Skip to main content
تبرعوا الآن

الضفة الغربية: تهجير بفعل عنف المستوطنين المدعومين من الدولة الإسرائيلية

عام شهد رقما قياسيا لهجمات المستوطنين على الفلسطينيين

رجل فلسطيني يسلط ضوء مصباح يدوي على تلة مجاورة خلال حراسة ليلية مع متطوعين آخرين لمنع هجمات المستوطنين على قرية سنجل في الضفة الغربية، 16 يوليو/تموز 2026. © 2026 ليو كورّيو/أب فوتو
  • أدى تصاعد هجمات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى تهجير 107 بلدات وقرى كليا أو جزئيا منذ يناير/كانون الثاني 2023، إلى جانب توسع غير مسبوق للمستوطنات.
  • يعمل المستوطنون المسؤولون عن الهجمات بدعم مالي ومادي وقانوني من الدولة الإسرائيلية. وغالبا ما يشن المستوطنون المسلحون هجماتهم إلى جانب وحدات الجيش الإسرائيلي أو بوجود جنود يقفون مكتوفي الأيدي.
  • على الدول الأخرى فرض عقوبات محددة الهدف على الضالعين في الانتهاكات الجسيمة المستمرة، وتعليق نقل الأسلحة إلى إسرائيل، وحظر التجارة مع المستوطنات غير القانونية، والنظر في تعليق اتفاقيات التجارة التفضيلية مع إسرائيل.  

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن هجمات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة تؤدي بشكل متزايد إلى التهجير القسري بحق سكان القرى والبلدات الفلسطينية، التي يواجه العشرات منها خطر المحو. وتسلح السلطات الإسرائيلية المستوطنين العنيفين المسؤولين عن هذه الانتهاكات الدموية المتصاعدة، وتمولهم، وتمنحهم الحصانة.

تصاعدت أعمال العنف على أيدي المستوطنين في مارس/آذار وأبريل/نيسان 2026، وشملت القتل، بما في ذلك قتل أطفال، والاعتداءات، والعنف الجنسي، والانتهكات البدنية والنفسية، والاحتجاز التعسفي، والحرق المتعمد، وتدمير الممتلكات، والسرقة. وقعت هذه الهجمات خلال الحرب بينالولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، لكن هذاالاتجاه المتصاعد كان واضحا منذ تولي الحكومة الحالية مهامها في ديسمبر/كانون الأول 2022.

قالت سارة صنبر، باحثة إسرائيل وفلسطين بالإنابة في هيومن رايتس ووتش: "تتشارك الحكومة الإسرائيلية والمستوطنون الهدف نفسه، وهو أكبر مساحة ممكنة من الأرض مع أصغر عدد ممكن من الفلسطينيين، إذ لا تتقاعس السلطات عن وقف عنف المستوطنين فحسب، بل تمكّنه بشكل حثيث. يطلق المستوطنون النار على الفلسطينيين ويهاجمونهم ويطردونهم من أرضهم، بينما توفر الدولة الأسلحة والغطاء القانوني والميزانية اللازمة لذلك".

في أبريل/نيسان ومايو/أيار، حققت هيومن رايتس ووتش في هجمات المستوطنين على سبع قرى وبلدات فلسطينية في الضفة الغربية: المغيّر ومخماس والطيبة في محافظة رام الله؛ وجالود وقريوت في محافظة نابلس؛ وخربة حمصة والمعرّجات في الأغوار. هاجم مستوطنون مسلحون السكان الفلسطينيين وممتلكاتهم، وكان المستوطنون يقومون بأفعالهم أحيانا جنبا إلى جنب مع وحدات الجيش الإسرائيلي أو بينما يقف الجنود دون تدخل. ساهمت هذه الهجمات في تشكيل نمط من التهجير القسري.

تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى 20 شاهدا وراجعت فيديوهات صورها الشهود ولقطات من كاميرات المراقبة لعدد من الحوادث. لم يرد الجيش الإسرائيلي على الأسئلة التي طرحتها هيومن رايتس ووتش بشأن الهجمات.

أفاد الأشخاص الذين تمت مقابلتهم بوقوع هجمات منظمة تستهدف سبل عيش الفلسطينيين وأمنهم الغذائي، من خلال تقييد الوصول إلى مراعي الماشية والمياه، وسرقة الماشية أو قتلها، وتدمير الحقول الزراعية والمحاصيل أو إحراقها. ونتيجة لذلك، اضطر الكثيرون إما إلى بيع ماشيتهم، غالبا بخسارة، أو إلى تحمل تكلفة الحبوب لإطعامها في منازلهم.

ووجدت هيومن رايتس ووتش أن الهجمات تستهدف بشكل متزايد المنطقة في الضفة الغربية الخاضعة للسيطرة الأمنية المشتركة بين إسرائيل و"السلطة الفلسطينية"، المعروفة بـ "المنطقة ب" بموجب "اتفاقية أوسلو الثانية" لعام 1995.

قالت هيومن رايتس ووتش إن الهجمات وانعدام الحماية من الدولة خلقت بيئة قسرية تجعل العديد من الفلسطينيين يقولون إنهم لا يملكون خيارا سوى مغادرة منازلهم.

قالت أم محمد معمر (72 عاما)، وهي من سكان قرية قريوت وقُتل ابناها على يد المستوطنين: "عرفت الحرب في هذه المنطقة طوال حياتي، لكن لم أرَ شيئا مثل هذا من قبل. أطفال ابنيَّ أصبحوا الآن بلا أب؛ وزوجتاهما أصبحتا أرملتين. ماذا يمكننا أن نقول أكثر من ذلك؟"

وفقا لـ "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" (أوتشا)، عدد الفلسطينيين الذين هُجِّروا قسرا جراء هجمات المستوطنين وعمليات الهدم والطرد خلال الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام أكبر من العدد المسجل طوال العام 2025 بأكمله. وقد وثّقت أوتشا ما معدله 6.6 هجمات يومية من قبل المستوطنين أسفرت عن سقوط ضحايا أو أضرار في الممتلكات أو كليهما – وهو أعلى من أي رقم في أي عام في سجلات الوكالة.

وبينما يبقى الجيش الإسرائيليمسؤولا عن غالبية عمليات القتل في الضفة الغربية، فقد ارتفع عدد القتلى المنسوبين إلى المستوطنين ارتفاعا حادا. وسجلت أوتشا مقتل ما لا يقل عن 15 فلسطينيا، بينهم طفلان، على يد المستوطنين حتى 24 يوليو/تموز، ما يجعل عام 2026 في طريقه لتجاوز الرقم القياسي السابق البالغ 16 حالة قتل من هذا النوع، والذي سُجل في عام 2023.

ووجدت الوكالة الأممية أن عنف المستوطنين أدى إلى تهجير 107 قرى وبلدات تضم 5,900 فلسطيني، كليا أو جزئيا، منذ يناير/كانون الثاني 2023. وطرد الجيش الإسرائيلي 32 ألف لاجئ فلسطيني آخرين من منازلهم في الضفة الغربية في يناير/كانون الثاني 2025، ما أدى فعليًّا إلى تفريغ مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس.

يعمل المستوطنون المسؤولون عن تهجير الفلسطينيين بدعم مالي ومادي وقانوني من الدولة الإسرائيلية. في مارس/آذار، أفادت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" أن الحكومة وافقت على تخصيص حوالي 50 مليون شيكل إسرائيلي (16 مليون دولار أمريكي) للبؤر الاستيطانية غير القانونية، وقد استُخدم هذا التمويل لشراء دراجات رباعية، ونظارات للرؤية الليلية، ومسيّرات يستخدمها المستوطنون لمضايقة السكان الفلسطينية. ووفقا لـ "منظمة العفو الدولية" فقد زادت ميزانية "وزارة الاستيطان والمهام الوطنية" بنسبة 122% في ظل الحكومة الحالية.

وتتقاعس السلطات الإسرائيلية عن مقاضاة المستوطنين على أعمال العنف التي يرتكبونها ضد الفلسطينيين، ما يمنحهم فعليا حصانة من العقاب. في نهاية عام 2025، أفادت منظمة "يش دين" الحقوقية الإسرائيلية أن من بين مئات القضايا التي وثقتها منذ العام 2005، لم تسفر سوى 3% منها عن أحكام إدانة. في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أفادت "القناة 12"الإسرائيلية بانخفاض بنسبة 70% في القضايا التي رفعتها الشرطة ضد المستوطنين بتهمة مهاجمة الفلسطينيين منذ تولي إيتامار بن غفير منصب وزير الأمن القومي عام 2022، على الرغم من الارتفاع غير المسبوق في مثل هذه الهجمات منذئذ. ووفقا لصحيفة "الغارديان"، لم يُوجَّه الاتهام سوى إلى إسرائيلي واحد بقتل فلسطيني في الضفة الغربية منذ عام 2019.

يُطمس الفارق بين المستوطنين وقوات الأمن الحكومية عمدا، ما يصعّب التمييز بين المستوطنين والجنود. في أعقاب هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 التي شنتها فصائل مسلحة فلسطينية على جنوب إسرائيل،استدعى الجيش الإسرائيلي 5,500 مستوطن من الضفة الغربية من جنود الاحتياط وعيّنهم في "كتائب الدفاع الإقليمي" في الضفة. وتعمل هذه الوحدات المكونة من المستوطنين والجنود باستقلالية واسعة، إذ تخدم أهداف المستوطنين في ظل سلطة عسكرية كاملة وترتكب انتهاكات ضد الفلسطينيين دون عقاب.

وفي الوقت نفسه، شكلت وزارة الأمن القومي "فرق استجابة سريعة" مدنية في المستوطنات ومنحتها صلاحيات شرطية خاصة، وزيا رسميا، وأسلحة. كما خفف بن غفير شروط الترخيص للأسلحة النارية، وأشرف شخصيا في بعض الحالات على توزيع البنادق على المستوطنين.

عنف المستوطنين والتهجير الناتج عنه هما من مظاهر مشروع الاستيطان الإسرائيلي غير القانوني المتوسع ووسيلةً لتنفيذه في آن معا. في يوليو/تموز 2026، صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس لـ "القناة 7" بأن حكومته وافقت على إنشاء 104 مستوطنات جديدة منذ توليها مهامها، ما أدى إلى مضاعفة العدد الإجمالي تقريبا من 127 إلى 231. خلال الحرب مع إيران، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي سرا على ما وصفته قناة "آي 24 نيوز" بأنه أكبر توسع استيطاني منفرد في تاريخ مشروع الاستيطان، ويشمل 34 مستوطنة، 10 منها كانت بؤر استيطانية موجودة مسبقا تم "تشريعها" بأثر رجعي بموجب القانون الإسرائيلي.

هذه البؤر الاستيطانية، التي غالبا ما تُستخدم كنقاط انطلاق للهجمات، غير قانونية بموجب القانون الدولي الإنساني. ونظرا لعدم حصولها على تصاريح رسمية من الحكومة الإسرائيلية، فهي أيضا غير قانونية بموجب القانون المحلي، على الرغم من أن الحكومة الإسرائيلية غالبا ما "تشرعها" بأثر رجعي. ولا يؤثر "تشريعها" بموجب القانون المحلي على استمرار خرقها القانون الدولي الإنساني.

في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية، أنشأ المستوطنون 248 بؤرة استيطانية جديدة في الضفة الغربية، منها 65 نقطة في عام 2026 وحده حتى 1 أغسطس/آب، وفقا لمنظمة "السلام الآن" الإسرائيلية. وغالبا ما تكون هذه النقاط الاستيطانية بمثابة مقدمة لمستوطنات أكبر، وهي – إلى جانب "تشريعها" بأثر رجعي بموجب القانون المحلي – تدفع حدود التوسع الاستيطاني والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية. وقال كاتس للقناة 7 إن حكومته "شرعت" حوالي 160 بؤرة استيطانية  خلال فترة ولايتها.

أفادت المنظمتان الإسرائيليتان "كِرِم نابوت" والسلام الآن في يوليو/تموز أن هذه البؤر الاستيطانية تسيطر حاليا بشكل فعلي على أكثر من مليون دونم من الأراضي – أي قرابة 18% من مساحة الضفة الغربية – ما يعادل أربعة أضعاف المساحة التي كانت تسيطر عليها قبل تولي الحكومة الحالية مهامها.

تحظر المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة على السلطة المحتلة أن تقوم، قسرا، بنقل أو تهجير أو ترحيل السكان المدنيين في الأراضي المحتلة، كليا أو جزئيا. والاستثناء الوحيد هو الإخلاء المؤقت لمنطقة ما إذا كان ذلك ضرورياً لأمن السكان أو لأسباب عسكرية ملحة. يشير التعليق على اتفاقية جنيف الرابعة الصادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر عام 2025 إلى أن عمليات النقل القسري يمكن أن تكون غير مباشرة، عندما لا يصدر أحد الأطراف أمرا صريحا بالترحيل أو لا يشارك فيه بشكل مباشر، "ولكنه يرتكب انتهاكات للقانون الدولي الإنساني أو قانون حقوق الإنسان تؤدي إلى إجبار السكان على المغادرة". كما تحظر المادة 49 على السلطة المحتلة نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن الأدلة تُظهر أن إسرائيل لم تفِ بالتزاماتها بحماية السكان المحتلين من أعمال العنف ضدهم، ومنعها والتحقيق فيها ومقاضاة مرتكبيها، بل إنها ساهمت في تمكين هذا العنف من خلال استمرارها في تقديم الدعم المادي لمجموعات المستوطنين المسؤولة عن الانتهاكات ضد الفلسطينيين. ويشير تخصيص أراضي الفلسطينيين المهجَّرين للمستوطنات غير القانونية إلى أن هذا النزوح ليس مؤقتا ولا يمكن اعتباره إخلاء مسموحا به بموجب اتفاقية جنيف الرابعة.

ينبغي للدول الأخرى العمل على منع وقوع المزيد من الفظائع في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك فرضعقوبات موجهة على المتورطين في الانتهاكات الجسيمة الجارية، وتعليق نقل الأسلحة إلى إسرائيل، وحظر التجارة مع المستوطنات غير القانونية، والنظر في تعليق اتفاقيات التجارةالتفضيلية مع إسرائيل، ودعم المحكمة الجنائية الدولية وتحقيقاتها الجارية، بما يشمل تنفيذ مذكرات الاعتقال الصادرة عنها.

قالت صنبر: "الإفلات من العقاب الذي تمنحه السلطات الإسرائيلية للمستوطنين ينبع مباشرة من الحرية المطلقة التي تلقّتها إسرائيل من حلفائها ومانحيها. المساءلة تبدأ بالمستوطنين الذين يرتكبون الجرائم، لكنها لا تنتهي عند هذا الحد – فإسرائيل والحكومات التي تمنحها شيكا على بياض تتقاسم المسؤولية ويجب أن تخضع للمساءلة".

في يوليو/تموز 2024، قضت "محكمة العدل الدولية" بأن احتلال إسرائيل الأراضي الفلسطينية غير قانوني وأن إسرائيل تنتهك حظر الفصل العنصري والأبارتهايد. ووجدت المحكمة أن إسرائيل تقاعست منهجيا عن منع أو معاقبة هجمات المستوطنين على حياة الفلسطينيين وسلامتهم البدنية، وخلصت إلى أن عنف المستوطنين، إلى جانب مصادرة الأراضي والحرمان من الموارد، قد ساهم في خلق بيئة قسرية.

كما خلصت المحكمة إلى أن سياسات وممارسات إسرائيل غالبا ما لا تترك للفلسطينيين الذين يعيشون في "المنطقة ج"، الخاضعة للإدارة الأمنية والمدنية الإسرائيلية، خيارا سوى مغادرة منطقة إقامتهم، وأن ممارسات إسرائيل تتعارض مع حظر النقل القسري. وخلصت المحكمة إلى أن إسرائيل ملزمة بإجلاء جميع المستوطنين في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، والسماح للفلسطينيين المهجَّرين بالعودة إلى ديارهم، وجبر ضررهم. 

وكانت هيومن رايتس ووتش قد خلصت سابقا إلى أن السلطات الإسرائيلية تسببت عمدا في تهجير قسري واسع ومتعمد وطويل الأمد للمدنيين الفلسطينيين في كل من غزة والضفة الغربية، وهو ما يرقى إلى مستوى التطهير العرقي وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وفي كلتا الحالتين، أعلن مسؤولون إسرائيليون كبار عن هدفهم المتمثل في طرد الفلسطينيين وإبقائهم خارج أجزاء من غزة والضفة الغربية.

كانت هيومن رايتس ووتش قددعت سابقا إلى التحقيق في عمليات التهجير القسري التي ارتكبتها السلطات الإسرائيلية في غزة ومنع حق العودة باعتبارها جريمة ضد الإنسانية. وقد دعت هيومن رايتس ووتش إلى التحقيق مع المسؤولين العسكريين اللواء آفي بلوط، واللواء هرتسي هاليفي، واللواء إيال زامير، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، ووزير الدفاع بتسلئيل سموتريتش، لتحديد مسؤوليتهم الجنائية الفردية، بما فيها مسؤوليتهم القيادية، عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في سياق التهجير القسري للسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية.

الهجمات على القرى والبلدات الفلسطينية

خربة حمصة

تقع خربة حمصة في الأغوار الشمالية، بمحافظة طوباس، وتسكنها ست عائلات يبلغ مجموع أفرادها 45. ويواجه هذا المجتمع الرعوي الصغير خطر التهجير القسري في أعقاب هجمات متواصلة من المستوطنين اشتدت حدتها في العام 2026.

قال صهيب أبو الكباش، وهو راعٍ عمره 29 عاما، إنه هو وعائلته وناشطَيْن دوليَّيْن استيقظوا على أصوات صاخبة ونباح الكلاب الساعة 1 صباحا يوم 13 مارس/آذار. غادر خيمته ورأى ما قدّره بـ 80 إلى 100 مستوطنا ملثما ينقضون على خيامهم من جهات عدة:

أمسكوا بي وقيدوا يديّ بـ[أربطة بلاستيكية] وقيّدوا ساقيّ أيضا. خلعوا سروالي وربطوا أعضائي التناسلية بـ[ربطة بلاستيكية]، ثم ألقوا بي على الأرض، وكان عدد [المهاجمين] بين 8 و10 أشخاص. حطموا المصابيح وبدأوا بضربي بقبضاتهم على وجهي. وضربوا والدي وأخي بالعصي. أُصيب أخي بطعنة في يده. وتعرض للضرب في جميع أنحاء جسده.

وضعونا جميعا في خيمة واحدة؛ وكنا جميعا مقيدين [بالأربطة البلاستيكية]، حتى الأطفال. وألقى أحدهم بابنتي مسافة ثلاثة أمتار. وأخذوا التراب والماء وألقوهما علينا؛ ووجهوا إلينا الشتائم، ولعنونا، وهددونا. وقالوا: إذا بقيتم هنا، سنخطف زوجاتكم وبناتكم، وسنضربهن، وسنفعل أي شيء. وإذا كنتم ما تزالون هنا غدا، سنعود ونحرقكم ونحرق خيامكم.

وقال إنه بينما استخدمت مجموعة من المستوطنين العنف والترهيب لإحباط أي محاولة من السكان للدفاع عن أنفسهم، كانت مجموعة أخرى تسرق ماشيتهم، وانتظرت مجموعة ثالثة على قمة التل مع عدة سيارات دفع رباعي لنقل الماشية.

وقال إنهم سرقوا حوالي 400 رأس من الماشية، التي تمثل مصدر الدخل الرئيسي لسكان القرية. كما دمر المستوطنون البنية التحتية الأساسية، منها خزانات المياه ومحولات الطاقة والألواح الشمسية، وسرقوا أو دمروا الهواتف وكاميرات المراقبة والمجوهرات، بحسب ثلاثة شهود.

استمر الهجوم حوالي 45 دقيقة. قال صهيب: "بعد أن تأكدوا من أن جميع الأغنام في السيارات، نزعوا بقية الأصفاد وهربوا. لكنهم لم يزيلوا [الرباط البلاستيكي] المربوط حول أعضائي التناسلية. كل من كان في الخيمة، العائلة بأكملها، رأوا ما فعلوه بي".

وقد كشف تقرير صدر في أبريل/نيسان عن "مجموعة حماية الضفة الغربية" أن المستوطنين الإسرائيليين يعرّضون الفلسطينيين للعنف الجنسي وأشكال أخرى من الانتهاكات الجندرية، في سياقات تشمل بيئة قسرية أوسع نطاقا تُجبر السكان على النزوح في أنحاء الضفة الغربية.

قال محمد أبو الكباش، وهو شقيق صهيب وأيضا أحد ضحايا الهجوم: "نشعر بالخوف كلما اقتربت سيارة من منطقتنا. الأطفال لديهم صدمة نفسية".

بعد الهجوم، اتصل محمد أبو الكباش بالشرطة الإسرائيلية والجيش وسيارة إسعاف. وقال إن الجنود والشرطة وصلوا بعد ساعتين وقدموا إليهم الإسعافات الأولية، لكن السلطات أوقفت سيارتي إسعاف تابعتين لـ "الهلال الأحمر الفلسطيني" على طريق "آلون" عند مدخل مستوطنة "روعي"، على بعد ثلاثة كيلومترات. ولم يُسمح إلا لإحدى سيارتي الإسعاف بالوصول إلى خربة حمصة بعد انتظار ساعتين.

احتجزت السلطات الإسرائيلية سبعة مستوطنين متورطين في الهجوم الذي وقع تلك الليلة، لكن أُفرج عنهم حتى موعد جلسة الاستماع المقررة، حسبما قال ناشط إسرائيلي مطلع على القضية.

على الرغم من فرار العديد من التجمعات الرعوية المجاورة بسبب هجمات المستوطنين، فإن عائلة أبو الكباش عازمة على البقاء في خربة حمصة. قال محمد أبو الكباش: "نحتاج إلى المال أو الدعم، لكن سواء حصلنا عليه أم لا، سنبقى هنا. المكان الوحيد الذي سنذهب إليه من هنا هو القبر".

وفقًا لمنظمة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان، أدى عنف المستوطنين بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و31 ديسمبر /كانون الأول 2025 إلى النزوح الكلي أو الجزئي لما لا يقل عن تسع تجمعات سكانية في الأغوار الشمالية، ما أثر على ما لا يقل عن 435 شخصا، بينهم 207 أطفال.

المعرّجات الشرقية

أجبرت الهجمات والمضايقات المستمرة من قبل المستوطنين الإسرائيليين سكان المعرّجات الشرقية، وهي تجمّع بدوي رعوي يقع شمال غرب أريحا في الأغوار، على الفرار مساء 4 يوليو/تموز 2025. ولا يزال سكان القرية بأكملها، المؤلفة من 50 عائلة، وهم لاجئون من النقب عام 1948، غير قادرين على العودة. تقع المعرجات الشرقية في المنطقة ج، التي تخضع، بموجب اتفاقية أوسلو الثانية، للسيطرة المدنية والأمنية للسلطات الإسرائيلية وتشكل 60% من أراضي الضفة الغربية.

قالت علياء مليحات (28 عاما)، وهي طالبة جامعية تدرس الأمن والسلام، إن الهجمات بدأت عام 2021، عندما أُقيمت بؤرة استيطانية غير قانونية على قمة تلة قريبة. وأضافت: "بدأ المستوطنون بمنع الناس من التنقل في أراضيهم، وشرعوا في مهاجمتهم تحت حماية الشرطة والجيش. كانوا يسرقون أغنامنا بينما الشرطة والجيش بتفرجون".

وأضافت أن الهجمات ضد القرية اشتدت بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023. ومارس المستوطنون، مدعومين بسياسات الدولة وحماية الجيش، نمطا من الهجمات تم توثيقه في مجتمعات أخرى: تدمير الممتلكات، وهدم الآبار والألواح الشمسية، وسرقة الماشية والأعلاف، والاعتداء على السكان وتهديدهم.

وقالت: "المستوطنون هم من يصدرون الأوامر للجيش، وليس العكس. عندما هاجم المستوطنون قريتنا، كان عناصر الشرطة والجنود يغلقون البوابات المحيطة بالقرية حتى لا يتمكن أحد من الخروج أو الدخول لمساعدتنا. شعرنا وكأننا في سجن".

في 3 يوليو/تموز 2025، أقام المستوطنون بؤرة استيطانية في وسط القرية، على بعد 100 متر من مدرسة القرية: "أحضر المستوطنون حيواناتهم واحتلوا المدرسة. ومنعوا الطلاب من الذهاب إلى المدرسة وحرموا سكان القرية من مصادر مياههم. أُجبرت إحدى العائلات على مغادرة منزلها، واستولى المستوطنون عليه".

أضافت: "في تلك الليلة، دخل المستوطنون بين منازلنا وهم يقودون [شاحنات] ويحملون أسلحة. وأجبرونا، سكان القرية، على مغادرة أراضي قريتنا في منتصف الليل. كأنها نكبة أخرى. كانت أجواء الحرب".

بحلول 4 يوليو/تموز 2025، كان السكان بأكملهم قد فرّوا من المُعَرَّجات الشرقية. 

في فبراير/شباط 2026، هدم المستوطنون المنازل المتبقية في القرية عقب أمر صادر عن محكمة إسرائيلية في 4 فبراير/شباط يوجه الجيش الإسرائيلي والإدارة المدنية والشرطة بتمكين السكان من العودة الآمنة. قالت مليحات: "دمروا جميع المنازل للتأكد من أننا لن نتمكن أبدا من العودة".

يمكن تنفيذ الترحيل القسري أيضا من خلال أفعال تهدف عمدا إلى منع عودة السكان أو عرقلتها.

على الرغم من انتقال السكان إلى العوسج، في المنطقة أ بالقرب من أريحا، حيث تمارس السلطة الفلسطينية السلطة الأمنية والمدنية، إلا أن الهجمات والمضايقات من المستوطنين الإسرائيليين مستمرة. قالت علياء: "جئنا إلى هنا لأنها المنطقة أ، وظننّا أنها ستكون آمنة لنا، لكننا كنا مخطئين". في اليوم الذي سبق زيارة هيومن رايتس ووتش إلى العوسج، في 3 مايو/أيار، مر المستوطنون بسياراتهم عبر القرية، وضايقوا السكان وهددوا بسرقة الماشية. قالت مليحات: "سيستمرون في مهاجمتنا حتى يجبرونا على الفرار إلى الأردن".

وخلص تقرير صادر في يونيو/حزيران 2026 عن منظمة العفو الدولية إلى أن السلطات الإسرائيلية تنتهج سياسة التطهير العرقي في المنطقة ج من الضفة الغربية المحتلة، وأن التهجير القسري الذي تمارسه إسرائيل ضد البدو الفلسطينيين ومجتمعات الرعاة الفلسطينيين يشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي.

المغيّر

قرية المغيّر، الواقعة شمال شرق رام الله، شكلت بؤرة لتصاعد عنف المستوطنين في السنوات الأخيرة. في عام 2025 وحده، سجلت أوتشا ما لا يقل عن 43 هجوما استيطانيا ضد الفلسطينيين في القرية أسفرت عن سقوط ضحايا أو أضرار في الممتلكات، وهو ما يعادل عدد هذه الحوادث في العامين السابقين مجتمعين. ومنذ 2023، قتل المستوطنون أو الجنود ثلاثة فتيان وأربعة رجال في المغيّر، وفقا لـ أوتشا. قُتل اثنان من هؤلاء في هجوم استيطاني على مدرسة في 21 أبريل/نيسان 2026: جهاد أبو نعيم (32 عاما)، وابن أخيه أوس حمدي النعسان (14 عاما). أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع أفراد عائلتيهما وشهود آخرين بعد 11 يوما، وتحققّت من تسعة فيديوهات للحادث.

قال وحيد أبو نعيم، وهو شقيق جهاد ومعلم في المدرسة، إن إطلاق النار اندلع بالقرب من مدرسة الفتيان على الطرف الغربي للقرية حوالي الساعة 12:15 ظهرا في 21 أبريل/نيسان. وأفاد بأن مستوطنَيْن يرتديان زيّا عسكريا غير كامل وأربعة جنود اقتربوا من مبنى المدرسة. وكان الستة جميعهم مسلحين.

أخبر وحيد الجنود أن الأطفال يدرسون في المدرسة. فأمره أحد الجنود، باللغة العربية، بأن يعود إلى منزله. وجّه جندي آخر سلاحه نحو وحيد وأمره بالدخول إلى المدرسة: "في تلك اللحظة أدركت أنهم هنا لارتكاب جريمة". عاد إلى داخل المدرسة وأغلق البوابة، ثم ابتدأ إطلاق النار.

ووفقا لأقوال الشهود والأدلة في الفيديوهات التي تحققت منها هيومن رايتس ووتش، أطلق أحد المستوطنين النار على المدرسة من التلة المطلة عليها. ويُظهر أحد الفيديوهات اللحظة التي أطلق فيها المستوطن النار على رأس أوس وهو يهرب من مطلق النار نزولا على التلة، على الجانب الخارجي لسور المدرسة. وتوجه الباحثون إلى الموقع وشاهدوا ثقوبا متعددة من الرصاص في سور المدرسة.

قال مرزوق أبو نعيم، والد جهاد، إن مدير المدرسة نشر نداء طلبا للمساعدة على حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي بعد بدء إطلاق النار. ترك جهاد عمله في ورشة بناء وتوجه إلى المدرسة استجابةً للنداء. ووفقا للأدلة المصورة وشهادات الشهود، أُصيب بطلق ناري في الجانب الأيمن من صدره عند قمة التلة. ونقله السكان إلى مستشفى في بلدة خربة أبو فلاح المجاورة، حيث أُعلن عن وفاته. وأطلق المستوطنون النار وأصابوا شخصين آخرين خلال الهجوم: رجلا في الثلاثينيات من عمره في بطنه، ورجلا في الستينيات من عمره في ساقه، حسبما قال شهود.

وجهت هيومن رايتس ووتش رسالة إلى الجيش الإسرائيلي تطلب فيها معلومات عن أي تحقيقات فُتحت بشأن الحادث، لكنها لم تتلق أي رد.

أثرت الهجمات المتصاعدة التي يشنها المستوطنون في المغيّر بشكل خاص على عائلتَيْ أوس وجهاد. فقد قتل المستوطنون والد أوس، حمدي، في 26 يناير/كانون الثاني 2019. وقال أفراد العائلة إن جنودا إسرائيليين أطلقوا النار على صديق أوس المقرّب، محمد النعسان، البالغ من العمر 14 عاما، وأردوه قتيلا في القرية في يناير/كانون الثاني 2026.

وقالت رحاب النعسان، جدة أوس من جهة الأب: "قال لي أوس: 'إذا حدث لي شيء، ادفنيني بجانب صديقي'. فقلت له: 'أرجوك لا تقل ذلك. لا يمكننا تحمل أن يصيبك مكروه؛ فقد سبق أن فقدنا والدك'. لكنه أصرّ. وفي اليوم التالي، ذهب إلى المدرسة ولم يعد".

وقال سكان المغيّر إن تسع بؤر استيطانية تحيط بالقرية، أُقيمت سبع منها منذ عام 2023، منها واحدة في المنطقة ب. وأشار السكان إلى أن إقامة هذه البؤر تزامنت مع زيادة كبيرة في هجمات المستوطنين على القرية.

أما أكبر بؤرة استيطانية، وهي "أدي عاد"، فقد "شرّعتها" الحكومة الإسرائيلية كمستوطنة فيمايو/أيار 2025 ، وهي بمثابة محور للبؤر الأخرى المحيطة بالقرية. كما "شرّعت" الحكومة الإسرائيلية بؤرة استيطانية أخرى مجاورة هي "مالاخي هاشالوم"، في 11 يونيو/حزيران 2025، وخصصت 750 دونما من الأراضي المحيطة بها كأراضي دولة.

أغلق الجيش الإسرائيلي جميع الطرق المؤدية إلى القرية ومنها، باستثناء طريق واحد. وقال أحد أعضاء مجلس القرية إن المستوطنين سرقوا 98% من أراضي المغيّر أو منعوا الوصول إليها، بما في ذلك جميع مراعي القرية وبساتين الزيتون، ما أثر بشدة على سبل عيش السكان.

في أغسطس/آب 2025، وقّع قائد القيادة المركزية للجيش الإسرائيلي أمرا باقتلاع أشجار الزيتون على مساحة 300 دونم من أراضي المغيّر، بذريعة أمنية بعد أن أطلق فلسطيني النار وفقا للتقارير وأصاب مستوطنا كان قد تجاوز حدود أراضي القرية. ووفقا لمنظمة كِرِم نابوت، نفذ مستوطنون من مستوطنة "شيلو" عمليات إزالة الأشجار على حوالي 620 دونما – أي أكثر من ضعف المساحة التي يشملها الأمر. وبعد اقتلاع الأشجار، استولى المستوطنون على أجزاء من الأرض.

تستضيف قرية المغيّر أيضا حوالي 12 عائلة تم تهجيرها في البداية من عين سامية إلى الخلايل، الواقعة على مشارف المغيّر في المنطقة ب، في مايو/أيار 2023 عقب هجمات مستمرة شنها المستوطنون. في فبراير/شباط 2026، تم تهجيرهم مرة أخرى من الخلايل إلى المغيّر، على يد الجيش الإسرائيلي، الذي استند إلى أمر يعلن المنطقة "منطقة عسكرية مغلقة". ووفقا لـ "مجلة +972"، بعد أقل من شهر، أقام المستوطنون بؤرة استيطانية في الموقع الذي هُجِّرت العائلات منه.

قال أحد السكان: "يشنون هذه الهجمات لأنهم يروننا عائقا أمام أهدافهم، لذا يريدوننا إما أن نرحل أو نموت حتى يتمكنوا من الاستيلاء على أراضينا. لكننا نعرف تاريخنا. نفضل الموت أمام المركبات العسكرية على أن نترك أرضنا".

قريوت

تعرضت قريوت، وهي قرية فلسطينية تقع بين رام الله ونابلس، لهجمات متكررة من قبل المستوطنين الإسرائيليين. قالت أم محمد معمّر (72 عاما): " عرفت الحرب في هذه المنطقة طوال حياتي، لكن لم أرَ شيئا مثل هذا من قبل. أطفال ابنيَّ أصبحوا الآن بلا أب؛ وزوجتاهما أصبحتا أرملتين. ماذا يمكننا أن نقول أكثر من ذلك".

حوالي الظهيرة يوم 2 مارس/آذار 2026، هاجم المستوطنون منزل عائلة أم محمد. قالت إن المستوطنين أطلقوا النار على ثلاثة من أبنائها: جميل (46 عاما)، وفهيم (48 عاما)، ومحمد (52 عاما). قُتل الأخَوان الأكبر، بينما نجا جميل لكنه يمشي على عكازين بسبب الإصابة في ساقه.

قال جميل إنه صباح يوم الهجوم، ذهب هو وأخواه لتفقد مصدر ضجة كانت تُسمع في الأرض الواقعة خلف منزلهم، فرأوا مستوطنَيْن يشغّلان حفارا. وأضاف أنه عند رؤيتهم، أطلق أحد المستوطنين طلقات في الهواء، ولم يقترب الإخوة منهم.

وبعدها بوقت قصير، كما قال، اقترب مستوطنان، أحدهما يرتدي الزي العسكري، من الإخوة الذين كانوا يراقبون الحفار من خلف منزلهم. قال: "[المستوطن الذي يرتدي الزي العسكري] حاول اعتقال أحدنا، دون أي استجواب أو سبب لاعتقالنا. وبدأ يهددنا قائلا: 'سترون ما سأفعله'. […] وبدأ يطلق النار في الهواء. […] لم نتكلم أو نجادل، بل عدنا إلى المنزل وجلسنا تحت شجرة الزيتون هذه".

وبعد حوالي 15 دقيقة، اقتربت من المنزل مجموعة من 30 إلى 40 مستوطنا، منهم المستوطن الذي كان يرتدي الزي العسكري والذي حاول اعتقالهم سابقا. وقال إن اثنين منهم كانا يحملان بنادق "إم16" (M16) بينما كان ثلاثة أو أربعة آخرون يحملون مسدسات: "بدأ المستوطنون برمي الحجارة على المنزل وكسروا النوافذ، بينما أطلق آخرون النار على الأرض من حولنا. وأولئك الذين كانت بحوزتهم بنادق بدأوا بإطلاق النار، أما من لم تكن لديهم بنادق فقد ألقوا الحجارة".

وقال إن المستوطن الذي يرتدي الزي العسكري، والذي كان راكعا في وضعية القنص، أطلق النار على محمد في رأسه وعلى فهيم في بطنه. وتمكّن جميل وبعض الجيران الذين جاؤوا للمساعدة في النهاية من الوصول إلى الإخوة وسط إطلاق نار متواصل. وقال إن جارين آخرين جاءا للمساعدة تعرضا أيضا لإطلاق النار وأصيبا، أحدهما في يده والآخر في صدره.

وقال: "وضعناهم في سياراتنا وأرسلناهم إلى المركز الطبي. أما أنا فبقيت ورجعت إلى المنزل لحمايته وحماية الأطفال والزوجات". وأضاف أنه أصيب برصاصة من نفس القناص الذي قتل شقيقيه عندما اقترب من منزله.

وقال إن محمد أُعلِنت وفاته في المستشفى، بينما توفي فهيم متأثرا بجراحه في المركز الطبي في قبلان. وقال بشار القريوتي، أحد أفراد فرق الإسعاف الأولي والناشط المقيم في قريوت، إن الجيش الإسرائيلي أغلق الطريق المؤدي إلى المنطقة أثناء الهجوم، ما أعاق وصول سيارة الإسعاف ومنعه هو وجيرانه الآخرين من الوصول إلى الأسرة بسرعة.

وقالت والدته: "[فهيم] أصيب، لكنهم لم يسمحوا لسيارة الإسعاف بالوصول إليه في الوقت المناسب. لربما بقي حيا لو سمحوا بذلك. كان [فهيم] لا يزال واعيا، وكان ابنه بجانبه، بل كان يضحك".

قال القريوتي إن العرقلة المتعمدة للنقل الطبي شائعة في قريوت، وإن المستوطنين الإسرائيليين هاجموا سيارة الإسعاف وفريقه في خمس مرات على الأقل. في أبريل/نيسان 2024، أطلق مستوطن النار على سائق سيارة الإسعاف محمد عوض الله موسى وأرداه قتيلا بينما كان هو وفريقه يجلون فلسطينيين مصابين من هجوم كان يجري في بلدة الساوية المجاورة، حسبما قال القريوتي.

وقد وثق الحادث بدقة، وجمع أدلة تشمل الصور والفيديوهات والرصاصة التي قتلت موسى، وسلمها إلى الشرطة والجيش. وعلى الرغم من جهوده، لم يُجرَ، على حد علمه، أي تحقيق في القضية.

وقال: "من المستحيل تحقيق العدالة من خلال النظام القانوني الإسرائيلي. أنا مستعد لتزويد أي محكمة بجميع المعلومات، بالصور، بالأدلة، بالوثائق، وللشهادة أمامها. لا توجد مساءلة للمستوطنين، ولذلك يزيدون هجماتهم ضد الفلسطينيين".

بدلا من ذلك، يتدخل الجنود والشرطة أحيانا لدعم المستوطنين. وقال: "الجيش يدعمهم بالكامل. بعض الجنود هم أنفسهم مستوطنون". 

وجاء في بيان صادر عن المتحدث العسكري الإسرائيلي عقب حادثة 2 مارس/آذار 2026 ما يلي: "هرعت قوات جيش الدفاع الإسرائيلي إلى منطقة قرية قريوت، التابعة لـ 'لواء السامرة الإقليمي'، عقب بلاغ عن مشادات بين مدنيين إسرائيليين وفلسطينيين تضمنت رشق الحجارة. لاحقا، ورد بلاغ عن مقتل فلسطينيين اثنين جراء إطلاق النار وإصابة عدة فلسطينيين. وعقب تلقي البلاغات، فُتح تحقيق ميداني على جميع المستويات فورا، وتبين أن مطلق النار هو جندي احتياط في الخدمة الفعلية في جيش الدفاع الإسرائيلي. وبعد التحقيق، تم تجريده من سلاحه. كما فُتح تحقيق جنائي عقب الحادث".

وقد قتل مستوطنون أو جنود ثلاثة فلسطينيين في قريوت منذ أكتوبر /تشرين الأول 2023. وبالإضافة إلى هذه الحالات، أفادت بتسيلم أن جنودا كانوا يرافقون مستوطنين أطلقوا النار على بانا لبوم (13 عاما) وأردوها قتيلة، بعد أن أطلقوا النار على نافذة غرفة نومها في 6 سبتمبر /أيلول 2024.

كما فقدت قرية قريوت مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، لا سيما منذ أكتوبر /تشرين الأول 2023، وهي محاطة بسبع بؤر استيطانية، حسبما أفاد السكان. وقال القريوتي إنه من أصل 22 ألف دونم من أراضي القرية، لم يتبقَ سوى 360 دونما، تقع جميعها في المنطقة ب وتشمل الأجزاء المبنية من القرية، وهي التي لا يزال بإمكان سكان قريوت الوصول إليها.

قالت أم محمد: "كان الأمر أسهل في السابق. لطالما كانوا يسرقون الأراضي ويحتلونها، لكن الوضع لم يكن هكذا بتاتا. منذ أن جاء [المستوطنون]، بدأوا يخنقوننا شيئا فشيئا".

 

Your tax deductible gift can help stop human rights violations and save lives around the world.