أشخاص يسيرون بجوار لافتة تدعم التعديلات في الدستور المصري، وتظهر في اللافتة صورة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، القاهرة، مصر، الثلاثاء، 16 أبريل/نيسان 2019. 

© 2019 أسوشيتد برس/عمرو نبيل

(بيروت) – قالت كل من "هيومن رايتس ووتش" و"اللجنة الدولية للحقوقيين" اليوم إن على الحكومة المصرية سحب التعديلات الدستورية المقترحة والتي تعزز الحكم السلطوي. ستتسبب التعديلات في تقويض استقلالية القضاء المصري المتآكلة وتوسيع قدرة الجيش على التدخل في الحياة السياسية.

في 16 أبريل/نيسان 2019، وضع البرلمان اللمسات الأخيرة ووافق على التعديلات التي اقترحتها كتلة مساندة للحكومة في مطلع فبراير/شباط. وفي 17 أبريل/نيسان، قالت "الهيئة الوطنية للانتخابات" إن استفتاء عاما سيُجرى بين 19 و22 أبريل/نيسان. لم تُنشر التعديلات رسميا في الجريدة الرسمية قبل 18 أبريل/نيسان. سيجري التصويت في ظل استمرار الاعتقالات الجماعية وحملة قمعية ضد الحريات الأساسية، شملت استهداف الداعين إلى مقاطعة التعديلات أو رفضها. بالنظر إلى استمرار القمع، وتقلص المعارضة السياسية في مصر بشكل جعلها صورية، فإن تنظيم تصويت حر وعادل سيكون مستحيلا.

قال مايكل بَيْج، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "تهدف هذه التعديلات إلى خنق آمال المصريين في العيش بكرامة وفي ظل سيادة القانون. على السلطات فورا وقف السعي إلى تمرير التعديلات عن طريق تهديد المنتقدين والمعارضين السلميين، وإخفائهم، واضطهادهم".

صادق البرلمان المصري، المتكون من 596 مقعدا، والذي يسيطر عليه الأعضاء الموالون للرئيس عبد الفتاح السيسي، والمؤيدون دائما وبشكل تلقائي لقرارات الحكومة، على التعديلات بموافقة 531 واعتراض 22. أثناء جلسات "الحوار المجتمعي" في البرلمان، سُمح فقط لعدد قليل من المنتقدين بالمشاركة في النقاشات المتعلقة بالتعديلات.

قال سعيد بن عربية، مدير قسم الشرق الأوسط في اللجنة الدولية للحقوقيين: "هذه التعديلات اعتداء صارخ على سيادة القانون واستقلالية القضاء في مصر. إن تم اعتمادها، فستضع الجيش فوق القانون والدستور، وستعزز تبعية السلطة القضائية والنيابة العامة للسلطة التنفيذية".

كانت التعديلات الأولية ستسمح للسيسي بالترشح لفترتين أخريين تدوم كل واحدة 6 سنوات، بعد انقضاء فترته الثانية الحالية. ولكن التعديلات النهائية ستسمح له بالترشح لفترة واحدة إضافية، ومددت فترته الحالية من 4 إلى 6 سنوات، وهي خطوة جلبت انتقادات داخل مصر.

تثير التعديلات قلقا كبيرا خاصة بالنظر إلى القمع الواسع للحريات الأساسية، مثل حريات التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع، والحق في المشاركة السياسية، وجميعها ضرورية لإجراء تصويت عام حر ونزيه.

دعا تحالف من 10 أحزاب علمانية ويسارية إلى رفض التعديلات. قالت تقارير إخبارية محلية إن النيابة العامة بصدد التحقيق مع المعارض حمدين صباحي بتهمة "تكدير الأمن" والإساءة إلى الدولة بسبب معارضته للتعديلات. كما أطلقت السلطات حملة شرسة لتشويه سمعة العديد من النشطاء والممثلين الحائزين على جوائز، وتنظر في إمكانية محاكمتهم، إثر مشاركتهم في جهود مناصرة عامة في واشنطن وعواصم أوروبية في مارس/آذار حول الوضع الحقوقي في مصر.

بحسب محامين حقوقيين تحدثوا إلى هيومن رايتس ووتش، اعتقلت السلطات أو أحالت للنيابة في فبراير/شباط ومارس/آذار فقط أكثر من 160 معارضا أو أشخاص تنظر إليهم كمعارضين. كما احتجزت السلطات لوقت وجيز المعارض ورجل الأعمال محمود حمزة، يوم 16 فبراير/شباط، واتهمته "بنشر أخبار كاذبة"، مشيرة إلى تعليقات نشرها على حسابه على "تويتر". أطلقت السلطات سراحه بكفالة بعد ساعات. قالت جريدة "العربي الجديد" إن شخصيات أخرى من المعارضة تلقت "تهديدات" عبر الهاتف.

في 10 أبريل/نيسان، حجبت السلطات موقع حملة "باطل" المستقلة. أطلق الحملة مصريون يعيشون في الخارج، ودعوا المصريين إلى التصويت بـ "لا" على الإنترنت. حُجب الموقع في مصر بعد ساعات من انطلاقه، لكن الحملة تمكنت من جمع عشرات آلاف المصوتين بـ "لا".

كما حجبت السلطات 7 مواقع بديلة أخرى أنشأتها الحملة لتجاوز الحجب في مصر. وفي جهودها الرامية إلى منع الوصول إلى الحملة، حجبت السلطات 34 ألف موقع، بحسب موقع لمراقبة الإنترنت. منذ منتصف 2017، حجبت السلطات مئات المواقع، بما فيها أغلب المواقع الاخبارية المستقلة وتلك التابعة لبعض المنظمات الحقوقية.

أفاد موقع "مدى مصر" الإخباري يوم 10 فبراير/شباط أن السلطات الأمنية وجهت وسائل الإعلام الرئيسية في مصر إلى عدم نشر تقارير عن التعديلات، وخاصة عدم تمكين المنتقدين من أي تغطية. كما ذكر مدى مصر أن اجتماعات دارت بين موظفين في مكتب السيسي ومسؤولين من المخابرات منذ ديسمبر/كانون الأول 2018 على الأقل في "جهاز المخابرات العامة" "بشكل شبه يومي"، نسقها محمود ابن السيسي، وهو مسؤول كبير في المخابرات، من أجل الدفع بتمرير التعديلات.

بعد أيام قليلة من اقتراح البرلمانيين للتعديلات، نُصبت لافتات ودعاية ولوحات إعلانية داعمة لها في كافة أنحاء مصر. نقل مدى مصر يوم 16 أبريل/نيسان عن شهود في شرق القاهرة قولهم إن الجهات الأمنية ضغطت على أصحاب المحال التجارية كي ينصبوا اللافتات. نفت الحكومة فرض غرامات على من رفضوا، لكنها رفضت الترخيص لمظاهرات معارِضة يوم 27 مارس/آذار، مشيرة إلى "تهديدات أمنية".

كما نشر موقع "المشهد" الإخباري مذكرة مسربة من قضاة في "مجلس الدولة"، الكيان الذي يضم "المحكمة الإدارية العليا"، إلى البرلمان، قالوا فيها إن التعديلات "تقضي على ما تبقى للقضاء من استقلال". وفي وقت لاحق، أكد نائب رئيس مجلس الدولة المستشار سمير يوسف أنه صاغ المذكرة.

في يوليو/تموز 2013، أجبر السيسي، وزير الدفاع آنذاك، محمد مرسي، أول رئيس منتخب بشكل حر، على التنحي عن الرئاسة. ثم انتُخب السيسي رسميا رئيسا للبلاد في 2014، وبعدها أعيد انتخابه في 2018، بعد أن اعتقلت حكومته أو ضايقت جميع المرشحين المحتملين الآخرين. ترأس السيسي حكومة ارتكبت انتهاكات واسعة ومنهجية لحقوق الإنسان، شملت قتل المتظاهرين جماعيا، والاعتقالات التعسفية، والاختفاء القسري، وقتل المحتجزين خارج نطاق القضاء، والتعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز. بعض هذه الانتهاكات تشكل على الأرجح جرائم ضدّ الإنسانية.

الحملة القمعية التي امتدت بطول البلاد وعرضها، استهدفت أولا المعارضين الإسلاميين للسيسي، لكنها سرعان ما توسعت لتشمل المعارضين السياسيين والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والفنانين والمثليين/ات والمتحولين/ات جنسيا، وكل من عبر عن آراء معارضة تقريبا. تنتهك القوات الحكومية، بما فيها الجيش، حقوق الإنسان في ظل حصانة شبه تامة من العقاب.

منذ أبريل/نيسان 2017، فرضت الحكومة حالة الطوارئ، التي استُخدمت لتبرير تقويض استقلالية القضاء، واستخدمت قوانين قمعية كقوانين مكافحة الارهاب والصحافة لخنق الحريات الأساسية.

يبدو أن الرئيس السيسي يعارض من أمد طويل العديد من الضمانات الحقوقية في الدستور الحالي، وقال في سبتمبر/أيلول 2015 إن "الدستور كُتب بنوايا حسنة. لكن البلدان لا تبنى بالنوايا الحسنة فقط". قال رئيس البرلمان علي عبد العال إن دستورا جديدا سيُكتب خلال 5 أو 10 سنوات. قال منتقدون إن هذا سيحصل عندما يشارف السيسي على نهاية ولايته الثالثة والأخيرة.

في مؤتمر صحفي عُقد يوم 17 أبريل/نيسان، دعا رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات المستشار إبراهيم لاشين المصريين إلى التصويت، وقال إن تعديل الدستور له مبرراته، "حتى يتلاءم مع ظروف [المجتمع]".

قال بَيْج: "يتطور النظام المستبد في مصر إلى إعادة إنتاج نموذج 'الرئيس مدى الحياة'، الذي يعشقه الحكام الدكتاتوريون في المنطقة ويكرهه مواطنوهم. لكن التجارب الحديثة لمصر والدول المجاورة أثبتت أن هذا النموذج لم تُكتَب له الحياة".

تعديلات تقوض استقلالية القضاء والنيابة العامة

تمنح المواد 185 و189 و193 المعدّلة الرئيس صلاحيات إشراف واسعة وغير خاضعة للرقابة على السلطة القضائية والنيابة العامة، في تعارض مع المبادئ الأساسية لسيادة القانون المتعلقة بفصل السلطات، واستقلالية القضاء، والحق في المحاكمة العادلة من قبل محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة.

بموجب المادة 185 المعدلة، سيكون للرئيس صلاحية تعيين رؤساء الهيئات والسلطات القضائية من بين 7 من كبار نوابهم الذين تسميهم المجالس القضائية. كما سيصبح الرئيس – وفي حال غيابه وزير العدل – رئيس "المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية"، الذي سيشرف على السلطة القضائية والذي من المفترض أن يتمتع بالاستقلالية كأمر حيوي للحفاظ على استقلالية القضاء.

تمنح التعديلات للمجلس الأعلى سلطة تحديد شروط تعيين وترقية وتأديب أعضاء الهيئات القضائية، وكذلك دورا استشاريا حول مشاريع القوانين المنظمة لشؤون الهيئات والسلطات القضائية. سيحظى الرئيس بحق نقض قرارات المجلس الأعلى إذ لا يمكن للمجلس تمرير قرار بدون موافقة الرئيس.

بموجب الفقرة 3 من المادة 193، سيحظى الرئيس بصلاحية اختيار رئيس "المحكمة الدستورية العليا" من بين أقدم 5 نواب لرئيس المحكمة، كما يحظى باختيار نائب رئيس المحكمة من بين شخصين يسميهما رئيس المحكمة والجمعية العامة للمحكمة، وهي نقابة المحكمة بحكم الأمر الواقع.

كما سيحظى الرئيس بصلاحية تعيين رئيس وأعضاء "هيئة المفوضين"، الذين سيسميهم رئيس المحكمة بعد التشاور مع الجمعية العامة للمحكمة. تتكون هيئة المفوضين من قضاة يقدمون آراء إلى رئيس المحكمة حول المسائل الدستورية والقانونية في القضايا المعروضة على المحكمة.

سيعطي تعديل الفقرة 2 من المادة 189 للرئيس أيضا سلطة تعيين النائب العام، وذلك من بين 3 أشخاص يسميهم "مجلس القضاء الأعلى" من بين نواب رئيس محكمة النقض، ورؤساء محاكم الاستئناف، والنواب العامين المساعدين.

في السنوات الأخيرة، صادق الرئيس السيسي على عدة قوانين تقوّض استقلالية القضاء. بموجب "القانون رقم 13 لعام 2017"، منح الرئيس لنفسه سلطة اختيار رئيس محكمة النقض، أرفع محاكم الاستئناف المصرية، وكذلك ورئيس "مجلس القضاء الأعلى" (الهيئة التي ستقوض  صلاحياتها بشكل كامل تقريبا بالمجلس الأعلى للهيئات القضائية الجديد)، ورئيس مجلس الدولة الذي يتضمن المحكمة الإدارية العليا، ورئيس "هيئة النيابة الإدارية"، ورئيس "هيئة قضايا الدولة". يواجه القانون رقم 13 لعام 2017 طعنا دستوريا لدى "المحكمة الدستورية العليا".

في السنوات الماضية، واجه عشرات آلاف المعارضين السياسيين وغيرهم محاكمات جائرة في المحاكم المدنية والعسكرية، بعد فترات احتجاز احتياطي مطولة وتعسفية، نتجت عنها أحكام مطولة بالسجن والإعدام. حتى بعد انقضاء العقوبات، يتعين على بعض المدانين الذهاب يوميا إلى أقسام الشرطة لفترات تصل إلى 12 ساعة، لمدة قد تصل إلى 5 سنوات، ما يجبرهم فعليا على قضاء لياليهم في أقسام الشرطة المحلية.

ستعطي تعديلات المواد 185 و193، ومعها القانون رقم 13 لعام 2017، للرئيس – أي السلطة التنفيذية – سيطرة شبه كاملة على السلطة القضائية، ما سيسمح باستخدامها لخنق المعارضة السلمية.     

المعايير الدولية بشأن استقلالية القضاء

التعديلات الدستورية المُقترحة لا تتماشى مع الحق في المحاكمة العادلة أمام محكمة مختصة ومستقلة ومُحايدة، وهو ما تكفله المادة 14 من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" (العهد الدولي)، والمادتين 7 و26 من "الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب"، والمادتين 12 و13 من "الميثاق العربي لحقوق الإنسان". جميع هذه الصكوك صادقت عليها مصر، وهي تشترط الفصل بين السلطتين التنفيذية والقضائية.

أكد المقرر الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين، وكذا العديد من المحاكم والمبادئ التوجيهية الدولية والإقليمية، على أن الفصل بين السلطتين التنفيذية والقضائية واستقلال القضاء هما مبدآن مترابطان. يتطلب الاستقلال أن تكون إجراءات اختيار القضاة، وتعيينهم، وترقيتهم، ونقلهم، وتأديبهم شفافة وغير خاضعة لسيطرة الجهاز التنفيذي.

تُؤكد المعايير الدولية، والمراقبين والخبراء، بما في ذلك لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، والمقرر الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين، والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في المحاكمة العادلة والمساعدة القانونية في أفريقيا على أهمية إنشاء هيئة مُستقلة لاختيار القضاة والإشراف عليهم، ينبغي أن تتألف من أغلبية القضاة على الأقل مُنتخبين من قبل زملائهم، ولا تخضع لأي تدخل من قبل الجهاز التنفيذي. تُشير مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية (المبدأ رقم 10)، والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في المحاكمة العادلة والمساعدة القانونية في أفريقيا (المبدأ A(4)(h) و(i) و(k)) إلى أن عملية التعيين في الوظائف القضائية ينبغي أيضا أن تكون شفافة وخاضعة لمعايير اختيار صارمة مبنية على أساس الكفاءة.

سبق للجنة الدولية للحقوقيين أن أوضحت في تقريرها "القضاء المصري: أداة للقمع"، الإطار الحالي الذي يحكم القضاء والنيابة العامة في مصر وعدم امتثالهما للحق في المحاكمة العادلة بموجب القانون الدولي. وأوضح التقرير أن مجلس القضاء الأعلى يتألف من قضاة يتم تعيينهم حسب الأقدمية بدلا من انتخابهم من قبل زملائهم، وليس لديه سلطة مستقلة في اتخاذ قرارات بشأن المهن القضائية، بما في ذلك تعيين بعض القضاة، أو إحالة القضاة للتأديب.

ستضفي التعديلات صفة دستورية على القانون رقم 13 لعام 2017؛ وتمنح للرئيس سلطة تعيين القضاة لقيادة جميع الهيئات القضائية، بما في ذلك المحكمة الدستورية العليا، دون أي تدخل قضائي ما عدا من قضاة رشحهم مجلس القضاء الأعلى بناء على الأقدمية عوض الكفاءة؛ وستُحدد شروط تعيين وترقية جميع القضاة وتنظيم الهيئات والسلطات القضائية. كما ستمنح هذه التعديلات للرئيس سلطة مُحتملة للتأثير على قرارات المحكمة الدستورية العليا في القضايا التي تنظر فيها من خلال تحديد هيئة القضاة، ما يُعرف باسم هيئة المفوضين، التي تنظر مُسبقا في القضايا وتُقدم النصح لأعضاء المحكمة الدستورية العليا الذين يُقررون فيها.

المعايير الدولية بشأن استقلالية المدعين العامين

يشترط الحق في المحاكمة العادلة أيضا على النيابة العامة العمل بشكل مستقل ودون تأثير غير ضروري من السلطة التنفيذية. تُوضح المادة 2 من "مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن دور أعضاء النيابة العامة" أن على الدول ضمان أن معايير اختيار أعضاء النيابة العامة تُجسد "ضمانات تحول دون تعيينهم على أساس التحيز أو المحاباة، بحيث تستبعد أي تمييز ضد الأشخاص يستند إلى... الرأي السياسي أو غيره...". تُؤكد المادة 4 من مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية ، وكذا المبدأ (F) من "المبادئ التوجيهية بشأن الحق في المحاكمة العادلة والمساعدة القانونية في أفريقيا"، أن النيابة العامة يجب أن تكون قادرة على أداء وظائفها المهنية دون تخويف أو تدخل غير لائق.

يتم حاليا اختيار النائب العام من قبل المجلس الأعلى للقضاء ويُعين بمرسوم رئاسي. أوضحت عدة تقارير حقوقية أن النيابة العامة في مصر تتعرض لتدخل السلطة التنفيذية، فتصير أداة للقمع، ولا تُحقق في انتهاكات حقوق الإنسان. ستُسهل السلطة الإضافية، التي تمنحها التعديلات الدستورية للرئيس بتعيين النائب العام، التعيينات على أساس أهداف سياسية أو أهداف أخرى غير مناسبة، وفي مقابل ذلك هي على الأرجح عُرضة لخطر التأثير غير الضروري على قرارات النائب العام ومرؤوسيه بناء على سلطتهم، بما في ذلك من خلال الامتناع عن التحقيق والمتابعة القضائية في قضايا تنطوي على جرائم من قبل أعضاء السلطة التنفيذية، والرئيس، أو مسؤولين حكوميين آخرين، أو مواطنين عاديين مرتبطين بهم.

التعديلات التي توسع التدخل العسكري في الشؤون المدنية

ستوسع المواد 200 و204 و234 المُعدلة من الدستور بشكل كبير سلطة الجيش، في انتهاك لمبادئ سيادة القانون والحق في المحاكمة العادلة من قبل محكمة مختصة ومستقلة ومُحايدة.

تدخل عسكري مُوسع في الشؤون المدنية

بموجب الفقرة 1 من المادة 200 المُعدلة، ستوكل إلى الجيش مهام "صون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد"، إضافة إلى مهمتها في "حماية البلاد، والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها". وبموجب المادة 234 المُعدلة، سيتم جعل الدور المؤقت الحالي للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، في الموافقة على تعيين وزير الدفاع، وهو أيضا قائد القوات المسلحة، دور دائم.

يبدو أن التعديلات مُصممة لتمكين الجيش من التدخل في الحكم المدني، والمجالات العامة والسياسية التي تقع على عاتق أجهزة إنفاذ القانون. في سياق الانقلاب العسكري لعام 2013، الذي اعتبره الاتحاد الأفريقي غير دستوري وعلق مؤقتا أنشطة مصر داخل الاتحاد الأفريقي، تبدو التعديلات أيضا مُصممة لتبرير أي إزاحة مستقبلية للرئيس من قبل الجيش، وإلغاء نتائج الانتخابات الحرة، وعرقلة المسار الديمقراطي. يمكن للتعديلات أيضا أن تحمي بشكل أكبر أعضاء الجيش من المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان وغيرها من الجرائم، بما في ذلك استخدام القوة المُفرطة، وتفريق الاحتجاجات السلمية، وغيرها من الانتهاكات التي تُرتكب باسم الحفاظ على الدستور والديمقراطية.

يقتضي المبدأ الأساسي لسيادة القانون أن يخضع الجيش لإشراف مدني وأن لا يكون له أي تدخل مباشر أو غير مباشر في الحكم. دعا "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة"، حينما أكد أن السلطة المدنية على الجيش هي عنصر رئيسي في حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون، الدول إلى ضمان "بقاء الجيش مسؤولا أمام السلطات المدنية الوطنية ذات الصلة". أبرزت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان باستمرار ضرورة إخضاع القوات المسلحة لسيطرة فعالة من قبل السلطات المدنية.

يمتلك الجيش المصري فعلا سلطات واسعة لتحديد السياسات والتدخل في الشؤون المدنية دون إشراف مدني. لا ينص الدستور على الرقابة المدنية على الجيش، وفقا لذلك، ستمنح التعديلات للجيش، في مجالات لديه فيها فعلا على سلطة كبيرة، حرية العمل دون قيود، وعلى الأرجح دون مُحاسبة. للجيش أيضا تاريخ من ممارسة سلطة تعسفية، وخارج إطار سيادة القانون، والإفلات من العقاب في انتهاكات مثل العنف ضد النساء، قتل مئات المتظاهرين، وتدمير المنازل باسم محاربة الإرهاب. تتعارض هذه الممارسات بوضوح مع التزام مصر بموجب القانون الدولي بالتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وغيرها من الجرائم الخطيرة ومقاضاة الجناة.

ارتفاع غير مسبوق في محاكمات المدنيين أمام محاكم عسكرية

ستقترن سلطة الجيش المُضاعفة بتوسيع غير مسبوق من اختصاص المحاكم العسكرية. بموجب الفقرة 2 من المادة 204 المُعدلة، ستكون للمحاكم العسكرية اختصاص على الجرائم التي يرتكبها مدنيون "تُمثل اعتداء" على منشآت الجيش، ومعداته، وأسلحته، ووثائقه، وأمواله العامة، من بين أشياء أخرى كثيرة، مع إزالة الشرط السابق على التعديل بأن يكون هذا الاعتداء "مباشر".

سيتم أيضا توسيع قائمة المنشآت التي تخضع لمثل هذه الاعتداءات لتشمل المرافق التي "في حكمها أو المنشآت التي تتولى حمايتها" بدلا من المرافق التي تقع "تحت سلطتها" أو "المناطق عسكرية أو الحدود المنصوص عليها". وفي الواقع، ستُوسع التعديلات في اختصاص المحكمة العسكرية على الجامعات الحكومية وغيرها من الأماكن العامة من خلال القانون 136/2014 المُتعلق بتأمين وحماية المُنشآت العامة والحيوية دستوريا.

سيُضفي هذا التعديل صفة دستورية على المرسوم رقم 136 لعام 2014، الذي أصدره الرئيس السيسي في أكتوبر/تشرين الأول 2014، لتوسيع اختصاص المحاكم العسكرية لتشمل أي اعتداء على الممتلكات العامة أو المنشآت الحيوية. منذ صدور هذا المرسوم، أحيل أكثر من 15,500 مدني، بمن فيهم عشرات الأطفال، إلى النيابة العسكرية. تم تفسير هذا المرسوم بشكل فضفاض بشكل سمح للنيابة العامة بأن تُقرر ما إذا كانت جريمة معينة تقع ضمن اختصاص القضاء العسكري.

بموجب القانون والمعايير الدوليين، بما في ذلك المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمبدأ "L" من المبادئ التوجيهية بشأن الحق في المحاكمة العادلة والمساعدة القانونية في أفريقيا، والمبدأين 5 و8 من مشروع المبادئ المُنظمة لإقامة العدل عن طريق المحاكم العسكرية (مبادئ ديكو)، والمبدأ 29 من مجموعة مُحيّنة من المبادئ المتعلقة بحماية وتعزيز حقوق الإنسان من خلال مكافحة الإفلات من العقاب، ينبغي عموما أن يقتصر اختصاص المحاكم العسكرية على الجرائم العسكرية، لا سيما المحاكم التأديبية، على الجرائم التي يرتكبها أفراد الجيش. لا ينبغي أن تكون للمحاكم العسكرية اختصاص قضائي على المدنيين أو على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر، التعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء، والاختفاء القسري.

المحاكم العسكرية ليست سلطة قضائية مُستقلة لغرض المحاكمة العادلة بموجب المادة 14 من العهد الدولي. في قرارها بشأن المبادئ التوجيهية بشأن الحق في المحاكمة العادلة والمساعدة القانونية، ذكرت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب أن "المحاكم العسكرية يجب أن تحترم معايير المحاكمة العادلة" وأنه "لا يجوز لها بأي حال محاكمة المدنيين". ذكرت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان أن محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية لا يُسمح بها إلا في ظروف استثنائية، ودعت إلى حظر استخدام المحاكم العسكرية لمحاكمة المدنيين. أكدت أيضا المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، و"الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي"، أن المحاكم العسكرية غير مؤهلة لمحاكمة المدنيين.

المحاكمات العسكرية في مصر غير عادلة بطبيعتها. القضاة العسكريون هم ضباط في الخدمة في الجيش يعيّنهم وزير الدفاع، ولا يُشترط فيهم أن يمتلكوا نفس التدريب القانوني كالقضاة المدنيين، ويخضعون لتراتبية القيادة العسكرية حتى في سياق وظائفهم القضائية، وهم بالتالي غير مستقلين. خلال سير إجراءات المحاكمة، لا يُمنح المتهمون الوقت الكافي والتسهيلات لإعداد الدفاع، كما لا يُضمن لهم، في القانون والممارسة على حد سواء، الحق في التواصل بسرية مع محام من اختيارهم. كما أن المحاكمات العسكرية غير علنية، واستخدامها لـ "الاعترافات" أو غيرها من المعلومات التي يتم الحصول عليها عن طريق التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة كدليل أمر اعتيادي.