اعتقلت السلطات السعودية سلمان العودة وأكثر من 12 آخرين، في ما يبدو أنه قمع منسق للمعارضة.  

 

© 2009 مروان المريسي (ويكيميديا كومنز)

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن النيابة العامة السعودية تسعى إلى فرض عقوبة الإعدام على رجل دين بارز بمجموعة من الاتهامات الغامضة المتعلقة بتصريحاته وارتباطاته ومواقفه السياسية.

مَثَل سلمان العودة (61 عاما) أمام "المحكمة الجزائية المتخصصة"، محكمة الإرهاب السعودية، في 3 سبتمبر/أيلول 2018. قال أحد أفراد الأسرة لـ هيومن رايتس ووتش إن السلطات السعودية سمحت له بالاتصال بمحام في الجلسة للمرة الأولى منذ اعتقاله قبل عام. في جلسة الاستماع، أصدر الادعاء 37 تهمة وأعلن أنه سيسعى إلى عقوبة الإعدام. ترتبط الغالبية العظمى من هذه الاتهامات بعلاقاته المزعومة مع "الإخوان المسلمون" والحكومة القطرية، ودعمه العلني للمعارضين المسجونين. لا تشير أي منها إلى أعمال عنف أو تحريض على أعمال عنف محددة.

قالت سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "بينما تتعثر الخطط الاقتصادية الطموحة في السعودية، مثل الاكتتاب العام في شركة "أرامكو"، تهدد النيابة العامة التابعة لولي العهد رجال الدين ونشطاء حقوق المرأة بالإعدام. ما لم يكن لدى السعودية دليل على أن العودة قد ارتكب جريمة حقيقية، على السلطات إطلاق سراحه على الفور".

كان العودة من بين العشرات الذين اعتُقلوا في منتصف سبتمبر/أيلول 2017 من قبل جهاز "رئاسة أمن الدولة"، الذي أنشئ قبل أشهر فقط من تعيين محمد بن سلمان وليا للعهد. ما زال العودة رهن الاعتقال، وقضى وقتا في الحبس الانفرادي، دون وجود محام أو القدرة على الاتصال بأفراد الأسرة. كما اعتقلت السلطات شقيقه ومنعت 17 من أفراد عائلته من السفر للخارج. تزامنت اتهامات العودة مع بدء محاكمات بحق عدد من الأشخاص لارتباطهم المزعوم بالإخوان المسلمين.

كان العودة عضوا بارزا في "حركة الصحوة" في أوائل التسعينات، التي انتقدت قرار السعودية بالسماح للجيش الأمريكي بدخول البلاد لحمايته من غزو عراقي محتمل. منذ عام 2011، دعا العودة إلى المزيد من الديمقراطية والتسامح الاجتماعي. في يناير/كانون الثاني، وصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان العودة بأنه "شخصية دينية مؤثرة يحث على احترام أكبر لحقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية"، ودعا للإفراج عنه.

في 5 سبتمبر/أيلول، نشرت وسائل الإعلام السعودية المحلية التهم الخمس الأولى، وراجعت هيومن رايتس ووتش التهم الأخرى من نسخة من لائحة الاتهام التي حصلت عليها. تتعلق التهم الأولية في بشكل خاص بعلاقاته المزعومة بالإخوان المسلمين والمنظمات الأخرى التي يفترض أنها مرتبطة بها. صنفت السعودية الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية في مارس/آذار 2014. لكن لم يتم تصنيف "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، وهي إحدى المنظمات المذكورة في لائحة الاتهام، كمنظمة إرهابية حتى 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، أي بعد مرور أكثر من شهرين على اعتقال العودة.

التهمة الأولى الموجهة إلى العودة هي: "الإفساد في الأرض بالسعي المتحرر لزعزعة بناء الوطن وإحياء الفتنة العمياء، وتأليب المجتمع على الحكام وإثارة القلاقل، والارتباط بشخصيات وتنظيمات واللقاءات والمؤتمرات داخل وخارج المملكة، لتحقيق أجندة تنظيم الإخوان الإرهابي ضد الوطن وحكامه".

تتعلق تهم متعددة بتضامنه العلني مع المعارضين المسجونين، المعارضين لعزل قطر الذي تقوده السعودية السعودية في منتصف عام 2017، وعلاقات مزعومة مع الحكومة القطرية. من بين التهم الأخرى وجود "علاقة مشبوهة" مع حكومة القذافي السابقة في ليبيا، المعارضة العلنية لاستضافة السعودية للرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، "التهكم والسخرية من الإنجازات الحكومية"، و"القدح في الوطنية والولاء للحكومة...".

تزعم مجموعة أخرى من الاتهامات أن العودة انتهك تعليمات تمويل الإرهاب بالدعوة إلى التبرع لـ "الثورة السورية" وجماعات المتمردين "دون الرجوع للجهات الرسمية"، دون ذكر حوادث أو جماعات محددة. قال قريب العودة إن الأخير لم يقم سوى بدعوة الناس إلى التبرع للجمعيات الخيرية العاملة في سوريا.

احتجزت السلطات السعودية العودة في 7 سبتمبر/أيلول 2017. في 12 سبتمبر/أيلول 2017، أعلنت رئاسة أمن الدولة أنها تتخذ إجراءات ضد أشخاص يعملون لصالح أطراف أجنبية ضد أمن المملكة ومصالحها. احتجزت السلطات خالد، شقيق العودة، في أواخر ذلك الشهر بعد أن غرّد عن اعتقال أخيه، بحسب وسائل الإعلام. لا يزال رهن الاحتجاز.

قال قريب العودة لـ هيومن رايتس ووتش في وقت اعتقال العودة إنه يعتقد أن الأمر يتعلق بعدم تلبية الأخير أمر من السلطات السعودية بنشر نص معين لدعم العزلة التي تقودها السعودية لدولة قطر. بدلا من ذلك، نشر تغريدة في 9 سبتمبر/أيلول، قبل إلقاء القبض عليه مباشرة، جاء في جزء منها، "اللهم ألف بين قلوبهم لما فيه خير شعوبهم"، في دعوة واضحة إلى المصالحة بين دول الخليج.

كان العودة من بين عشرات المعارضين والكتاب ورجال الدين المعتقلين في سبتمبر/أيلول 2017. وزع نشطاء قوائم تضم أكثر من 60 محتجزا، رغم أن السلطات السعودية لم تفصح عن معلومات حول قضاياهم.

من بين المعتقلين البارزين الآخرين في المجموعة عصام الزامل، خبير اقتصادي؛ مصطفى الحسن، أكاديمي؛ عبدالله المالكي، كاتب؛ وعشرات رجال الدين الآخرين، منهم عوض القرني وإبراهيم الناصر وإبراهيم الفارس. سجنت السلطات أيضا عبد العزيز الشبيلي وعيسى الحامد، وهما ناشطان حقوقيان، في نفس الوقت تقريبا. رُفضت طلبات الاستئناف لكليهما بعد إدانتهما لعملهما الحقوقي عقب محاكمات جائرة.

تأتي محاكمة العودة بعد حملة القمع الأخيرة على نشطاء حقوق المرأة في السعودية، والتي أدت إلى اعتقال 13 امرأة على الأقل بذريعة الحفاظ على الأمن الوطني.

لا تتعدى التهم الموجهة إلى العودة الحد الأدنى من الجرائم التي يمكن تبرير عقوبة الإعدام لمرتكبيها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، حتى في الدول التي لا تزال تطبق عقوبة الإعدام. تتطلب المعايير الدولية، ومنها "الميثاق العربي لحقوق الإنسان" الذي صادقت عليه السعودية، من الدول التي تحتفظ بعقوبة الإعدام استخدامها فقط في "الجنايات بالغة الخطورة" وفي ظروف استثنائية. عام 2012، ذكر المقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفا أنه في حالة اللجوء إليها، يجب أن تقتصر عقوبة الإعدام على الحالات التي يُقتل فيها شخص عمدا.

تعارض هيومن رايتس ووتش عقوبة الإعدام في جميع البلدان وفي أي ظرف. عقوبة الإعدام فريدة من نوعها في قسوتها وكونها لا رجعة عنها، وهي حتمية ويشوبها عالميا التعسف والتحيز والخطأ.

قالت ويتسن: "على حلفاء السعودية الغربيين الكف عن التظاهر بأن لديها أجندة إصلاحية بينما يهدد النظام القضائي السعودي بإعدام منتقدي الحكومة السلميين".