(بيروت) –7420 مدنيا مصريا على الأقل قد حوكموا في محاكم عسكرية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2014، حين أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قانونا مؤثرا وسّع اختصاص المحاكم العسكرية.

قائمة المدنيين المُحاكمين أمام محاكم عسكرية – التي وفرتها "التنسيقية المصرية للحقوق والحريات" (التنسيقية المصرية)، وهي منظمة قانونية وحقوقية مستقلة – توثق للمرة الأولى لأي مدى استعانت إدارة السيسي بنظام القضاء العسكري لتسريع قمع الخصوم السياسيين.

حُكم على معظم المدعى عليهم بعد محاكمات جماعية خرقت حقوقا أساسية في إجراءات التقاضي السليمة، كما اعتمدت بعض المحاكم على اعترافات انتُزعت تحت التعذيب، حسب قول أقاربهم.

صور لمدنيين حُوكموا في محاكم عسكرية. 

© خاص

قال نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "على ما يبدو لم يكتف السيسي بعشرات الآلاف ممن اعتُقلوا وحوكموا بالفعل في محاكمات عاجلة تتجاهل سلامة الإجراءات القانونية باسم الأمن القومي، فأطلق العنان بالكامل للملاحقات القضائية العسكرية. أعاد السيسي للقضاء العسكري الدور القوي الذي تمتع به في الشهور التي تلت الانتفاضة المصرية، حين كانت مصر تخضع لحُكم مجلس الجنرالات".

القائمة التي اطلعت عليها هيومن رايتس ووتش توثق 324 حالة، وتحدد المدعى عليهم بالاسم والجنس والمحافظة ورقم القضية، وفي حالات عدة، المهنة والسن. شملت القضية الأكبر 327 مدعى عليهم.

لم تصف القائمة الاتهامات في كل القضايا. لكن هيومن رايتس ووتش دقّقت في نحو 50 تقريرا إعلاميا مصريا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2014، تصف إحالة الآلاف إلى محاكمات عسكرية. تبيّن من البحث أن عددا كبيرا من المتهمين أحيلوا إلى محاكم عسكرية، لأن الأحكام الفضفاضة في قانون السيسي تضع فعليا جميع الممتلكات العامة تحت سلطة القضاء العسكري، وليس لأنهم ارتكبوا جرائم تمس القوات المسلحة.

أشارت التقارير الإعلامية إلى أن عددا كبيرا من المتهمين اتُهموا بالمشاركة في مظاهرات غير قانونية أو عنيفة، وكذلك الانتماء إلى "الإخوان المسلمون" أو دعمهم. منذ يوليو/تموز 2013، حين عزل الجيش محمد مرسي، وهو أول رئيس منتخب بحُريّة وعضو الإخوان، أصدر قضاة مصريون أحكاما على آلاف من أعضاء الجماعة.   

شملت هذه المحاكمات العسكرية 86 طفلا على الأقل، بالإضافة إلى طلاب، أساتذة جامعيين ونشطاء، منهم من جرى إخفاءهم قسرا وزُعم بتعذيبهم. أنزلت المحاكم العسكرية 21 حُكما بالإعدام منذ أكتوبر/تشرين الأول 2014، رغم أن محاميا في التنسيقية المصرية قال إنه لم تتم الموافقة بعد على أي منها من قبل المحكمة العليا للطعون العسكرية.

في مايو/أيار 2015، شُنق 6 رجال بموجب أحكام أصدرتها محكمة عسكرية في أغسطس/آب 2014، رغم أدلة تشير إلى وجود بعضهم رهن الاحتجاز وقت وقوع جرائمهم المزعومة. 

قابلت هيومن رايتس ووتش أقارب 7 أشخاص، بينهم 4 رجال حُكموا بالإعدام وطفل، حوكموا جميعا في محاكم عسكرية على مدار العام الماضي. قال 6 لعائلاتهم إن أعوانا بجهاز الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية عذبوهم أو ضربوهم لانتزاع اعترافات، بما في ذلك تعذيب 4 أفراد بالصعق الكهربائي. قال 5 إنهم اختفوا قسرا على يد السلطات لأسابيع أو شهور. في جميع الحالات ما عدا واحدة، كانت الاعترافات جزءا كبيرا من حيثيات الإدانة، بحسب أقاربهم وملفات القضايا.

في إحدى القضايا، إبان محاكمة جماعية لـ 27 مدعى عليهم، حكمت محكمة عسكرية على سيف الإسلام أسامة – وكان عمره 15 عاما وقت اعتقاله – بالسجن 3 سنوات في منشأة للأحداث بزعم مشاركته في مظاهرة غير قانونية. أدين أسامة رغم دفوع المحامي بأنه صغير على مواجهة محاكمة عسكرية وأنه فعليا لم يشارك في المظاهرة.

سيف الإسلام أسامة 

© خاص

في قضية أخرى، اعتُقل طالب بالثانوية في الشارع، أمام مدرسته. قال الطالب لأمه إن عناصر الأمن الوطني جردوه من ثيابه ومشوا فوقه جسده وأطفأوا السجائر في جلده وصعقوه بالكهرباء في مناطق مختلفة من جسده، منها أعضاؤه التناسلية، ليعترف بالانتماء إلى "خلية إرهابية" تزرع المتفجرات وتشعل النار في محطات الكهرباء. حكمت عليه محكمة عسكرية بالسجن 3 سنوات.

أحيل آلاف المدنيين بأثر رجعي إلى محاكمات عسكرية على جرائم يُزعم ارتكابها قبل أن يفرض السيسي القانون.

المئات، وربما الآلاف من المدنيين أمام القضاء العسكري، يواجهون اتهامات تعود إلى أحداث العنف التي اندلعت أواسط 2013 بعد أن عزل الجيش مرسي.

حددت القائمة 1468 مدعى عليهم من محافظة المنيا – أكبر عدد من محافظة واحدة – حيث هاجمت جماعات عنيفة الكنائس وبيوت المسيحيين واستهدفت مصالحهم التجارية، بعد عزل مرسي وما تلى ذلك من وقائع قتل جماعي لمؤيديه على يد قوات الأمن في أغسطس/آب 2013. التقارير الإعلامية التي راجعتها هيومن رايتس ووتش أكدت إحالة المئات من سكان المنيا بأثر رجعي إلى محاكمات عسكرية جراء المشاركة في أحداث عنف 2013.

هناك محاكمة عسكرية أخرى تشمل صهيب سعد، وهو رجل عمره 22 عاما أوقف في شارع بالقاهرة في 1 يونيو/حزيران 2015، وهو يسير في الطريق مع أصدقائه. أخفت السلطات سعد قسرا لمدة 4 أسابيع. وخلال تلك المدة – على حد زعمه – تعرض للتعذيب. سعد الذي كان يصور المتظاهرين ويبيع مقاطع الفيديو تلك لشبكات إخبارية، اتُهم بالمشاركة في قضية بارزة استهدفت 3 صحفيين من "الجزيرة"، واحتُجز منذ 2 يناير/كانون الثاني 2014 إلى 12 فبراير/شباط 2015، عندما أُفرج عنه على ذمة المحاكمة.

في 10 يوليو/تموز 2015 بعد أسبوعين تقريبا من اختفائه، نشرت وزارة الدفاع مقطع فيديو على يوتيوب تعلن فيه اعتقال سعد وآخرين فيما وصفته بـ "خلية من أخطر الخلايا التنظيمية الإرهابية التابعة للجنة العمليات النوعية المتقدمة... التابعة للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان الإرهابية". أظهر الفيديو سعد وآخرين وهم يعترفون بأدوارهم المزعومة في التنظيم. المحكمة التي نظرت في قضية الجزيرة حكمت على سعد والمدعى عليهم الآخرين بالسجن 3 سنوات في أغسطس/آب 2015. في 3 أبريل/نيسان 2016، أرجأت المحكمة العسكرية التي تنظر في قضية الإرهاب ضد سعد و27 آخرين الحُكم إلى 24 أبريل/نيسان.

هذه المحاكمات الجماعية – سواء في المحاكم المصرية العادية أو العسكرية – خرقت تدابير أساسية في سلامة الإجراءات القانونية، وأخفقت في إثبات ذنب جناة بعينهم. في 2014 أصدر قاضٍ بمحكمة جنايات 220 حكما بالإعدام ضد مدعى عليهم، اتهموا في محاكمات جماعية بالمشاركة في أحداث عنف المنيا عام 2013. في فبراير/شباط 2016، أنزلت محكمة عسكرية بالخطأ حكما بالمؤبد على طفل عمره 3 أعوام، إثر محاكمة جماعية ضد 116 متظاهرا من محافظة الفيوم، وقد أحيلت قضيتهم لمحكمة عسكرية بموجب قانون السيسي.

تدير وزارة الدفاع المحاكم العسكرية المصرية، وقضاتها ضباط يخدمون بالجيش. عادة، لا توفر مداولات المحاكم العسكرية أية حماية أساسية للحق في سلامة الإجراءات أو لا تستوفي معايير استقلالية وحياد المحاكم. قد يخضع الأطفال للمحاكمة العسكرية، وهو ما تعارضه هيومن رايتس ووتش تحت أي ظرف.  

محاكمة المدنيين في المحاكم العسكرية يخرق مواثيق القانون الدولي، ومنها "الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب" لعام 1981، الذي صادقت عليه مصر عام 1984. ذكرت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب أنه يجب ألا يواجه المدنيون محاكمات عسكرية.

لجنة حقوق الطفل، وهي هيئة الأمم المتحدة المكلفة بتفسير "اتفاقية حقوق الطفل"، شددت على أنه "يجب تفادي المداولات الجنائية ضد الأطفال في القضاء العسكري". صدقت مصر على الاتفاقية عام 1990، فكانت من أول الدول التي انضمت إليها.

قال حوري: "إحالة هذا العدد الكبير من المدنيين لمحاكم عسكرية هو محاولة من السلطات المصرية لدمغ قمعها بختم قضائي". أضاف: "لكن هذه المحاكمات العسكرية –تكون عادة بحق مئات المدنيين معا – غير منصفة ولا تتمتع بالمصداقية".

قانون السيسي الخاص بالمحاكم العسكرية

في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2014، بعد 3 أيام من هجوم شنه مسلحون متطرفون في سيناء وأودى بحياة عشرات الجنود، أصدر السيسي، بمرسوم وبغياب البرلمان، "القانون 136 لعام 2014 بشأن تأمين وحماية المنشآت العامة والحيوية".

يضع القانون جميع المنشآت العامة تقريبا تحت سلطة القضاء العسكري لمدة عامين. تشمل هذه المنشآت تحديدا محطات الكهرباء وخطوط الغاز وآبار النفط والسكك الحديد وشبكات الطرق والجسور، ومنشآت مشابهة تملكها الدولة. لاتهام المدنيين بموجب القانون، نسبت إليهم النيابات العسكرية اتهامات مثل قطع الطرق وشبكات السكة الحديد، وإحراق منشآت الكهرباء، ومهاجمة ممتلكات عامة مثل مقسمّات الهاتف.

في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2014، أصدر النائب العام السابق هشام بركات مذكرة للنيابات العامة توجه بمراجعة ملفات القضايا التي قد تدخل تحت نطاق القانون الجديد، وتحضير مذكرات بشأنها وإحالتها للنيابات العسكرية "متى طلبت ذلك".

المادة 204 من الدستور المصري، الذي أُصدر بمقتضى استفتاء شعبي في يناير/كانون الثاني 2014 في ظل الحكومة الانتقالية بعد عزل مرسي، تنص على جملة من الجرائم التي يواجه فيها المدنيون محاكمات عسكرية. حدّت المادة المذكورة تلك الحالات بحيث تقتصر على الاعتداء على عسكريين أو معدات عسكرية، والجرائم التي تمس مصانع أو أموال أو أسرار أو وثائق عسكرية. هذه المادة مشابهة للغاية لتلك الواردة في الدستور السابق، وقد صدر في عهد مرسي، وكانت تسمح بدورها للمحاكم العسكرية بمحاكمة المدنيين رغم احتجاجات من النشطاء وبعض الساسة.

تؤشر موجة الملاحقات القضائية العسكرية للمدنيين منذ أكتوبر/تشرين الأول 2014 بالعودة إلى الممارسة التي استخدمتها السلطات على نطاق واسع بعد الانتفاضة عام 2011. بين 28 يناير/كانون الثاني و29 أغسطس/آب 2011، واجه 11879 مدنيا محاكمات عسكرية، وأدين 8071 مدنيا على الأقل، بحسب تقديرات "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" الذي حكم مصر أثناء أغلب تلك الفترة.

في عهد حسني مبارك، الرئيس الذي حكم لعهد طويل وعُزل في 2011، سمح له قانون الطوارئ بإحالة المدنيين للقضاء العسكري مباشرة. بين 1992 و1998، حاكمت المحاكم العسكرية أكثر من 1000 مدني في محاكمات جماعية، أغلبهم زُعم أنهم أعضاء في "الجهاد" أو "الجماعة الإسلامية"، وهما منظمتان إسلاميتان سُنيتان متطرفتان، شنتا تمردا على الحكومة.

تلك المحاكمات كانت أقل منذ بداية الألفية، وكانت مخصصة في الأغلب للقضايا السياسية شديدة الحساسية، كتلك ضد أعضاء بقيادة الإخوان المسلمين. أثناء عهد مرسي الذي دام عاما، بدءا من يونيو/حزيران 2012، توقفت المحاكمات العسكرية للمدنيين بشكل شبه كامل، وإن ظلت تلك الممارسة قانونية.

وثقت هيومن رايتس ووتش 3 قضايا تُظهر كيف اعتمدت المحاكمات العسكرية في عهد السيسي على شهادات ضباط الأمن الوطني حصرا. اتهم المدعى عليهم بعض هؤلاء الضباط باستخدام التعذيب أثناء اختفائهم القسري لإجبارهم على الاعتراف.

"خلية دمياط الإرهابية"
في أواخر أبريل/نيسان 2015، أوقف أعوان الأمن الوطني رجلين من دمياط، وهي مدينة تقع على ساحل المتوسط. قال أقاربهم لـ هيومن رايتس ووتش إن الأعوان أخفوا الرجلين قسرا؛ احتجزوهما في مركز شرطة دمياط المركزي دون اتصال بالمحامين لـ 15 يوما. خلال تلك الفترة طلب الأهالي معلومات عن مكانهما دون جواب. قال الرجلان لعائلتيهما إن عناصر الأمن الوطني عذبوهما أثناء الاحتجاز لانتزاع اعترافات منهما.

أوقفت الشرطة محمد السيد كرات من بيته حوالي الثالثة صباحا، على حد قول زوجته، وكانت مستيقظة ومعها ابنهما البالغ من العمر 4 شهور حينها. قال كرات لمحاميه إن أثناء الاحتجاز، عصب عناصر الأمن الوطني عينيه وأعين السجناء الآخرين، وقيدوا المعصم الأيمن بالكاحل الأيسر، والأيسر بالأيمن، وصعقوهم بالكهرباء. قال إنهم هددوا بنزع عينيه واعتقال زوجته وابنه. في النهاية، على حد قوله، وافق على الظهور في مقطع فيديو، ليعترف فيه بأنه قائد خلية في عصابة إرهابية.

المُحتجز الآخر، وهو طالب ثانوية كان معروف عنه انتقاد الحكومة، أوقف في الشارع أمام مدرسته وهو في طريقه لاختبار مدرسي، على حد قول أمه. قال لأسرته إن عناصر الأمن الوطني – لإجباره والآخرين في مجموعته على الاعتراف – جردوهم من الثياب ومشوا فوقهم وأطفأوا السجائر في جلدهم وصعقوهم بالكهرباء في مختلف مناطق أجسامهم ومنها الأعضاء التناسلية.

في 5 مايو/أيار، بعد توقيفهما بـ 15 يوما، ظهر كرات والطالب أمام نيابة محلية للاستجواب، وسُمح لهما بمقابلة المحامين. بدا أن كرات والطالب ورجلين آخرين اتهما في القضية قد ضُموا إلى قضية واحدة بشكل عشوائي، ولم تكن بينهم سابق معرفة، على حد قول أم الطالب.

في الشهر نفسه، نشرت وزارة الداخلية على يوتيوب مقطع فيديو باعترافهم، يزعمون فيه أن الشرطة قبضت عليهم ضمن خلية من 12 رجلا في دمياط. قالت الوزارة إن الاعتقالات كانت جزءا من جهود لمكافحة "تنظيم الإخوان الإرهابي" وتعطيل خططه بمهاجمة السلطات وتخريب البنية التحتية.
 

في الفيديو، يزعم الراوي أن السلطات وجدت "عبوات ناسفة معدة للتفجير، وأسلحة آلية وطلقات آلي وخرطوش، ومواد وأدوات تستخدم في تصنيع العبوات الناسفة" في بيوتهم. اتهم الراوي الرجال بالانتماء إلى "لجنة عمليات نوعية" وقال إنهم اعترفوا بوضع متفجرات تحت خطوط الغاز وإلى جوار مركز شرطة في دمياط وفي إدارة المرور.

بعد شهرين أحالت النيابة المسؤولة القضية إلى نظيرتها العسكرية، التي أحالتها بدورها إلى محكمة عسكرية.

اتهمت النيابة العسكرية المدعى عليهم بإحراق سيارة تابعة لمصلحة الضرائب ومحطتي وقود تتبعان شركة شمال دمياط لتوزيع الكهرباء، بقصد إرهاب وترويع المواطنين وتعريض حياتهم وممتلكاتهم للخطر، بحسب أمر النيابة بإحالة قضيتهم للمحكمة. لم يذكر الأمر المزاعم الواردة في مقطع الفيديو، مثل زرع متفجرات.

ورد في أمر الإحالة أن القضية، كما أعدتها النيابة، تعتمد على شهادة 3 ضباط أمن. يعمل 2 منهم في مركز شرطة واحد، قال المدعى عليهم إنهم تعرضوا فيه للتعذيب.

الشاهد الأساسي هو النقيب أحمد إبراهيم كيوان، رئيس مباحث مركز شرطة دمياط المركزي، الذي شهد بأن المدعى عليهم اعترفوا بإحراق السيارة ومحطتيّ كهرباء. أكد شهادة الأخير كل من النقيب فيصل السعودي سرحان – وهو ضابط أمن وطني يعمل في مركز الشرطة أيضا – والمقدم محسن نجيب موافي، وهو مفتش شرطة محلي.

أثناء المحاكمة التي دامت 5 أشهر، سمحت هيئة المحكمة العسكرية لمحامي المدعى عليهم بعرض الدفاع. بدا أن القضاة ينظرون للطالب بتعاطف، على حد قول أمه، وعلق أحدهم قائلا إنه يجب الإفراج عنه.

لأن القضية اعتمدت حصرا على قول أعوان الأمن الوطني، اعتقد الأهالي أن المدعى عليهم سيفرج عنهم. لكن في 20 يناير/كانون الثاني 2016 حكمت المحكمة العسكرية على طالب الثانوية بالسجن 3 سنوات وعلى كرات بالسجن 7 سنوات، وقد نُقلا بعد ذلك إلى سجن جمصة قرب دمياط.

قالت زوجة كرات: "هو مكتئب لأن ابنه لا يعرفه ولا يمكنه الجلوس معه... جعلونا نصل لدرجة أنني أحمد الله أن زوجي حي".

طفل في محكمة عسكرية
ليلة 3 أغسطس/آب 2014، خرج سيف الإسلام أسامة – وكان عمره وقتها 15 عاما – في طريقه إلى دمياط الجديدة برفقة أصدقاء. وهم يسيرون على كورنيش البحر، أوقفتهم الشرطة عند حاجز أمني وضعته في أعقاب مظاهرة بمكان آخر في المدينة، على حد قول والده لـ هيومن رايتس ووتش.

سيف الإسلام أسامة 

© خاص

ركض أصحابه ولكنه لازم مكانه. هاجمه رجال في ثياب مدنية يعملون مع الشرطة، على حد قول والده، ولكموه في وجهه وبطنه. أدخلوه عربة الشرطة ومضوا به إلى مركز شرطة دمياط المركزي واحتجزوه تلك الليلة. في الليل، على حد قول نزلاء آخرين لوالديه، ضربه العناصر الشرطة وهددوه بالتعذيب بالكهرباء إذا أخبر والديه.

في اليوم التالي أحالت الشرطة أسامة إلى النيابة للاستجواب. في صورة التقطها له محامٍ في النيابة، يظهر جالسا في ردهة، على مقعد، مقيد اليدين إلى محتجز آخر من معصمه الأيسر. في الصورة، يرتدي أسامة "تي شيرت" أحمر من اليوم الماضي، عليه بقع دم جافة. كان ينظر إلى الكاميرا بتعاسة. بعد الاستجواب، أمرت النيابة باحتجازه 15 يوما على ذمة التحقيق.

احتجزت النيابة أسامة احتياطيا لمدة 5 شهور، في حين استمرت السلطات بنقله من مركز شرطة ببلدة صغيرة إلى مركز آخر. في ديسمبر/كانون الأول 2014، بعد شهرين من إصدار السيسي القانون الذي وسّع اختصاص المحاكم العسكرية، أحالت النيابة قضيته إلى نظيرتها العسكرية.

ضمت القضية 27 مدعى عليهم أغلبهم من كفر سعد، وهي بلدة صغيرة قريبة من دمياط. اتُهموا بالتظاهر بصفة غير قانونية وحمل السلاح وقطع الطريق وحيازة منشورات تروج للإخوان المسلمين، ومحاولة تخريب مؤسسات الدولة.

اتهمت النيابة العديد منهم بمخالفة قانون صدر في 2013 يحظر أي تظاهر، استنادا إلى مواد تجرم أي تجمهر يقوم بـ "تعطيل مصالح المواطنين" أو "التأثير على سير العدالة" أو "قطع الطرق" وأعمال أخرى.

بدأت محكمة عسكرية بمعسكر الجلاء في الإسماعيلية، وهي من مدن قناة السويس، النظر في قضية أسامة في يناير/كانون الثاني 2015، بعد أكثر من 4 شهور على احتجازه. في أبريل/نيسان دخل اختبارات نهاية العام في السنة الأولى من المرحلة الثانوية وهو محتجز.

اعتمدت المحكمة العسكرية على شهادة ضابطي شرطة: الملازم أول محمود عبد الغني، وهو محقق مساعد في مركز شرطة دمياط، والرائد محمود جلال، ضابط الأمن الوطني، بحسب نسخة من الحُكم اطلعت عليها هيومن رايتس ووتش.

شهد عبد الغني بأنه في 3 أغسطس/آب 2014 رأى مسيرة من حوالي 70 فردا بمدينة دمياط الجديدة يرفعون لافتات تقول "يسقط الانقلاب" ويرددون شعارات "معادية للجيش والشرطة والقضاء". قطع الحشد الطريق بصفائح القمامة وأشعل النار فيها قبل أن تواجهه قوات الأمن وتعتقل 3 أفراد، بينهم أسامة، على حد قوله. جلال والضابط الآخر شهد بأن المشاركين في المسيرة كانوا يحملون العصي وألعاب نارية وقال إنه تعرف على 22 من المشاركين، بينهم أسامة.

في 4 أغسطس/آب 2015، بعد عام، رأت المحكمة أن أسامة مذنب بمخالفة قانون التظاهر وحكمت عليه بالسجن 3 أعوام في منشأة للأحداث، فوق الحد الأدنى للعقوبة بعام. كما قدرت المحكمة الحد الأدنى للغرامة بخمسين ألف جنيه (5630 دولار).

لم تقبل المحكمة دفوع المحامين بأن محاكم الأحداث هي المختصة بمحاكمة طفل في عمر أسامة. أشار القضاة للمادة 122 من قانون الطفل لعام 1996، والتي تسمح بمحاكمة الأطفال في قضايا الجنايات أو أمام محكمة أمن الدولة العليا إذا كانوا يبلغون من العمر 15 عاما أو أكثر وقت ارتكاب الجريمة المزعومة، بمشاركة شخص بالغ و"إذا اقتضت القضية ذلك" في محاكمة المدعى عليهما معا. يطالب قانون الطفل المحاكم بفحص ظروف الطفل من كافة الجوانب، أثناء إنزال الحُكم ويسمح القانون للمحكمة بالتماس مساعدة خبير.

قال والد أسامة لـ هيومن رايتس ووتش إنه بحسب العادة، من المفترض أن يقدم أخصائي اجتماعي مدني هذه المساعدة في القضايا الجنائية العادية، ويقدر حالة أسامة التعليمية وحالته الذهنية وغيرها من جوانب حياته. لكن المحكمة العسكرية كلفت وكيل نيابة عسكرية بالاضطلاع بهذا الدور.

يبدو أن المحكمة اعتمدت حصرا على شهادة من ضباط الأمن الوطني، ولم تطلب أدلة بخلاف أقوالهم. رفضت المحكمة ادعاء الدفاع بأن الشرطة أوقفت أسامة بعد انتهاء المظاهرة وليس خلالها، قائلة إنه نظرا لاستناد الاتهامات إلى شهادة عبد الغني، فهي موثوقة لأنه رصد الأحداث بنفسه.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، نقلت السلطات أسامة إلى "المؤسسة العقابية لرعاية الأحداث" في المرج على مشارف القاهرة. تواجه الأسرة الآن مشقة السفر 230 كم لزيارته، والخروج من البيت فجرا للوقوف في طابور الزائرين في الثامنة صباحا، وهو وقت بدء الزيارة، الذي تغيره السلطات أحيانا عشوائيا، على حد قولهم.

قالت أمه لـ هيومن رايتس ووتش: "إنه متعب نفسيا. لا يتكلم كثيرا. أعرف من الرسائل... عندما أقرأ الرسائل أجدها مليئة تعاسة. يقول لي: أقف، وأنا أثني ساقيّ، ويجب أن أستأذن من الشخص الأكبر مني لأمددهما. كل شيء هنا فيه عقاب".

حُكم بالإعدام
قبل ظهر 15 أبريل/نيسان 2015 مباشرة، انفجرت عبوة ناسفة داخل حجرة مجاورة لبوابة في استاد كفر الشيخ، وهي مدينة رئيسية في الدلتا. أدى الانفجار إلى حفرة في الجدار الاسمنتي المواجه للبوابة، وقتل 3 طلاب بالكلية العسكرية وأصاب 2 آخرين. كانت البوابة محطة حافلات للطلاب، حيث يتجمعون بانتظار ركوب حافلة تعود بهم إلى الكلية بعد عطلة شم النسيم.

في مطلع يوليو/تموز، أمرت النيابة العامة في القاهرة بالتحقيق في الواقعة، التي تورط فيها 63 مدعى عليهم، وأحيلت القضية إلى النيابة العسكرية في طنطا، وهي عاصمة إقليمية قريبة. فيما بعد أحيلت القضية إلى نيابة الإسكندرية العسكرية.

أحالت نيابة الإسكندرية العسكرية إلى المحاكمة قضية 16 من المدعى عليهم في أكتوبر/تشرين الأول – بينهم رئيس المكتب الإداري للإخوان المسلمين في كفر الشيخ ونائبه وسكرتير مساعد محلي لـ "حزب الحرية والعدالة" الإخواني.

في مارس/آذار 2016 حكمت محكمة عسكرية بالإسكندرية على 7 مدعى عليهم بالإعدام، وكان 4 منهم فقط رهن الاحتجاز. تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى أقاربهم، الذين قالوا إن القضية بحقهم استندت إلى شهادة ملفقة من ضباط الأمن الوطني واعترافات انتزعت تحت التعذيب أثناء الاختفاء القسري لثلاثة من الرجال.

أحد الرجال هو لطفي إبراهيم (23 عاما)، الذي أوقفته الشرطة بعد 4 أيام من وقوع التفجير، الساعة 4 مساءً وهو عائد إلى البيت من المسجد.

لطفي إبراهيم 

© خاص

في اليوم التالي، أرسلت أمه برقيات إلى النيابة العامة في كفر الشيخ ومكتب النائب العام في القاهرة طلبا لمعلومات، لكن لم يصلها رد.

قال والداه إنهما لم يسمعا عنه شيئا لمدة شهرين، على حد قول والديه. أثناء اختفاءه، كما قال لوالديه، نقلته السلطات بين المخابرات العسكرية في كفر الشيخ والأمن الوطني ومركز الشرطة المركزي.

قال إن المحققين في المخابرات العسكرية عذبوه. جردوه من ثيابه ووضعوه على بطنه وصعقوه في مختلف مناطق جسده، بما في ذلك أعضائه التناسلية. هددوه باعتقال أمه وأخته.

وفي حجرة اسموها "الفرن"، كما قال، أجبروه على اتخاذ عدة أوضاع مجهدة. علقوه بالسقف من ساقيه بجلسات قدر مدتها بست ساعات. كما ربطوا يديه وراء ظهره وعلقوه منهما على الحافة العليا للباب، وهو وضع أدى إلى ضغط هائل على كتفيه. أحيانا مددوه فوق أرجل الكرسي المقلوبة، مع ربط يديه وكاحليه معا.

قال والده: "القضية كلها مبنية على تعذيب لطفي، بعد أن اختفى قسرا، لاتهام بعض الناس". وأضاف: "إذا فعلوا هذا بي وأنا رجل مسن، واتهموني بتفجير مركز التجارة العالمي، لاعترفت".

بعد توقيف إبراهيم بيوم واحد، في 20 أبريل/نيسان، ذهبت الشرطة إلى مكتب إعلانات أحمد عبد المنعم سلامة. عند مصادفة سلامة (41 عاما) وهو يهبط الدرج مع صديقه، قبضوا على الرجلين وعصبوا عيني سلامة. بعد ذلك أفرجوا عن صديق سلامة، الذي أخبر الأسرة بأن الأخير يتعرض للتعذيب في الاحتجاز.

أحمد عبد المنعم سلامة

© خاص

مثل أم إبراهيم، أرسلت زوجة سلامة برقيات إلى النائب العام في القاهرة وللنيابات في كفر الشيخ وطنطا، لتطلب معلومات عن مكان الأخير. طوال أكثر شهرين، لم يصلها أي رد.

عرفت في 6 مايو/أيار بأن سلامة محتجز في معسكر الأمن المركزي القريب. عندما زارته في المعسكر وأخرجه المجندون، بدا غير قادر على السير وحده وكان أنفه مكسورا، كما قالت لـ هيومن رايتس ووتش.

قال لزوجته: "كدت أموت عدة مرات". بعد دقيقة، كما قالت، أخذه المجندون مرة أخرى.

أوقفت الشرطة أحمد عبد الهادي محمد (29 عاما)، الذي كان يعمل في أنظمة التبريد في مصنع للمثلجات، قبل يوم من التفجير، في 14 أبريل/نيسان 2015. تلقى عبد الهادي مكالمة لإصلاح إحدى مبردات المصنع حوالي منتصف النهار، على حد قول أمه لـ هيومن رايتس ووتش. أضافت أن في المساء، قبل عودته إلى البيت، أوقفته الشرطة مع شقيقه.

أحمد عبد الهادي محمد 

© خاص

أُفرج عن شقيقه لاحقا، لكن لم تتمكن أمه من الوصول لعبد الهادي. مثل الأهالي الآخرين، بحثت عنه في مراكز الاحتجاز المحلية وأقسام الشرطة. في كل مرة كان العناصر يقولون لها أن تبحث في مكان آخر.

بعد حوالي 15 يوما من اعتقال عبد الهادي، تمكنت أمه من زيارته في مركز شرطة كفر الشيخ المركزي. كان يعرج، وبدا ناحلا و"مصفرا" ولم يتكلم عن ظروف احتجازه، على حد قولها.

أخبرها لاحقا أن أعوان الأمن الوطني كانوا يذهبون إليه كل صباح في الساعة الثانية، لضربه والمعتقلين الآخرين وصعقهم بالكهرباء لإجبارهم على الاعتراف. كما قال إنهم أمروه بتحديد المتهمين الآخرين في قضية التفجير، رغم احتجاجه بالقول إنه لا يعرفهم.

قال عبد الهادي لأمه إنه أضرب عن الطعام لفترة احتجاجا على التعذيب، وإن رئيس التحقيقات في مركز شرطة كفر الشيخ هدده بالانتقام. يرى عبد الهادي أن إضرابه هو سبب قرار محققي الأمن الوطني بوضعه على قائمة المتهمين بقضية التفجير، على حد قول أمه.

بعد التفجير بفترة وجيزة، بحثت قوات الأمن عن سامح عبدالله يوسف، وهو من سكان كفر الشيخ وعمره 32 عاما، وكان يعمل بمدينة 6 أكتوبر في ضواحي القاهرة. حاول يوسف مغادرة مصر في 28 أغسطس/آب 2015 لكن أوقفته شرطة الجوازات بمطار القاهرة الدولي، وأُرسل إلى الإسكندرية بعد 24 ساعة.

سامح عبدالله يوسف

© خاص

أثناء المحاكمة العسكرية، استدعى كل من المدعى عليهم شهودا يثبتون تغيبهم عن مسرح الجريمة وقت وقوعها، وشهدوا بأن المتهمين كانوا في أماكن أخرى وقت التفجير، على حد قول الأهالي لـ هيومن رايتس ووتش. استدعى يوسف شهودا قالوا إنه كان يعمل في 6 أكتوبر وقت الحادث. وشهد شهود عبد الهادي بأنه اعتقل أثناء إصلاحه لمبرد قبل يوم من التفجير. شهد شهود آخرون بأن إبراهيم كان في عمله بشركة إنشاءات على مسافة ميل من الاستاد من الصباح حتى الليل يوم التفجير، على حد قول أحد أقاربه لـ"مدى مصر"، الموقع الإخباري المستقل.

قدمت النيابة وحدتيّ ذاكرة "فلاش"، تحتوي كل منهما على مقطع فيديو باعترافات إبراهيم، يقول فيها إنه فجر القنبلة باستخدام جهاز تحكم عن بُعد من نوع محدد.

قال فريق الدفاع إن إبراهيم عُذب ليدلي باعترافات مزيفة. أشاروا لشهادة من خبير فني رجّح أن التفجير تم تفعيله بهاتف خلوي، وقال إنه لا يمكن أن يحدث باستخدام هذا النوع من أجهزة التحكم عن بُعد. لم تحقق المحكمة في مزاعم التعذيب أو الاختفاء القسري، رغم طلبات المحامين، على حد قول أحدهم لـ هيومن رايتس ووتش.

أنزلت محكمة عسكرية بالإسكندرية حُكما أوليا بالإعدام على المتهمين السبعة في 1 فبراير/شباط 2016. أيدت المحكمة حكم الإعدام في 2 مارس/آذار، بعد مشاورة المفتي، أعلى مرجعية دينية في البلاد؛ رأي المفتي غير ملزم لكنه مطلوب بموجب القانون. أمام الرجال – وأغلبهم الآن في سجن برج العرب في الإسكندرية – فرصة وحيدة للطعن بالحكم، أمام المحكمة العليا للطعون العسكرية.