"لا نستطيع تحمل مصاريف تعليمهم هنا. كل أولادي كانوا يذهبون إلى المدرسة في سوريا، لكنني إذا أرسلتهم إلى المدرسة هنا، فكيف أعيش؟" "مُنى" (45 عاما) وأسرتها يعيشون قرب مدرسة في جبل لبنان، لكن أطفالها "يوسف" (11 سنة) و"نزار" (10 سنوات)، لم يدخلا فصل دراسة قطّ في لبنان. بل يبيعان العلكة في الشارع لمساعدة أسرتهما على تأمين كلفة الإيجار والغذاء. قالت منى: "حتى لو كان كل شيء بالمجان، فلن يكون باستطاعة الأطفال الذهاب إلى المدرسة. فهما الوحيدان اللذان يستطيعان العمل".

استقبل لبنان أكثر من 1.1 مليون لاجئ سوري منذ بدء النزاع في سوريا في 2011. من بين هؤلاء، 500 ألف في سن المدرسة، ما بين 3 و18 سنة. لكن رغم جهود وزارة التربية الكبيرة لضمان إمكانية التسجيل بالمدارس لكل الأطفال، مازال ما يزيد عن 250 ألف طفل سوري محرومين من التعليم.

أطفال سوريون في أحد الفصaول في مدرسة غير رسمية في وسهل البقاع.

© 2016 بسام خواجا/هيومن رايتس ووتش

وجدتُ خلال أبحاثي لتقرير جديد لـ "هيومن رايتس ووتش" أنه رغم قرار الحكومة السماح للسوريين بالتسجيل في المدارس الحكومية مجانا، بدعم من المانحين الدوليين، مازالت هناك عوائق متعددة تمنع السوريين من الالتحاق بالمدارس.

يفرض بعض مديري المدارس شروطا تعسفية للتسجيل، كطلب إقامة سارية المفعول من السوريين- رغم سياسة وزارة التربية التي لا تشترط الإقامة للتسجيل. كما يجد الطلبة صعوبات في فهم الدروس التي تُلقى باللّغتين الإنغليزية والفرنسية، في غياب دعم لغوي مناسب. يواجه الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة والطلبة في سن التعليم الثانوي صعوبات أكبر.

لكن أبحاثنا وجدت أن الحصول على تعليم مرتبط بشكل وثيق بتدهور ظروف عيش السوريين في لبنان. كان 70 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر المُحدد بـ 3.84 دولار في اليوم في 2015. ببساطة، لا يستطيع الكثير منهم توفير المصاريف الدنيا المرتبطة بالمدرسة مثل النقل. وهم يُخرجون أبناءهم من المدارس بشكل متزايد ويعتمدون على عمل الأطفال للعيش. جعلت شروط الإقامة الجديدة المفروضة في يناير/كانون الثاني 2015 حفاظ السوريين على وضعهم القانوني في لبنان صعبا أو مستحيلا، ويفتقر ثلثا اللاجئين تقريبا إلى الإقامة الآن، ولا يستطيعون التنقل لإيجاد عمل خوفا من الاعتقال.

ليس بإمكان لبنان مواجهة تحدي تعليم الأطفال السوريين بمفرده. لكن هنالك خطوات واضحة يمكن للحكومة اللبنانية اتخاذها لمواجهة هذه القضية الكبرى. بإمكانها إعادة النظر في شروط الإقامة للسماح للسوريين البالغين بالبحث عن عمل دون خوف من الاعتقال والتمكن من إبقاء أبنائهم في المدارس. سياسة تقضي بأن تكون بحوزة السوريين الوثائق الصحيحة وأن يكونوا قادرين على إعالة أنفسهم هي سياسة في صالح لبنان.

لبنان بحاجة إلى استثمارات دولية في برامج تأمين سبل العيش لخلق فرص العمل وتقوية اقتصاد البلاد للتعامل مع التدهور الذي تشهده ظروف معيشة الجميع.

قدّر البنك الدولي كلفة النزاع السوري على لبنان بـ 13.1 مليار دولار منذ 2012، بحسب ما ذكر مسؤولون لبنانيون في فبراير/شباط. تأثير النزاع في سوريا على لبنان حقيقي. لكن تواجد اللاجئين هو أيضا فرصة للاستعانة بالاهتمام والتمويل الدوليين لتقوية بنية البلاد التحتية الهشة وخدماتها المحدودة.

في قطاع التربية، يُحسّن التمويل الدولي المنظومة التعليمية الحكومية التي كانت تعاني حتى قبل بدء أزمة اللاجئين الحالية، حيث لم تكن نسبة الأُسر اللبنانية التي تختار إرسال أبنائها إلى المدارس الحكومية تتعدى 30 بالمئة. يموّل المانحون مشاريع لإعادة تأهيل المدارس وتكوين المعلمين، حيث غطّوا العام الماضي تكاليف التسجيل لـ197  ألف طفل لبناني.

طوّرت دول أخرى تستقبل اللاجئين السوريين خُططا لتحفيز النمو الاقتصادي. مثلا، في 12 يوليو/تموز، أقر "المجلس الأوروبي" اجراء لتحسين وصول الأردن إلى سوق الاتحاد الأوروبي بتبسيط قواعد المنشأ لصالحه لـ 10 سنوات، بهدف خلق 200 ألف فرصة عمل للاجئين السوريين. سيمكنهم ذلك من المساهمة في الاقتصاد دون التنافس على فرص العمل مع المواطنين الأردنيين.

اقترح لبنان خلال ندوة كبرى للمانحين في لندن في فبراير/شباط عدة مشاريع لتقوية الاقتصاد وخلق فرص عمل، بما في ذلك الاستثمار في البلديات والبنيات التحتية على المستوى الوطني. كما اعترف بضرورة مراجعة شروط الإقامة الحالية وقوانين العمل للسوريين. لكن لحد الآن، لم يتغير الكثير.

هناك حاجة حقيقية لالتزام القطاع الخاص مع المانحين الدوليين، والمنظمات الانسانية، والمسؤولين الحكوميين لتطوير حلول مبتكرة لمشكلة المعيشة بحيث تتحسن ظروف عيش السوريين والبلدان التي تستقبلهم بينما تستفيد البلاد على المدى الطويل.

في مصلحة لبنان التأكد من ألّا يحرم ربع مليون طفل من المدرسة هنا، بل أن يتلقوا التربية ويطوروا المهارات التي يحتاجونها لإعادة بناء سوريا في نهاية المطاف. لكنها أيضا فرصة أمام لبنان لجلب الاستثمارات وتحسين الخدمات والبنية التحتية الأساسية، مع التأكد من قدرة السوريين على إرسال أطفالهم إلى المدرسة.