قالت منظمة هيومن رايتس ووتش اليوم أن الشرطة ومؤيدي الحزب الحاكم في مصر قد هاجموا أمس عشرات من المتظاهرين المؤيدين للإصلاح، كما قاموا بمهاجمة الصحفيين أيضاً.

ويوم أمس، قام رجال أمن يرتدون ملابس مدنية بضرب المتظاهرين في القاهرة؛ وقد سمحت شرطة مكافحة الشغب لهؤلاء الغوغاء من مؤيدي مبارك بضرب المتظاهرين والصحفيين والاعتداء عليهم جنسياً، بل كانت تشجعهم على ذلك أحياناً.

قال جو ستورك، نائب المدير لقسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "يظهر هجوم الشرطة والحزب الحاكم على المتظاهرين من دعاة الإصلاح كم هي فارغة خطب الحكومة عن الإصلاح. يجب على الرئيس، على الأقل، أن يعين أشخاصاً لا يطال الشك نزاهتهم للتحقيق في هذه الوحشية التي تحميها الدولة". وعلى هذه الهيئة أن تحقق بشكل خاص في الدور الذي لعبه وزير الداخلية حبيب العدلي في هذا الأمر.

لقد حدثت الهجمات في موقعين في القاهرة على الأقل: قرب ضريح سعد زغلول، وأمام مقر نقابة الصحفيين، وذلك بينما كان المصريون يصوتون على التعديل الدستوري المقترح الذي يسمح للمنافسين بخوض الانتخابات الرئاسية المقررة في سبتمبر/أيلول. وقد دعت جماعة "كفاية" المعارضة، مع غيرها من الجماعات التي تتخذ موقفاً نقدياً من الحكومة، الناخبين إلى مقاطعة الاستفتاء، لأن من شأن التعديل الدستوري المقترح أن يسمح للحزب الوطني الديموقراطي الحاكم بتحديد من يمكن له أن يترشح للرئاسة.

قال أحد شهود المواجهات التي دارت عند ضريح سعد زغلول لمنظمة هيومن رايتس ووتش أنه كانت هناك مجموعتان منفصلتان تضمان قرابة 50 شخصاً من حركة "كفاية" على الرصيف، وكان حوالي 100 من شرطة مكافحة الشغب يطوقونها؛ وكان جمع كبير ممن يضعون شارات الحزب الوطني الديموقراطي يقفون في الشارع في مواجهة الجمع الأول:

في البداية اكتفى حاملو شارات الحزب الوطني الديموقراطي بالصراخ وتوجيه التهديد لمتظاهري كفاية الذين كان خروجهم من الطوق يعني تعرضهم للضرب. لزمت مجموعة كفاية مكانها، لذلك غير الغوغاء من أسلوبهم. حيث أخذت الشرطة تفسح مجالاً لحفنة من أنصار الحزب الحاكم بالدخول إلى حيث كانت مجموعة كفاية، والانفراد بشخص واحد ثم جرّه إلى جهتهم مع الاستمرار طوال الوقت في ضربه؛ ومن ثم يعيدون الكرّة. لقد جرى ذلك بإيقاع دقيق، حيث كان أحدهم يقول "هجوم"، ثم يقول "توقف". كان الأمر وحشياً، لكنه لم يكن فوضوياً.

كما تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى إحدى الصحفيات التي قالت أنها تعرضت للضرب في منطقة سعد زغلول:

كان ذلك عند الظهر تقريباً. وكانت عصابات الحزب الوطني الديموقراطي تحاصر مؤيدي "كفاية". كان رجلان ضخمان يقتادان شابةً على الرصيف ممسكين بذراعيها. وعندما صارت قربي مدت يدها وأمسكت بيدي. أمسكت يدها بدوري؛ ثم جاء آخرون ودفعوا بنا وبستة من أنصار "كفاية" صوب إحدى الأشجار. أعتقد أنهم كانوا رجال أمن بملابس مدنية. فقد كانت معهم هراوات، وكانوا أفضل لباساً من غوغاء الحزب الوطني الديموقراطي. كنا أربع نساء وأربعة رجال؛ وقد كنت على طرف المجموعة. أخبرتهم بأنني صحفية فضربني واحد منهم. ثم شدوني من شعري، ودس أحدهم يده داخل قميصي. لقد مدوا أيديهم إلى النساء الأخريات أيضا، وراحوا يتلمسون أجسادنا كلها. لم يكن معرفة أين يمكن أن تمتد يدٌ لتقرص جسدك أو تمسكه أمراً ممكناً، كما لم يكن ممكناً معرفة يد من كانت. وقد ضربوا الرجال الذين كانوا معنا أيضاً. استمر هذا قرابة نصف ساعة، وأوشكت أن أفقد الوعي. وفي النهاية اقترب مصور كنت أعرفه وقال لهم أنني مصابة بمرض في القلب وأنني يمكن أن أموت بين أيديهم إن لم يتركوني. لم يكن ذلك صحيحاً، لكنه أعطى مفعوله، فقد تركوني أمضي.

وصرحت صحفيّة أخرى شهدت مواجهات سعد زغلول لمنظمة هيومن رايتس ووتش بأنها شاهدت أناساً يضربون أحد متظاهري كفاية. وقالت أنها اقتربت من أحد رجال الشرطة الواقفين بالجوار وحثته على التدخل، لكنه أجاب: "سيساعده زملاؤه من حركة كفاية"، ثم لم يحرك ساكناً لمساعدة الضحية. كما ذكرت الصحفية أنها سمعت شرطياً يقول لمجموعة من الشباب الذين يحملون صور مبارك: "ثمة كثير من النساء، اذهبوا وفتشوا عنهنّ".

وبعد نصف ساعة تقريباً، أعلن أحد أنصار الحزب الوطني الديموقراطي عبر مكبر الصوت أنهم سيتوجهون إلى نقابة الصحفيين حيث كانت تجري مظاهرة أخرى لحركة كفاية. "في شارع نوبار" كما قال أحد شهود العيان.

كانت هناك صيدلية يختبئ فيها ستة من أنصار "كفاية". لم أعرف كيف عرف الغوغاء المبنى، لكنهم ذهبوا إليه مباشرةً. كانوا يصيحون: "اخرجوا أيها الجبناء؛ اخرجوا يا عملاء أمريكا". بعد 10 دقائق تقريباً وصلت شرطة مكافحة الشغب، لكنهم حاصروا الصيدلية وتجمع الغوغاء على السواء ولم يفصلوا بينهما إطلاقاً. لم يحاول الغوغاء دخول الصيدلية في البدء، لكنهم دخلوها بعد مجيء الشرطة وسحبوا منها شخصين، ثم أشبعوهما ضرباً.

قال شاهد العيان أن الأمر استمر قرابة ساعة قبل أن تتوجه العصابة إلى نقابة الصحفيين ترافقها شرطة مكافحة الشغب. "كان عدد الغوغاء عندها يقارب المئة، إضافة إلى حوالي 40 من رجال الشرطة".

كان الشارع أمام الدرجات المؤدية إلى نقابة الصحفيين محاطاً برجال الشرطة والحواجز المعدنية. وكانت الدرجات تزدحم بأنصار كفاية. وعندما وصل مؤيدو الحزب الوطني الديموقراطي وقفوا على الجانب الآخر من الطوق، وبدأ الطرفان تبادل الشتائم. قال شاهد العيان أنه، وبعد 10 دقائق، صاح الرجل الذي يحمل مكبر الصوت "يلا"، فتحرك رجال الشرطة جانباً سامحين للمهاجمين بعبور الطوق ومهاجمة أنصار "كفاية".

وروت إحدى المحتجات عند مقر نقابة الصحفيين لمنظمة هيومن رايتس ووتش ما جرى لها هناك:

كانت الساعة حوالي 2 أو 2:30 بعد الظهر؛ وكنت على الدرجات العليا من مدخل نقابة الصحفيين، إلى يسار الباب. كانت الدرجات مليئة بأنصار كفاية، وكنت أقف على حافة الحشد. وكان هناك طوق من رجال الأمن وشرطة مكافحة الشغب في الشارع. شاهدت مجموعة من أنصار الحزب الوطني الديموقراطي تقترب، وكانوا يحملون صور مبارك. فيما كان ما لا يقل عن 20 من شرطة مكافحة الشغب يواكبونهم كما لو لحمايتهم. فتح رجال الشرطة الواقون أسفل الدرج الطوق ليسمحوا بوصول عصابة الحزب الوطني إلى المتظاهرين. كان آخر ما رأيته هو حوالي 20 أو 30 من رجال الحزب الوطني يتقدمون نحونا من ناحية اليسار، وبدأ أحدهم يتلمسني ويحركني بخشونة. حاولت أن أدفعه عني فصاح قائلاً: "معي سيدة هنا، دعوها تمر". وبدا هذا كما لو أنه إشارة ليهاجمني الآخرون، فقد شدوا شعري ومزقوا قميصي ومدوا أيديهم إلى كل مكان من جسدي. بدأت أصرخ بالإنكليزية، فصاحوا: "إنها تصرخ بالإنكليزية". أمسكوا بشريط حقيبتي وألقوني أرضاً، ثم بدأ الرفس، وازداد تلمسهم لجسدي. لقد كانوا يضحكون ويهللون. زحفت صوب الدرجات، فاقترب واحد من الحزب الوطني وأنهضني ثم أمرهم بالهدوء. هبطت الدرجات راكضةً، وتركني رجال الشرطة الواقفين عند أسفله أخرج لأهرب بعيداً.

قالت صحفية أخرى لمنظمة هيومن رايتس ووتش أنها اقتربت من قائد الشرطة، الذي وصفته بأنه قائد الأمن في القاهرة، وسألته عن سبب وقوف رجال الشرطة جانباً. فقال لها أن القانون يمنعهم من دخول مقر نقابة الصحفيين إلا بطلب من رئيس النقابة وبإذن من وزارة الداخلية.

وأفادت الأخبار بأن المظاهرات والاصطدامات وقعت في مدينة الإسماعيلية أيضاً، فيما منعت قوات الأمن المتظاهرين من التجمع في الإسكندرية وبعض المدن الأخرى. وقد شهد اليوم نفسه أيضاً مزيداً من الاعتقالات لأعضاء الإخوان المسلمين في عدد من مناطق البلاد، حيث سبق أن اعتقل أكثر من 1,000 منهم خلال سلسلة من الغارات خلال الأسابيع الماضية. والإخوان المسلمون هم جماعة تغض الحكومة الطرف عن نشاطها، لكنها محظورة رسمياً. وهي تعتبر على نطاق واسع أكبر قوى المعارضة في البلاد. وتفيد التقارير أن حوالي 100 منهم ما زالوا رهن الاعتقال حتى الآن.

عبرت هيومن رايتس ووتش عن غضبها لرد فعل المسؤولين الأمريكيين تجاه العنف الذي ترعاه الدولة في القاهرة. فعندما سألت وكالة الصحافة الفرنسية وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس عن الأمر أجابت: "لم أشاهد التقارير التي تتحدثون عنها".

وقالت رايس: "لقد أخبرْنا المصريين بأن العملية يجب أن تكون منفتحة وبعيدة النظر إلى أقصى حد ممكن، لأن الإصلاح السياسي ضروري بالنسبة لمصر؛ وهم يقومون بخطوات إلى الأمام الآن. لكن الأمور لا تتحرك بالسرعة ذاتها، بل ستكون هناك سرعات مختلفة في الشرق الأوسط".

وقال ستورك: "لا بد أن هذا الكلام المبهرج هو أفضل خبر تلقاه الرئيس مبارك اليوم. فعندما وصل الزخم إلى الشارع، كما حدث بالضبط في القاهرة يوم الأربعاء، بدا التزام إدارة بوش بالإصلاح مفلساً".