(نيويورك) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إنه ينبغي لـ "مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة" ضمان بقاء قوة دولية في جنوب لبنان لحماية المدنيين وردع الانتهاكات الحقوقية التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي و"حزب الله".
في أغسطس/آب 2025، قرر مجلس الأمن بالإجماع تمديد ولاية "قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان" (اليونيفيل)، التي انتشرت لأول مرة في 1978، مرة أخيرة حتى نهاية 2026، بحيث تبدأ بعدها انسحابا تدريجيا. جاء هذا القرار قبل التصعيد الأخير للأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله في مارس/آذار 2026 – وقبل أن تُهجّر القوات الإسرائيلية مئات آلاف المدنيين وتحتل مساحات واسعة من جنوب لبنان. قد ترقى أعمال التهجير المتعمد إلى جريمة الحرب المتمثلة في التهجير القسري.
قال لويس شاربونو، مدير شؤون الأمم المتحدة في هيومن رايتس ووتش: "سحب اليونيفيل بدون قوة دولية قوية سيترك فعليا ملايين المدنيين اللبنانيين لمصير غامض وربما كارثي. قد لا تكون بعثات الأمم المتحدة حلا دائما، لكن قوات حفظ السلام تُشكّل رادعا حاسما ضد الهجمات على المدنيين والانتهاكات الحقوقية".
قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي للأمم المتحدة تأخير انسحاب اليونيفيل وتمديد ولايتها إلى ما بعد 31 ديسمبر/كانون الأول 2026، حتى يتحسن الوضع الأمني بما يكفي للنظر في خفض إضافي لقواتها. وبينما قد تمنع الولايات المتحدة أي تبنٍّ في مجلس الأمن لتمديد وجود اليونيفيل، يؤيد أعضاء آخرون في المجلس تمديدها، وقد طُرحت عدة خيارات ضمن إطار الأمم المتحدة وخارجه.
وفقا لقرار مجلس الأمن 1701، الذي اعتُمد في أغسطس/آب 2006 بعد 34 يوما من الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله، تشمل ولاية اليونيفيل دعم القوات المسلحة اللبنانية، ومراقبة وقف إطلاق النار، والإبلاغ عن الانتهاكات على طول "الخط الأزرق" الذي يفصل لبنان عن إسرائيل والجولان المحتل. كما يجيز القرار لليونيفيل "حماية المدنيين المعرضين لتهديد وشيك بالعنف البدني".
من المتوقع أن يستغرق سحب اليونيفيل عاما واحدا، استنادا إلى الجدول الزمني الوارد في القرار 2790 (2025). وينص القرار أيضا على تفويض اليونيفيل، أثناء انسحابها، "للمساهمة في حماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية بشكل مأمون وبقيادة مدنية".
في أغسطس/آب 2025، قال ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة لأعضاء مجلس الأمن إن الوضع الأمني في لبنان تحسن، مدعيا أنه "مختلف جذريا عما كان عليه قبل عام واحد فقط". قالت هيومن رايتس ووتش إن الوضع الأمني في جنوب لبنان تدهور بشكل كبير منذ ذلك الحين.
رغم إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله في 17 أبريل/نيسان، وبدء محادثات برعاية الولايات المتحدة بين إسرائيل والحكومة اللبنانية، لم يوقف حزب الله والجيش الإسرائيلي هجماتهما. استمرت القوات الإسرائيلية بلا هوادة بشن هجمات تمس بالمدنيين اللبنانيين، بالإضافة إلى التهجير الجماعي. ومنذ تصاعد الأعمال العدائية في 2 مارس/آذار، قتلت الهجمات الإسرائيلية أكثر من 4,333 شخصا في لبنان وجرحت أكثر من 12,250، وفقا لوزارة الصحة اللبنانية.
كما أفادت الأمم المتحدة عن سقوط قتلى من اليونيفيل خلال هجمات في الأعمال العدائية الأخيرة.
أبدت الولايات المتحدة وإسرائيل بوضوح معارضتهما تمديد ولاية اليونيفيل إلى ما بعد 2026، رغم أن 14 من أعضاء المجلس الـ15 سيؤيدون تأجيل سحب اليونيفيل، بحسب دبلوماسيين تحدثوا إلى هيومن رايتس ووتش.
وبصفتها عضوا دائما في مجلس الأمن، تستطيع الولايات المتحدة استخدام حق النقض (الفيتو) لمنع أي محاولة لتمديد ولاية اليونيفيل أو تأجيل إنهائها.
قالت سفيرة الدنمارك لدى الأمم المتحدة ورئيسة المجلس الدورية في أغسطس/آب كريستينا ماركوس لاسن في اجتماع علني مع منظمات المجتمع المدني إنه ينبغي للمجلس إعادة النظر في قرار إنهاء ولاية اليونيفيل، لأنه اتُخذ قبل التصعيد الحالي للأعمال العدائية في لبنان.
في يوليو/تموز، أرسلت البعثة الدائمة للبنان إلى أعضاء المجلس رسالة مشتركة أيدها 86 عضوا في "مجلس النواب" اللبناني مفادها بأنه في ضوء الوضع الأمني الهش في البلاد، ينبغي لليونيفيل ألا تبقى في جنوب لبنان فحسب، بل أن تتوسع قدراتها أيضا.
قال مبعوث الصين لدى الأمم المتحدة، فو كونغ، في مايو/أيار إن على مجلس الأمن إعادة النظر في قرار إنهاء ولاية اليونيفيل، مشيرا إلى عدم وجود وقف حقيقي لإطلاق النار.
يجري النظر في خيارات أخرى لوجود دولي في لبنان. دعا قرار أغسطس/آب 2025 الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى تقديم خيارات بشأن "مستقبل تنفيذ القرار 1701 (2006) بعد انسحاب اليونيفيل".
في يونيو/حزيران، قدم غوتيريش مذكرة إلى المجلس تعرض فعليا ثلاث صيغ مختلفة لخيار واحد – قوة حفظ سلام صغيرة ومتوسطة وأكبر حجما. وحتى أكبر هذه الصيغ ستكون أصغر بكثير من اليونيفيل. ولم يطرح غوتيريش إمكانية تأجيل انسحاب اليونيفيل ببساطة.
في يونيو/حزيران، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أنهما سيشكلان ائتلافا متعدد الجنسيات يتولى المهمة بعد مغادرة اليونيفيل. ورغم قلة التفاصيل، فإن فرنسا وإيطاليا وإسبانيا من كبار المساهمين في قوات في اليونيفيل، التي تضم حاليا نحو 7,500 من أفراد قوات حفظ السلام من 47 دولة. ومن المفترض ألا يكون هذا الائتلاف بعثة تابعة للأمم المتحدة، رغم أنه قد يسعى إلى الحصول على تفويض من الأمم المتحدة كما فعلت بعثات حديثة في هايتي.
أشارت تركيا أيضا إلى أنها قد تدعم القوات المسلحة اللبنانية بعد مغادرة اليونيفيل. إلا أن كلا من القوات المسلحة التركية والجيش اللبناني ضالعان في انتهاكات في سوريا.
قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي للحكومة اللبنانية وأعضاء مجلس الأمن ضمان أن تكون حماية المدنيين أولوية لأي وجود دولي مستقبلي في لبنان. وينبغي تجهيز هكذا قوة لرصد الانتهاكات الحقوقية وانتهاكات القانون الإنساني الدولي من قبل جميع أطراف النزاع والإبلاغ عنها علنا، ودعم جهود محاسبة المسؤولين عنها.
قال شاربونو: "ينبغي لمجلس الأمن ألا يترك المدنيين اللبنانيين بلا حماية. سيتحمل المجلس قدرا كبيرا من اللوم إذا أدت مغادرة اليونيفيل إلى فراغ أمني يفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات".