(لاهاي) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن الجلسة التاريخية المرتقبة لـ "المحكمة الجنائية الدولية" في قضية خالد محمد علي الهيشري، المشتبه بارتكابه جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، تمثل انفراجة طال انتظارها لضحايا الجرائم الخطيرة في ليبيا.
من 19 إلى 21 مايو/أيار 2026، سينظر قضاة المحكمة في الأدلة ضد الهيشري في جلسة "اعتماد التهم" لتحديد ما إذا كان ينبغي إحالة القضية ضده إلى المحاكمة. وهو أول شخص يمثل أمام المحكمة الجنائية الدولية بشأن الفظائع المرتكبة في ليبيا منذ أن أحال "مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة" الوضع في ليبيا إلى المدعي العام للمحكمة العام 2011 للتحقيق في الجرائم الخطيرة التي ارتكبت في أعقاب الانتفاضة في البلاد. ونشرت هيومن رايتس ووتش وثيقة أسئلة وأجوبة حول الإجراءات المقبلة.
قالت أليس أوتين، باحثة العدالة الدولية في هيومن رايتس ووتش: "بعد 15 عاما من انتهاء ثورة ليبيا في 2011، تبعث رؤية مشتبه به بعد طول انتظار على قائمة قضايا المحكمة الجنائية الدولية رسالة قوية إلى آلاف ضحايا الجرائم الخطيرة في ليبيا، مفادها أن نضالهم من أجل العدالة لم يُنسَ. مع استمرار الفظائع في مختلف أنحاء ليبيا، ينبغي أن يحفز التقدم في هذه القضية السلطات الليبية والمجتمع الدولي على اتخاذ إجراءات لإنهاء الإفلات السائد من العقاب الذي ما يزال يغذي العنف".
الهيشري عضو سابق رفيع المستوى في "جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة" (الردع)، وهي ميليشيا مقرها طرابلس وتتبع "المجلس الرئاسي"، معروفة سابقا بـ "قوة الردع الخاصة".
يدعي مكتب المدعي العام للمحكمة أن الهيشري مسؤول عن 17 تهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، منها التعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي والقتل والاستعباد والاضطهاد. تتعلق التهم بجرائم يُزعم أنها ارتُكبت في سجن معيتيقة سيئ السمعة في طرابلس، بين 2014 و2020، ضد معتقلين ليبيين وغير ليبيين. يُزعم أن الهيشري ارتكب هذه الجرائم، وأمر بها، ويسّرها بشكل مباشر من خلال السلطة التي كان يمارسها على السجن.
اعتقلت السلطات الألمانية الهيشري في يوليو/تموز 2025 بموجب مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سجن معيتيقة. سلمته للمحكمة في لاهاي في ديسمبر/كانون الأول 2025.
وثّقت هيومن رايتس ووتش ومنظمات حقوقية أخرى ومنظمات إنسانية، فضلا عن الأمم المتحدة، الظروف اللاإنسانية في مراكز الاحتجاز والسجون في مختلف أنحاء ليبيا، والتي يدير الكثير منها جماعات مسلحة تعسفية وغير خاضعة للمساءلة، تابعة اسميا للسلطات. تقاعست الحكومات الليبية المتعاقبة والسلطات المؤقتة عن إنهاء هذه الممارسة أو التحقيق مع المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة في مراكز الاحتجاز ومحاسبتهم.
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف علنية ضد 14 شخصا في إطار التحقيق المتعلق بليبيا،منهم الهيشري. توفي أربعة منهم أو قُتلوا منذ ذلك الحين، ولا يزال ثمانية آخرون طلقاء. أعلن قضاة المحكمة الجنائية الدولية أن القضية المرفوعة ضد عبد الله السنوسي، رئيس المخابرات في عهد الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، غير مقبولة أمام المحكمة.
قالت هيومن رايتس ووتش إن نجاح السلطات الألمانية في اعتقال الهيشري وتسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية يكتسي أهمية خاصة لأنه يُظهر كيف يمكن للدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية المساهمة في تحقيق العدالة عندما تفي بالتزامها بالتعاون مع المحكمة.
في يناير/كانون الثاني 2025، تقاعست إيطاليا، وهي أيضا عضو في المحكمة الجنائية الدولية، عن تسليم المتهم بمشاركة الهيشري في جرائمه في سجن معيتيقة، أسامة المصري نجيم، إلى المحكمة بعد اعتقاله. وبدلا من ذلك، أعادته السلطات الإيطالية إلى ليبيا. في أكتوبر/تشرين الأول 2025، خلص قضاة المحكمة إلى أن إيطاليا أخلت بالتزامها بالتعاون مع المحكمة، وفي يناير/كانون الثاني 2026، أحالوا القضية إلى الدول الأعضاء في المحكمة للمزيد من الإجراءات.
وبموجب قرار مجلس الأمن الذي أحال الوضع في ليبيا إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية وقرار السلطات الليبية العام 2025 بقبول اختصاص المحكمة من 2011 إلى 2027، فإن ليبيا – رغم أنها ليست عضوا في المحكمة– عليها التزام واضح بالتعاون مع المحكمة. ويشمل ذلك اعتقال الأفراد المطلوبين من قبل المحكمة والموجودين على أراضيها وتسليمهم إلى المحكمة الجنائية الدولية. ومع ذلك، ظل تعاون ليبيا مع المحكمة حتى الآن ناقصا إلى حد كبير. عارضت بعض السلطات الليبية من حيث المبدأ محاكمة الليبيين خارج ليبيا، وشككت في ضرورة تدخل المحكمة الجنائية الدولية في بعض التحقيقات في البلاد.
وقد أفادت التقارير بأن السلطات الليبية اعتقلت ما لا يقل عن مشتبهَين مطلوبَيْن أيضا من قبل المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بجرائم خطيرة في ترهونة، بناء على تحقيقات محلية. كما أفادت التقارير بأنها اعتقلت نجيم في طرابلس في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 ووضعته في الحبس الاحتياطي.
المحكمة الجنائية الدولية هي محكمة الملاذ الأخير، وتقع على عاتق المحاكم الوطنية المسؤولية الأساسية عن التحقيق في الجرائم الخطيرة المرتكبة على أراضيها ومقاضاة مرتكبيها. ومع ذلك، عندما تكون تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية قد أدت مسبقا إلى إصدار أوامر اعتقال، يتعين على السلطات المحلية أن تثبت للمحكمة أنها تحاكم المشتبه بهم المطلوبين من قبل المحكمة الجنائية الدولية عن الجرائم نفسها التي تلاحقها المحكمة. قدم محامي الدفاع عن نجم طعنا إلى قضاة المحكمة الجنائية الدولية، مدعيا أن هناك إجراءات جنائية جارية ضد نجم في ليبيا تغطي بشكل جوهري نفس السلوك الذي تدقق فيه المحكمة الجنائية الدولية. القضية معروضة حاليا أمام قضاة المحكمة الجنائية الدولية. قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي للسلطات الليبية أن تحيل بسرعة جميع المشتبه بهم المطلوبين من قبل المحكمة الجنائية الدولية والموجودين في عهدتها إلى المحكمة في لاهاي.
وجدت هيومن رايتس ووتش أن قطاع العدالة الليبي المجزأ لا يزال يعاني من خروقات خطيرة للإجراءات القانونية الواجبة وقوانين تخالف المعايير الدولية، وأن القضاء غير راغب في التحقيق جديا في الجرائم الخطيرة وغير قادر على ذلك.
قالت أوتان: "تسلط جلسة اعتماد التهم في قضية الهيشري الضوء على أهمية تعاون الدول مع المحكمة الجنائية الدولية. إحراز مزيد من التقدم في تحقيق العدالة في الجرائم الخطيرة في ليبيا مرهون بوفاء السلطات الليبية بواجبها القانوني بتسليم المشتبه بهم المطلوبين من قبل المحكمة الجنائية الدولية".