(نيويورك، 10 سبتمبر/أيلول 2011) – قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إنه منذ تولت المؤسسة العسكرية مهام الشرطة في 28 يناير/كانون الثاني 2011، قامت بالقبض على نحو 12 ألف مدنياً وقدمتهم للقضاء العسكري. وقالت هيومن رايتس ووتش إن هذا العدد يفوق إجمالي المدنيين الذين خضعوا لمحاكمات عسكرية خلال ثلاثين عاماً، هي عهد مبارك، وأن هذا يؤدي إلى تقويض تحول مصر من نظام ديكتاتوري إلى الحكم الديمقراطي.

وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "12 ألف ملاحقة قضائية منذ فبراير/شباط عدد هائل ويُظهر كيف يقوض الحكام العسكريون لمصر من المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية. يمكن للمؤسسة العسكرية أن تنهي هذه المحاكمات اليوم، فالمسألة لا تحتاج إلا لأمر واحد بإنهاء هذا الإجهاض بالعدالة".

في مؤتمر صحفي بتاريخ 5 سبتمبر/أيلول قال اللواء عادل المرسي، رئيس هيئة القضاء العسكرى، إن في الفترة بين 28 يناير/كانون الثاني و29 أغسطس/آب حاكمت المحاكم العسكرية 11879 مدنياً. أدانت المحاكم العسكرية 8071 شخصاً، بينهم 1836 أُنزلت بهم أحكاماً مع إيقاف التنفيذ، وأدين 1225 شخصاً آخرين ينتظرون تصديق المؤسسة العسكرية على أحكامهم.

في ظل حكم  مبارك، كانت هذه المحاكمات العسكرية مخصصة للقضايا السياسية الأهم، مثل إدانة نائب المرشد العام السابق للإخوان المسلمين، خيرت الشاطر في عام 2008، و24 شخصاً آخرين؛ وفي قضايا جرى فيها اعتقال المدعى عليهم في مناطق عسكرية، مثل سيناء، أو مدونين انتقدوا المؤسسة العسكرية.

تعارض هيومن رايتس ووتش بشدة من حيث المبدأ أي محاكمات للمدنيين أمام محاكم عسكرية، فالإجراءات المتبعة لا تحمي حقوق إجراءات التقاضي السليمة ولا تستوفي مطالب استقلال وحيادية المحاكم. عادة ما لا يُتاح للمدعى عليهم في القضاء العسكري المصري محامين من اختيارهم، ولا يراعي القضاة حقوق الدفاع. والقضاة في النظام القضائي العسكري هم ضباط جيش يخضعون لسلسلة القيادة، ومن ثم فهم لا يتمتعون بالقدرة على تجاهل تعليمات وأوامر رؤسائهم.

وقد شهدت الشهور الماضية تزايد الإجماع في أوساط الأحزاب السياسية والنشطاء في مصر ضد المحاكمات العسكرية للمدنيين.

وقال اللواء المرسي أيضاً إن إحالة المدنيين لمحاكم عسكرية  وفقا لقانون العقوبات المصري سوف ينتهي  عند رفع حالة الطوارئ. ولكن ذلك يتعارض مع ما قاله  لواءات المجلس العسكري من قبل، إن قانون الأحكام العسكرية يعطيهم اختصاص إحالة المدنيين للمحاكم العسكرية. ينص القانون المذكور على اختصاص قضائي فضفاض ومبهم لنظام القضاء العسكري، في مادتيه الخامسة والسادسة، مما يسمح بإحالة المدنيين للقضاء العسكري بموجب أحكام قانون العقوبات إذا وقعت الجرائم في مناطق التى يشغلها العسكريون أو إذا كان أحد أطراف القضية ضابط جيش. يبدو أن المؤسسة العسكرية ومنذ توليها مسؤولية الحكومة، أصبحت ترى إقليم الدولة كاملاً "يشغلها العسكريون" ومن ثم فأي شخص عرضة للمحاكمات العسكرية.

وقال جو ستورك: "لابد أن تنهي المؤسسة العسكرية فوراً حالة الطوارئ، إلا أن هذا لا يكفي لوقف محاكمة المدنيين عسكرياً". وتابع: "على السلطات المصرية أن تُعدل قانون الأحكام العسكرية ليصبح متفقاً مع التزامات مصر بموجب القانون الدولي، إذ لابد أن يقتصر اختصاص القضاء العسكري على الجرائم العسكرية".

قد توصلت هيئات دولية لحقوق الإنسان على مدار السنوات الـ 15 الماضية لأن محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية هو خرق لضمانات إجراءات التقاضي السليمة المنصوص عليها في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تؤكد على أن لكل شخص الحق في أن يمثل أمام محكمة مختصة ومستقلة ونزيهة. وقد تقدم محامون حقوقيون مصريون بقضيتين أمام مجلس الدولة للطعن على قرار المجلس العسكري الإداري الخاص بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، ومن المقرر أن تنظر المحكمة في القضيتين في شهر سبتمبر/أيلول.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن المحاكم العسكرية برأت 795 شخصاً فقط من بين 12 ألف قضية نظرتها، أي أن معدل الإدانة في القضاء العسكري هو 93 في المائة من إجمالي القضايا المنظورة.

وقد أصدر المجلس العسكري في يوليو/تموز البيان رقم 68، وأعلن فيه المجلس أن المحاكم العسكرية ستقتصر على ثلاث فئات من الجرائم: "البلطجة والاغتصاب والاعتداء على الشرطة"، وهو ما لا يعتبر ذات قيمة كبيرة، بما أن هذه الفئات الثلاث من الجرائم تمثل أغلب القضايا التي نظرتها المحاكم العسكرية على مدار الشهور الماضية. الأغلبية العظمى من المحكوم عليهم أمام القضاء العسكري حُكم عليهم في قضايا غير سياسية، بل هم أشخاص قُبض عليهم على خلفية أنشطة إجرامية عادية مزعومة. من المحكوم عليهم الطفل إسلام حربي البالغ من العمر 16 عاماً، وهو حالياً في سجن طرة يقضي عقوبة سبع سنوات، بعد محاكمة عسكرية في فبراير/شباط، أدانته بالاعتداء على مسؤول عام.

أحد السجناء السياسيين المستمر سجنه بعد محاكمة عسكرية غير عادلة هو المتظاهر عمرو البحيري. قبض ضباط الجيش على البحيري، مع ثمانية آخرين على الأقل، في ساعات الصباح الأولى من يوم 26 فبراير/شباط بعد إخلاء ميدان التحرير من المتظاهرين بالقوة، فقاموا بضربه وأحالوه إلى النيابة العسكرية. عرفت أسرة البحيري باعتقاله من الجرائد، واكتشفوا أن البحيري قد حوكم وحُكم عليه في 28 فبراير/شباط في غياب محاميه. يمضي البحيري عقوبة 5 سنوات في سجن الوادي الجديد، على مسافة 400 ميل من بيته، وليس في سجن طرة على مشارف القاهرة. وقد حددت محكمة الاستئناف العسكرية موعد جلسة للطعن في الحكم الصادر ضده بتاريخ 1 مايو/أيار 2012.

هناك متظاهر آخر، هو معطي أبو عرب، البالغ من العمر 21 عاماً، وهو ما زال سجيناً في سجن الوادي الجديد. اعتقله الجيش في 3 فبراير/شباط من ميدان التحرير. تم نقله إلى السجن الحربي ثم أحيل إلى محكمة عسكرية، حكمت عليه بالسجن 5 سنوات بناء على اتهامات كسر حظر التجوال و"البلطجة". قال محاميه، عادل رمضان لـ هيومن رايتس ووتش، إن جلسة الطعن الخاصة به ستنعقد في 24 فبراير/شباط 2012.

وقال جو ستورك: "أحد تدابير حماية إجراءات التقاضي السليمة الأساسية هو توفير الحق في الطعن الفعال على الحُكم". وتابع: "من تم حبسهم بالخطأ لا يتعين عليهم الانتظار لمدة عام ونصف قبل أن يتاح لهم فرصة الطعن في إدانة جائرة".

أما المدون مايكل نبيل – وهو مضرب عن الطعام حالياً – فيمضي عقوبة بالسجن 3 سنوات بتهمة "إهانة المؤسسة العسكرية" و"نشر أخبار كاذبة"، وكان في واقع الأمر قد عبر عن آرائه سلمياً عبر مدونته وعلى الفيس بوك. طعن محامو نبيل في الحكم وسوف تنظر محكمة عسكرية أخرى الطعن في 1 نوفمبر/تشرين الثاني. وفي 5 سبتمبر/أيلول أصر اللواء المرسي على أنه لا توجد قضايا تنظرها أي محاكم عسكرية متعلقة بحرية الرأي، قائلاً إن قضية نبيل هي "إهانة القوات المسلحة".

ورداً على تزايد الدعوات الشعبية لوقف المحاكمات العسكرية للمدنيين، اختارت المؤسسة العسكرية انتقاد الإعلام على أسلوبه في تغطية المحاكمات. وفي بيان صحفي بتاريخ 7 سبتمبر/أيلول حذر اللواء المرسي وسائل الإعلام وأعلن ضرورة أن تكف عن التعليق على المحاكمات العسكرية وأن تكف عن نشر أخبار "كاذبة" عن إجراءات التقاضي العسكرية. ودعى جميع الأطراف للالتزام بالمسار القانوني للطعن في الأحكام وأن يتقدموا مباشرة بشكاوى للجهات المختصة بدلاً من نشر الشائعات التي لا سند لها. وفي مواجهة انتقادات وُجهت للمؤسسة العسكرية، استدعت النيابة العسكرية حتى الآن 9 أشخاص بتهمة "إهانة الجيش" للاستجواب، وإن لم تتم إحالة أي من هذه القضايا إلى المحكمة حتى الآن، باستثناء قضية مايكل نبيل.

وفي كلمة ألقاها اللواء محسن الفنجري في 12 فبراير/شباط – وهو من أعضاء المجلس العسكري – أعلن أن مصر ملتزمة بجميع المواثيق والاتفاقيات الدولية التي وقعتها. من بين هذه المواثيق العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يُلزم الدول الأطراف بحماية وضمان الحق في المحاكمة العادلة والحق في حرية التعبير.

كما أن مبادئ الأمم المتحدة الحاكمة لحماية وتعزيز حقوق الإنسان عن طريق العمل على مكافحة الإفلات من العقاب، التي عُرضت أمام مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في عام 2005، فقد ورد فيها أن: "اختصاص المحاكم العسكرية يجب ألا يتعدى التجاوزات والمخالفات عسكرية الطابع التي يرتكبها أفراد عسكريون، مع عدم نظر هذه المحاكم لانتهاكات حقوق الإنسان، التي تخضع لاختصاص المحاكم الطبيعية داخل الدولة، وفي حالة الضرورة لدى وقوع جرائم جسيمة، وبحسب القانون الدولي، تُنظر أمام محاكم دولية أو محاكم جنائية دولية الطابع".

وقال جو ستورك: "لا يمكن للمؤسسة العسكرية أن تختار أجزاءً تطبقها من القانون الدولي تراها مطلوبة أو ملائمة وتترك أجزاءً أخرى". وأضاف: "الإصرار على استخدام المحاكمات العسكرية للمدنيين هو تجاوز لالتزامات مصر الخاصة بالقانون الدولي لحقوق الإنسان".