شرطيون مصريون يحرسون أكاديمية الشرطة المصرية. 

 
© 2015 "أسوشيتد برس إيمادجز"/عمرو نبيل

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن عدم قضاء مصر على التعذيب وسوء المعاملة في مراكز الاحتجاز، أو التحقيق فيهما بحياد، يؤكد الضرورة الملحّة لإجراء تحقيق دولي مستقل. بصفتها طرف في "اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب"، على مصر السماح للمقرر الخاص المعني بالتعذيب وغيره من خبراء الأمم المتحدة بزيارة البلاد، بما في ذلك مراكز الاحتجاز.

في 30 يناير/كانون الثاني 2019، قال مكتب النائب العام إن عضو نيابة في القاهرة أجرى تحقيقا في العديد من حالات الانتهاكات والتعذيب التي تناولتها هيومن رايتس ووتش في تقاريرها في 2017، لكنه خلُص إلى أن النتائج كانت "مخالفة للحقيقة".

قال مايكل بيج، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "بيان النائب العام جاء مطابقا للنهج المعهود الذي تتبعه السلطات المصرية في إنكار الانتهاكات، وتجاهل آلام الضحايا، وعدم تحقيق العدالة. لا يمكن للنيابة الفاقدة  للاستقلالية، والتي أحيانا يوفر أعضاؤها  غطاءً للانتهاكات، إجراء تحقيقات موثوقة ونزيهة".

في سبتمبر/أيلول 2017، أصدرت هيومن رايتس ووتش تقريرا تضمّن 20 حالة تعذيب بين 2014 و2016، وخلُصت فيه إلى أن "قطاع الأمن الوطني" والشرطة التابعين لوزارة الداخلية، تحت حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تورطا في أعمال اخفاء قسري وتعذيب بشكل ممنهج واسع النطاق، ويُرجح أنها ترقى إلى جرائم ضدّ الإنسانية.

يمارَس التعذيب في أقسام الشرطة وفي مراكز احتجاز غير رسمية تابعة للأمن الوطني، ويكون المحتجزون أكثر عرضة للخطر حيث لا يتمكن محاموهم وأقاربهم من تحديد أماكنهم. يشمل التعذيب الضرب، الأوضاع المجهدة، التعليق من الأطراف، الصعق بالكهرباء، وأحيانا الاغتصاب أو التهديد به.

قال بيان مكتب النائب العام إن أعضاء نيابة من شرق القاهرة استجوبوا العديد من الضحايا الذين ذكرتهم هيومن رايتس ووتش و"قطعوا جميعا بعدم إجرائهم أي مقابلات مع من يعمل لدى أو لصالح تلك المنظمة" ونفوا "تعرضهم لأي تعذيب أو تعدّ". لم يذكر البيان عناصر التحقيق الضرورية الأخرى، مثل إجراء مقابلات مع عناصر الأمن الذين ربما شاركوا في الانتهاكات. وثّقت هيومن رايتس ووتش ومنظمات حقوقية أخرى في العديد من حوادث التعذيب تورط عناصر من الشرطة والنيابة العامة في ترهيب الضحايا وتحذيرهم من مغبّة التظلّم أو الحديث عن التعذيب.

كانت هيومن رايتس ووتش قد أرسلت نتائجها إلى النائب العام ووزارة الداخلية قبل نشر التقرير بأربعة أشهر، لكنها لم تتلق أي رد. بقي تحقيق النائب العام، الذي يُزعم أنه انطلق أواخر 2017، سريا إلى حد كبير، ولم يشارك فيه "المجلس القومي لحقوق الإنسان" المدعوم من الحكومة أو أي خبراء قانونيين مستقلين أو مدافعين عن حقوق الإنسان.

لا تسمح مصر بأي مراقبة مستقلة للسجون وأماكن الاحتجاز، ورفضت مرارا زيارات لكيانات إقليمية ودولية مختصة بالتحقيق في مزاعم التعذيب، ومنها المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. مصر هي الدولة الوحيدة التي خضعت لتحقيقين عموميين من قبل "لجنة مناهضة التعذيب" التابعة للأمم المتحدة. كتبت اللجنة في يونيو/حزيران 2017 أن الوقائع التي جمعتها تؤدي "إلى استنتاج لا مفر منه وهو أن التعذيب ممارسة منهجية في مصر".

التعذيب مُستشر في مصر منذ عقود، لكن منذ أن أطاح الجيش بالرئيس محمد مرسي في يوليو/تموز 2013، قمعت السلطات المعارضة، وقبضت على عشرات آلاف المعارضين، الكثير منهم اعتُقلوا تعسفا. وثقت منظمات حقوقية محلية ودولية مئات حالات الاختفاء القسري والتعذيب تحت حكم الرئيس السيسي. كما قتلت قوات الأمن مئات المتظاهرين السلميين وربما أعدمت محتجزين خارج نطاق القضاء في عدة حوادث.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي لمصر على نحو السرعة إنشاء أنظمة مستقلة للوقاية من التعذيب، تشمل السماح للمنظمات المستقلة بتفتيش مواقع الاحتجاز والسجون.

وجدت هيومن رايتس ووتش أن وزارة الداخلية قد طورت "خط تجميع" لارتكاب الانتهاكات الخطيرة للحصول على معلومات عن المشتبه في كونهم معارضين وإعداد قضايا ضدهم، غالبا ما تكون ملفقة. في كثير من الأحيان، يُمارس أعضاء النيابة ضغطا لتأكيد الاعتراف المُتحصل عليه عبر التعذيب، ولا يحققون أبدا في الانتهاكات المزعومة. يُحال عدد قليل من الحالات على المحاكم، ولا تصدر أحكام إدانة إلا في قلّة قليلة منها.

يتعين على مصر أيضا، التي انتُخبت رئيسة لـ "الاتحاد الأفريقي" في 2019، السماح بزيارات وحدات "اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب"، مثل "الفريق العامل المعني بمنع التعذيب في أفريقيا"، والمقرر الخاص المعني بالسجون وظروف الاحتجاز في أفريقيا.

في 24 يناير/كانون الثاني، بعثت اللجنة الأفريقية برسالة تضمنت نداءً عاجلا "حول الاعتقال المزعوم لأحد المدافعين عن حقوق الإنسان بسبب توثيق الاستخدام المسيء للقوة في المحاكمات العسكرية وانتهاك حقوق المحتجزين الذين ينتظرون المحاكمة" في مصر.

في تاريخ مصر الحديث، يبدو أنه لم يصدر أي حكم إدانة نهائي ضد أي من عناصر الأمن الوطني، المعروف سابقا بـ "أمن الدولة" والمسؤول على ما يبدو عن أغلب الانتهاكات الجسيمة، لارتكاب أي انتهاكات ،. في حالة حديثة في مايو/أيار 2018، برّأت محكمة جنايات ضابطين من الأمن الوطني، بعد أن أعيدت محاكمتهما بسبب تهم تتعلق بتعذيب وقتل المحامي كريم حمدي في قسم شرطة المطرية في 2015. كان الضابطان في حالة سراح في معظم مراحل المحاكمة بعد احتجازهما لفترة وجيزة في البداية، رغم خطر استخدام نفوذهما للتأثير على الأدلة.

في أكتوبر/تشرين الأول، وثقت هيومن رايتس ووتش الاختفاء القسري والتعذيب المزعوم بحق خالد حسن، وهو مواطن مصري-أمريكي كانت السلطات قد أحالته قبل وقت قصير على محكمة جنايات. نفت الحكومة ارتكاب أي مخالفات.

وعندما طلب محاميه فتح تحقيق رسمي وعرض إصاباته على الطب الشرعي، لم تتخذ النيابة العامة ولا القاضي أي إجراءات جادة.

قالت لجنة مناهضة التعذيب في تقريرها السنوي 2017 إن "إفلات مرتكبي أعمال التعذيب من العقاب واسع الانتشار، يُسهله عدم وجود هيئة تحقيق مستقلة للنظر في شكاوى التعذيب... وعدم وجود رصد مستقل منتظم لمراكز الاحتجاز".

في تقرير 2017، قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي للحكومة المصرية فتح تحقيق "يتفق مع الآلية الوطنية المنصوص عليها في البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب" للتحقيق في حالات التعذيب وملاحقتها قضائيا وإعداد سجل خاص بها.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه يجب تعديل القوانين المصرية التي تسهل الانتهاكات بسبب غياب تعريف واضح لحظر التعذيب والاختفاء القسري. في السنوات الأخيرة، عمدت السلطات إلى اعتقال ومحاكمة وترهيب الكثير من المحامين والنشطاء المناوئين للتعذيب والاختفاء القسري. كما حاكمت الحكومة محام حقوقي بارز واتخذت تدابير تأديبية ضدّ قاضيين اقترحا قانونا لمكافحة التعذيب، وأغلقت "مركز النديم لإعادة تأهيل ضحايا العنف والتعذيب"، أبرز عيادة لمناهضة للتعذيب في البلاد.

ينبغي لمصر السماح لآليات الأمم المتحدة، مثل المقررين الخاصين المعنيين بالتعذيب والاختفاء القسري وأوضاع الاحتجاز، بزيارة البلاد، وتعديل قوانينها لتتوافق مع التزاماتها الدولية، بما يشمل التزاماتها تجاه "المبادئ التوجيهية والتدابير الأفريقية لحظر ومنع التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة".

قال بيج: "إن كانت السلطات المصرية ترغب في إعادة بناء مصداقيتها المفقودة منذ عقود بسبب تسترها على الانتهاكات الجسيمة في حق المحتجزين وإنكارها، فعليها القضاء على التعذيب فورا والترحيب بمحققين مستقلين دوليين من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، وليس منعهم من دخول البلاد".