صورة أرشيفية لقوات أمن مصرية تقف خارج محكمة لحراستها في القاهرة، مصر، 3 يناير/كانون الثاني 2018.

© 2018 رويترز

(بيروت) - قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن السلطات المصرية تكثف استخدامها لقوانين مكافحة الإرهاب وقانون ومحاكم الطوارئ لمقاضاة الصحفيين والنشطاء والنقاد بصورة غير عادلة بسبب انتقاداتهم السلمية.

تحدث هذه الممارسات المسيئة التي تشوه إجراءات مكافحة الإرهاب في نفس الوقت الذي ترأست فيه مصر إحدى لجان الأمم المتحدة الرئيسية لضمان الامتثال لقرارات مكافحة الإرهاب، وبينما كان أكبر مسؤول في الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب يزور مصر.

قال نديم حوري، مدير برنامج الإرهاب ومكافحة الإرهاب في هيومن رايتس ووتش: "في حين تواجه مصر تهديدات أمنية، استغلت حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي هذه التهديدات كغطاء لمحاكمة المنتقدين السلميين وإحياء محاكم أمن الدولة المشينة من عهد مبارك. تجمع مصر بين قانون سيئ ومحاكم غير عادلة، وكانت النتيجة كارثية بطبيعة الحال، في حين يغض حلفاء السيسي في الغرب النظر".

في الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية في مارس/آذار 2018، شنت الشرطة المصرية وقطاع الأمن الوطني موجة من الاعتقالات لمنتقدي السيسي. استمرت حملة القمع بعد الانتخابات عبر احتجاز ناشطين وصحفيين بارزين ومحاكمتهم بموجب قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2015. يجرم القانون مجموعة واسعة من الأفعال، بما في ذلك نشر أو ترويج أخبار تتعلق بالإرهاب إذا كانت تتناقض مع التصريحات الرسمية.

أُحيلت بعض القضايا إلى محاكم أمن الدولة طوارئ — نظام قضائي موازٍ يعمل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2017، بموجب حالة الطوارئ التي تدعي الحكومة أنها تُستخدم فقط ضد الإرهابيين ومهربي المخدرات. لا تضمن هذه المحاكم محاكمة عادلة، ولا تخضع قراراتها للاستئناف.

وثقت هيومن رايتس ووتش احتجاز العشرات من الناشطين والصحفيين الذين أُحيلوا إلى المحاكمة بتهم تتعلق بالإرهاب (انظر الملحقمنذ 2015 عندما صدر قانون مكافحة الإرهاب الجديد. في كل حالة، تستند التهم، على ما يبدو، إلى نقد سلمي أو معارضة للسلطات. ينتمي بعض الذين حوكموا إلى أحزاب وحركات معارضة مثل "حزب مصر القوية" و"حركة شباب 6 أبريل"، في حين أن آخرين هم صحفيون وناشطون في مجال حقوق الإنسان.

من بين المعتقلين مؤخرا مدون ومدافع معروف عن حقوق الإنسان، وائل عباس. اعتقلته قوات الأمن في 23 مايو/أيار 2018، واحتجزته لمدة 36 ساعة تقريبا في مكان مجهول قبل أن تعرضه على النيابة. من بين المعتقلين الآخرين في الآونة الأخيرة أمل فتحي، ناشطة سياسية وزوجة رئيس "المفوضية المصرية للحقوق والحريات"، وهي منظمة لحقوق الإنسان، وشادي أبو زيد، كوميدي معروف بفيديو لاقى انتشارا واسعا في 2016، حيث قام بنفخ واقيات ذكرية وسلمها لقوات الأمن التي تحرس ميدان التحرير في ذكرى ثورة 2011.

أحالت السلطات هؤلاء الأشخاص إلى "نيابة أمن الدولة العليا"، فرع النيابة العامة الذي يشرف عادة على قضايا الإرهاب. كثيرا ما يُمنع المحامون من مرافقة موكليهم للاستجواب. اتهم وكلاء النيابة العديد من النشطاء، بموجب قانون مكافحة الإرهاب، بـ "مساعدة جماعة إرهابية في تحقيق أهدافها" أو "نشر أخبار كاذبة" أو الانضمام إلى "جماعة محظورة" وأحالوهم إلى محاكم أمن الدولة طوارئ.

اتهم وكلاء النيابة عباس على أساس ادعاءات بأنه ينتمي "للجناح الإعلامي لجماعة الإخوان المسلمين"، المجموعة السياسية التي ينتمي إليها الرئيس المنتخب السابق محمد مرسي. اتُهم العديد من الصحفيين والنشطاء في هذه القضية، القضية 441 لسنة 2018، خلال الأسابيع الماضية، بما في ذلك بعض الذين ينتقدون جماعة الإخوان المسلمين فعليا.

تسعى حكومة السيسي، بمساعدة وسائل الإعلام الرئيسية، التي تقول منظمة "مراسلون بلا حدود" إنها تحت سيطرة متزايدة من قبل أجهزة الاستخبارات، إلى تصوير مؤامرة واسعة ضد أمن مصر تشمل ناشطي حقوق الإنسان والحقوق العمالية، أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، صحفيين، ومحامين حقوقيين. في مارس/آذار 2018، نشرت وزارة الداخلية شريط فيديو، أسمته "خيوط العنكبوت"، يصور جماعات متنوعة من بينها "الدولة الإسلامية" (المعروفة أيضا باسم داعش) وجماعة الإخوان المسلمين، وجماعات حقوق الإنسان، بما في ذلك هيومن رايتس ووتش، كجزء من مؤامرة ضد أمن مصر.

منذ عام 2013، صنفت مصر مجموعة واسعة من المجموعات كـ "منظمات إإرهابية"، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين؛ حركة شباب 6 أبريل الناشطة التي لعبت دورا رئيسيا في الاحتجاجات ضد مبارك عام 2011؛ والألتراس، روابط مشجعي كرة القدم المتفانين. أصدرت "محكمة القاهرة للأمور المستعجلة"، محكمة غير متخصصة، معظم هذه القرارات.

يضيف الاعتماد على محاكم الطوارئ أداة إلى ترسانة قانونية أوسع تستخدمها قوات الأمن باسم مكافحة الإرهاب، بما في ذلك محاكم الإرهاب والإجراءات القانونية المستعجلة.

في مارس/آذار 2018، زار مصر رئيس "مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب"، وكيل الأمين العام الجديد، فلاديمير فورونكوف. تأسس مكتب فورونكوف في يونيو/حزيران 2017 لتوفير القيادة في تنفيذ مهام الجمعية العامة لمكافحة الإرهاب. تشمل هذه المهام التي تندرج ضمن 4 "ركائز" لإستراتيجية مكافحة الإرهاب "ضمان حقوق الإنسان وسيادة القانون". في حين لم تُكشف طبيعة المناقشات، لم يُوجّه أي انتقاد علني لإساءة مصر لإحدى الركائز الأساسية للأمم المتحدة لمحاربة الارهاب.

من يناير/كانون الثاني 2016 إلى يناير/ كانون الثاني 2018، بينما كانت مصر تستخدم محاكم مكافحة الإرهاب لإسكات المعارضة، كانت البلاد أيضا ترأس لجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن. تضم هذه الهيئة الفرعية جميع أعضاء المجلس الـ15 الذين يراقبون تنفيذ الدول الأعضاء لقرارات ومقررات مجلس الأمن المختلفة حول مكافحة الإرهاب. يشدد قرار مجلس الأمن 1624 لعام 2005، الذي يتناول التحريض على ارتكاب أعمال إرهابية، على وجوب حرص البلدان على امتثال جميع التدابير التي تتخذها لتنفيذ القرار لكامل التزاماتها بموجب القانون الدولي، ولا سيما القانون الدولي لحقوق الإنسان.

أضاف حوري: "تفخر مصر بتقديم نفسها كعنصر فاعل رئيسي في الحرب ضد الإرهاب، لكن سجلها المحلي يظهر أنها تحارب المنتقدين المسالمين تحت غطاء مكافحة الإرهاب. لكن أكثر ما يثير القلق هو أن الجهات الفاعلة الدولية المسؤولة عن ضمان استراتيجية مكافحة إرهاب فعالة ومتوافقة مع حقوق الإنسان التزمت الصمت التام بشأن هذه الحملة".

لمزيد من المعلومات حول استخدام محاكم الطوارئ وقوانين مكافحة الإرهاب، يُرجى متابعة القراءة أدناه.

محاكم أمن الدولة طوارئ محاكم استثنائية مرتكزة على قانون الطوارئ المصري رقم 162 لسنة 1958. أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد في أبريل/نيسان 2017، وجُددت باستمرار، ودخلت حيز التنفيذ منذ ذلك الحين. أصدر رئيس الوزراء السابق شريف إسماعيل مرسوما في أكتوبر/تشرين الأول 2017 يضع العديد من الجرائم، بما فيها تلك المتعلقة بالاحتجاج السلمي والتجمع والإرهاب وإضرابات العمال، في إطار اختصاص محاكم أمن الدولة طوارئ.

لم تنشر السلطات المصرية أي معلومات عن عدد الأشخاص الذين أُحيلوا إلى هذه المحاكم منذ ذلك الوقت، لكنها استُخدمت ضد أعداد كبيرة من النشطاء السلميين، بما في ذلك نشطاء حقوق السكان الأصليين. في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، أحالت السلطات 32 ناشطا في مجال حقوق السكان الأصليين في النوبة إلى هذه المحاكم لمشاركتهم في تظاهرة غير مرخصة. كان النشطاء يحتجون على سياسات الأرض التي تحرم السكان النوبيين، أقلية عرقية في جنوب مصر، من العودة إلى أراضيهم الأصلية، التي هُجروا منها في الستينيات.

ينتهك لجوء الحكومة إلى هذه المحاكم العديد من المعايير الدولية، بما في ذلك المادة 14 من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، التي تضمن لكل متهم الحق في المحاكمة أمام محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة، فضلا عن الحق في الاستئناف والحصول على مراجعة قضائية للأحكام. لدى الرئيس سلطات واسعة على هذه المحاكم، حيث يستطيع هو أو رئيس الوزراء، بصفته مندوب عنه، تعيين القضاة وتحديد الجرائم التي يجب إحالتها إلى تلك المحاكم.

لا توجد إجراءات استئناف لقرارات المحاكم، وتُعتبر نهائية عندما يصادق الرئيس عليها، ما يدعو للقلق على وجه الخصوص لأن قانون مكافحة الإرهاب في مصر يعاقب العديد من الجرائم بالإعدام. بموجب المعايير الدولية، على إجراءات قضايا عقوبة الإعدام أن تتطابق مع أعلى معايير استقلال القضاء وكفاءته ونزاهته ويجب أن تلتزم بصرامة بجميع حقوق المحاكمة العادلة. تعارض هيومن رايتس ووتش عقوبة الإعدام في جميع الحالات.

أشار مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بـ "تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب"، عقب زيارته لمصر في عام 2009، إلى أن المثول أمام محاكم الطوارئ هذه يثير "المخاوف في صدد إرساء العدل بطريقة مستقلة وغير منحازة، ولا تمتثـل هـذه المحاكمات كذلك للحق في مراجعة الإدانة والحكم أمام محكمة أعلى". أدرجت المقررة الخاصة مصر ضمن لائحة 26 دولة ترغب في زيارتها خلال فترة ولايتها، لكن مصر لم تردّ على طلبها، وفقا لأحدث تقرير لها في سبتمبر/أيلول 2017.

اكتسبت محاكم الطوارئ سمعتها الشائنة خلال إدارة الرئيس السابق حسني مبارك، حيث استخدم تلك المحاكم على نطاق واسع في مقاضاة الطلاب والمدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء السياسيين وأعضاء النقابات وأولئك الذين يُشتبه في معارضتهم للحكومة أثناء الفترة الطويلة التي قضتها مصر في ظل حالة الطوارئ.

على الرغم من أن المادة 97 من دستور 2014 تنص على أن "لا يحُاكم شخص إلا أمام قاضيه الطبيعي" وأن "المحاكم الاستثنائية محظورة"، فقد استأنفت محاكم الطوارئ عملها. وفي أغسطس/آب 2017 وأبريل/نيسان 2018، رفع عدد من المحامين دعاوى تتحدى دستورية محاكم الطوارئ أمام "المحكمة الدستورية العليا". مع ذلك، لم تتخذ المحكمة قرارا بعد.

قبل أن تعيد الحكومة إنشاء محاكم الطوارئ في أكتوبر/تشرين الأول 2017، وثقت هيومن رايتس ووتش إحالة السلطات النشطاء السلميين، الذين غالبا ما يُعتقلون خلال التظاهرات السلمية، إلى المحاكمة أمام "محاكم الإرهاب" وهي دوائر متخصصة في محاكم الجنايات أنشأتها الحكومة في ديسمبر/كانون الأول 2013 للإشراف على قضايا الارهاب.

على خلاف محاكم الطوارئ، فإن محاكم الإرهاب جزء من نظام العدالة الجنائية، بالتالي فهي ملتزمة بالإجراءات المبينة في "قانون الإجراءات الجنائية" للبلد.

أنشأت السلطات هذه المحاكم وأسندت إليها بعض القضاة بعد وقت قصير من الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في يوليو/تموز 2013. اعتُبر تعيين قضاة محددين في ذلك الوقت محاولة للالتفاف على انحساب عدد من القضاة من العمل – لاستشعار الحرج - في قضايا معينة يعتبرونها ذات دوافع سياسية. ثم استُخدمت محاكم الإرهاب لمقاضاة الآلاف من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وأنصار مرسي في المحاكمات الجماعية التي غالبا ما انتهكت الإجراءات القانونية، وغالبا ما انتهت بإصدار أحكام الإعدام.

كما استخدمت السلطات هذه المحاكم لمقاضاة النشطاء الذين يحتجون على أعمال الحكومة الأخرى. على سبيل المثال، وثقت هيومن رايتس ووتش أن "محاكم الإرهاب" قاضت وأدانت عشرات المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشوارع في عامي 2016 و2017 لمعارضة قرار السيسي بالتخلي عن جزيرتين على البحر الأحمر لصالح المملكة العربية السعودية.

في الماضي، ألغت محكمة النقض، أعلى محكمة استئناف في مصر، التي تنظر في قرارات المحاكم الجنائية، العديد من أحكام الإرهاب وكثيرا ما أمرت بإعادة المحاكمة. انتقد العديد من المسؤولين المصريين، بما في ذلك السيسي، ما اعتبروه عمليات قضائية "بطيئة" وأعربوا عن رغبتهم في "عدالة ناجزة".

في أبريل/نيسان 2017، أصدر البرلمان عدة تعديلات للإسراع بالإجراءات الجنائية في قضايا الإرهاب ولتقليص فرص الاستئناف أمام محكمة النقض. كما أصدر السيسي قوانين تمنحه تحكما أكبر بتعيين رئيس محكمة النقض و"المحكمة الإدارية العليا".

يزيد الاعتماد على محاكم الطوارئ من تهميش القضاء العادي، ولا سيما محكمة النقض.

بالتوازي مع محاكم الطوارئ، تحتفظ مصر بترسانة قانونية ضخمة باسم مكافحة الإرهاب. أصدر السيسي القانون رقم 8 لسنة 2015 لتنظيم قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين، ما سمح للنائب العام بالطلب من محاكم جنائية معينة في القاهرة إضافة أفراد أو مجموعات إلى "قوائم الإرهاب". أمام المحكمة 7 أيام للنظر في الطلب. أُدرج الآلاف من الأفراد والمجموعات من دون أي جلسات استماع أو إجراءات قانونية حقيقية.

بالإضافة إلى ذلك، أصدر السيسي مرسوما في أكتوبر/تشرين الأول 2014 يوسع فيه اختصاص المحاكم العسكرية. منذ ذلك الوقت، أُحيل حوالي 15 ألف مدني، بما فيهم مئات الأطفال، إلى المدعين العسكريين.