لاجئون سوريون يستعدّون للعودة من بلدة عرسال الحدودية اللبنانية إلى سوريا، 28 يونيو/حزيران 2018.

 

© 2018 رويترز

شهد لبنان الشهر الماضي عددا من التطورات المقلقة بخصوص وجود اللاجئين السوريين على أرضه، حيث صعّد سياسيون بارزون الدعوات إلى عودة اللاجئين إلى سوريا ورددوا اتهامات لا أساس لها بوجود مؤامرة دولية لتوطينهم في لبنان.

في الوقت الذي أدارت فيه دول العالم ظهرها للاجئين، يستضيف لبنان ما يقدر بنحو 1.5 مليون سوري، وهو أكبر عدد من اللاجئين لكل فرد في العالم. تعهد لبنان في مؤتمر أصدقاء سوريا للدول المانحة في بروكسل في أبريل/نيسان بالتزامات مهمة تتعلق بحقوق اللاجئين، بما في ذلك وضع الإقامة والتعليم والحماية القانونية وعدم الإعادة القسرية – أي حظر عودة الأشخاص إلى الأماكن التي يتعرضون فيها للخطر. يمكن أن يكون لهذه التعهدات أثر حقيقي وإيجابي على حياة السوريين في لبنان - إذا تم تنفيذها. لكن منذ ذلك الحين، اتخذت الأمور منعطفا نحو الأسوأ.

بعد بروكسل، انتقد رئيس لبنان، ورئيس البرلمان، ووزير الخارجية بيانا مشتركا للاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ورد فيه مصطلح "خيار البقاء"، قائلين إنه اقترح توطين اللاجئين الدائم في لبنان. لكن هذه العبارة تتعلق فقط بالنازحين داخل سوريا، وليس باللاجئين في لبنان.

ما كاد لبنان يجدد التزامه في بروكسل بعدم إعادة اللاجئين قسرا، حتى رفع سياسيون أصواتهم مطالبين بعودتهم. رغم أنهم لم يطالبوا مباشرة بالإعادة القسرية، قال الرئيس ميشال عون إنه سيسعى للحصول على "حل" للاجئين بدون الأمم المتحدة. كما دعا الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر إلى المساعدة في تسهيل عودة اللاجئين. استدعت وزارة الخارجية مندوبة "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" (المفوضية) واتهمت المفوضية بإثارة الذعر بعد أن أصدرت بيانا محايدا قالت فيه إنها لم تشارك في إعادة 500 لاجئ إلى سوريا في أبريل/نيسان.

أمهل وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل مؤخرا المفوضية  أسبوعين لوضع استراتيجية لإعادة اللاجئين، وزعم أنها تحاول تأجيل عودتهم إلى سوريا. ثم جمّد تصاريح الإقامة لموظفي المفوضية في لبنان - من دون دعم من الحكومة - متهما إياها بعرقلة عودة اللاجئين السوريين من خلال "نشر الخوف".

يدّعي باسيل أن المفوضية، بإجرائها مقابلات مع السوريين قبل عودتهم، تُخيفهم من العودة. لكن هذه المقابلات جزء من التفويض الأساسي للمفوضية لحماية حقوق اللاجئين وضمان إعلامهم بالظروف في سوريا حتى يتمكنوا من اتخاذ قرار مستنير حول ما إذا كانوا سيعودون في هذا الوقت. لا تستطيع المفوضية "تشجيع" اللاجئين أو تسهيل عودتهم قبل أن تُقدّر أن الأوضاع في سوريا آمنة.

الهجمات على المفوضية تصعيد مقلق في الضغط على اللاجئين. منذ بداية الأزمة، كان لبنان يحترم بشكل عام الحظر الدولي للإعادة القسرية ولم يُعِد اللاجئين قسرا إلى سوريا، ما عدا بعض الاستثناءات. لكن في حين لا يوجد دليل على أن عمليات العودة الأخيرة للسوريين كانت إجبارية، وجدت "هيومن رايتس ووتش" أن عمليات الإعادة من عرسال في العام الماضي لم تكن طوعية، بل كانت نتيجة ظروف معيشية قاسية، وكانت إلى حد كبير نتيجة للسياسات اللبنانية التي قيدت الإقامة القانونية والعمل وحرية الحركة.

يمكن للاجئين الذين يريدون العودة إلى سوريا طواعية فعل ذلك بحرية. لكن بموجب القانون الدولي، لا يستطيع لبنان استعمال القوة أو الضغط لإرغام اللاجئين أو طالبي اللجوء الذين لديهم خوف مبرَّر من الاضطهاد في سوريا على العودة. زعم سياسيون لبنانيون أن هناك مناطق "آمنة" في سوريا، لكن ذلك يتجاهل الطبيعة المتقلبة للصراع السوري، حيث نزح أكثر من 900 ألف شخص داخل سوريا في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2018 وحده.

إضافة إلى مخاوف اتساع رقعة الصراع ليصير شاملا، يخشى العديد من اللاجئين الاعتقال والتعذيب والتجنيد الإجباري إذا عادوا، وهذه المخاوف مبرّرة. وثّقت هيومن رايتس ووتش لسنوات أنماطا واسعة من الاحتجاز التعسفي والتعذيب والوفيات أثناء الاحتجاز لدى الحكومة السورية. إذا كان السياسيون اللبنانيون متلهفين لعودة اللاجئين إلى هذه الدرجة، فعليهم التوقف عن اتخاذ المفوضية كبشَ فداء وتركيز جهودهم على معالجة الحواجز الحقيقية للعودة، بما في ذلك ممارسات الاحتجاز غير القانونية في سوريا واستخدام الحكومة لقوانين  للتنظيم العمراني للاستيلاء على الممتلكات الخاصة من دون إجراءات قانونية أو تعويض.

برّر السياسيون اللبنانيون هذه الدعوات إلى العودة بادعائهم أن السوريين يضرون بالاقتصاد اللبناني - وهي حجج، إلى حد كبير، لا تقوم على أدلة. من المؤكد أن وجود السوريين وضع عبئا على الخدمات، بما في ذلك إدارة النفايات والكهرباء والتعليم، ولكن هذه الخدمات أيضا تلقت الدعم بمساعدة دولية استجابة للأزمة. بينما أثرت الحرب في سوريا بالتأكيد على اقتصاد لبنان، لا يوجد دليل ملموس على أن وجود اللاجئين أثر عليه هو الآخر. كما أن اللاجئين يسهمون في اقتصاد لبنان، ويدفعون الإيجار، وفواتير الهاتف، ويتسوقون في المتاجر اللبنانية، إلى جانب مليارات الدولارات من المساعدات الإنسانية المقدمة إلى لبنان.

لكن برغم المعونة المقدمة إلى لبنان، فإن عدم قيام المجتمع الدولي بإعادة توطين أعداد مهمة من اللاجئين ساهم في الأزمة في لبنان. انخفضت معدلات قبول اللاجئين السوريين في الولايات المتحدة إلى الصفر تقريبا، وما زال الاتحاد الأوروبي يختبئ وراء اتفاقه مع تركيا لإبعاد اللاجئين عن أوروبا.

هناك حاجة ملحة لمناقشة قائمة على الحقائق حول قضية اللاجئين في لبنان. على الحكومة أن تفي بالالتزامات التي قطعتها في بروكسل وأن تنهي الهجوم على المجتمع الدولي والتكهنات المغلوطة حول خطة دولية لتوطين اللاجئين في لبنان. في المقابل، على المجتمع الدولي مضاعفة المساعدات الإنسانية وإعادة توطين اللاجئين لإثبات أن لبنان لم يُترك لتحمل هذا العبء بمفرده.