وضع شموع أضاءها نشطاء احتجاجا على مقتل الصحفي السعودي جمال الخاشقجي أمام القنصلية السعودية في اسطنبول. 

© 2018 Lefteris Pitarakis/AP Photo

(جنيف) - قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن مطالبة الخبيرة لدى "الأمم المتحدة" بالعدالة لمقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي يتعين أن تُفضي إلى إنشاء نظام شامل لمراقبة الانتهاكات الحقوقية التي ترتكبها السعودية.

في 19 يونيو/حزيران 2019، أشارت أغنيس كالامارد، المقررة الخاصة المعنية بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء، لدى إصدار نتائج تحقيقاتها في الاغتيال الذي حصل في أكتوبر/تشرين الأول 2018، إلى وجود أدلة على أن المسؤولية عن مقتل خاشقجي تتجاوز الـ 11 متهما بالقتل قيد المحاكمة حاليا في السعودية، وأن مهمة إعدام السيد خاشقجي تطلبت "تنسيقا حكوميا وموارد وتمويلات كبيرة". أكدت المقررة الخاصة وجود أدلة موثوقة تستدعي المزيد من التحقيق مع مسؤولين سعوديين رفيعي المستوى، بمن فيهم ولي العهد محمد بن سلمان، بسبب دورهم في الجريمة.

قال جون فيشر، مدير مكتب هيومن رايتس ووتش في جنيف: "ليس لدى القيادة السعودية حافزا كافيا لتغيير سلوكها إلا إذا علمت أنها ستُحاسب على انتهاكاتها وقمعها المنهجيين. من المهم للغاية لأعضاء ’مجلس حقوق الإنسان‘ التابع للأمم المتحدة التصدي لعدم التسامح مع المنشقين ومناخ الإفلات من العقوبات الذين جعلوا مقتل خاشقجي الوحشي والسافر ممكنا، من خلال نظام يضمن تدقيقا مستمرا في انتهاكات الحقوق في السعودية".

رداً على هذا وعلى غيره من الانتهاكات السعودية الفظيعة، ينبغي للدول الأعضاء في الأمم المتحدة دعم فرض عقوبات مستهدفة على أعضاء القيادة السعودية المسؤولين عن الانتهاكات الحقوقية المستمرة، وينبغي للأمين العام للأمم المتحدة إطلاق تحقيق جنائي كامل بحسب توصية المقررة الخاصة، وعلى مجلس حقوق الإنسان إنشاء آلية لمراقبة الانتهاكات الحقوقية في السعودية والإبلاغ عنها.

رغم أن التقرير لم يجد أدلة قاطعة تربط بن سلمان بالجريمة، فقد أشار إلى أنه "لعب دورا أساسيا في حملة قمع المعارضين" وأن الخبراء وجدوا أنه "لا يُعقَل" أن تُنفَذ عملية بهذا الحجم من دون أن يعلم ولي العهد بـ "الشروع في تنفيذ مهمة ذات طابع إجرامي تستهدف السيد خاشقجي". دعا التقرير إلى إجراء مزيد من التحقيق في دور كبار المسؤولين السعوديين، بمن فيهم ولي العهد.

بدأ تحقيق كالامارد في يناير/كانون الثاني عقب فشل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس بإجراء تحقيق أممي أوسع تحت إشرافه. مع أن تقرير كالامارد ركّز على مقتل خاشقجي، فقد أبرز أيضا الانتهاكات الحقوقية واسعة النطاق في السعودية. قالت هيومن رايتس ووتش إن هناك حاجة إلى مزيد من المراقبة للتصدي للقمع والانتهاك الضمنيين للمعارضين والناشطين الذين اغتيل أحدهم.

بعد نفيها مرارا أي دور لها في الجريمة، أقرت السعودية أن عملاء تابعين للحكومة قتلوا خاشقجي في أكتوبر/تشرين الأول 2018 في قنصلية المملكة في اسطنبول. لكن السلطات السعودية لم تقدم سوى معلومات قليلة حول محاكمة جميع المتهمين بقتله ويبدو أنها تحمي مسؤولين رفيعي المستوى حاليين وسابقين متورطين في الجريمة من تدقيق إضافي.

جاء اغتيال خاشقجي وسط موجات متتالية من اعتقال معارضين، ورجال دين، وصحفيين، ومفكرين، ورجال أعمال، وأفراد من الأسرة المالكة، وناشطات حقوق المرأة في السعودية بعد تعيين بن سلمان وليا للعهد في يوليو/تموز 2017. أخضعت السلطات الكثيرين لمحاكمات جائرة، وزعم البعض أن السلطات عذبتهم أثناء الاحتجاز.

دعت هيومن رايتس ووتش سابقا إلى فرض عقوبات فردية على بن سلمان بسبب القصف العشوائي للتحالف بقيادة السعودية والحصار غير القانوني على المواد الأساسية بحق مدنيي اليمن. تؤدي مسؤولية الحكومة التي يسيطر عليها بن سلمان عن الانتهاكات الحقوقية الجسيمة المتواصلة والتي ترقى إلى جرائم، إلى تعزيز قضية فرض عقوبات على كبار القادة السعوديين.

في مايو/أيار 2018، قبل أسابيع فقط من رفع السلطات السعودية الحظر المفروض على قيادة النساء في 24 يونيو/حزيران، شنت حملة اعتقال واسعة ضد حراك حقوق المرأة، واحتجزت حوالي 20 شخصا. قُدمت 11 امرأة للمحاكمة في مارس/آذار. قالت 4 منهن على الأقل إنهن تعرضن للتعذيب في الحجز.

تشمل التهم الموجهة إلى النساء رهن المحاكمة التحدّث عن حقوق المرأة إلى صحفيين ودبلوماسيين دوليين، ومنظمات حقوقية دولية. أُفرج عن 8 نساء مؤقتا بينما ما زلن يواجهن المحاكمة، لكن لا زالت 5 ناشطات في حقوق المرأة ورجل مرتبط بهن محتجزين. لجين الهذلول هي من بين الذين يخضعون للمحاكمة لكنها لا تزال في السجن. ناشطتان أخريان بارزتان في حقوق المرأة، سمر بدوي ونسيمة السادة، ما زالتا محتجزتين بدون تهمة أو محاكمة.

في 23 أبريل/نيسان 2019، أعلنت السعودية عن إعدام جماعي بحق 37 رجلا في أنحاء مختلفة من البلاد. 33 منهم على الأقل من الأقلية الشيعية في البلاد. أدينوا عقب محاكمات جائرة لجرائم مختلفة مزعومة، بما في ذلك جرائم متعلقة بالاحتجاجات، والتجسس، والإرهاب.

منذ منتصف 2018، بدأ المدّعون العامون السعوديون يطالبون بعقوبة الإعدام للمعارضين السلميين بتهم تتعلق فقط بنشاطهم المزعوم أو انتماءاتهم السياسية. من بين الذين يحاكمون في قضايا تصل عقوبتها إلى الإعدام عدد من رجال الدين، والمفكرين، والأكاديميين البارزين الذين احتُجزوا في سبتمبر/أيلول 2017. من بين رجال الدين سلمان العودة، الذي يُحاكَم لمجرد علاقاته المزعومة بـ "الإخوان المسلمين" ومعارضته لسياسات الحكومة السعودية.

واجه مرتجى قريريص محاكمة  بتهم ارتكاب جرائم متعلقة بالاحتجاج وأعمال عنف تصل عقوبتها إلى الإعدام، رغم زعم ارتكابه بعض الجرائم عندما كان بعمر 10 أو 11 عاما. اعتُقل وعمره 13 عاما. في 15 يونيو/حزيران 2019، على الأرجح نتيجة لضغوط دولية، قالت السلطات السعودية لـ "رويترز" إن قريريص حوكم بالسجن لمدة 12 عاما وقد يُفرج عنه بحلول 2022.

لا يزال نظام ولاية الرجل التمييزي في السعودية قائما رغم تعهدات الحكومة بإلغائه. بموجب هذا النظام، على النساء البالغات الحصول على إذن من ولي أمر ذكر - عادة الزوج، أو الأب، أو الأخ، أو الابن - للسفر إلى الخارج، أو الحصول على جواز سفر، أو الزواج، أو الخروج من السجن. قد يُطلب من النساء تقديم موافقة ولي الأمر على العمل أو تلقي الرعاية الصحية.

أشارت المقررة الخاصة في تقرير اليوم إلى أنه، لتجنب التكرار، ينبغي للسعودية إطلاق سراح جميع المسجونين بسبب التعبير السلمي عن آرائهم ومعتقداتهم؛ والتحقيق باستقلالية في جميع مزاعم التعذيب والاستخدام القاتل للقوة في أماكن الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية؛ والتحقيق في جميع مزاعم الاختفاء القسري والإعلان عن أماكن الأشخاص المختفين.

في مارس/آذار، أيّدت 36 دولة في مجلس حقوق الإنسان بيانا مشتركا تلته أيسلندا يدعو السعودية إلى تحسين سجلها الحقوقي. أدان البيان مقتل خاشقجي، وحث على إنهاء استخدام السعودية لقوانين مكافحة الإرهاب لاستهداف المعارضين والنشطاء الحقوقيين، ودعا إلى إطلاق سراح الناشطات الحقوقيات السعوديات. بصفتها عضوا في مجلس حقوق الإنسان، يجب أن تخضع السعودية لتدقيق متزايد لضمان امتثالها لالتزامات العضوية.

قال فيشر: "يتعين على الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان التحرك لإنهاء مناخ الإفلات من العقاب حول القمع المتصاعد في السعودية. نظرا إلى مستوى الانتهاكات في الداخل والخارج، والتي ترقى إلى جرائم، ينبغي أن تواجه القيادة السعودية عقوبات إلى أن تُنهي الانتهاكات. سيكون وجود آلية مراقبة أممية شاملة خطوة كبيرة نحو المساءلة والعدالة".