(بيروت، 10 أبريل/نيسان 2026) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن أكثر من 100 غارة شنتها إسرائيل في مختلف أنحاء لبنان في 8 أبريل/نيسان 2026، بما في ذلك في أحياء مكتظة بالسكان في بيروت، قتلت أكثر من 300 شخص وألحقت أضرارا بالجسر الرئيسي الأخير الذي يربط الجنوب بباقي الأراضي اللبنانية. وتهدد الغارات الإسرائيلية، التي جعلت عبور الجسور فوق نهر الليطاني غير ممكن، بقطع المساعدات الإنسانية والغذاء والرعاية الصحية عن عشرات آلاف الأشخاص في جنوب لبنان.
قال رمزي قيس، باحث لبنان في هيومن رايتس ووتش: "خلال العامين الماضيين، تسببت جرائم حرب الجيش الإسرائيلي وانتهاكاته المروعة في لبنان وغزة بدمار هائل على المدنيين، وذلك بتشجيع ضمني من الدول التي ضلت صامتة بينما استمر تدفق الأسلحة إلى إسرائيل. قد يؤدي عزل جنوب لبنان عن بقية البلاد إلى كارثة إنسانية وضرر جسيم لعشرات الآلاف الذين ما زالوا هناك".
في 31 مارس/آذار، زار باحثو هيومن رايتس ووتش مدينة صور في جنوب لبنان وأجروا مقابلات مع ثمانية أشخاص، بينهم أربعة مسؤولين بلديين؛ وأعضاء في "الدفاع المدني اللبناني" و"الهيئة الصحية الإسلامية"، وهي منظمة للدفاع المدني والإسعاف تابعة لـ "حزب الله"؛ ومسؤول في "مستشفى جبل عامل"، أحد المستشفيات الرئيسية في صور.
قال حسن حمية، وهو أحد السكان النازحين الذين فروا إلى صور من بلدة بيت ليف الجنوبية: "إذا قصفوا الجسر أين نذهب؟ لا وجهة لنا".
قال الجيش الإسرائيلي في 8 أبريل/نيسان إنه شن أكثر من 100 غارة "خلال 10 دقائق وفي مناطق متعددة [في لبنان] في وقت واحد"، بما في ذلك في مناطق مكتظة بالسكان في بيروت، ما أسفر عن مقتل 303 أشخاص على الأقل وإصابة أكثر من 1,150 آخرين وفقا لـ وزارة الصحة اللبنانية. كان ذلك اليوم الأكثر دموية في لبنان منذ تصعيد الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله في 2 مارس/آذار.
في وقت لاحق من ذلك اليوم، أفاد الجيش اللبناني بأنه أخلى جسر القاسمية بالقرب من صور، وهو آخر معبر رئيسي إلى المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني.
تُظهر الصور والفيديوهات التي التقطها الصحفيون في الموقع وتحققت منها هيومن رايتس ووتش أن الغارات الإسرائيلية دمرت جسر مشاة موازي لجسر القاسمية الرئيسي، بطريقة جعلت أشلائه الملتوية تسقط على الجسر الرئيسي وتقطع مؤقتا الوصول إلى جانب من الطريق. في 9 أبريل/نيسان، قال الجيش الإسرائيلي إنه "قصف معبرين رئيسيين" فوق نهر الليطاني، متهما حزب الله باستخدامهما لنقل المقاتلين والأسلحة.
قتلت الهجمات الإسرائيلية أكثر من 1,888 شخصا في لبنان منذ 2 مارس/آذار، وفقا لوزارة الصحة اللبنانية. ويشمل هذا العدد أكثر من 130 طفلا و102 نساء و57 عاملا طبيا، حتى 7 أبريل/نيسان. وأفادت وكالة "رويترز" أن هجمات حزب الله قتلت شخصين أو أكثر في إسرائيل.
بين 12 مارس/آذار و8 أبريل/نيسان، دمرت القوات الإسرائيلية بشكل منهجي أو ألحقت أضرارا جسيمة بجميع الجسور الرئيسية التي تربط المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني ببقية البلاد، ما جعل جسر القاسمية المعبر الرئيسي الأخير الذي لا زال شغالا. وتشمل الهجمات قصف تسعة جسور، بعضها مرات متعددة، فوق الليطاني وروافده ، إضافة إلى الطريق الرئيسي المؤدي إلى جسر الخردلي.
حللت هيومن رايتس ووتش فيديوهات نُشرت على الإنترنت تُظهر لحظة استهداف ثلاثة جسور، إضافة إلى صور وفيديوهات لآثار الضربات على الجسور التسعة والطريق المؤدي إلى جسر الخردلي. حدد الصحفي في "سكاي نيوز" بن فان دير ميرف الموقع الجغرافي للعديد من الفيديوهات، ما تأكد من صحته باحثو هيومن رايتس ووتش.
وقد قيّدت هذه الضربات بشكل كبير قدرة المدنيين على التنقل بأمان، وقدرة مؤسسات الدولة والمنظمات الإنسانية والمستشفيات ومرافق الرعاية الصحية على إيصال المساعدات وتقديم الرعاية الطبية. ورغم بعض الأضرار التي لحقت بجسر القاسمية وتدمير جسر المشاة الموازي له، لا يزال الجسر صالحا للاستخدام ويشكل شريان الحياة الوحيد لعشرات الآلاف الذين لا زالوا موجودين جنوب الليطاني.
على جميع الدول الضغط على إسرائيل لئلا تعزل سكان جنوب لبنان عن بقية البلاد، وضمان حصولهم على المساعدات الإنسانية بشكل مستدام ومرتقب، وعدم حرمانهم من المواد الضرورية للحياة كالماء والغذاء والأدوية. كما ينبغي ضمان المرور الآمن لمن يختارون المغادرة.
على حلفاء إسرائيل، بما فيهم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى، تعليق مبيعات وعبور الأسلحة والمساعدات العسكرية لإسرائيل، وفرض عقوبات مستهدَفة على كل مسؤول اشتبه بشكل موثوق في تورطه في الجرائم الجسيمة الجارية. قالت هيومن رايتس ووتش إن على الاتحاد الأوروبي أن يعلق فورا الركن التجاري من اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، طالما استمرت الجرائم والفظائع الإسرائيلية.
وصرّح الجيش الإسرائيلي بأن الضربات على الجسور كانت "لمنع تحرك التعزيزات والوسائل القتالية" إلى جنوب لبنان، متهما حزب الله باستخدام الجسور لأغراض عسكرية.
وحتى افتراضا أن الجسور أصبحت أهدافا عسكرية – أي إذا كانت تساهم فعليا في العمل العسكري – فإن الهجمات عليها تظل خاضعة لقواعد التناسب. وتشمل الهجمات غير المتناسبة تلك التي يُتوقع أن تسبب أضرارا مفرطة بالمدنيين والأعيان المدنية مقارنة بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة من الهجوم. وهذه الهجمات محظورة بموجب قوانين الحرب.
صرّح "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" (أوتشا) في 23 مارس/آذار بأن تدمير الجسور الرئيسية "عطل الحركة والوصول الإنساني بشكل كبير"، حيث "قطعت الضربات التواصل" بين صور والنبطية، و"[قيدت] الحركة بين جنوب لبنان والبقاع الغربي، بما في ذلك مرجعيون وحاصبيا".
وقالت أوتشا إن "تدمير الجسور الرئيسية أدى إلى عزل مناطق بأكملها، ما أدى إلى عزل أكثر من 150 ألف شخص وتقييد شديد لوصول المساعدات الإنسانية"، مضيفةً أن الأضرار التي لحقت بطرق النقل الرئيسية "تعيق أيضا توصيل الإمدادات الأساسية، وتحد من قدرة المدنيين على التنقل بأمان".
وقال مرتضى مهنا، مدير وحدة إدارة الكوارث في "اتحاد بلديات صور"، الذي يضم ما لا يقل عن 55 بلدية، إن حوالي 71 ألف شخص كانوا ما يزالون في صور والبلدات والقرى المحيطة بها، حتى 8 أبريل/نيسان.
قال ثمين الخيطان، المتحدث باسم "المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان"، في 17 مارس/آذار: "يواجه من بقوا جنوبَ لبنان عزلة وعقبات متزايدة تحول دون الحصول على المساعدات الإنسانية، حيث دمرت الغارات الجوية الإسرائيلية الجسور التي تربط الجنوب ببقية البلاد".
وأبلغت سلطات صور هيومن رايتس ووتش أن إمدادات الغذاء ستكفي أسبوعا واحد فقط إذا تعرض الجسر الأخير المتبقي للهجوم وأصبح غير صالح للاستخدام. وقال علوان شرف الدين، نائب رئيس بلدية صور: "لا يمكن لأي شيء أن يصل عن طريق البحر أو الجو. ذلك الجسر هو شريان الحياة. مخزوننا من الغذاء يكاد ينفد لأننا نوزع كل ما نحصل عليه"
وقال شرف الدين إن "المتاجر الكبرى الخمسة في المدينة والمناطق المحيطة بها أغلقت جميعها"، ولم يبقَ سوى خمس مخابز تعمل في المدينة، كما أغلقت الصيدليات أبوابها، والأدوية يتم توفيرها الآن من قبل السلطات المحلية والمنظمات غير الحكومية.
قالت أوتشا إن "الأسواق الواقعة جنوب الليطاني يبدو أنها توقفت عن العمل إلى حد كبير، حيث أُغلقت أو تم إخلاء العديد من المتاجر المرصودة، وتقلصت عمليات توصيل الإمدادات بشكل كبير".
كما عرقل قصف الجسور بشدة الحصول على العلاج والأدوية والإمدادات، حسب عامل طبي ومسؤول في مستشفى في صور.
وقال مسؤول في مستشفى جبل عامل في صور إن جميع الأطباء والموظفين الذين ما زالوا يعملون يقيمون في المستشفى لأن التنقل منه وإليه أصبح محفوفا بالمخاطر. وأفادت "أطباء بلا حدود" و"اللجنة الدولية للصليب الأحمر" إن موظفي المستشفيات في مدينتَيْ النبطية ومرجعيون الجنوبيتين يفعلون الشيء نفسه.
وقال المسؤول إن مرضى غسيل الكلى اضطروا أيضا إلى الانتقال إلى مستشفى جبل عامل، لأنهم لا يستطيعون التنقل بسهولة أو يخاطرون بالانقطاع عن المستشفى تماما. وقال أيضا إن بعض الأطباء اضطروا حتى إلى إجراء عمليات جراحية تتطلب عادةً أدوات طبية معيّنة، مثل المثاقب العظمية المستخدمة في جراحات الدماغ، باستخدام مثاقب يدوية لأن الموظفين غير قادرين على استبدال هذه الأدوات أو إرسالها للتصليح بسهولة.
وقال المسؤول في مستشفى جبل عامل: "للحصول على الإمدادات الطبية، علينا أن نستقل سيارة المستشفى، ونذهب إلى صيدا [على بعد أكثر من 30 كيلومتر شمالا]، ونحصل على الإمدادات الطبية، ثم نعود. لكن هذا أمر محفوف بالمخاطر لأننا نضطر أحيانا للذهاب في وقت متأخر من الليل [...] فإذا تعرض الجسر [الأخير] للقصف، سنصبح معزولين تماما". قالت "منظمة الصحة العالمية" إن ستة مستشفيات في لبنان على الأقل اضطرت إلى إغلاق أبوابها منذ 2 مارس/آذار، بما فيها ثلاثة مستشفيات جنوب نهر الليطاني.
منذ 4 مارس/آذار، أصدر الجيش الإسرائيلي مرارا أوامر إخلاء لجميع سكان لبنان جنوب نهر الليطاني، بما في ذلك منطقة صور. ومنذ 12 مارس/آذار، وسّع المناطق الخاضعة لأوامر الإخلاء، وأمر السكان بالانتقال إلى شمال نهر الزهراني، على بعد 15 كيلومتر شمال نهر الليطاني و40 كيلومتر شمال الحدود الجنوبية للبنان مع إسرائيل.
وبموجب القانون الإنساني الدولي، جميع أطراف النزاع ملزمة بالسماح بمرور المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المحتاجين وتسهيل ذلك بسرعة ودون عوائق. كما عليها احترام وحماية العاملين في مجال الإغاثة والمستودعات والأعيان الأخرى المستخدمة في عمليات الإغاثة.
يظل المدنيون الذين لا يغادرون بعد صدور التحذيرات تحت الحماية الكاملة للقانون الإنساني الدولي. التهجير القسري محظور بموجب قوانين الحرب، إلا في الحالات التي تتعلق بحماية المدنيين المعنيين أو لأسباب عسكرية ملحة. أي شخص يرتكب انتهاكات جسيمة لقوانين الحرب بنية إجراميّة – أي عن قصد أو بتهور – قد يُحاكَم بتهمة ارتكاب جرائم حرب. كما يمكن تحميل الأفراد المسؤولية الجنائية عن المساعدة في جريمة حرب أو تسهيلها أو المساهمة فيها أو التحريض عليها.
ارتكبت القوات الإسرائيلية انتهاكات عدة لقوانين الحرب في لبنان دون أي عقاب منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بما فيها هجمات يفترض أنها متعمدة أو عشوائية على الصحفيين، والمدنيين، والمسعفين، والمؤسسات المالية، والمرافق المتعلقة بإعادة الإعمار، وقوات حفظ السلام.
كما وجدت هيومن رايتس ووتش أن إسرائيل تجاهلت أوامر "محكمة العدل الدولية" التي تطالب إسرائيل بتمكين توفير الخدمات الأساسية والمساعدة الإنسانية للفلسطينيين في غزة. أصدرت "المحكمة الجنائية الدولية" مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بتهم تشمل تجويع المدنيين كوسيلة حرب فيما يتعلق بحرمان إسرائيل المتعمد والمنهجي "السكان المدنيين في كل مناطق غزة من المواد التي لا غنى عنها للبقاء على قيد الحياة"، بما في ذلك عرقلة المساعدات والهجمات على عمال الإغاثة وقتلهم.
على للسلطات القضائية اللبنانية أن تبدأ تحقيقات في الجرائم الدولية الخطيرة، وعلى الحكومة أن تنضم إلى "نظام روما الأساسي" للمحكمة الجنائية الدولية وتقدم إعلانا بقبول اختصاص المحكمة قبل تاريخ الانضمام، بما فيها الفترة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 على الأقل.
قال قيس: "لتفادي كارثة إنسانية، على المجتمع الدولي التحرك فورا للمطالبة بحماية المدنيين في جميع أنحاء لبنان والحفاظ على آخر جسر يربط جنوب لبنان ببقية البلد عبر نهر الليطاني. المدنيون يدفعون ثمن صمت المجتمع الدولي وعدم رغبته في محاسبة المسؤولين الإسرائيليين".