الموضوع: على "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة" إنشاء لجنة تحقيق حول ليبيا أو آلية مشابهة أخرى

                                                                                                                                                                          

4 ديسمبر/كانون الأول 2019

أصحاب السعادة،

نحن المنظمات غير الحكومية الليبية والإقليمية والدولية الموقعة أدناه نكتب إليكم لحثّ حكومتكم على دعم إنشاء لجنة تحقيق حول ليبيا أو أيّ آلية مشابهة أخرى، باعتبار ذلك مسألة ملحّة. وتشكّل الدورة الـ 43 لـ "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة" (المجلس) والمزمع انعقادها من فبراير/شباط إلى مارس/آذار 2020 فرصةً مناسبةً لإنشاء هذه اللجنة.

شهدنا على مرّ العام الماضي تدهورا مستمرّا لأوضاع حقوق الإنسان والحالة الإنسانية في ليبيا.

وللمساعدة في إنهاء حلقة الإفلات من العقاب في ليبيا وتحقيق قدر من المساءلة، نكرّر النداءات التي أطلقتها نائبة المفوض السامي للأمم المتحدة  لحقوق الإنسان كايت غيلمور، والممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا غسّان سلامة، خلال الدورة الـ 42 للمجلس من أجل إنشاء آلية تحقيق دولية متينة تتولى توثيق الانتهاكات والتجاوزات، وتحديد هويات مرتكبيها، وحفظ الأدلة من أجل استخدامها في الإجراءات الجنائية المستقبلية، ورفع التقارير العلنية حول حالة حقوق الإنسان في ليبيا.

في تحديثها الشفوي، ألقت نائبة المفوض السامي لحقوق الإنسان الضوء على أوضاع حقوق الإنسان والحالة الإنسانية المتردية في ليبيا وأعلنت أنّ "المفوض السامي يدعم بشدّة إنشاء هيئة دولية تتولّى التحقيق في جميع أنواع انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في ليبيا."[1] كما طالب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بدوره "مجلس حقوق الإنسان بإنشاء آلية للتحقيق مثل لجان التحقيق الدولية".[2] كرّر وفد "الاتحاد الأوروبي" ودول أخرى الدعوة إلى إنهاء الإفلات من العقاب وإخضاع المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان للمساءلة.

ونتيجة الجهود غير الكافية على الصعيدين المحلّي والدولي لضمان المساءلة عن الجرائم المستمرّة في ليبيا، تمادت الجهات الفاعلة التابعة للدولة والجهات غير المنتمية للدولة أيضا، ومنها أطراف مشاركة في النزاعات المسلحة، في ارتكاب الانتهاكات والتجاوزات مع الإفلات من العقاب.

وعلى حدّ ما توصّلت إليه "اللجنة الدولية للحقوقيين" في تقريرها حول نظام العدالة الجنائية في ليبيا تحت عنوان  المساءلة عن الجرائم الخطيرة بموجب القانون الدولي في ليبيا: تقييم لنظام العدالة الجنائية ،[3] اقتصرت التحقيقات وملاحقة الجرائم المنصوص عليها في القانون الدولي من قبل السلطات الليبية على عدد محدود من الدعاوى تمّ فيها انتهاك حقوق المتهمين في المحاكمة العادلة، فيما تعتبر الحاجة ملحّةً لإجراء إصلاحات هامة على الإطار القانوني لضمان إقامة العدل على نحوٍ عادلٍ وفعّالٍ في أيّ دعاوى مستقبلية.

في هذا السياق، من الأهمية بمكان أن يضع المجتمع الدولي في سلّم أولوياته مسألة إعادة بسط سيادة القانون في ليبيا كخطوةٍ حاسمةٍ للمساعدة في تحقيق قدر من المساءلة وكسر حلقة الإفلات من العقاب. إذ يمكن للمجلس أن يؤدي دورا حيويا في هذه العملية من خلال إقامة تحقيق دولي مستقلّ في انتهاكات حقوق الإنسان وتجاوزات القانون الدولي الإنساني المنتشرة في البلاد منذ مايو/أيار 2014.

نتج عن نزاع 2014 انقسام سياسي في البلاد حال دون بناء المؤسسات، وتفشّت ظاهرة الإفلات من العقاب فخلقت أرضية خصبة لانتشار الانتهاكات المنهجية والجسيمة لحقوق الإنسان التي تمادت في ارتكابها الجهات التابعة للدولة والجهات غير المنتمية لها على حدّ سواء. وشملت هذه الانتهاكات: التعذيب وسوء المعاملة، الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، الاعتقال والاحتجاز التعسّفيين، والتشريد القسري، والاختفاء القسري، والقتل غير المشروع. كما ساهم في تقويض سيادة القانون أكثر فأكثر الاستهدافُ المتعمّد للصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والمشرّعين، والمسؤولين في الدولة، وأعضاء السلك القضائي، وأعضاء النيابة العامة والمحامين.

وتندرج ضمن مظاهر الإفلات من العقاب أيضا الانتهاكات المرتبطة بالاعتداء العسكري على طرابلس منذ أبريل/نيسان 2019، بما في ذلك القتل غير المشروع للمدنيين. وليس الهجوم على مركز للمهاجرين في تاجوراء في يوليو/تموز والذي أودى بحياة 46 مدنيا سوى مثال واحد بين جملة أمثلة. علاوةً على ذلك، أدّت النزاعات المستمرّة بين المجموعات المسلّحة في مختلف أنحاء البلاد إلى إلحاق الضرر بالبنية التحتية المدنية الحيوية، بما فيها المستشفيات. وكانت هذه الظروف سببا لتشريد أعداد كبيرة من السكان وأزمة إنسانية واسعة النطاق.

خلال الدورة الـ 40 للمجلس، أبلغ مساعد الأمين العام لحقوق الإنسان أندرو غيلمور المجلس أنّ المهاجرين يخضعون لـ"فظائع لا يمكن تصوّرها".[4]  وأفاد السيّد غيلمور للمجلس أيضا أنّه، وفي السنوات الـ 30 من مسيرته المهنية، كانت التقارير عمّا يتعرّض له المهاجرون المحتجزون من عنف جنسي، وتعذيب، وابتزاز "أكثر رواياتٍ مروّعةً" سمعها في حياته.

وعلى حدّ ما تطرّق إليه المفوض السامي لحقوق الإنسان في مناسبات عدة، فقد "أدّى عجز النظام القضائي عن العمل بفعالية إلى انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب على نطاقٍ واسعٍ، لا سيما في ما يتعلّق بالانتهاكات والاعتداءات التي ترتكبها الجماعات المسلّحة."[5] من هنا، فإنّ تعزيز الأشكال الدولية للعدالة والمساءلة تمثّل حاليا الوسائل الوحيدة الفعالة والمعقولة لمعالجة الانتهاكات والتجاوزات في ليبيا.

وكان المجلس في القرارات الثلاثة الأخيرة التي أصدرها حول ليبيا منذ مارس/آذار 2017 قد دعا السلطات الليبية إلى زيادة الجهود المبذولة من أجل إخضاع المسؤولين عن الانتهاكات للمساءلة، وركّزت القرارات على تقديم المساعدة التقنية وبناء القدرات. لم تنجح هذه القرارات في إرساء آلية التحقيق الدولية والمستقلة التي يستدعيها الوضع.

بالتالي، يجب على المجلس اتخاذ إجراء موثوق به لمحاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان وغيرها من التجاوزات المرتكبة في ليبيا. وعليه، فإنّ منظماتنا تدعو المجلس إلى إنشاء لجنة تحقيق، أو أي آلية مشابهة، بشأن ليبيا، بصلاحيات وموارد لازمة للقيام بما يلي:

  • إجراء تحقيقات شفّافة، ومستقلّة، ومحايدة، وفعالة، وشاملة في انتهاكات حقوق الإنسان وتجاوزات القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك ما يرقى منها إلى جرائم ضدّ الإنسانية وجرائم حرب، ترتكب منذ العام 2014 مع التوجّه إلى تحديد هويات مرتكبيها وضمان خضوعهم للمساءلة؛
  • توثيق أوضاع حقوق الإنسان في ليبيا ورصدها وإصدار تقارير علنية بشأنها، وتحديد الوقائع والظروف الخاصة بأي انتهاكات مزعومة لحقوق الإنسان أو تجاوزات للقانون الإنساني الدولي، والإبلاغ عنها، وجمع الأدلة الخاصة بها وحفظها، وتوضيح المسؤولية الفردية عنها، مع القيام بما يلزم لوضع حدّ للإفلات من العقاب وتحقيق المساءلة، ووضع هذه المعلومات في المتناول للاستفادة منها في أي إجراءات جنائية مستقبلية تقام أمام المحاكم الوطنية والدولية؛
  • صياغة مجموعة من التوصيات الملموسة والعملية والعمل على تطبيقها من أجل تعزيز المساءلة، بما في ذلك من خلال فرض العقوبات الفردية وإصلاح نظام العدالة الجنائية الوطنيي؛
  • رفع تحديثات وتقارير دورية إلى المجلس وهيئاته وسائر هيئات الأمم المتحدة الأخرى؛ و
  • العمل مع الحكومات والآليات الدولية الأخرى من أجل إرساء تدابير فعالة تهدف إلى تعزيز المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان وتجاوزات القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك عن طريق التعاون وتبادل المعلومات مع "المحكمة الجنائية الدولية" بعد أن أحال إليها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الحالة في ليبيا بموجب القرار رقم 1970 (2011)، وسائر هيئات الأمم المتحدة بما فيها "بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا" و"فريق الخبراء المعني بليبيا". 

ندعوكم إلى تقديم الدعم من أجل إنشاء هذه اللجنة باعتبارها حاجة ملحّة جدا وطال انتظارها ونحن نبدي كامل جاهزيتنا لتقديم أي معلومات إضافية بهذا الشأن.

وتفضّلوا بقبول فائق الاحترام

الرابطة النسائية الدولية للسلام و الحرية

الفدرالية الدولية لحقوق الانسان

اللجنة الدولية للحقوقيين

محامون من أجل العدالة في ليبيا

مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

المنصة (ائتلاف لعدد من منظمات المجتمع المدني الليبي)[6]

منظمة العفو الدولية

هيومن رايتس ووتش