المؤكد أن قلة هي من ستختلف مع فكرة أن الطابع الشيعي المتزايد للحكومة العراقية يهمّش سكان العراق السنة – لكن ما هو تأثير الانقسام الطائفي المتزايد على حقوق النساء والفتيات؟

في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قدم وزير العدل العراقي مشروع قانون لمجلس الوزراء، والذي من شأنه إضفاء الشرعية على زواج الأطفال، كما أنه يؤثر بشدة على حقوق المرأة في مسائل الطلاق وحضانة الأطفال. وكان مشروع القانون تمييزياً بشكل ملحوظ ضد النساء والفتيات - وفي بعض المواطن مستمد حصراً من مبادئ شيعية – لدرجة أن بعض المنظمات العراقية المعنية صرفت نظرها عنه.

على سبيل المثال، فإن المادة 79 من مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفرية، من شأنها أن تسمح للمرأة بتطليق زوجها فقط لو كان عاجزا أو تم بتر قضيبه، في حين يمكن للرجل أن يطلق زوجته لستة أسباب، اثنين منهما يرتبطان بوجود طفح جلدي على جسدها. في ديسمبر/كانون الأول، نحّى مجلس الوزراء المشروع جانبا، قائلا إنه لن يصوت على مشروع القانون حتى بعد الانتخابات التشريعية المقرر عقدها في 30 أبريل/نيسان، وبعد الحصول على موافقة من السلطة الدينية الشيعية العليا (المرجعية الشيعية). لكن في 25 فبراير/شباط، صُدم العديد من العراقيين إذ تم إعلان التصديق على مشروع القانون وإحالته إلى البرلمان.

سيطبق مشروع القانون على الأغلبية الشيعية في العراق. وهو يرتكز على المدرسة الجعفرية في الفقه الديني، التي أسسها الإمام الشيعي السادس جعفر الصادق. وستحظر مواده الـ254 على الرجال الشيعة الزواج من غير المسلمات، ويسمح له بالاغتصاب الزوجي – يمكن للزوج أن يمارس الجنس مع زوجته بغض النظر عن موافقتها – ويمنع المرأة من مغادرة منزلها دون إذن من زوجها. يمنح هذا القانون حضانة أي طفل يبلغ من العمر عامين أو أكثر للأب في حال وقع الطلاق، ويخفض سن الزواج إلى التاسعة للفتيات و15 للفتيان، بل وحتى يفتح الباب أمام الفتيات الأصغر من تسع سنوات للزواج بموافقة الوالدين. 

على الرغم من عدم وضوح نطاق تغطية القانون، فمن المحتمل أن يكون بديلا لقانون الأحوال الشخصية الحالي في العراق للشيعة، المنطبق حالياً على جميع العراقيين في مسائل الزواج والطلاق والحضانة والميراث. كما ذكرت هيومن رايتس ووتش في تقريرها الصادر مؤخراً، فإن القانون الجديد يشكل خرقاً لالتزامات العراق الدولية، بما في ذلك اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

قد لا يتمكن البرلمان من الوصول إلى مرحلة التصويت على مشروع القانون هذا. حيث نادرا ما يمرر تشريعات؛ نتيجة الجمود السياسي، وهو في حالة جمود حالياً بسبب ميزانية. ستنتهي الدورة البرلمانية المنعقدة حالياً قبل الانتخابات قريباً. وفسر البعض طرح هذا المشروع بأنه محاولة بائسة من قبل الحكومة لتحويل الأنظار عن الأزمة الإنسانية في محافظة الأنبار ذات الأغلبية السنية، التي مزقتها الحرب. يعتقد البعض الآخر أنها استعراض للقوة من قبل وزير العدل حسن الشمري: فهو إذا أراد أن يُعاد تعيينه بعد الانتخابات، فسوف يحتاج إلى دعم حزبه الشيعي المحافظ؛ حزب "الفضيلة".

رفضٌ شديدٌ

كان رد الفعل من شريحة واسعة من المجتمع العراقي سريعا وقاسيا، بخروج العديد من الاحتجاجات في اليوم العالمي للمرأة، ومجموعة كبيرة من الانتقادات من الصحفيين ونواب البرلمان وحتى بعض القيادات الدينية الشيعية. وكان الدافع وراء جزء من الرفض؛ هو ما اعتبره الكثير من العراقيين إضافة المزيد من التدابير الطائفية، وأيضاً مخاوف عميقة، حتى لو تم تجاهلها، من تدهور حالة حقوق المرأة، والخوف من أن مشروع القانون هو مجرد غيض في فيض قادم.

لقد ألقى تمرير مجلس الوزراء للقانون الجعفري الضوء على الاهتمام القليل الذي توليه الحكومة العراقية لحقوق المرأة التي راحت تتآكل وسط حالة من عدم الاستقرار السياسي والعنف الطائفي المتصاعد. وقد أدعى البعض أيضا أن الضجة الحادثة بشأن المشروع المقترح إنما هي محض إلهاء عن مشاكل العراق "الحقيقية". ولكن نظرا إلى أن العنف وغياب سيادة القانون والطائفية السياسية لا تظهر عليها أي بوادر للاختفاء من العراق، فمتى يحين الوقت الملائم للحديث عن الوضع المرزي الذي منيت به حقوق المرأة في البلاد؟

يعتبر قانون الأحوال الشخصية في العراق واحدا من أكثر القوانين تقدما في المنطقة، ولكن عانت حقوق المرأة بشكل كبير منذ حرب الخليج عام 1991، عندما تبنى صدام حسين التقاليد الإسلامية والقبلية كأداة سياسية لتوطيد أركان سلطته المنحسرة، فقام بإحداث انتكاسات في العديد من التطورات في وضع النساء والفتيات في المجتمع العراقي. منذ ذلك الحين، واجهت المرأة العراقية تزايد التمييز وعانت من العنف على نحو غير متناسب – ومع عدم تغطية الخسائر التي تتكبدها المرأة العراقية في الإعلام بالقدر الكافي. 

حالة انعدام الأمن التي خلقها الاحتلال بقيادة الولايات المتحدة، وتلتها الفتنة الطائفية التي اجتاحت البلاد، فاقمت من تدهور وضع المرأة العراقية. في عام 2003، وثقت هيومن رايتس ووتش موجة من العنف الجنسي والاختطاف في بغداد. وقالت النساء والفتيات لـ هيومن رايتس ووتش إن انعدام الأمن والخوف من الاغتصاب والاختطاف أبقاهن في منازلهن، بعيدا عن مدارسهن وبعيدا عن العمل. على الرغم من أن المعتدين اختطفوا العديد من الرجال أيضاً؛ إلا أن العواقب بالنسبة للنساء والفتيات كانت أسوأ بسبب الانشغال بـ "شرف" العائلة. في جنوب العراق، تعرضت النساء للاعتدات الوحشية من قبل الميليشيات في البصرة، قبل أن تجتاح الحكومة العراقية تلك المنطقة الغنية بالنفط في عام 2008 لتوطد سيطرتها عليها.

في 2011، سلطت هيومن رايتس ووتش الضوء في تقرير آخر على محنة الشابات "الأرامل، واللواتي يتم الإتجار بهن، ويُجبرن على الزواج المبكر، ويتعرضن للضرب في منازلهن، ويتم التحرش الجنسي بهن إذا ما غادرن المنزل". وكشف التقرير عن تورط القوات الحكومية في انتهاكات، بما في ذلك العنف الجنسي ضد الناشطات السياسيات، وقريبات المعارضين الذكور. حتى الآن، يحمي القانون العراقي مرتكبي العنف ضد المرأة: يعتبر قانون العقوبات "الجرائم بدافع الشرف" عاملا مخففا، حتى في القتل، ويعطي الزوج الحق في تأديب زوجاته.

النسيج الممزق

بخلاف  التمييز المتجسد في مشروع القانون والآثار المدمرة التي يمكن تترتب عليه في مجال حقوق المرأة؛ يمكن أن يكون مشروع الجعفر مثالا لانهيار أوسع في النسيج الاجتماعي في العراق. هذا يفتح المجال أمام فرض المزيد من الآراء المحافظة على النساء؛ مما يحد من حريتهن ودورهن في المجتمع، بالإضافة إلى أن القانون يعزز من تكريس الانتهاكات التي تمارس بالفعل.

زواج الأطفال آخذ في التزايد منذ عام 2003، إذ تتزوج 25% من الفتيات قبل سن الـ18، و6% قبل سن الـ15، وفقا لمكتب المراجع السكانية الدولي. وتؤثر الأزمة الإنسانية في الأنبار بشكل غير متناسب على النساء والأطفال، في حين تتجاهل الحكومة التعامل معها. لقد التقيت مع أكثر من 12 سيدة في بغداد، ممن هربن من قصف الهاون المتواصل في الفلوجة.

ولكن الكثير من ردود الفعل الدولية حول مشروع القانون، كانت في غير محلها. فهو ليس تعبيرا عن التخلف المتأصل في المجتمع العراقي الشيعي، الذي في الحقيقة، أدان بشكل كبير بقدر إدانة الطوائف الأخرى له، إنما هو تعبير عن نهج أوسع نطاقا في سياسة حكومة المالكي، التي تضحي بالحقوق في إطار سعيها لتحقيق أهداف أخرى.

محليا، أظهرت ردود الفعل الغاضبة على موافقة مجلس الوزراء على مشروع القانون الإحباط والغضب من افتقار الحكومة للشفافية، وهجومها الماضي قدماً على الحقوق، وتآكل سيادة القانون. هو أيضاً إحباط وغضب من تنامي الاستبداد والطائفية والاستيلاء على السلطة من قبل أطراف غير ممثلة في الإطار الذي لم تكن فيه العناصر العلمانية قادرة على أن تعثر على موطئ قدم. يعاني أولئك الذين لا صوت لهم أكثر من غيرهم، والنساء اللواتي يمثلن أكثر من نصف سكان العراق البالغ عددهم نحو 36 مليون نسمة، يفتقرن إلى وجود صوت لهن في النظام السياسي الجديد، وكن من الضحايا الرئيسيين لهذه الإدارة الفوضوية للأمور.

لم يكن المجتمع العراقي قادرا على التوفيق بين عهد ما بعد صدام، ذات الأغلبية الشيعية الحالية، وبين النظام العلماني الأقدم على ذلك العهد. جزئياً فإن قانون الجعفري يأتي من رحم خوف الساسة المرتبطين بالدين من ألا تحظى التقاليد الشيعية بالاحترام، الذي يعتقدون أن تلك التقاليد تستحقه. على الرغم من أنهم الأغلبية في العراق حاليا، لا يزال العديد من السياسيين الشيعة البارزين يطاردهم ماضيهم العامر بالاضطهاد. خوفا من ألا يتم الاستماع لهم، فهم يصرخون، وهذا القانون هو صرختهم.

لكن الاحترام  لتفسير صارم للغاية لتقاليد دينية، من قبل من يرغبون فيها،  لا ينبغي أن يكون على حساب حقوق النساء والفتيات في العراق. طالما استمر هذا الخليط العراقي القاتل من العنف الطائفي و"اللامبالاة بأحد" من قبل الحكومة، فلن يطرأ أي تقدم في حقوق المرأة والطفل.  

إرين إيفرز، باحثة العراق في هيومن رايتس ووتش. على تويتر @ErinHRW