون جنسياتها، بعد عامين من اعتقالهم أثناء سقوط التنظيم.

لم يمثل المعتقلون الأجانب قط أمام محكمة، ما يجعل احتجازهم تعسفيا وإلى أجل غير مسمى. بينهم 27,500 طفل، معظمهم في مخيمات مغلقة و300 على الأقل في سجون مزرية للرجال، وعشرات آخرون في مركز مغلق لإعادة التأهيل. يعاني المعتقلون من تصاعد العنف وتقلص المساعدات الأساسية، بما فيها الرعاية الطبية. في إحدى الحالات، رفضت فرنسا السماح لامرأة لديها سرطان القولون المتقدم بالعودة إلى بلادها لتلقي العلاج. قالت امرأة محتجزة لـ هيومن رايتس ووتش إن أحد الحراس دهس طفلا بسيارة فكسر جمجمته.

قالت ليتا تايلر، مديرة مشاركة في قسم الأزمات والنزاع في هيومن رايتس ووتش: "يدخل الرجال والنساء والأطفال من جميع أنحاء العالم عاما ثالثا من الاحتجاز غير القانوني في ظروف تهدد الحياة في شمال شرق سوريا، بينما تغض حكوماتهم الطرف. على الحكومات أن تساعد في تأمين محاكمة عادلة للمعتقلين المشتبه في ارتكابهم جرائم خطيرة وإطلاق سراح أي شخص آخر، وليس المساعدة في خلق غوانتانامو جديد".

قالت هيومن رايتس ووتش إن الحكومات الفاعلة في هذا الحبس التعسفي قد تكون متواطئة في الاحتجاز غير القانوني والعقاب الجماعي لآلاف الأشخاص، ومعظمهم من النساء والأطفال الصغار.

في فبراير/شباط ومارس/آذار 2021، تواصلت هيومن رايتس ووتش عبر الرسائل النصية، أو البريد الإلكتروني، أو الهاتف مع ثماني نساء أجنبيات محتجزات في مخيمات لأفراد عائلات المشتبه بانتمائهم إلى داعش في شمال شرق سوريا، وكذلك مع أقارب خمسة محتجزين في المخيمات. تحدثت هيومن رايتس ووتش أو راسلت بالبريد الإلكتروني أعضاء ست منظمات إغاثة وست مجموعات مجتمع مدني تضغط من أجل إعادة المحتجزين إلى الوطن، وكذلك السلطات الإقليمية، ومسؤولي حكومات غربية، ومسؤولين في الأمم المتحدة، وصحفيين، وأكاديميين. بالإضافة إلى ذلك، راجعت هيومن رايتس ووتش عشرات التقارير، والمقالات الإعلامية، ومقاطع الفيديو حول المخيمات والسجون.

روى الأشخاص الذين قوبلوا أن الأمهات والأطفال يزداد يأسهم بينما يكافحون للحفاظ على كرامتهم وسط ظروف قاسية ومخاوف من الإصابة بفيروس "كورونا". قالت ثلاث نساء في مخيم روج إن الحراس صادروا المصاحف، وهددوا النساء لارتدائهن النقاب، وداهموا الخيام ليلا. قالت النساء وأحد الأقارب إن النساء اللواتي يضُبطن وهن يحملن هواتف خلوية أو يشتبه في حجبهن معلومات بشأن جرائم في المخيم يتعرضن أحيانا للضرب والسجن لأيام أو حتى أسابيع. نفت السلطة الإقليمية، المسماة "الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا''، أي انتهاك من قبل الحراس، وقالت إن بعض النساء هاجمن الحراس بالحجارة والأدوات الحادة. قال نائب الرئيس المشترك للإدارة الذاتية بدران جيا كرد لـ هيومن رايتس ووتش إن النساء يُسجنّ في معظم الحالات "لبضعة أيام" فقط إذا حاولن الفرار.

قالت قريبة امرأة محتجزة إن الأخيرة كانت لديها ميول انتحارية. كتبت أمٌ شابةٌ أن الحياة اليومية في المخيمات جعلتها ترغب في "الصراخ بأعلى صوت":

إنه مرهق نفسيا. ... الوضع لا يتحسن هنا أبدا. دائما أسوأ. … غالبية الأطفال في المخيم مرضى. يحدث شيء سيئ كل يوم تقريبا. أطفال عالقون في خيام محترقة ويموتون. … لدينا خزان مياه فيه دود. المراحيض متسخة لذا بدأ الناس في بناء مراحيضهم الخاصة.

مثل جميع المحتجزين الذين تواصلوا مع هيومن رايتس ووتش، طلبت النساء عدم ذكر أسمائهن أو جنسياتهن خوفا من انتقام المحتجزين الآخرين أو حراس المخيم.

قال جيا كرد إن احتجاز الأجانب "يمثل عبئا كبيرا" على الإدارة الذاتية التي تعاني من ضائقة مالية. "المجتمع الدولي، ولا سيما الدول التي لديها مواطنون في المخيمات والسجون، لا يتحملون مسؤوليتهم. هذه المشكلة، إذا لم يتم حلها، فلن تؤثر علينا فحسب، بل على العالم بأسره".

على الدول التي لديها مواطنون محتجزون في شمال شرق سوريا الاستجابة للنداءات المتكررة من قبل الإدارة الذاتية لمساعدتها على توفير الإجراءات القانونية الواجبة للمحتجزين، بما فيه حق الطعن في شرعية وضرورة احتجازهم أمام قاض. يجب الإفراج فورا عن جميع المعتقلين المحتجزين في ظروف لا إنسانية أو مهينة، أو الذين لم توجه إليهم تهم جنائية معترف بها فورا في إطار إجراءات عادلة.

كما على الدول الاستجابة لمناشدات الإدارة الذاتية المتكررة لها لإعادة المحتجزين غير المتهمين بجرائم، وإعطاء الأولوية للفئات الأكثر ضعفا. الأطفال العائدون إلى الوطن يجب أن يكونوا برفقة والديهم، تماشيا مع حق الطفل في وحدة الأسرة. يجب نقل الأجانب الذين قد يواجهون مخاطر الموت أو التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة في بلادهم إلى دولة ثالثة آمنة.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه عند نقل المحتجزين إلى الوطن أو الخارج، يمكن تزويد المحتجزين بخدمات إعادة التأهيل وإعادة الإدماج، كما يمكن التحقيق معهم ومقاضاتهم حسب الاقتضاء. يجب معاملة الأطفال الذين عاشوا في ظل داعش وأي نساء تم الاتجار بهن من قبل داعش كضحايا أولا، ويجب ألا يواجه الأطفال المقاضاة والاحتجاز إلا في ظروف استثنائية.

في غضون ذلك، على الحكومات الأجنبية والمانحين زيادة المساعدات فورا لتحسين ظروف المخيمات والسجون في شمال شرق سوريا. كما عليها الضغط على مجلس الأمن الدولي لإعادة تفويض عمليات المساعدات الحيوية عبر الحدود الشمالية الشرقية والشمالية الغربية لسوريا لتسريع إيصال المساعدات.

من المعروف أن 25 دولة فقط استعادت مواطنين من شمال شرق سوريا، ومعظمها استعادت أو ساعدت في استعادة عدد قليل فقط من الأيتام أو الأطفال الصغار، وفي بعض الحالات بدون أمهاتهم.

تقدم الأمم المتحدة والجهات المانحة، بما فيها عديد من البلدان الأصلية للمعتقلين الأجانب، مساعدات إنسانية للمعتقلين وغيرهم في شمال شرق سوريا. لكن خبراء الأمم المتحدة وآخرين يقولون إن النقص الحاد في المياه النظيفة، والغذاء، والدواء، والمأوى الملائم، والأمن مستمر.

موّل الجيش الأمريكي، الذي يقود "التحالف الدولي ضد داعش"، إجراءات لتعزيز الأمن وتخفيف الاكتظاظ في بعض السجون، وفقا لـ جيا كرد، وتقارير إعلامية، والحكومة الأمريكية. مع ذلك، يبدو أن الإجراءات لم تفعل شيئا يذكر لجعل السجون تمتثل لمعايير الاحتجاز الدنيا. علاوة على ذلك، لم تمول الولايات المتحدة ولا أعضاء آخرون في المجتمع الدولي، بما فيها الدول التي لديها مواطنون محتجزون في شمال شرق سوريا، أي إجراءات لتوفير الإجراءات القانونية الواجبة للسجناء، بحسب جيا كرد.

كما ورد أن التحالف الدولي ضد داعش يخطط لتمويل بناء مراكز احتجاز إضافية للنساء المشتبه بهن، فضلا عن "مركز إعادة تأهيل" بسعة 500 سرير للصبيان الأكبر سنا. بحسب تقارير، تمول المملكة المتحدة، وهي عضو رئيسي آخر في التحالف، مشروعا لمضاعفة قدرة أحد السجون في الحسكة، من 5 آلاف إلى 10 آلاف معتقل. لم يستجب مسؤولو دفاع بريطانيون وأمريكيون لطلبات التعليق في الوقت المحدد.

قالت تايلر: "تحسين ظروف السجن المروعة لا يغير حقيقة أن الاحتجاز لأجل غير مسمى دون مراجعة قضائية غير قانوني. توسيع السجون ومراكز إعادة التأهيل المقفلة لتكديس مئات الأطفال الذين لم يختاروا حتى العيش في ظل داعش  هو إجراء يفتقد إلى الضمير".

المعتقلون

خلال سقوط الباغوز، المعقل الأخير لداعش في سوريا، اعتقل مقاتلون إقليميون بإسم "قوات سوريا الديمقراطية"، بدعم من التحالف بقيادة الولايات المتحدة، عشرات الآلاف من المشتبه في انتمائهم لداعش وأفراد عائلاتهم. استمرت المعركة وقتها لأسابيع وانتهت في 23 مارس/آذار 2019. لا تزال قوات سوريا الديمقراطية تحتجز نحو 63,400 من أفراد الأُسر، جميعهم تقريبا من النساء والأطفال، في مخيمَيْن مكشوفَيْن، ومغلقَيْن، ومحروسَيْن بشدة، ومُسوَّرَيْن بالأسلاك الشائكة؛ منهم قرابة 20 ألف سوري، و31 ألف من العراق المجاور، وحوالي 12 ألف آخرين – 8 آلاف طفل و4 آلاف امرأة – من 60 دولة أخرى تقريبا. أوضاع الأجانب غير العراقيين، المحتجزين في ملاحق خاصة، مزرية تحديدا.

قال شيا كرد إن قوات سوريا الديمقراطية تحتجز أيضا حوالي 10 آلاف رجل و700 فتى على الأقلّ من مختلف الجنسيات، وتتراوح أعمار غالبيتهم بين 14 و17 عاما، في 14 سجنا مكتظا ومؤقتا للمشتبه في انتمائهم إلى داعش. أضاف أن أوضاع السجون "لا تفي بـ المعايير الدنيا"، ملقيا اللوم على المساعدات الدولية الشحيحة في الظروف التعسفية. وثقت هيومن رايتس ووتش في 2019 و2020 الظروف اللاإنسانية في بعض هذه السجون.

أوضاع المخيمات

تقول مجموعات إغاثة إن أكثر من 90% من الأطفال في مخيمَيْ الهول وروج المُغلقَيْن لأفراد الأُسر هم دون 12 عاما، وأكثر من نصفهم دون خمسة أعوام. يعيش السوريون والعراقيون في المخيمات بحرية نسبية، بما في ذلك القدرة على مغادرة المخيمات والعودة إليها. وثّقت هيومن رايتس ووتش، خلال زيارات متعددة للمخيمَيْن بين 2017 و2019، الظروف في ملاحق الأجانب التي ترقى إلى المعاملة القاسية، والمهينة، واللاإنسانية. إلى جانب الطبيعة التعسفية إلى أجل غير مسمّى للاحتجاز، قد ترقى هذه الظروف أيضا إلى التعذيب عندما تلحق عمدا ضررا جسديا أو نفسيا خطيرا بمحتجز. مذئذ، قال محتجزون، وأفراد عائلات، وممثلون عن المجتمع المدني، وعمال إغاثة لـ هيومن رايتس ووتش إنّ الأوضاع تدهورت أكثر، وسط شعور المحتجزين باليأس.

قالت ناتاشا راي ميكيلسن، مؤسِسة منظمة "ريباتريات ذو تشلدرن – دنمارك"، التي زارت المخيمات عدة مرات، آخرها في فبراير/شباط: "تشعر بفقدان الناس الأمل في العالم الخارجي. لشدة يأسهم، ترتطم بحائط من البؤس. لدى بعض الأطفال إسهال مستمر، وهم نحيفون وصغار جدا. يبدو عليهم فقط أنّهم محبوسون. ليس لديهم ما يفعلونه، ويجهلون مستقبلهم كليا".

اشتكى محتجزون وآخرون قابلتهم هيومن رايتس ووتش من المياه الملوثة، وفيضان المراحيض، ونقص الطعام الطازج وحفاضات الأطفال، وتسرب المياه من الخيام أو اشتعالها، وتفشي الأمراض، وعدم كفاية الرعاية الطبية، وغياب شبه كلي لتعليم الأطفال أو الإرشاد لسكّان تعرّضوا لصدمات شديدة.

على الرغم من أن مخيم روج أفضل حالا إلى حد ما، بالمقارنة مع مخيم الهول الأكبر، وصف المحتجزون وأفراد الأسر الظروف القاسية هناك أيضا. قال ثلاثة أقارب، وعضو في المجتمع المدني، ومعتقلان إن الدخان السام من حقول النفط المجاورة تسبب في الربو، والسعال العميق، والتهابات الرئة. كتبت إحدى الأمهات رسالة نصية تفيد بأنها مرعوبة من نقص الأدوية لطفلها، وتهديد الحراس بقص ملابس المحتجزين إذا لم تكن "قصيرة وملونة"، ومن رياح الصحراء التي تقلب خيمتها ليلا:

بصراحة، يفوق اضطراب ما بعد الصدمة الذي تسبّبت به المخيمات لي صدمة العيش في مناطق داعش (رغم صدمتي النفسية من نمط الحياة ذاك) ... كنت أحتضن ابنتي بشدّة، وأبقى متيقظة طوال الليل أراقب الخيمة التي كانت على وشك الانهيار علينا في أي لحظة. حدث ذلك بالفعل عدة مرات.

قال رجل من أوروبا الغربية يعيش أحفاده في المخيمات، إنّ مجموعة صغيرة من الأطفال لا تزيد أعمارهم عن 6 سنوات عبرت في منتصف مارس/آذار سياجا داخليا للمخيم لالتقاط الهندباء من الجانب الآخر. أضاف: "رآهم حراس المخيّم، وأمسكوا بهم، وأبرحوهم ضربا. لم يقرر الأطفال التواجد هناك، ولا يستحقون العيش هكذا، في مثل هذه الظروف المزرية".

وصف اثنان من الأقارب انتظار المعتقلين لساعات للوصول إلى هاتف مشترك يمكنهم استخدامه لبضع ثوانٍ. قال أحد الأقارب إن الاتصالات في أحد الأقسام المخصّصة للأجانب في روج تقتصر على رسائل لأقلّ من دقيقة كل 8 إلى 10 أيام، ما يضاعف عزلة المعتقلين.

ظروف مهددة للحياة

وفقا لمجموعات إنسانية و"مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب"، توفي أكثر من 700 محتجز في الهول وروج - نصفهم على الأقل من الأطفال - في العامَيْن الماضيَيْن. قُتل العديد في الهول ممَن ظلوا موالين لداعش على يد المعتقلين، بينما قُتل آخرون في تبادل لإطلاق النار بين الحراس والمعتقلين، أو جرّاء نقص الرعاية الطبية، والظروف غير الصحية، أو في حوادث مثل حرائق الخيام.

قُتل ما لا يقل عن 29 شخصا في مخيم الهول في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2021، بينهم سبعة أطفال. قالت ميكيلسن: "يشعر الأشخاص الذين يعملون هناك بالخوف المتزايد من الوضع، كأنهم يفقدون السيطرة. تشعر أنك قد تُقتل في أي لحظة".

في رسائل نصية نُقلت إلى هيومن رايتس ووتش، وصفت امرأة في مخيم الروج حريقا في خيمة تأوي طفلَيْن تركهما الحراس في المخيم أثناء سجن والدتهما لامتلاكها هاتفا خلويا. قالت المرأة إنه حريق من ثلاثة في روج حتى الآن في 2021:

أضرم الصبي (5 أعوام) النار في الخيمة، وأخرجته شقيقته (7 أعوام) من الخيمة المشتعلة. احترقت خيمتان في ذلك اليوم المريع، واستغرق إخماد النيران وقتا طويلا بسبب تعطّل مطافئ الحريق، وعدم معرفتنا ما إذا كانت النيران قد حاصرت المزيد من الأشخاص.

في فبراير/شباط، أضربت عشر فرنسيات في المخيمات عن الطعام لتعميم مطلبهنّ بالمحاكمة في وطنهنّ. في الشهر نفسه، بدأت الفرنسية باسكال ديكامب، التي لديها ابنة (32 عاما) وأربعة أحفاد يافعين محتجزين في الروج، إضرابها عن الطعام للضغط على الحكومة للسماح لابنتها بالمغادرة لتلقي العلاج الطبي لسرطان القولون المتقدم. قالت ديكامب لـ هيومن رايتس ووتش إن أطباء في شمال شرق سوريا قالوا لابنتها إنها بحاجة إلى علاج "طارئ"، لكن ستكون العملية عالية الخطورة إذا أُجريت محليا. في ديسمبر/كانون الأول، ناشدت "لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب" فرنسا بإعادة ابنة ديكامب لتلقي الرعاية الطبية، لكنها لا تزال في روج. قالت ديكامب إن ابنتها بدت يائسة في رسائلها الصوتية المتقطعة:

تبدأ ابنتي في البكاء في كل مرة تتحدث فيها معي. أخبرتني أنها تزداد سوءا، وتنزف كثيرا، وتضعف. إنها مثل حيوان في خيمتها، تحتضر أمام أطفالها. ... أنا لا أبرّئ ابنتي، لكن لها الحق في محاكمة عادلة وتلقي الرعاية الطبية المناسبة لخطورة حالتها الصحية ... أناضل أيضا لتجنيب أحفادي مثل هذه التجربة. يؤلمني معرفة أنهم يرون والدتهم شديدة المرض وأنهم يتخيلون احتمال وفاتها هناك بينما بإمكان فرنسا إعادتها وأطفالها. يبدو وكأنهم مجرّدون من حقوقهم".

يمثل تفشي فيروس "كورونا" تهديدا آخر. بحلول 16 فبراير/شباط، أفادت الأمم المتحدة بـ 8,537 حالة إصابة بالفيروس في شمال شرق سوريا، لكن يحذر عاملون في المجال الإنساني من أن تعداد المعدلات أقل بكثير من الواقع نتيجة لنقص الموظفين والإمدادات لإجراء اختبارات مكثفة. أُبلغ عما لا يقل عن 13 إصابة بفيروس كورونا في الهول وروج حتى ديسمبر/كانون الأول 2020. قد يؤدي تفشٍ أوسع للمرض إلى الإضرار بشكل غير متناسب بمعتقلي المخيمات والسجون حيث يعاني معظمهم من سوء التغذية مع محدودية شديدة في الوصول إلى الخدمات الطبية.

قالت امرأتان في روج إن المحتجزين بدأوا في تلقي مخصصات شهرية من الكمامات والقفازات في منتصف 2020، لكن عليهم إعادة استخدامها عدة مرات بسبب النقص.

 

ظروف السجون اللاإنسانية

وفقا لتقرير عسكري أمريكي صدر في يونيو/حزيران 2020، يصلح سجن من أصل 14 سجنا مؤقتا للمشتبه بانتمائهم إلى داعش من الذكور لهذا الغرض، رغم بعض التحسينات. يُحشر الرجال الـ 10 آلاف، معظمهم من السوريين والعراقيين، و2000 من بلدان أخرى، في زنازين شديدة الاكتظاظ، محاطين بمراحيض مفتوحة ووسط تهوئة سيئة. تفتقر السجون إلى الخدمات الأساسية، بما فيها الرعاية الطبية المناسبة للجروح المتقيحة وللأمراض المعدية، من ضمنها السل. توفي حتى عدة مئات من الرجال في السجون، بينهم ألماني وبريطاني.

يُحتجز 700 فتى أو أكثر في سجون منفصلة عن الرجال، منهم 400 سوري و200 عراقي، والباقين من عدة دول أخرى بحسب كرد. أضاف أنه لدى الفتيان إمكانية الخروج إلى الساحات الخارجية، لكن يحصلون على قدر ضئيل من التعليم، والترفيه، والخدمات الأساسية الأخرى.

قالت ثلاثة مصادر مطلعة من دون الكشف عن هويتها إنّ العديد من الفتيان في السجون نُقلوا من المخيمات التي كانوا يعيشون فيها مع أمهاتهم وإخوتهم عندما بلغوا منتصف سن المراهقة، وبعضهم لم يتجاوز عمره 12 عاما. قال كرد إنه يمكن للفتيان السوريين المحبوسين زيارة عائلاتهم، لكن لا يُسمح للفتيان الأجانب المسجونين بزيارات من أمهاتهم وإخوتهم في المخيمات. يعيش ما بين 100 و120 فتى آخر في مركز إعادة تأهيل مغلق. أضاف كرد أنّ الخدمات هناك أيضا "غير كافية" بسبب نقص المساعدات. أشار إلى أن الإدارة الذاتية تود نقل الفتيان في السجون إلى مراكز إعادة تأهيل إضافية، إذا أنشأتها الحكومات الأجنبية.

ذكر أنّ بعض الفتيان اقتيدوا من مخيمات العائلات وأماكن أخرى لـ "ارتكابهم أعمال عنف" أو لتبنيهم إيديولوجية داعش، رغم أن هيومن رايتس ووتش تلقت تقارير من مجموعات محلية داعمة للأسر تفيد بأن بعض الفتيان على الأقل اُختطفوا لمجرد بلوغهم سن المراهقة. أفادت منظمة "الحقوق والأمن الدولية"، ومقرها المملكة المتحدة، في 2020 أن قوات سوريا الديمقراطية أخفت قسرا عشرات الفتيان من المخيمات.

حاكم التحالف بقيادة الأكراد حوالي 8 آلاف سوري يُشتبه في انتمائهم إلى داعش وجماعات مسلحة أخرى في محاكم الدفاع الشعبي بدايات 2021، وينتظر حوالي 4 آلاف آخرين محاكمات محلية. أُجريت المحاكمات بالتدرّج، مع ثغرات في الإجراءات القانونية الواجبة، وطلب الإدارة الذاتية المساعدة من الحكومات الأجنبية لجعل المحاكمات متوافقة مع المعايير الدولية. قال كرد إن الإدارة الذاتية طلبت، على مدار عامَيْن، من الحكومات الأجنبية مساعدتها في إنشاء محكمة مختلطة أو دولية لمحاكمة المعتقلين. في بعض الأحيان، اقترحت السلطات الإقليمية محاكم محلية مدعومة دوليا. لكن "لم يتعاون المجتمع الدولي معنا"، حسب قوله.

الوصول الإنساني

إنّ الإمدادات الطبية وغيرها شحيحة في المخيمات والسجون، جزئيا بسبب الصعوبات التي يواجهها عمال الإغاثة في الوصول إلى المنطقة. استخدمت روسيا منذ يناير/كانون الثاني 2020 حق النقض (الفيتو) في "مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة"، وهددت به لفرض إغلاق ثلاثة من المعابر الحدودية الأربعة الحيوية إلى سوريا التي استخدمتها وكالات الأمم المتحدة لنقل الأدوية والمساعدات الأخرى إلى البلاد. قطعت تركيا والقوات المدعومة منها مرارا إمدادات المياه عن المناطق تحت سيطرة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، بما فيها مخيم الهول.

قال ممثلو أربع منظمات إغاثية إن هذه العوامل، مع تصاعد انعدام الأمن، أجبرت العديد من المنظمات الإنسانية على تعليق أو تقليص عملياتها في شمال شرق سوريا.

إعادات قليلة إلى الوطن

رغم الظروف المؤسفة، أعاد 25 بلدا فقط من أصل 60 أيا من مواطنيه من شمال شرق سوريا، وانخفضت عمليات الإعادة إلى الوطن من 29 في 2019 إلى 17 في 2020، ثم إلى ثلاث في الأسابيع العشرة الأولى من 2021، وفقا لمنظمة "أنقذوا الأطفال" وهيومن رايتس ووتش. أعادت كازاخستان، وكوسوفو، وروسيا، وأوزبكستان معا أكثر من 1200 من مواطنيها، أي حوالي 85% من إجمالي عمليات الإعادة، التي لا تزال تدريجية لدى البلدان الغربية. جرّدت المملكة المتحدة، وأستراليا، والدنمارك بعض مواطنيها المحتجزين في شمال شرق سوريا من الجنسية، حتى عندما تركهم هذا التجريد في بعض الحالات بلا جنسية.

أعادت بعض الدول، مثل ألمانيا وفنلندا بعض الأمهات اللواتي لديهن أطفال. لكن أعادت دول أخرى، مثل كندا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، طفلا أو أكثر من دون أمهاتهم، بينما تخطط دول أخرى، مثل السويد وبلجيكا، لذلك. تنتهك العودة المنهجية للأطفال من دون والدَيْهم "اتفاقية حقوق الطفل"، التي تنصّ على وجوب تمسّك الدول الأطراف بمبدأ وحدة الأسرة في غياب التقييم المهني بأن الفصل "ضروري لصون مصالح الطفل الفضلى". بينما تحصل الحكومات على موافقة كتابية من الأمهات لأخذ أطفالهن بدونهن، تتساءل هيومن رايتس ووتش عما إذا كانت الموافقة مستنيرة وطوعية للنساء المحتجزات إلى أجل غير مسمى داخل مخيمات مغلقة، من دون إمكانية الوصول إلى الانتصاف أو المشورة.

قالت أم كندية في روج عن قرارها اليائس بالسماح لكندا بإعادة ابنتها (4 أعوام) بدونها في مارس/آذار: "لو خُيرت ثانيةً، لا أعرف ما إذا كنت سأفعل ذلك. إنها أصعب تضحية تقوم بها الأم".

تؤكد العديد من الحكومات أن عمليات الإعادة إلى الوطن تطرح مخاطر أمنية فائقة. قالت هيومن رايتس ووتش إنه في حين أن الحكومات ملزمة بالحفاظ على سلامة الناس، لا تلغي المخاوف الأمنية واجبها الموازي في دعم حقوق الإنسان. كما يجادل التحالف بقيادة الولايات المتحدة ضد داعش، يشكل التخلي عن هؤلاء المحتجزين إلى أجل غير مسمى في ظروف قاسية خطرا أكبر من إعادتهم إلى ديارهم.

نفّذ رجال مسجونون لاشتباه انتمائهم إلى داعش في شمال شرق سوريا أعمال شغب متكررة، وفرّ أكثر من 100 منهم إلى مكان مجهول. في غياب وسيلة للمغادرة قانونيا، تدفع النساء بانتظام لمُهربي البشر لتهريبهن وأطفالهن من المخيمات المغلقة، ما يعرضهن لخطر الاتجار بهن للعمل القسري والاستغلال الجنسي، وانتهاكات أخرى، أو للعودة إلى داعش. قد يكون الأطفال، الذين تنبذهم بلدانهم الأصلية، عرضة للتجنيد من قبل متشددي داعش في السجون والمخيمات.

في المقابل، تسمح عمليات الإعادة إلى الوطن أو النقل إلى دول أخرى للحكومات بإجراء تقييمات فردية لكل عائد، ومراقبتهم حسب الاقتضاء، ومحاسبة الذين ارتكبوا جرائم دولية خطيرة في مجال حقوق الإنسان، وهي خطوة حاسمة في إنصاف الآلاف من ضحايا داعش.

قد تؤدي عمليات إعادة الأجانب إلى أوطانهم أيضا إلى تحسين أوضاع السوريين المشتبه بانتمائهم إلى داعش وأفراد عائلاتهم الذين تحتجزهم السلطات المحلية في المخيمات والسجون. سمحت الإدارة الذاتية لأكثر من 9,100 سوري بالعودة إلى مجتمعاتهم منذ 2019، بما فيهم أكثر من 2,600 بموجب عفو أعلنته في أكتوبر/تشرين الأول 2020، لكن لا يزال الآلاف محتجزين. كما الحال بالنسبة للأجانب، على السلطات المحلية الإفراج عن أي معتقل سوري محتجز في ظروف مهينة، أو غير إنسانية، أو في غياب الإجراءات القانونية الواجبة، وتحسين ظروف الذين قد لا يتمكنون من العودة إلى ديارهم بسبب مخاطر نبذهم من مجتمعاتهم، أو خوفهم من العودة إلى المناطق التي تسيطر عليها الحكومة.

في يناير/كانون الثاني، وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس عمليات الإعادة إلى الوطن من قبل البلدان الأصلية، لا سيما للأطفال، بأنها "ضرورة ملحة واستراتيجية لمكافحة الإرهاب". دعا البرلمان الأوروبي و"اليونيسف" الدول الأعضاء إلى إعادة جميع الأطفال إلى أوطانهم، مع مراعاة مصالح الطفل الفضلى. دعت مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ومدير مكتب مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة، و22 خبيرا حقوقيا أمميا، البلدان الأصلية إلى إعادة مواطنيها أيضا. أشار الخبراء الـ 22 إلى أن "العنف، والاستغلال، والإساءة، والحرمان" الذي تعرّض له المحتجزون الأجانب في شمال شرق سوريا أسفر عن وفيات، وأنه في حد ذاته "قد يرقى إلى حد التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة بموجب القانون الدولي"، في غياب جبر فعّال.

المعايير القانونية الدولية

تتحمل الدول مسؤولية اتخاذ خطوات لحماية مواطنيها لدى مواجهتهم انتهاكات حقوقية خطيرة، بما فيها الخسائر في الأرواح والتعذيب. قد يشمل هذا الالتزام المواطنين في البلدان الأجنبية عندما يمكن للإجراءات المعقولة التي تتخذها حكوماتهم الأصلية حمايتهم من هذا الضرر. ينص "القانون الدولي لحقوق الإنسان" على حق كلّ فرد في الجنسية. أمام الحكومات التزام قانوني دولي بتوفير الوصول إلى الجنسية لجميع الأطفال المولودين في الخارج لأحد مواطنيها، والذين يكونون عديمي الجنسية خلاف ذلك، في أقرب وقت ممكن. لجميع الأفراد الحق في الغذاء الكافي، والماء، والملبس، والمأوى، والصحة العقلية والبدنية، والمحاكمات العادلة، ولجميع الأطفال الحق في التعليم.

يُحظر تماما، بموجب قانون حقوق الإنسان، احتجاز الأشخاص في ظروف تصل إلى حد المعاملة اللاإنسانية أو المهينة.

يُعتبر احتجاز الإدارة الذاتية هؤلاء الأجانب إلى أجل غير مسمى من دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة، بما في ذلك حقهم في المثول أمام قاضٍ لمراجعة شرعية وضرورة احتجازهم، تعسفيا وغير قانوني. يرقى احتجاز أفراد عائلات عناصر داعش المشتبه بهم، لا سيما الأطفال لكن أيضا النساء اللواتي لا يخضعن للتحقيق في أي جرائم، إلى الجرم بالتبعية والعقاب الجماعي، المحظورَيْن بموجب القانون الدولي.

ينتهك الاحتجاز التعسفي وغياب دعم إعادة الإدماج لهؤلاء الأطفال المبادئ الدولية للأطفال المرتبطين بالجماعات المسلحة، الذين يجب اعتبارهم ضحايا في المقام الأول. يؤكد قرار مجلس الأمن رقم 2396 لـ 2017، الملزم لجميع الدول الأعضاء، على أهمية مساعدة النساء والأطفال المرتبطين بجماعات مثل داعش والذين قد يكونون ضحايا الإرهاب، بما فيه من خلال إعادة التأهيل وإعادة الإدماج.

يدعو القرار 2396 الدول الأعضاء إلى التحقيق مع المشتبه بهم ومقاضاتهم لتورطهم مع الجماعات الإرهابية الأجنبية، إذا كان ذلك مناسبا. بالنظر إلى عدم وجود أي إجراءات محاكمة عادلة للأجانب المحتجزين في شمال شرق سوريا، تظل تحقيقات البلدان الأصلية الخيار الوحيد قابل للتطبيق في هذا الوقت لتوفير الإنصاف للضحايا عن أي جرائم خطيرة قد يكون المحتجزون قد ارتكبوها.

دول ذات مواطنين محتجزين في شمال شرق سوريا

أفادت تقارير بأن مواطني 58 دولة على الأقل محتجزون في مخيمات وسجون في شمال شرق سوريا: أفغانستان، ألبانيا، الجزائر، أستراليا، النمسا، أذربيجان، بلجيكا، بنغلاديش، البوسنة والهرسك، كندا، الصين، الدنمارك، مصر، إستونيا، فنلندا، فرنسا، جورجيا، ألمانيا، إندونيسيا، الهند، إيران، العراق، كازاخستان، قيرغيزستان، لبنان، ليبيا، المغرب، جزر المالديف، مقدونيا الشمالية، ماليزيا، هولندا، النرويج، باكستان، فلسطين، الفلبين، بولندا، البرتغال، رومانيا، روسيا، السعودية، السنغال، جنوب أفريقيا، إسبانيا، السودان، الصومال، صربيا، السويد، سويسرا، طاجيكستان، ترينيداد وتوباغو، تونس، تركيا، أوكرانيا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة، أوزبكستان، فيتنام، اليمن.

Your tax deductible gift can help stop human rights violations and save lives around the world.

المنطقة/البلد

الموضوع