رجلان يهدمان جدران مأوى في مخيم للاجئين السوريين في عرسال، لبنان. بعد أن ينتهي الهدم، سيتلقّيان من المنظمات الإنسانية ألواحا من الخشب المضغوط وأغطية مشمعات بلاستيكية لإعادة بناء الجزء العلوي من الجدران والسقف، بما يتوافق مع قوانين السكن اللبنانية. 21 يونيو/حزيران، 2019.

© 2019 بيل فريليك/هيومن رايتس ووتش

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن الجيش اللبناني هدم حوالي 20 مأوًى للاجئين السوريين في 1 يوليو/تموز 2019، على أساس أنهم لم يمتثلوا لقوانين السكن القائمة منذ فترة طويلة، والتي نادرا ما تُطبّق.

تُجبر القوات المسلحة اللاجئين أيضا الذين يعيشون في مساكن شبه دائمة في الأراضي الزراعية على تفكيك الجدران والأسطح الإسمنتية لهذه المساكن، واستبدالها بمواد أقل حماية، وإلا هدم الجيش مساكنهم. التفكيك القسري للمساكن بموجب أمر صادر عن "المجلس الأعلى للدفاع" يجعل مساكن اللاجئين إلى حد بعيد أقل ملاءمة لتحمل الظروف المناخية القاسية، خاصة في منطقة عرسال، ذات الشتاء القاسي.

قال بيل فريليك، مدير برنامج حقوق اللاجئين في هيومن رايتس ووتش، والذي شاهد اللاجئين السوريين في عرسال وسهل البقاع يهدمون مآويهم: "يجب الالتفات إلى حقيقة هذه الحملة على انتهاكات قانون السكن، وهي الضغط غير الشرعي على اللاجئين السوريين لمغادرة لبنان. كثير من المتضررين لديهم أسباب حقيقية تخيفهم من العودة إلى سوريا، منها الاعتقالات، والتعذيب، وسوء المعاملة على أيدي فروع المخابرات السورية".

بنى إيواء تم تفكيكها في مخيم للاجئين السوريين في عرسال، لبنان، 20 يونيو/حزيران 2019. 

© 2019 بيل فريليك/هيومن رايتس ووتش

ينطبق الإجراء على 3,500 إلى 3,600 عائلة لاجئة في عرسال، أي حوالي نصف مساكن اللاجئين في البلدة، وفقا لرئيس بلديتها باسل الحجيري. تقول بعض التقديرات إن ما يصل إلى 15 ألف طفل في عرسال سيتأثرون بهذا الأمر التنفيذي. كما ينطبق على اللاجئين السوريين الذين يعيشون في ملاجئ صلبة مبنية على أراضٍ زراعية في جميع أنحاء البلاد. يستند القرار إلى قانون البناء اللبناني لعام 2004، والذي تقول المنظمات غير الحكومية التي تعمل في المخيمات منذ سنوات إنه نادرا ما يُطبَّق. ينطبق على جميع أنحاء البلاد، ولكن مع وجود اختلافات في مواصفات الهدم والمواد، ويتم تطبيقه حاليا أيضا في سهل البقاع، وبعلبك، والهرمل.

في أواخر يونيو/حزيران 2019، قابلت هيومن رايتس ووتش 40 لاجئا متضررا في عرسال وسهل البقاع، قالوا إن الأوامر تزامنت مع زيارات الجيش المتكررة إلى مساكن الخيام غير الرسمية، والتي وصفها بعض اللاجئين بأنها "مداهمات". قالوا إن الجيش يعتقل الرجال والصبية، لفترات قصيرة عادة، لأنهم يفتقرون إلى أوراق إقامة مناسبة أو للاشتباه في حدوث خروقات أمنية.

أوامر الهدم والمداهمات ليست ضغوطا منعزلة على اللاجئين السوريين في لبنان. فهي تتزامن مع قرارات جديدة من المجلس الأعلى للدفاع تجيز الترحيل بإجراءات موجزة للسوريين الذين يعبرون الحدود بشكل غير منتظم، ومكافحة العمال الأجانب غير المصرح لهم والمؤسسات التجارية التي يديرها سوريون. تقيّد تعليمات جديدة صادرة عن "المديرية العامة للأمن العام" قدرة الأطفال السوريين على الحصول على الإقامة القانونية بالإقامة القانونية لأحد الوالدين الذي يتبع كفيلا لبنانيا.

قال فريليك: "الأمر بالهدم هو واحد من عديد من الإجراءات الأخيرة لزيادة الضغط على اللاجئين السوريين للعودة. يشمل ذلك الاعتقالات الجماعية، والترحيل، وإغلاق المتاجر، ومصادرة أو إتلاف المركبات غير المرخصة، بالإضافة إلى القيود الأخرى القائمة منذ زمن، بما فيها حظر التجول والإخلاء، والحواجز أمام تعليم اللاجئين وحصولهم على الإقامة القانونية وإجازات العمل".

يأتي أمر الهدم أيضا في وقت يتصاعد فيه الخطاب السياسي ضد اللاجئين. قال الرئيس ميشال عون مؤخرا: "موجة النزوح السوري تركت تداعيات سلبية أثرت على جميع القطاعات اللبنانية"، وأنه "لا يمكن انتظار حل سياسي للأزمة السورية" لعودة اللاجئين السوريين. اتّهم وزير الخارجية جبران باسيل اللاجئين السوريين مؤخرا بنيتهم البقاء في لبنان، ودعاهم إلى العودة إلى سوريا.

مأوى تم تفكيكه جزئيا في مخيم للاجئين السوريين في عرسال، لبنان، 20 يونيو/حزيران 2019. 

© 2019 بيل فريليك/هيومن رايتس ووتش

قال رئيس بلدية عرسال، الحجيري، لـ هيومن رايتس ووتش: "الأمر لا يتعلق بقوانين السكن. إنه قرار سياسي. السبب وراء قيام الحكومة الآن فجأة بهدم جدران اللاجئين هو الضغط عليهم للعودة. نتمنى أن يعود اللاجئون إلى بلادهم، لكن يجب ألا نضغط عليهم للقيام بذلك".

لكن لم يقل أي من اللاجئين الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش إنهم سيعودون إلى سوريا لأن مساكنهم أصبحت أقل حماية لهم.

قالت أرملة عمرها 35 عاما من حمص توفي زوجها في المعتقل بعد توقيفه عام 2011، وهي تبكي: "اللبنانيون يقولون إننا جئنا واستولينا على بلدهم ونعيش في فيلات، لكن انظروا فقط إلى حالة الحمام. نحن نعيش مع الحشرات والفئران. هربنا من الحرب والقتل إلى هنا، ولكنهم لا يريدون أن نعيش حتى هكذا. الجميع يود أن يعيش في بلده، لكنني لا أستطيع العودة. سيكون أطفالي في بؤس أكبر في هذا المخيم، لكن على الأقل سيبقون على قيد الحياة".

استضاف لبنان أكثر من 1.5 مليون لاجئ سوري منذ عام 2011، وهو أعلى معدل بالنسبة لعدد السكان في العالم. دعت هيومن رايتس ووتش مرارا الدول الأخرى إلى زيادة مساعدتها للبنان وإعادة توطين أعداد أكبر من اللاجئين السوريين الذين يعيشون في لبنان. تفاقم إرهاق لبنان جراء استضافة اللاجئين بسبب نقص الدعم الدولي. لم يُموَّل نداء الأمم المتحدة بتقديم أكثر من 2.24 مليار دولار أمريكي كمساعدات دولية لتلبية احتياجات المساعدات الإنسانية للاجئين السوريين في لبنان لعام 2019 سوى بنسبة 15.8 بالمئة حتى 3 يوليو/تموز 2019. على الدول المانحة أن تولي الأولوية لحماية حقوق اللاجئين وتقاسم المسؤولية عن الاحتياجات الإنسانية.

تدرك هيومن رايتس ووتش أن عديد من مساكن اللاجئين في الأراضي الزراعية لا تمتثل لقوانين السكن اللبنانية الحالية. مع ذلك، امتثالا لالتزامات لبنان بعدم التراجع عن ضمان الحق في السكن اللائق للجميع في البلاد، ونظرا إلى أن الملاجئ الخفيفة لن تكون كافية لحماية اللاجئين من ظروف الشتاء، ينبغي لمجلس الدفاع الأعلى والسلطات اللبنانية الأخرى التنازل مؤقتا عن القيود المفروضة على الجدران الإسمنتية للاجئين السوريين في المساكن غير الرسمية، حتى تتوفر بدائل مناسبة.

قال فريليك: "ينبغي للسلطات اللبنانية أن تحترم بشكل كامل مبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو ما يعني عدم إعادة اللاجئين إلى خطر محتمل. ينبغي ألا يخلق لبنان ضغوطا تُجبر اللاجئين على العودة القسرية إلى ظروف غير آمنة أو كريمة".

 

 بدء إعادة بناء مأوى في مخيم للاجئين السوريين في عرسال، لبنان. 

© 2019 بيل فريليك/هيومن رايتس ووتش

تفكيك بُنى الإيواء

في 25 مايو/أيار 2019، حدّد المجلس الأعلى للدفاع 10 يونيو/حزيران كمهلة أخيرة للاجئين السوريين ليفككوا مساكنهم، بحسب تقارير صحفية. مُدد الموعد النهائي في وقت لاحق إلى 1 يوليو/تموز. بدلا من تقديم أوامر مكتوبة، أصدرت السلطات اللبنانية تعليمات إلى المنظمات الدولية غير الحكومية، لتبلغ الأخيرة اللاجئين السوريين بشأن مواصفات الامتثال وتزودهم بمواد جديدة لتجهيز مآوي جديدة للامتثال للأمر الصادر.

يقول الأمر الصادر إن مساكن اللاجئين السوريين المبنية على أراض زراعية في عرسال يُسمح لها فقط بأساسات على ارتفاع 5 أحجار إسمنتية. يجب أن تتكون الجدران والسقوف العليا من عوارض خشبية وأغطية بلاستيكية أو قماشية، ويمكن أن تكون الجدران الداخلية، على الأكثر، من الخشب المضغوط الرقيق. في بقية البلاد، لا يمكن أن تكون الأساسات الصلبة أعلى من حجرَين إسمنتيين. الأساسات الإسمنتية يجب إزالتها.

ينص قانون البناء اللبناني، رقم 646 لعام 2004، الذي يشكل الأساس لقرار المجلس الأعلى للدفاع، على أن رخصة البناء مطلوبة لبناء هياكل غير دائمة على الأراضي الزراعية، ويحدد مواد البناء من الخشب والحجر.

بالإضافة إلى إجراء مقابلات مع 40 لاجئا، قابلت هيومن رايتس ووتش مسؤولين محليين، ومالكي الأراضي، وممثلي المنظمات الإنسانية. رفضت المديرية العامة للأمن العام أو لم تستجب لطلبات المقابلات المتكررة. حُجبت الأسماء وغيرها من معلومات التعريف الخاصة باللاجئين الذين قوبلوا حماية لأمنهم.

قال لاجئ عمره 30 عاما من إدلب، كان يقيم مع زوجته و6 أطفال في مساكن خيام غير رسمية بمنطقة المرج في سهل البقاع، إنه استيقظ على صوت طرق باب منزله حوالي الساعة 5 صباحا قبل حوالي 3 أشهر. قال إن الجنود كانوا في كل مكان ودخل 4 منهم مسكنه. قال أحدهم إن مسكنه لم يكن خيمة وأنهم يشبهون المستوطنين أكثر من اللاجئين:

قال الجندي: "يجب أن تغادر أرضنا". أخبرته أنني سأعود الآن إن أمكن. فسلمني معول وقال لي إن عليّ هدم مسكني. طلب مني تدمير الجدران بأكملها. وقف وراقبني. بحلول الظهر كنت قد هدمت جدارا واحدا. قال الجندي إنه سيعود ليرى أنني هدمت الجدران الثلاثة الأخرى.

يفعلون ذلك الآن لأنهم يريدون من السوريين أن يغادروا. هذا ليس رأيي، هذا الواقع. في كل مكان أذهب إليه، تقول جميع السلطات إنه علينا العودة إلى ديارنا، نشعر بالضغط الناجم عن المداهمات على المخيمات، ومساكننا. كنت أعمل في متجر، لكنني لا أستطيع دفع المال لكفيل لبناني. حتى أن سائق أجرة قال لي: "أخذتم أرضنا، بلدنا. لماذا لا ترحلون؟

قال هذا الرجل إنه لم يزوده أحد بأي مواد إيواء جديدة. قال الجيش إن شخصا سيأتي خلال 3 أيام لتزويده بالمواد المناسبة، لكنه قال إنه لم يأتِ أحد: "اضطررت إلى إزالة الأنقاض بنفسي واشتريت الخشب والقماش ووضعته بنفسي، واضطرني الأمر إلى استدانة 200 دولار".

في عرسال، أمر الجيش اللاجئين بهدم مساكنهم إلى ارتفاع الخصر، وإلا عاد لتسويتها بالأرض. قال لاجئ عمره 63 عاما في مخيم العقبة بعرسال:

هدمت منزلي بنفسي. استغرق الأمر 3 أيام. انظروا إلى القروح في يديّ. كان ذلك قبل 15 يوما. الآن لا أملك المال لإعادة بناء مسكني بالطريقة التي يريدونها، ولم يعطني أحد مواد الإيواء، باستثناء بعض الأخشاب للأعمدة. لا أعرف لماذا يفعلون هذا بنا.

ألقى الرجل بطانيات على العوارض الخشبية لتكون بمثابة جدران، واستخدم قصاصات رقيقة من الخشب المضغوط كسقف، رغم أنها رطبة ومتعفنة، والسماء ظاهرة من خلال تشققات في السقف.

تفكيك المساكن له تأثير فوري، خاصة على اللاجئين الذين لم يتلقوا مواد مقبولة للإيواء البديل. قال جميع اللاجئين الذين تمت مقابلتهم إنهم قلقون على معيشتهم في الشتاء المقبل.

قالت امرأة عمرها 33 عاما كانت تجلس في مسكنها الذي تم تفكيكه جزئيا في مخيم ابن الوليد في سهل البقاع إن الحشرات والقمل تأتي إلى المنزل، وإنها شاهدت أطفالها يلعبون بضفدع في المنزل ذلك الصباح. قالت: "طار السقف المعدني الشتاء الماضي. لا أستطيع أن أتخيل كيف سيكون الوضع هذا الشتاء. كانت لدينا أيضا فيضانات. ما الذي سيمنع الماء من الدخول إلى المساكن؟ "

نقص المواد لإنشاء مأوى بديل

تحملت المجموعات الدولية التي طُلب منها تنفيذ أوامر الحكومة وطأة كثير من غضب اللاجئين واستيائهم. تفاقم ذلك بسبب البطء في كثير من الأحيان وعدم كفاية توفير مواد للمآوي البديلة. عبّر رجل عمره 28 عاما في مخيم الإخوة في سهل البقاع عن غضبه وإحباطه:

كان عليها [المجموعة، التي سماها] أن تعطينا الخشب لإعادة بناء مساكننا. يأتون هنا بسياراتهم الرباعية الدفع وبطونهم مليئة وملابسهم نظيفة. تحدث إليّ أحدهم. أخبرني أنه عليّ تدمير الجدران غير الشرعية في مسكني. ثم لم يعد حتى ليرى كيف أعيش الآن. الجمعيات تعطينا التعليمات ثم تدير ظهرها وتنسى ما رأته.

امتد الغضب في مخيم العقبة عندما نقص توزيع مواد بناء تجهيز المأوى من قبل مجموعة غير حكومية لـ 114 عائلة، ما ترك 14 عائلة بدون مواد. وقال أحد اللاجئين الذين تم استثناءهم: "فككت كل شيء، لكنني لم أتلق حتى الآن [الإمدادات اللازمة لإعادة البناء]. ليس لدي أي غطاء من الشمس".

المداهمات والاعتقالات في المخيمات

يفيد اللاجئون في عرسال وأجزاء أخرى من سهل البقاع عن مداهمات أكثر تكرارا من قبل الجيش لمساكن الخيام غير الرسمية، حيث يتم توقيف الرجال وتفتيش الدراجات النارية وغيرها من المركبات بحثا عن تراخيص صالحة، وأحيانا يحطمون المركبات لعدم ترخيصها بشكل صحيح.

قالت امرأة عمرها 30 عاما تعيش لاجئة في لبنان منذ 8 سنوات، إن الجيش ينفّذ مداهمات على مخيم ابن الوليد في سهل البقاع بشكل متزايد:

جاء الجيش 3 مرات، باكرا، حوالي الساعة 5:30 صباحا. خلال شهر رمضان، اعتقلوا عمي المريض، وزوجي، و3 من إخوة زوجي. احتفظوا بهم 6 ساعات، وأحد أشقائي لمدة 12 ساعة. أخذوا دراجة نارية من أخ زوجي وحطموها.

دمر الجنود مسكنا فارغا قالوا إنهم يشبه المنزل أكثر من الخيمة. رموا جميع الأثاث والأشياء الأخرى في الخارج ودمروا المنزل. كان الجيران يصرخون. الشيء الوحيد الإسمنتي في مسكني هو جدار الحمام، لكن ضابطا في الجيش أخبرني أنه عليّ هدمه وإلا هدموا المسكن. أنا قلقة من أنهم سيعودون ويدمرون منزلي. زوجي خائف لأنه ليس لدينا أوراق قانونية. نسمع أنهم يرحّلون الناس، لكنهم حتى الآن لم يرحّلوا أي شخص من هذا المخيم.

وصف رجل عمره 35 عاما يعيش في مخيم العقبة بعرسال مداهمة للجيش في اليوم السابق:

بالأمس، جاء الجيش وأخذ بعض الناس من المخيم. كما أخذوا بعض الدراجات النارية وكسروها ورموها. أتى جندي إلى مسكننا وقال إن جدراننا كانت بارتفاع 7 حجارات باطون، ويجب ألا يتجاوز ارتفاعها 5، لذا سيتعين علينا هدم مستويين من حجارة الباطون. سألني: "لماذا لا تعود إلى بلدك؟" أخبرته أنه لا يمكنني العودة. هربت من الجيش، وسوف يأخذوني مرة أخرى إذا عدت.

بالمثل، قال رجل عمره 45 عاما في مخيم الرحمة بعرسال: "جاء الجيش أمس وأخذ بعض الأشخاص. لا أعرف ما إذا كان قد أطلق سراحهم أم لا".

وصف لاجئ سوري حُجب سنه ومخيمه حفاظا على سلامته اعتقاله:

جاء الجيش اللبناني إلى مخيمنا منذ 4 أشهر. اعتقلوا حوالي 400 رجل وصبي، وأخذوني. جاؤوا إلى المخيم في الساعة 5 صباحا ففكرت في الهرب، لكن المخيم كان محاطا، ومحاولة الهرب يمكن أن تزيد الأمر سوءا. طلب الجنود أوراقي. أخبرتهم أنه ليس لدي أي شيء. وضعوا يدي وراء ظهري بأصفاد بلاستيكية. لم يتحدثوا بطريقة مهذبة، لكنهم لم يضربوني، بل دفعوني فقط. وضعوني مع نحو 35 شخصا في شاحنة عسكرية. أخذونا إلى قاعدة للجيش، ثم في الساعة 3 من صباح اليوم التالي، أطلقوا سراحنا، وتركونا هناك. كان يوجد فقط الجيش وليس الأمن العام. حوالي 30 من الرجال لم يفرج عنهم. هم الآن في سجن رومية.

منذ أن عدت، أخبرني الشاويش أن مخابرات الجيش سألت عني. الآن أغادر المسكن في الساعة 4:30 صباحا كل يوم حتى لا يتم القبض علي. أنا خائف حقا. أنا منشق عن النظام وأعرف أنهم يريدون أن يمسكوا بي. لا أستطيع العودة.

وصف رجل آخر فترة احتجازه الطويلة بعد اعتقاله أوائل 2019:

احتُجزت 43 يوما. اعتقلني الأمن العام في متجر كنت أعمل فيه بشكل غير قانوني. قيدوا يدي خلف ظهري ودفعوني إلى مؤخرة السيارة. قاموا بسحب ذراعي، وإيذاء كتفي، ودفعوا رأسي إلى الأسفل وركلوني في الرأس. في مكتب الأمن العام، لكمني عنصر يرتدي زي الأمن العام حوالي 20 مرة، وعندما سقطت على الأرض، بدأ يركلني. حدث ذلك في مكتب الأمن العام ببيروت بجوار الجسر وله سجن متصل به. لم يسألني أي أسئلة، ضربني فقط.

نقلوني إلى وزارة الدفاع في بيروت حيث عوملت بشكل جيد. هددوني بوضعي في سجن رومية لمدة 75 عاما، لكنهم لم يضربوني. اتهموني بتزوير هويتي، لكنها حقيقية وتطابق جواز سفري. عندما أحضروني إلى القاضي، ضحك القاضي على التهم الموجهة إلي، وأخبرني أنه يمكنني المغادرة.

هذا الرجل ما زال يعاني من سوء معاملته:

لم أكن أصدق الناس الذين يقولون إن لديهم مشاكل نفسية. لكن لدي اكتئاب. أنا مكتئب لدرجة أنه لا يمكنني أن أفعل أي شيء. في سوريا كنت أبكي إذا مات شخص ما. الآن، أبكي طوال الوقت، كل مرة أضع رأسي على الوسادة.

قالت امرأة عمرها 49 عاما إن الجيش داهم مخيمها مرتين، واعتقل ذات مرة ابنها البالغ من العمر 17 عاما: "وضعوا ابني في أصفاد وأخذوه بعيدا ولكنهم أعادوه في منتصف الليل في الليلة التالية. في سوريا، إذا أخذوا ابنك إلى السجن، فهو لن يخرج. في لبنان يخرج".

مالك لبناني يتحدث

قال لبناني يملك العقار الذي بني عليه أحد المخيمات:

تزورني مخابرات الجيش باستمرار لتخبرني بأن أطلب من اللاجئين في أرضي تدمير منازلهم. قلت لهم: "أخبروهم أنتم بذلك، أنا لن أخبرهم... إذا كنتم تريدون منهم الرحيل، عليكم تأمين مكان آخر لهم. أنا لن أطردهم". منذ يومين، ذهبوا إلى المخيم وأخبروا اللاجئين بأن عليهم المغادرة.

قدّر المالك خسارته بحوالي 30 ألف دولار أمريكي من جرّاء الأضرار في الممتلكات وخفض الإيجارات أو فقدها إذا هدم الجيش المخيم القائم على ممتلكاته. وقال: "خطاب الحكومة يدور حول قيام اللاجئين ببناء مبانٍ دائمة والاستيلاء على أرضنا. طيّب، هذه أرضي أنا. اللاجئون لا يستولون على أي شيء".

ضغوط أخرى

عمليات الترحيل وأوامر المغادرة

تبنّى المجلس الأعلى للدفاع في 15 أبريل/نيسان العديد من القرارات غير المنشورة لمنع السوريين من عبور الحدود بشكل غير قانوني إلى لبنان، وفي 13 مايو/أيار، أصدر المدير العام للأمن العام قرارا بترحيل جميع السوريين الذين عبروا الحدود بشكل غير قانوني بعد 24 أبريل/نيسان بإجراءات موجزة، وتسليمهم مباشرة إلى السلطات الحكومية السورية. أفادت "الوكالة الوطنية للإعلام" التابعة للدولة في 24 مايو/أيار أن الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي والأمن العام رحّلت بالإجمال 301 مواطن سوري إلى سوريا منذ 7 مايو/أيار.

في 24 مايو/أيار، أفادت هيومن رايتس ووتش عن ترحيل 16 مواطنا سوريا، بينهم على الأقل 5 لاجئين مسجلين، من مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت. كان معظم اللاجئين الذين تمت مقابلتهم على دراية بوجود بعض التوجيهات الجديدة المتعلقة بترحيل السوريين، وأعرب الكثير منهم عن مخاوفهم من احتمال ترحيلهم الآن.

وقال آخرون إن الأمن العام قد بدأ في وضع ختم "الترحيل" على جوازات سفر السوريين الذين وجدهم يعيشون أو يعملون بشكل غير قانوني. السوريون مقيدون بالعمل في الزراعة والبناء والتنظيف، ولا يُسمح لهم بالعمل دون كفيل لبناني.

قال لاجئ عمره 41 عاما في عرسال إن صهره الذي كان يعمل نجارا وُضع ختم "الترحيل" على جواز سفره. وقال لاجئ سوريّ يعمل كطبيب إنه طُرد مؤخرا من وظيفته في عيادة صحية وإن الأمن العام وضع ختم "الترحيل" على جواز سفره عندما ذهب لتجديد إقامته القانونية، كما كان يفعل طوال عدة سنوات دون مشكلة.

ووصفت امرأة سورية تعمل موظفة في مكتب في منطقة حضرية مخاوفها المتزايدة من الترحيل بعد أن وضع المسؤولون ختم الترحيل على جواز سفرها:

كنت أجدد إقامتي القانونية طوال السنوات الأربع الماضية من خلال الادعاء الخاطئ بأنني عاملة تنظيف منزلي، وليس موظفة في مكتب. لكن في آخر مرة ذهبت فيها إلى الأمن العام لتجديد إقامتي القانونية، قالوا إنني أعمل بطريقة غير قانونية وختموا "ترحيل" على جواز سفري. أعتقد أن جيراني اللبنانيين قد بلّغوا الأمن العام عني. أنا الآن أعيش في خوفٍ دائم من أن الأمن العام سيعود لملاحقتي وترحيلي. أعرف 15 شخصا آخر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وُضعت أختام "الترحيل" على جوازات سفرهم خلال الأشهر الأربعة أو الخمسة الماضية.

في 27 يونيو/حزيران، حدد وزير العمل كميل بو سليمان نهار 9 يوليو/تموز كحدٍ أقصى لأصحاب العمل اللبنانيين لإضفاء الشرعية على موظفيهم الأجانب أو مواجهة غرامة قدرها مليوني ليرة لبنانية (1,333 دولار أمريكي). وأشار بو سليمان إلى أنه سيتم إغلاق الشركات أو المتاجر التي تواصل خرق القانون.

عبَّر العديد من الأشخاص الذين تمت مقابلتهم عن مخاوفهم من تجديد السلطات قريبا حملة إغلاق المتاجر التي يملكها أو يديرها سوريّون. في ديسمبر/كانون الأول 2018 ، أعلن الأمن العام عن حملة لإغلاق المحلات التجارية التي يملكها سوريون وفي فبراير/شباط 2019 ، أفيد عن إغلاق متاجر يملكها سوريون في صيدا. في 9 يونيو/حزيران، عرضت "أو تي في"، وهي محطة تلفزيونية تملكها عائلة الرئيس ميشال عون، مجموعة شبابية تابعة لـ "التيار الوطني الحرّ" التابع لرئيس الجمهورية، وهي تدخل المتاجر في منطقة الجدَيدة في ضواحي بيروت للتحقق مما إذا كانت توظف سوريين.

عقبات أخرى

يخلق الأمن العام عقبات جديدة في إجراءاته المعقدة والمرهقة أصلا أمام المواطنين السوريين لتجديد إقامتهم القانونية وإجازات العمل الخاصة بهم، ما يقلل عدد اللاجئين السوريين الذين لديهم إقامة قانونية. حوالي 73 بالمئة من اللاجئين ليست لديهم إقامة قانونية. في 17 مايو/أيار، أصدر الأمن العام قرارا بأن الأطفال السوريين الذين تقل أعمارهم عن 15 عاما ولم يولدوا في لبنان لن يعودوا قادرين على الإقامة قانونيا في لبنان بناءً على كفالة أحد الوالدين من قبل مواطن لبناني. لم تصادف هيومن رايتس ووتش أي أسر تعي أنها تأثرت مباشرة بالقرار الجديد، لكن مجموعات غير حكومية أخبرت هيومن رايتس ووتش أنها تعتبر هذا تدبيرا آخر لزيادة تهميش اللاجئين السوريين في لبنان.

وبحسب تقارير، قال بو سليمان إن 1,733 سوريا فقط لديهم تصاريح عمل صالحة من بين حوالي مليون سوري مسجل لدى "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" (المفوضية). حتى أن عدد اللاجئين غير معروف حتى الآن، لأن الحكومة لم تسمح للمفوضية بتسجيل القادمين الجدد من سوريا منذ 2015.

عدد قليل من اللاجئين الذين تمت مقابلتهم لديهم إقامة قانونية صالحة، وبعضهم لم يُسجَّل لدى المفوضية. قال معظمهم إن التكلفة العالية للكفيل لبناني وبالتالي الحصول على الإقامة القانونية كانت عائقا أمام تجديد إقامتهم، إلى جانب رسوم التجديد السنوية للأمن العام البالغة 200 دولار أمريكي، والتي لا تزال مطلوبة في كثير من الأحيان على الرغم من أن الحكومة قد تنازلت رسميا عنها. وقال البعض إن المسؤولين يقولون لهم مرارا وتكرارا أن يذهبوا ويعودوا لاحقا.

قالت امرأة عمرها 24 عاما إنها وابنتيها تمكنتا من التسجيل في المفوضية، لكنها لم تتمكن من تسجيل زوجها وابنها، وقيل لها إنه يتعين عليهما العثور على كفلاء لبنانيين، "لكن زوجي لم يستطع تحمل كلفة الدفع للكفيل اللبناني وقد دخل هذا البلد بشكل غير قانوني، لذلك هو وابني ليسا هنا بشكل قانوني".

وفقا لتقرير مشترك بين المفوضية و"برنامج الأغذية العالمي"، فإن 69 بالمئة من أسر اللاجئين السوريين في لبنان في 2018 كانت تعيش تحت خط الفقر.

مُوِّل النداء الإنساني للمفوضية عام 2018 من أجل لبنان بنسبة 48 بالمئة فقط، ما ترك فجوة قدرها 1.194 مليار دولار أمريكي. قال بعض اللاجئين الذين تمت مقابلتهم إن المفوضية قد أوقفت أو قلصت المساعدات الإنسانية. قال رجل عمره 63 عاما ويعيش مع زوجته و7 أطفال في مخيم العقبة:

توقفت المفوضية عن إعطائنا مساعدات إنسانية. اعتدنا أن نحصل على 369 ألف ليرة لبنانية [حوالي 246 دولار أمريكي، ما يعادل 27 دولار أمريكي للشخص الواحد] شهريا ثم توقفوا تماما قبل 6 أشهر. ذهبت زوجتي إلى مكتبهم في زحلة للشكوى. قاموا بمسحٍ لبصمة عينها، إلّا أنهم لم يوضحوا لها سبب قطع المساعدات عنا.

حتى أولئك الذين يتلقون المساعدات قالوا إنها أقل من السابق. قال رجل عمره 70 عاما في مخيم العقبة في عرسال:

لماذا أوقفت المفوضية بطاقة الغذاء؟ كانوا يعطوننا الكثير من المساعدات، لكن في الوقت الحاضر 27 دولار أمريكي لكل شخص شهريا لا تكفي. نحن مفلسون بسبب ارتفاع الأسعار في المتاجر هنا.

تكرر ذكر عدم كفاية المساعدة الإنسانية. في بر الياس، سهل البقاع ، قالت امرأة عمرها 49 عاما ولديها 5 أطفال وزوج مفقود في سوريا:

عليّ دفع إيجارا شهريا 85 ألف ليرة لبنانية [حوالي 57 دولار أمريكي]. لا يمكنني الدفع لمالك العقار. أنا غارقة في الدين. أتلقى حوالي 200 ألف ليرة لبنانية [133 دولار أمريكي، ما يعادل 27 دولار أمريكي للشخص الواحد] من المفوضية شهريا لي وللأطفال الأربعة دون سن 18 عاما. الآن ابني البالغ من العمر 18 عاما هو والد الأسرة. يعمل بجد لساعات طويلة، لكن ليس لديه كفيل لبناني ويستغله صاحب العمل، ملابسه قديمة وممزقة وهو دائم التعب. يكسب 100 ألف ليرة لبنانية [67 دولار أمريكي] أسبوعيا، وما زلنا لا نملك ما يكفي لتأمين الطعام.