مقدّمة

لا تزال أوضاع حقوق الإنسان محفوفة بالمخاطر في ليبيا بعد أن بلغ النزاع المسلّح غير الدولي بين الجماعة المسلحة المتمركزة شرق البلاد والمعروفة بـ "الجيش الوطني الليبي" و"حكومة الوفاق الوطني"، المُعترف بها دوليا والمتمركزة في طرابلس، شهره العاشر – منذ أبريل/نيسان 2019 – مع استمرار الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان بلا هوادة، مثل تلك التي تستهدف المهاجرين.

النزاعات المسلحة المتقطّعة والخلافات السياسية منذ 2011 كان لها أثر مُدمّر على المدنيين، حيث ارتكبت جماعات مسلحة جرائم حقوقية دون محاسبة، وتسبب نزاع 2014 في انقسام سياسي في البلاد، حال بِدَوره دون استكمال عملية بناء المؤسسات.

في أبريل/نيسان 2019، شنّ الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر هجوما على جماعات مسلحة مرتبطة بـ "حكومة الوفاق الوطني" من أجل "تطهير طرابلس من الارهابيين والميليشيات"، والسيطرة على العاصمة. بحسب "بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا"، تسبب هذا الصراع المسلح حتى ديسمبر/كانون الأول 2019 في مقتل الآلاف، منهم 284 مدنيا.

شنّت الجماعات المسلحة المتنازعة، لا سيما الجيش الوطني الليبي وحلفاؤه، الذي يتمتع بتفوق جوّي، مئات الغارات الجوية والغارات بطائرات مسيّرة على طرابلس وحولها منذ بداية النزاع، ما تسبب في مقتل وتهجير المدنيين. أدّى القتال أيضا إلى تهجير ما لا يقلّ عن 150 ألف شخص وإغلاق 220 مدرسة، ما أثر على تعليم 116 ألف طفل على الأقل.

رغم المحاولات الكثيرة التي قادتها الأمم المتحدة من أجل وقف إطلاق النار والتفاوض بشأن تسوية سياسية، لم تتراجع أطراف النزاع وداعموها الدوليون حتى اليوم. أثناء آخر محاولة من أجل "خفض التصعيد"، أطلقت ألمانيا "عملية برلين" التي افتُتحت بمؤتمر في يناير/كانون الثاني 2020. كما وقّع الداعمون الدوليون للأطراف المتنازعة محليا وحكومات أجنبية أخرى، منها الإمارات، وروسيا، وتركيا، والصين، والولايات المتحدة، وإيطاليا، وفرنسا، ومصر على بيان نوايا مؤلّف من 55 نقطة يدعم اتفاق سلام ووقف دائم لإطلاق النار. حتى كتابة هذا التقرير، كان القتال ما يزال مستمرا.

إضافة إلى الانتهاكات المرتبطة بالنزاع، وثقت "هيومن رايتس ووتش" انتهاكات منهجية أخرى، مثل الاحتجاز التعسفي، والاختفاء القسري، والتعذيب. الانتهاكات الواسعة التي يرتكبها المهرّبون وخفر السواحل المرتبط بحكومة الوفاق الوطني وسلطات السجون ضدّ المهاجرين وطالبي اللجوء بلغت مستويات مروّعة من سوء المعاملة وظروف الاحتجاز غير الإنسانية.

 

من هي أطراف النزاع في ليبيا؟

ما هي انتهاكات القانون الدولي التي تمّ التبليغ عنها؟

من الذي دعا إلى تحقيق دولي في الجرائم الخطيرة المزعومة في ليبيا؟

لماذا المحاسبة الجنائية مهمة؟

ما الحاجة إلى لجنة تحقيق دولية الآن؟

لماذا يتعيّن على مجلس حقوق الإنسان إنشاء لجنة تحقيق؟

أيّ تفويض يجب منحه للجنة التحقيق؟

هل ستستطيع لجنة التحقيق القيام بعملها بفعالية دون دخول ليبيا؟

ما الأثر الذي يُمكن أن تُحدثه لجنة التحقيق على أرض الواقع؟

 

من هي أطراف النزاع في ليبيا؟

هناك طرفان ليبيان متناحران رئيسيان في النزاع، كلّ منهما مدعوم من دولة أجنبية واحدة أو أكثر. من ناحية، هناك الجماعة المسلحة المتمركزة شرق البلاد والمعروفة بالجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، وهي مرتبطة بالحكومة المؤقتة غير المعترف بها دوليا، رغم أنّ كلا من الجيش الوطني الليبي والحكومة المؤقتة معترف بهما من "مجلس النواب"، السلطة التشريعية الوحيدة في البلاد.[1] الجيش الوطني الليبي تدعمه جماعات مسلحة متعددة من شرق البلاد وغربها، بما يشمل الساحل الليبي الغربي في بلدتي صبراتة وصرمان، وفي ترهونة. هناك أيضا ميليشيات تتبع منهجا إسلاميا صارما داعمة للجيش الوطني الليبي شرق البلاد.

بحسب تقرير للأمم المتحدة، حصل الجيش الوطني الليبي على دعم عسكري من الإمارات والأردن، في انتهاك لحظر الأسلحة المفروض على ليبيا.[2] تُشغّل الإمارات، التي صارت طرفا في النزاع، قاعدة جوية عسكرية شرق ليبيا. صارت الإمارات طرفا لأنها، فضلا عن تزويدها للجيش الوطني الليبي بالأسلحة والذخائر، تُشغّل طائرات حربية مقاتلة وطائرات بدون طيار مسلحة دعما لهذا الجيش. من بين الغارات التي أفادت تقارير بأن الإمارات هي التي شنتها هجوم في يوليو/تموز 2019 على مركز مهاجرين في تاجوراء قرب طرابلس، تسبب بمقتل 50 مدنيا على الأقل. ذكرت تقارير أن مقاتلين أجانب من السودان وتشاد ومقاتلين روس من شركة أمنية خاصة يدعمون الجيش الوطني الليبي أيضا.

في الجهة المقابلة، هناك حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا ومقرها طرابلس، والجماعات المسلحة المرتبطة بها من الغرب الليبي، بما في ذلك طرابلس ومصراتة. ذكرت تقارير أن تركيا، التي صارت الآن طرفا في النزاع، هي أهم داعم أجنبي لحكومة الوفاق الوطني بعد أن وقعت معها مذكرتَي تفاهم أواخر أغسطس/آب تنصّان على تعاون بحري وأمني بين تركيا وحكومة الوفاق. صارت تركيا طرفا لأنها تدعم حكومة الوفاق بالأسلحة، والعربات المدرعة، والطائرات المسيّرة المسلحة، وأفادت تقارير بأنها نشرت آلاف المقاتلين السوريين المدعومين الذين تدعمهم لمساندة حكومة الوفاق. وبحسب تقارير، انتدبت حكومة الوفاق مقاتلين أجانب من تشاد والسودان ليقاتلوا لصالحها.   

جميع أطراف النزاع في ليبيا مُلزمة باحترام قوانين الحرب، ما يفرض عليها اتخاذ جميع الخطوات الممكنة لحماية المدنيين. بعض الانتهاكات الخطيرة لقوانين الحرب، عندما تُرتكب بنِيّة إجرامية، تعتبر جرائم حرب. كل من يرتكب أو يأمر أو يساعد أو يتحمل مسؤولية قيادة في جرائم حرب في ليبيا معرّض للمحاكمة في المحاكم المحلية أو "المحكمة الجنائية الدولية"، التي لها صلاحية النظر في جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة المرتكبة هناك منذ 15 فبراير/شباط 2011.

ما هي انتهاكات القانون الدولي التي تمّ التبليغ عنها؟

هاجم الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر وداعميه، بمن فيهم دولة الإمارات، الجماعات المسلحة في طرابلس بالمدفعية والطائرات المسيّرة المسلحة والطائرات المقاتلة. وجدت هيومن رايتس ووتش أثناء زيارة لطرابلس في ديسمبر/كانون الأول 2019 أن بعض هذه الغارات كانت عشوائية وغير متناسبة، في انتهاك لقوانين الحرب، وتسببت بمقتل وإصابة مدنيين، وتدمير بنى تحتية مدنية. شن الجيش الوطني الليبي أو القوات المرتبطة به أيضا غارات استخدمت الذخائر العنقودية المحظورة دوليا بسبب طبيعتها العشوائية. منذ بداية النزاع في أبريل/نيسان 2019، لم يُحاسَب أي شخص من الجيش الوطني الليبي أو الجماعات المرتبطة به على هذه الانتهاكات.

الجماعات المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني لم تلتزم هي الأخرى غالبا بالتأكد من عدم وجود مدنيين قرب المنشآت العسكرية التي تستهدفها، ما يزيد من خطر الإضرار بالمدنيين. لم تفِ أيضا بالتزاماتها بموجب القانون الإنساني الدولي في حماية المدنيين.

ذكر تقرير لـ "فريق خبراء الأمم المتحدة حول ليبيا" في ديسمبر/كانون الأول 2019 أن الإمارات، وتركيا، والسودان، والأردن انتهكت مرارا حظر الأسلحة المفروض على ليبيا عبر توفير أسلحة ومقاتلين لأطراف النزاع. كل من ينقل أسلحة وذخائر إلى جماعات مسلحة لها سجل موثّق من الانتهاكات الخطيرة يواجه خطر التواطؤ في جرائم حرب.

الانتهاكات المرتبطة بالهجوم العسكري الأخير على طرابلس منذ أبريل/نيسان 2019، بما في ذلك القتل غير القانوني للمدنيين، هي علامات على تفشي الإفلات من العقاب الذي ميّز هذا النزاع. كما أضرّت الصراعات المستمرة بين الجماعات المسلحة في كل أرجاء البلاد بالبنى التحتية الحيوية، بما في ذلك المستشفيات.

وثقت هيومن رايتس ووتش بشكل متكرر محنة آلاف المهاجرين وطالبي اللجوء المحتجزين الذين يواجهون أوضاعا غير إنسانية في منشآت الاحتجاز التي تديرها وزارة داخلية حكومة الوفاق الوطني والمهربون والمتاجرون بالبشر، ويواجهون العمل القسري والضرب والاعتداءات الجنسية. دعمُ "الاتحاد الأوروبي" للسلطات الليبية من أجل اعتراض وإعادة المهاجرين إلى ليبيا له دور كبير في حصول هذه الانتهاكات. ذكر مساعد الأمين العام أندرو غيلمور لـ"مجلس حقوق الإنسان" في دورته الـ 40 أن المهاجرين يتعرضون إلى "فظائع لا يمكن تصورها". قال السيد غيلمور أيضا إن التقارير المتعلقة بالعنف الجنسي والتعذيب والابتزاز في حق المهاجرين المحتجزين في ليبيا "هي من أكثر الروايات التي سمعها ترويعا" خلال 30 عاما من عمله المهني.

عندما يتفشّى الإفلات من العقاب، تنشأ بيئة خصبة للانتهاكات المنهجية والخطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي على يد الجماعات المسلحة، بما يشمل التعذيب وسوء المعاملة، والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، والاعتقالات التعسفية والاحتجاز، والتهجير القسري، والاختفاء القسري، وعمليات القتل غير القانونية. بعض هذه الجرائم قد ترقى إلى جرائم ضدّ الإنسانية. مازالت عضو البرلمان سهام سرقيوة مفقودة بعد أن اختطفتها جماعة مسلحة مرتبطة بالجيش الوطني الليبي من منزلها في بنغازي في يوليو/تموز 2019. كانت سرقيوة معارضة بشدّة لهجوم الجيش الوطني الليبي على طرابلس.

الاستهداف المتعمد للصحفيين، والمدافعين الحقوقيين، والمشرّعين، ومسؤولي الدولة، وأعضاء السلطة القضائية، والمدعين العامين والمحامين يزيد من تقويض سيادة القانون ويكمّم حرية التعبير.

من الذي دعا إلى تحقيق دولي في الجرائم الخطيرة المزعومة في ليبيا؟

دعا كل من "مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان"، والممثل الخاص للأمين العام، ورئيس بعثة الدعم في ليبيا غسان سلامة إلى إنشاء آلية تحقيق لتوثيق الانتهاكات والاعتداءات في البلاد.

أثناء جلسة مجلس حقوق الإنسان الأممي في ديسمبر/كانون الأول 2019، سلطت نائبة المفوضة السامية كايت غيلمور الضوء على الوضع الحقوقي والإنساني المتدهور، وذكرت أن "المفوض السامي يدعم بقوة إنشاء هيئة دولية مكلفة بالتحقيق في المجموعة الكاملة لانتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في ليبيا". في نفس الجلسة، دعا غسان سلامة "مجلس حقوق الإنسان إلى إنشاء آلية تحقيق، مثل لجنة تحقيق". في ديسمبر/كانون الأول، كررت المفوضة السامية لحقوق الإنسان الدعوة "إلى إنشاء آلية للتحقيق في الجرائم الخطيرة المرتكبة في ليبيا".

في بياناته أمام مجلس حقوق الإنسان في سبتمبر/أيلول 2019، دعا الاتحاد الأوروبي إلى "تحقيقات شاملة ومستقلة وذات مصداقية" من قبل مجلس حقوق الإنسان. هذا النداء رددته دول أخرى، منها مالطا وسويسرا. كما وجهت منظمات حقوقية محلية وإقليمية ودولية في ديسمبر/كانون الأول 2019 نداء مشتركا لإنشاء تحقيق دولي لتوثيق الانتهاكات في ليبيا، وتحديد المتورطين فيها، وحفظ الأدلة لاستخدامها في إجراءات جنائية في المستقبل، ونشر تقارير علنية عن وضع حقوق الإنسان هناك.

لماذا المحاسبة الجنائية مهمة؟

التحقيق مع الأشخاص الضالعين في انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي ومحاكمتهم هو واجب بمقتضى القانون الدولي. محاسبة الأفراد على انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الخطيرة مهمة لأنها قد تساعد في ردع انتهاكات مستقبلية وتعزيز احترام سيادة القانون، فضلا عن كونها توفر إجراء لإنصاف الضحايا والمجتمعات المتضررة. هذا الأمر من شأنه أيضا تعزيز الانضباط والمهنية والقيادة المسؤولة والمراقبة لدى المسؤولين العسكريين ومسؤولي إنفاذ القانون، وتحسين العلاقات مع السكان المدنيين. السلطات التابعة لجميع أطراف النزاع في ليبيا والتي لا تضمن إجراء تحقيقات ذات مصداقية ومحاكمة المتورطين في انتهاكات كلما توفرت الأدلة الكافية، تقوّض مكانتها، وتزيد من احتمال اتخاذ إجراءات دولية ضدّها، مثل حظر السفر وتجميد الأصول.

بشكل عام، يعتبر تقديم المتهمين بارتكاب جرائم خطيرة إلى نظام قضائي ذي مصداقية شرطا حيويا لتحقيق سلام دائم في ليبيا.

ما الحاجة إلى لجنة تحقيق دولية الآن؟

وثقت هيومن رايتس ووتش في أبحاثها الميدانية تدهورا مستمرا للوضع الحقوقي والإنساني في ليبيا منذ بداية 2019. الجهود المحلية والدولية لضمان تحقيق المحاسبة على الجرائم الخطيرة التي حصلت في الماضي والمستمرة إلى اليوم لم تكن كافية، ما شجع الجهات الضالعة في النزاع المسلح على ارتكاب انتهاكات دون محاسبة. أغلق مجلس حقوق الإنسان الأممي لجنة التحقيق الخاصة بليبيا في 2012، ما قلّص التغطية للجرائم التي ترتكبها جميع الأطراف في ليبيا. رغم أن بعثة الدعم التابعة للأمم المتحدة والمفوضية السامية لحقوق الإنسان نشرتا عدة تقارير حول ليبيا منذ 2012، بما فيها تقارير عن الانتهاكات ضد المهاجرين، وظروف مراكز الاحتجاز، والاختفاء القسري، وسير العمليات العدائية، إلا أنها لم تفعل ذلك بشكل منهجي. عدم القدرة على دخول أجزاء من ليبيا في أوقات مختلفة، مثل الجنوب والشرق، ساهم أيضا في انعدام التغطية العلنية لأوضاع حقوق الإنسان في ليبيا.

أكّدت المفوضية السامية لحقوق الإنسان في مناسبات متعددة على أن "عجز نظام العدالة [في ليبيا] على العمل بفعالية أدى إلى تفشي الإفلات من العقاب، خاصة بالنسبة للاعتداءات والانتهاكات التي ارتكبتها الجماعات المسلحة".

المحاكم المحلية، التي تأثرت بالانقسامات السياسية والنزاع المسلح، بالكاد تعمل، والمحاكمات تشوبها انتهاكات جسيمة للإجراءات الواجبة، مثل الاعترافات القسرية، وسوء المعاملة، وعدم القدرة على الاتصال بمحام. في بعض المناطق، مثل الجنوب، انهار نظام القضاء الجنائي بالكامل. كما استُهدف المحامون والقضاة والمدعون العامون من قبل الميليشيات، وواجهوا خطر الانتقام بسبب عملهم.

المحكمة الجنائية الدولية لها صلاحية النظر في الجرائم الخطيرة في ليبيا، غير أنها لم تصدر مذكرات اعتقال منذ سقوط الزعيم الليبي معمر القذافي في 2011 سوى ضدّ شخص واحد ضالع في النزاع الحالي: قائد القوات الخاصة في الجيش الوطني الليبي محمود الورفلي، الذي مازال مكانه وأنشطته غير معلومين اليوم.

تقاعس المجتمع الدولي عن استخدام عقوبات الأمم المتحدة طويلة الأمد، خاصة ضدّ الأفراد الذين ارتكبوا انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. منذ ثورة 2011، حدّدت "لجنة الجزاءات المعنية بليبيا والتابعة لمجلس الأمن" فقط ثمانية أشخاص لاستهدافهم بعقوبات فردية، منهم قائدان في ميليشيات وستة آخرين ضالعين في الاتجار بالبشر.

تعزيز آليات المحاسبة الحالية سبيل مهم لمعالجة الاعتداءات والانتهاكات المستمرة في ليبيا.

عندما تكون العدالة الجنائية عبر الملاحقات القضائية بعيدة المنال أو محدودة، تستطيع هيئات تقصي الحقائق والتحقيق أن تولّد دعما دبلوماسيا للدفع نحو محاسبة أكبر وأشمل، وتُبيّن مستوى الجرائم المرتكبة، وتردع الانتهاكات المستقبلية، وتحدد المسؤوليات، وفي بعض الأحيان تضع استراتيجية لتحقيق المحاسبة الجنائية في وضع معيّن.

بالنظر إلى الخلل الذي أصاب المحاكم في ليبيا، توجد حاجة إلى تبني إجراءات قضائية بديلة لسدّ الفجوة الحاصلة في العدالة. إنشاء لجنة تحقيق دولية قد يكون خطوة أولى مهمة في ذلك الاتجاه. لجنة التحقيق الدولية قد تكون العنصر الحافظ للمعلومات وربما الأدلة التي قد تستخدمها المحكمة الجنائية الدولية في تحقيقات مستقبلية. تستطيع لجنة التحقيق الدولية أيضا الإسهام في آليات قضائية أخرى على المدى الطويل، مثل المحاكم التابعة لبلدان ثالثة التي تنظر في الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في ليبيا باعتماد الولاية القضائية العالمية، أو في حال إنشاء محاكم متخصصة.

لماذا يتعيّن على مجلس حقوق الإنسان إنشاء لجنة تحقيق؟

دعت قرارات مجلس حقوق الإنسان الثلاثة بشأن ليبيا منذ 2017 السلطات الليبية إلى مضاعفة جهودها لمحاسبة المتورطين في اعتداءات وانتهاكات، وركّزت على تقديم الدعم التقني وتطوير القدرات. لم تنجح هذه الجهود في الوصول إلى التحقيقات المحايدة والمستقلة والشفافة اللازمة لمعالجة الجرائم الخطيرة المستمرة في ليبيا. من الضروري أن يمنح المجتمع الدولي اليوم الأولوية لاستعادة سيادة القانون في ليبيا لتحقيق إجراءات المحاسبة وكسر ثقافة الإفلات من العقاب. يستطيع مجلس حقوق الإنسان أن يلعب دورا محوريا في هذا المسار عبر اتخاذ خطوات ذات مصداقية من أجل إنشاء تحقيق دولي مستقل في الاعتداءات والانتهاكات التي مست القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في البلاد منذ مايو/أيار 2014. كما قال الممثل الخاص للأمين العام غسان سلامة: "...تفويض مجلس حقوق الإنسان بإنشاء آلية تحقيق، مثل لجنة تحقيق، سيكون أبسط وأقوى أساس لتعزيز المحاسبة في ليبيا".

مجلس حقوق الإنسان له صلاحية إنشاء هذا التحقيق، حيث أن تكوين لجان التحقيق والآليات المماثلة يقع ضمن اختصاصه في "معالجة حالات انتهاك حقوق الإنسان، بما فيها الانتهاكات الجسيمة والمنهجية، وتقديم توصيات بشأنها". سبق للمجلس أن أنشأ العديد من الآليات المماثلة، مثل "لجنة حقوق الإنسان في جنوب السودان" (2016)، و"لجنة التحقيق في بورندي" (2016)، و"البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في ماينمار" (2017)، وفريق الخبراء البارزين والخبراء الاقليميين بشأن اليمن (2017).

أيّ تفويض يجب منحه للجنة التحقيق؟

لجنة التحقيق أو أي آلية مماثلة خاصة بليبيا يجب أن تكون مفوضّة ولها الموارد اللازمة لـ:

  • إجراء تحقيقات شفافة، ومستقلة، ومحايدة، وفعالة وشاملة في المخالفات والانتهاكات التي طالت القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، بما فيها تلك التي قد ترقى إلى جرائم ضدّ الإنسانية وجرائم حرب، المرتكبة منذ نزاع 2014 الذي أدى إلى الانقسام السياسي في البلاد، والذي منع بدوره عملية بناء المؤسسات؛
  • مراقبة وضع حقوق الإنسان في كافة أنحاء ليبيا ونشر تقارير علنية ومنتظمة بشأنه؛
  • جمع وحفظ الأدلة، مع تحديد المسؤوليات الشخصية في الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي كلما كان ذلك ممكنا، بهدف وضع أسس للمحاسبة، مع إتاحة هذه المعلومات للمسؤولين القضائيين الدوليين والمحليين الموثوق بهم حسب الاقتضاء؛
  • صياغة توصيات ملموسة لتعزيز المحاسبة، بما في ذلك عبر العقوبات الفردية، وإصلاح نظام العدالة الجنائية بالتنسيق مع بعثة الدعم في ليبيا والمفوضية السامية لحقوق الإنسان من أجل البناء على ما هو موجود؛
  • العمل مع الحكومات والآليات الأخرى لوضع تدابير فعالة لتعزيز المحاسبة على المخالفات والانتهاكات التي طالت القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، بما يشمل التعاون وتبادل المعلومات مع مدعية المحكمة الجنائية الدولية، والسلطات القضائية الوطنية، وهيئات الأمم المتحدة، مثل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وفريق الخبراء الخاص بليبيا.

 

هل ستستطيع لجنة التحقيق القيام بعملها بفعالية دون دخول ليبيا؟

نعم، فهيئات تقصي الحقائق الدولية وغيرها من آليات التحقيق، وكذلك منظمات حقوق الإنسان، تستطيع القيام بعملها من خلال مقابلة الضحايا والشهود وغيرهم في دول الجوار وبمساعدة وسائل الاتصال الحديثة التي تسمح بالتواصل مع الأفراد في المناطق المتضررة. على سبيل المثال، أصدرت "لجنة التحقيق الخاصة بسوريا" عدة تقارير شاملة حول جوانب مختلفة من النزاع دون دخول سوريا. بالتالي، عدم القدرة على دخول ليبيا ليس عائقا لا يمكن تجاوزه لضمان تقارير دقيقة وقوية عن المخالفات والانتهاكات في ليبيا.

ما الأثر الذي يُمكن أن تُحدثه لجنة التحقيق على أرض الواقع؟

تنشط الجماعات المسلحة في ليبيا دون محاسبة، ويعود ذلك في جزء كبير إلى غياب التدقيق الدولي المنتظم والقوي. لجنة التحقيق من شأنها أن تسدّ هذه الفجوة، وقد تساعد على ردع انتهاكات مستقبلية وتعزيز سيادة القانون على المدى الطويل بالتنسيق مع الهيئات الأخرى.

ستكون هناك حاجة إلى إرادة سياسية قوية لكشف الذين يقفون وراء أخطر الانتهاكات في ليبيا وتقديمهم إلى العدالة. السردية القائلة بأن السلام في ليبيا سيتحقق فقط عبر اتفاقات سياسية واقتصادية وأن محاسبة أمراء الحرب والمسؤولين ستكون لها نتائج عكسية هي تصور خاطئ. مسؤولو الحكومات المشاركة في النزاع الذين يروّجون لفكرة عدم توافق الاستقرار السياسي مع العدالة كثيرا ما يفعلون ذلك للهروب من المحاسبة. نجاح عملية برلين في تحقيق سلام مستدام سيكون رهن الخطوات التي ستضع الأسس لمحاسبة ملموسة.

هيومن رايتس ووتش أمضت سنوات في إعداد تقارير عن مناطق النزاعات حول العالم وخلُصت إلى أن العدالة غالبا ما تساهم في تحقيق سلام مستدام. في المقابل، عادة ما يقف الإفلات من العقاب كحاجز لا يمكن تجاوزه لوضع حدّ للنزاع على المدى الطويل.

 

 


[1] انتُخب مجلس النواب في يوليو/تموز 2019 وبه 200 مقعد لتعويض "المؤتمر الوطني العام". لكن بسبب المقاطعة وانعدام الأمن، تم انتخاب 188 مقعدا فقط. بعد الانتخابات، اجتمع حوالي 158 من الأعضاء الجدد في طبرق، شرق البلاد، متعللين بمخاوف أمنية في طرابلس. العديد من الأعضاء قاطعوا هذه الخطوة. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2014، أصدرت المحكمة العليا قرارا أعلنت فيه أن تعديل إعلان الدستور لم يكن دستوريا، ما سمح بصياغة قانون انتخاب مجلس النواب. ألغى البرلمان المنتخب قرار المحكمة العليا، فاجتمع بعض أعضاء المجلس التشريعي الأول، المؤتمر الوطني العام، وزعموا أنه المجلس الشرعي وطالبوا بحل مجلس النواب. لكن في وقت لاحق تم حل المؤتمر الوطني العام وبقي مجلس النواب السلطة التشريعية الوحيدة. https://www.hrw.org/ar/world-report/2015/country-chapters/268190

[2] أنشئت لجنة مجلس الأمن بموجب التدابير المتعلقة بالعقوبات في القرار 1970 (2011) التي فرضها مجلس الأمن وشملت حظر أسلحة في الاتجاهين، وحظر سفر، وتجميد أصول. حظر الأسلحة ملزم لجميع الدول الأعضاء وهي مطالبة بالامتناع عن بيع أو تزويد ليبيا بالأسلحة والمواد المرتبطة بها، وحظر تصدير أي أسلحة لها أو مواد مرتبطة بها. بعد 2011، عدّل المجلس الحظر في مناسبات متعددة، آخرها في القرار 2174 (2014) الذي شدّد اجراءات الحظر. https://www.un.org/securitycouncil/ar/sanctions/1970