تحديث:
 

في 30 مارس/آذار 2016، أحيل القاضيان اللذان عملا على مشروع قانون لمناهضة التعذيب، هشام رؤوف وعاصم عبد الجبار، إلى المحاكمة التأديبية يُنتظر أن تنطلق في 24 أبريل/نيسان 2017 بتهم "العمل السياسي" و"التعاون في منظمة غير مرخص لها". سيواجه القاضيان إجراءات تأديبية قاسية، قد تشمل فصلهما من منصبيهما. 

 

(بيروت) – على السلطات المصرية إسقاط الاتهامات المنسوبة إلى محامٍ حقوقي ووقف التحقيقات بحق قاضيين على الأقل جراء دورهم في اقتراح قانون لمكافحة التعذيب في مارس/آذار 2015.

نجاد البرعي مع القاضيين هشام رؤوف وعاصم عبد الجبار، وهم شاركوا في اقتراح مشروع قانون ضد التعذيب، بما يضمن احترام القاتون المصري لاتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، التي صادقت عليها مصر عام 1986.

© 2015 خاص

في 3 مارس/آذار 2016 اتهم قاضي تحقيق نجاد البرعي – رئيس مؤسسة للمحاماة عقدت ورش عمل تحضيرا لمشروع القانون – باتهامات يمكن أن تؤدي للحكم عليه بالسجن لما يناهز 25 عاما على صلة بهذه الأنشطة. في الوقت نفسه، يبدو أن المجلس الأعلى للقضاء بمصر قد أمر بالتحقيق مع هشام رؤوف وعاصم عبد الجبار، وهما قاضيان تعاونا مع البرعي في صياغة مسودة القانون، جراء دورهما في المشروع، على حد قول مؤسسة المحاماة.

قال نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "في مصر اليوم، حتى أعضاء القضاء ليسوا بمأمن واستقلالية من أذرع الدولة التي تحركها العقلية الأمنية. على السلطات أن تحقق مع من يعذٍّبون، لا من يحاولون تحسين القوانين المصرية وجعلها متسقة مع المعايير الدولية".

استجوبت السلطات البرعي، رئيس "المجموعة المتحدة" للمحاماة، القائمة منذ 74 عاما، 5 مرات منذ أبريل/نيسان 2015، وكانت آخر جلسة في 5 يونيو/حزيران. ركز الاستجواب على دوره في مسودة قانون مكافحة الإرهاب فضلا عن أنشطة أخرى وتمويلات تصل إلى المجموعة.

رفض القاضي عبد الشافي عثمان – المُعين من قبل وزارة العدل للتحقيق في قضية البرعي – إمداد البرعي بنسخة رسمية من الاتهامات الصادرة ضده. لكن البرعي قال إن التهم تشمل: تأسيس جماعة غير شرعية بقصد التحريض على مقاومة السلطات، ومزاولة أنشطة حقوقية دون ترخيص، وتلقي تمويل أجنبي دون تصريح، وإذاعة أخبار كاذبة بقصد الإضرار بالنظام العام.

أثناء جلسة تحقيق 5 يونيو/حزيران، عرض القاضي عثمان على البرعي تقرير الأمن الوطني الذي يزعم أنه أجرى أنشطة حقوقية وتلقى تمويلاً أجنبيا سعى لنشر ثقافة اللاعنف بقصد إسقاط الدولة، كما ذكرت المجموعة المتحدة في بيان بتاريخ 6 يونيو/حزيران. ورد في البيان إن تقرير الأمن الوطني تتكون أدلته من مقالات للبرعي في صحيفة "الشروق" المستقلة، وكتابات على "فيسبوك" حول حملة قمع منظمات حقوق الإنسان في مصر.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه بعد توجيه التهم للبرعي، يمكن للدولة أن تلقي القبض عليه في أي وقت وتودعه في الحجز على ذمة التحقيق. إلى الآن طالب قاضي التحقيق ببساطة أن يضمن البرعي مثوله للاستجواب بأن يقدم عنوان سكن موثقا. تهمة تلقي التمويل بصفة غير قانونية يمكن أن يُعاقب عليها بالسجن 25 عاما، بموجب تعديل قانون العقوبات الذي أدخله الرئيس عبد الفتاح السيسي في سبتمبر/أيلول 2014.

في 4 يونيو/حزيران استدعى القاضي عثمان للاستجواب، كل من القاضي رؤوف – رئيس محكمة استئناف القاهرة ومساعد وزير العدل السابق – والقاضي عبد الجبار – نائب رئيس محكمة النقض، أعلى محكمة استئنافية في البلاد. لكن لم توجه أية اتهامات إلى القاضيين بعد. عرض القاضي رؤوف مذكرة للقاضي عثمان يطعن فيها على قرار وزير العدل بفتح تحقيق ضده.

كانت مسودة القانون المقترح هي نتاج عمل البرعي والمجموعة المتحدة لعدة شهور بالتعاون مع مجموعة من القضاة وخبراء القانون، لكي يصبح القانون المصري متسقا مع "اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة"، التي صدقت عليها مصر عام 1986. في مارس/آذار 2015 عقد البرعي ورشة عمل لعرض مشروع القانون، وفيما بعد أرسله إلى الرئاسة ووزارة العدل وللبرلمان بعد انتخابه.

في أبريل/نيسان 2015، وبحسب تقارير في عدد من الصحف المملوكة للدولة والمستقلة، طلب المجلس الأعلى للقضاء تعيين قاضي تحقيق للنظر في إسهامات القاضيَين رؤوف وعبد الجبار في مشروع القانون. طلب المجلس التحقيق بعد تلقيه تقرير عن ورشة العمل ومشروع القانون من جهاز الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية، على حد قول الصحف. لم يُخطر القاضيان رسميا بالتحقيق وعرفا به من وسائل الإعلام، بحسب بيان مشترك لـ 19 منظمة غير حكومية مصرية. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من الاتصال بالقاضيين.

خلال العامين الماضيين – وبحسب تقارير إعلامية – وافق الرئيس السيسي على قرارات السلطة القضائية بإحالة عشرات القضاة للتقاعد وإخراج آخرين من الخدمة، ولا يقل عددهم عن 47 قاضيا، في 3 وقائع منفصلة، وذلك جراء أعمال من قبيل التعبير عن آراء مناهضة للحكومة أو عزل الجيش في يوليو/تموز 2013 للرئيس السابق محمد مرسي. في 15 مايو/أيار فتحت إدارة التحقيق بوزارة العدل تحقيقا مع 12 قاضيا وممثلين للنيابة جراء تعبيرهم عن آراء سياسية بشأن قرار الرئيس السيسي بتسليم جزيرتين في البحر الأحمر للسعودية، حسبما نقلت صحيفة الوطن غير المملوكة للدولة.

أظهرت بحوث هيومن رايتس ووتش والتحقيقات الصحفية وبحوث منظمات حقوقية محلية، مرارا، أن التعذيب ظاهرة منتشرة في مصر وأن الأجهزة الأمنية تتمتع عادة بالإفلات من العقاب على هذه الأعمال. منذ عزل مرسي، استخدم أعوان جهاز الأمن الوطني التعذيب على نطاق واسع وبشكل روتيني لإكراه المشتبه بهم على الاعتراف، حسبما وجدت هيومن رايتس ووتش. لم تمنح مصر الإذن لمقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعذيب بزيارة البلاد منذ تقدم سلفه بطلبه الأول بهذا الشأن في 1996.

خلال الشهور السابقة على ورشة العمل، قابل البرعي والمجموعة المتحدة 465 ضحية مزعومة للتعذيب وإساءة معاملة من قبل الشرطة، وتقدم بـ 163 شكوى للنيابة، بينهما 7 شكاوى فحسب وصلت إلى محاكم، بحسب تقرير صدر عن المجموعة في يناير/كانون الثاني 2015.

خلال الشهور الأخيرة، صعّد قضاة التحقيق من الضغوط على المنظمات الحقوقية المستقلة، ما يشير إلى أنها ربما أوشكت على نسب اتهامات في القضية 173، وهو تحقيق قائم منذ 5 سنوات في التمويل الأجنبي لمنظمات غير حكومية. استدعى القضاة عاملين بمجال حقوق الإنسان للاستجواب ومنعوهم من السفر وحاولوا تجميد حساباتهم الشخصية والعائلية.

في 19 أبريل/نيسان، قال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إنه "يتابع عن كثب" التحقيق وشدد على "الحاجة إلى أن يعمل المدافعون عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني بشكل عام، والإعلام أيضا، دون قيود غير مستحقة".

تخرق التحقيقات مع البرعي والقاضيين عدة مواد من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب ومن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهي مواد تتصل بالحق في حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير والحق في تلقي ونقل المعلومات. ورد في مبادئ الاتحاد الأفريقي وتوجيهاته المتعلقة بالحق في محاكمة عادلة وفي الحصول على المساعدة القانونية في أفريقيا، أن القضاة والمحامين "يجب ألا يتعرضوا – أو يهددوا بالتعرض – للملاحقة القضائية أو العقوبات الإدارية او الاقتصادية أو غيرها من العقوبات جراء أية أنشطة تتم في معرض الاضطلاع بالواجبات المهنية أو بموجب معايير وأخلاق المهنة".

المجموعة المتحدة – وهي مؤسسة محاماة بارزة في مصر – تمثل العديد من النشطاء ومنظمات حقوق الإنسان، ومنها هيومن رايتس ووتش.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على مصر الالتزام بتعهدها الذي قطعته في مارس/آذار 2015 في ختام الاستعراض الدوري الشامل أمام المجلس الأممي لحقوق الإنسان بأنها ستحترم نشاط الجمعيات الحر الذي يدافع عن حقوق الإنسان، مع تنفيذ تعديلات قانونية للمساعدة في مكافحة جريمة التعذيب.

قال حوري: "ألزمت مصر نفسها بتعديل تشريعاتها بحيث تتسق مع معاهدات الأمم المتحدة، لكن عندما اقترح محامون وقضاة تعديلات على هذا المسار، سعت السلطات لمعاقبتهم. يُظهر هذا أن حكومة السيسي لا يهمها كثيرا معاناة ضحايا التعذيب أو حقوقهم".