صور عناصر قوى الأمن والجيش وهم يقمعون المتظاهرين، الذين تجمعوا في وسط بيروت يوم 22 أغسطس/آب للاحتجاج على أزمة النفايات والفساد السياسي، هزت المجتمع اللبناني. ضربت قوى الأمن متظاهرين عزّل، فتحت مدافع الماء على الصحفيين، وأطلقت الطلقات المطاطية على حشود الفارين. بل أطلقت طلقات حية في الهواء، فعادت العائلات مذعورة إلى بيوتها.

في اليوم التالي تمت الدعوة إلى جولة جديدة من المظاهرات، وقامت مجموعة صغيرة من المتظاهرين الغاضبين بمهاجمة قوى الأمن بالحجارة ـ فدُفعت قوى الأمن في النهاية إلى الرد بالمزيد من عبوات الغاز المسيل للدموع، والطلقات المطاطية ومدافع المياه. ومنذ ذلك الحين صارت المواجهات شبه يومية بين المتظاهرين وقوى الأمن في وسط بيروت.

تمثل مظاهرات بيروت، مثلها مثل العديد من الحركات الاجتماعية، تحديا لقوى الأمن، التي تقع على عاتقها مسؤولية مزدوجة ـ حماية الحق الأساسي في التظاهر، مع حفظ النظام. حتى في المظاهرات التي تغلب عليها السلمية، كمظاهرة 22 أغسطس/آب، يمكن للمرء أن يجد بعض المتظاهرين يلقون الحجارة أو يحاولون استفزاز قوى الأمن. فكيف لهذه القوات أن ترد؟

تنص "مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية" على أنه لا يجوز لموظفي إنفاذ القانون استخدام القوة إلا إذا أثبتت الوسائل الأخرى عدم فعاليتها أو تضاءل احتمال نجاحها في تحقيق الغاية المرجوة. عند استخدام القوة يتعين على موظفي إنفاذ القانون ممارسة ضبط النفس والتصرف بالتناسب، مع مراعاة خطورة الجرم والغاية المشروعة المراد تحقيقها على السواء. كما تبنت قوى الأمن الداخلي في 2011 ميثاقا سلوكيا ينص على أنه "يمتنع عن استخدام القوة إلا في حالة الضرورة بشكل يتناسب مع الوضع وبعد استنفاد كافة الوسائل غير العنفية المتاحة وضمن الحدود الواجبة لأداء الواجب".  

رغم وضوح المبدأ، يكمن التحدي في كيفية تنفيذه أثناء المواقف المتوترة عادة في المظاهرات. وفي هذا الصدد يتعين على قوى الأمن اللبنانية أن تتبنى بعض الممارسات الفضلى المعينة التي تستخدمها بلدان أخرى. في المقام الأول، عليها أن تبذل كل جهد ممكن للتواصل الواضح مع المتظاهرين قبل إطلاق الغاز المسيل للدموع أو إطلاق النار في الهواء. غاب هذا بوضوح عن مظاهرات بيروت، حينما لم تصدر قوى الأمن أي إنذار قبل اللجوء إلى الوسائل العنيفة.

كما يجب التنسيق أكثر بين الهيئات الأمنية المتعددة على الأرض، بما فيها قوات مكافحة الشغب و وحدات قوى الأمن الداخلي الأخرى، والجيش، والوحدات المسؤولة عن تأمين البرلمان والحكومة. بدا غياب التنسيق لأي شخص يراقب سلوكها يوم 22 أغسطس/آب.

كما تنشأ أيضا مسألة المعدات. ففي 22 أغسطس/آب، بينما كان المتظاهرون يحاولون شق طريقهم إلى البرلمان، وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة جنود مسلحين بالبنادق الآلية المذخرة وحدها. وتُظهر المواجهة، التي صورتها الكاميرات، جنودا يبدو أنهم فوجئوا ولجأوا بسرعة إلى إطلاق النار في الهواء. أغضبت الطلقات الحشود، التي ألقت بقوارير المياه والعصيّ على الجنود. ولحسن الحظ لم يصب أحد برصاصة حية. لكن غلطة واحدة كان من شأنها التسبب في حصيلة مروعة من الوفيات.

كثيرا ما يلجأ لبنان في معرض السيطرة على المظاهرات إلى جنود غير مدربين على ممارسة أدوار الشرطة، مثل السيطرة على الحشود. غالبا ما يتم نشرهم بدون معدات واقية وتزويدهم بالبنادق الآلية المعتادة فقط. أدى هذا إلى عواقب قاتلة. في 2004، أُرسل الجيش اللبناني لمواجهة متظاهرين في حي السلم في ضاحية بيروت، وكانت النهاية مأساوية حينما فتح الجنود النيران على المتظاهرين فقتلوا 5 منهم. وعلى نحو مماثل، فتح جنود الجيش اللبناني في 2007 النار على محتجين فلسطينيين كانوا يتظاهرون قرب مخيم البدّاوي، فقتلوا 2 منهم. في الحالتين كان يمكن تجنب تلك الوفيات بإصدار أوامر ونشر معدات أكثر ملائمة للموقف.

إلا أن المعدات المناسبة ليست كل شيء؛ توحي روايات الشهود والمقاطع الملتقطة يوم 22 أغسطس/آب بقوة بأن قوى الأمن أفرطت في استخدام الرصاص المطاطي وعبوات الغاز المسيل للدموع. أفاد العديد من المتظاهرين الجرحى بأنهم أصيبوا بالطلقات المطاطية فيما كانوا يساعدون متظاهرين آخرين مصابين أو يحاولون الفرار بعيدا.

يقودنا هذا إلى الإجراء الرئيسي الغائب: المحاسبة. على موظفي إنفاذ القانون الذين يستخدمون القوة المفرطة أن يواجهوا المسؤولية الجنائية إضافة إلى الإجراءات التأديبية. ومع ذلك فإن الإفلات من العقاب هو العرف السائد في لبنان. لا توجد مؤشرات على محاسبة العناصر المذنبين في الوقائع السابقة للاستخدام المفرط للقوة. وعد النائب العام ووزير الداخلية، بل حتى رئيس الوزراء، بالتحقيق ومحاسبة أي مسؤول عن العنف في 22 أغسطس/آب. لكن بالنظر إلى سجل السلطات فإن الثقة في مثل تلك التحقيقات متدنية.

للتغلب على هذا الانهيار المحتمل للثقة، يلجأ كثير من البلدان إلى لجان لتقصي الحقائق، تعقد جلسات علنية وتنشر نتائج تحقيقاتها علنا. وفي بعض البلدان تقوم اللجان الوطنية لحقوق الإنسان بدور محوري في التحقيق وإصدار النتائج والتوصيات المتعلقة بالتصدي لعنف الشرطة. إلا أن مشروع القانون اللبناني الخاص بلجنة وطنية لحقوق الإنسان ـ على غرار العديد من مشروعات الإصلاح ـ ما زال للأسف حبيس الأدراج في البرلمان منذ سنوات.

أظهرت المظاهرات الأخيرة مستوى الإحباط المرتفع الذي يشعر به اللبنانيون تجاه نظام سياسي أخفق مرارا وتكرارا في تزويدهم بالخدمات الأساسية. فانتظِروا المزيد من المظاهرات. على قوى الأمن اللبنانية أن تظهر قدرتها على احترام حقوق المتظاهرين، وإلا صارت هي نفسها هدفا للمظاهرات.