ملصق في مطار طرابلس الدولي في سبتمبر/ايلول يحث المدنيين على الإبلاغ عن أي ألغام أرضية أو عتاد غير متفجر، بما في ذلك ألغام "تي-إيه بي-1" المضادة للأفراد (أسفل الملصق لجهة اليمين)

© 2014 مارلين دوماس

(طرابلس) ـ إن أدلة ذات مصداقية قد كشفت حول قيام جماعة مسلحة أو أكثر باستخدام ألغام أرضية مضادة للأفراد أثناء النزاع المسلح الذي شارك فيه تحالف الزنتان وتحالف فجر ليبيا في مطار طرابلس في يوليو/تموز وأغسطس/آب 2014.

لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تحديد هوية الجماعات المسؤولة عن زرع الألغام، وقد دعت فجر ليبيا التي تسيطر على مطار طرابلس في الوقت الحالي إلى تدمير المخزونات المتبقية وضمان رفع الألغام وفق المعايير الدولية.

وقال ستيفن غوس، مدير برنامج الأسلحة في هيومن رايتس ووتش ورئيس الحملة الدولية لحظر الألغام الأرضية، الحائزة على جائزة نوبل للسلام: "لا يمكن قبول استخدام الألغام الأرضية المضادة للأفراد من جانب أي طرف في أي مكان، وعلى جميع الأطراف أن تأمر قواتها بالتوقف عن استخدام الألغام الأرضية والتدمير الفوري لأية مخزونات".

كما أن هيومن رايتس ووتش تدعو ليبيا للانضمام إلى معاهدة حظر الألغام الأرضية.

و ليبيا ليست طرفاً في معاهدة حظر الألغام الأرضية لسنة 1997، التي تفرض حظراً شاملاً على الألغام المضادة للأفراد، إلا أن استخدام الألغام المضادة للأفراد من جانب الدول غير الأطراف في المعاهدة يشكل انتهاكاً للقانون الدولي العرفي، بسبب الطبيعة العشوائية عديمة التمييز لتلك الأسلحة التي تسبب أضراراً غير متناسبة وطويلة الأمد للمدنيين. كما أن استخدام الألغام المضادة للمركبات قد يخالف القانون الدولي بدوره، ولا سيما عندما تستخدمها قوات دون تمييز أو لاستهداف المدنيين، أو حين لا تتخذ احتياطات كافية لتجنب الخسائر في صفوف المدنيين.

في 3 نوفمبر/تشرين الثاني عاودت ليبيا التصويت لصالح قرار غير ملزم من الجمعية العامة للأمم المتحدة لتأييد معاهدة حظر الألغام، وقال المندوب الليبي إن بلاده صوتت لصالح القرار لأنها تشارك في بواعث القلق الإنسانية من الألغام المضادة للأفراد، لكنه قال إن حكومته لا يمكنها الانضمام إلى معاهدة حظر الألغام في الوقت الحالي.

وقد أذاعت قناة النبأ ـ وهي قناة تلفزيونية فضائية ليبية خاصة ـ وقناة الجزيرة مقطع فيديو قالتا إن تصويره تم في سبتمبر/أيلول بمطار طرابلس الدولي، ويظهر مقاتلي فجر ليبيا وهم يرفعون ما لا يقل عن 20 لغماً مضاداً للأفراد من طراز "تي-إيه بي-1"، ولغماً واحداً مضادا للمركبات على الأقل من طراز "بي آر بي - إم3". وكانت الألغام قد زرعت، بحسب مزاعم، أثناء القتال بين قوات تحالف فجر ليبيا الذي تقوده مليشيات من مدينة مصراتة الساحلية، وتحالف من المليشيات من بلدة الزنتان الجبلية الداخلية.

كان  تحالف الزنتان، الذي يضم كتائب القعقاع والصواعق والمدني، يسيطر على مطار طرابلس منذ نهاية 2011 وحتى 24 أغسطس/آب، حين انتزعت قوات فجر ليبيا السيطرة عليه بعد 5 أسابيع من القتال العنيف. وفي أثناء القتال كانت إحدى وحدات الزنتان، المعروفة بكتيبة أمن المطار، تسيطر على المطار ومحيطه.

وقد قام أحد كبار المسؤولين بخدمة الأمم المتحدة لمكافحة الألغام في ليبيا بإبلاغ هيومن رايتس ووتش في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني بأن الأمم المتحدة لا تملك "معلومات مؤكدة" عن استخدام الألغام في مطار طرابلس. كما قال ممثلو هيئات دولية لمكافحة الألغام تعمل في ليبيا لـ هيومن رايتس ووتش إنهم لا يستطيعون التعليق على استخدام الألغام في مطار طرابلس حيث لم يتمكن أفراد طواقمهم من الوصول إلى الموقع.

وفي 29 أكتوبر/تشرين الأول تحدثت هيومن رايتس ووتش هاتفياً مع قائد الوحدة الهندسية التابعة لـ"ثوار مصراتة" ضمن تحالف فجر ليبيا، التي تولت رفع الألغام الأرضية وغيرها من الذخائر غير المنفجرة في طرابلس منذ أغسطس/آب، فقال القائد إن وحدته قامت في 24 أغسطس/آب، يوم الاستيلاء على المطار، باكتشاف منطقة ملغمة داخل المطار. وقال إن شاحنة "بيك-أب" عليها أسلحة مضادة للطائرات دخلت إلى "منطقة المطار القديم" وفجرت لغماً، فقتل مقاتلا من كتيبة أم المعارك بمصراتة، هو محمد أبو بكر علي، وجرحت عدداً من الآخرين.

وأبلغ القائد هيومن رايتس ووتش بأن وحدته عثرت على ما يقرب من 600 لغم أرضي ورفعتها منذ 24 أغسطس/آب، ومعظمها من طراز "تي- إيه بي-1" المضاد للأفراد، من مجمع مطار طرابلس الدولي.

ويعتقد أن ألغام "تي-إيه بي-1" المضادة للأفراد برازيلية المنشأ، إلا أنها تفتقر إلى العلامات المحددة للمصنع. كما أن القوات الموالية للقذافي بدورها استخدمت هذا الطراز من الألغام على نطاق واسع أثناء نزاع 2011.

ويمكن تزويد ألغام "بي آر بي-إم3" المضادة للمركبات بمصهر حساس يسبب انفجارها في وجود شخص أو قربه أو ملامسته لها، مما يمثل خطراً على المدنيين الراجلين أو في المركبات. وعند استخدامها مع المصهر الحساس فإن ألغام " بي آر بي-إم3" توافق تعريف اللغم المضاد للأفراد بموجب معاهدة حظر الألغام. ومن تنويعات ألغام " بي آر بي-إم3" الأخرى، هناك نوع يمكن تزويده بمصهر مساعد وآلية مضادة للتناول بحيث ينفجر إذا حاول أي شخص تحريكه.

ويتكون نوعا الألغام كلاهما بالكامل تقريباً من البلاستيك، مما يجعل اكتشافهما شديد الصعوبة على رافعي الألغام المزودين بكشافات المعادن، ويعرض الأشخاص الذين يحاولون رفعها للخطر.

قال قائد فجر ليبيا، وهو ضابط متقاعد مسؤول عن الوحدة الهندسية منذ ثورة 2011، قال لـ هيومن رايتس ووتش إنه يعتقد أن الألغام زرعت في "منطقة المطار القديم" على نحو عشوائي عديم التمييز قبل الاستيلاء على المطار في 24 أغسطس/آب بنحو 10 أو 15 يوماً. وقد اتهم مليشيات الزنتان، التي كانت تسيطر على المطار آنذاك، بزرع الألغام. ولم يكن معروفاً عن "منطقة المطار القديم" أنها ملغمة قبل القتال في 2014.

وفي مقابلة هاتفية مع هيومن رايتس ووتش، أنكر مصطفى الباروني عمدة الزنتان استخدام مليشيات الزنتان للألغام المضادة للأفراد أو للمركبات، وقال إن كتيبة أمن المطار كانت في المطار أثناء القتال، وذلك مع أشخاص يساعدون "في الدفاع عن المطار".

وقد قامت صحفية دولية، سبقت لها زيارة عمليات التطهير بمطار طرابلس مرتين في سبتمبر/أيلول، بتصوير رفع ألغام "تي-إيه بي-1" المضادة للأفراد و" بي آر بي-إم3" المضادة للمركبات في موقعين: 15 سبتمبر/أيلول (إحداثيات 32,682003 و13,163818) و18 سبتمبر/أيلول (إحداثيات 32,681274 و13,164113).

أثناء ثورة 2011 قامت قوات الحكومة الخاضعة لمعمر القذافي في ذلك الوقت باستخدام 5 أنواع من الألغام الأرضية في 6 مواقع، بينما تم العثور على 3 أنواع من الألغام المهجورة في عدة مواقع. ولم يتم تسجيل استخدام ألغام أرضية من جانب قوات المعارضة بعد أبريل/نيسان 2011، حينما أصدر المجلس الوطني الانتقالي الذي كان معارضاً وقتذاك تعهداً رسمياً بعدم استخدام الألغام الأرضية المضادة للأفراد والمركبات، وبتدمير جميع الألغام التي في حوزة قواته. وقع على تعهد 2011 قادة عسكريون وبينهم اللواء خليفة حفتر الذي يتولى الآن قيادة عملية الكرامة، المتحالفة مع مليشيات الزنتان التي كانت تسيطر على مطار طرابلس حتى استولت عليه فجر ليبيا.

عندما فقدت حكومة القذافي السيطرة على البلاد تدريجياً في 2011، تمكنت القوات المعارضة للحكومة والمدنيون من الوصول إلى مستودعات هائلة للأسلحة تحتوي على مئات الآلاف من الألغام الأرضية. ومنذ 2011 شرعت منظمات دولية ومحلية معنية بمكافحة الألغام في العمل مع السلطات الليبية والأمم المتحدة لجمع وتدمير الذخائر وكذلك رفع الألغام، إلا أن المهمة ما زالت بعيدة عن الاكتمال. وقد شهدت هيومن رايتس ووتش على تدمير بعض الألغام الأرضية المخزونة في 2012، لكنها لا تعتقد أنه كان هناك أي جهد منسق أو ممنهج لتدمير المخزونات.

وفي عهد القذافي كانت ليبيا تدافع عن استخدام الألغام المضادة للأفراد وترفض الانضمام إلى معاهدة حظرها، لكن المجلس الوطني الانتقالي قال في 2011 إن "أي حكومة ليبية مقبلة عليها التخلي عن الألغام الأرضية والانضمام إلى معاهدة حظر الألغام لسنة 1997". إلا أنه لم ينفذ تعهده بالانضمام إلى المعاهدة عند تحوله إلى حكومة مؤقتة.

وقد انضم ما مجموعه 162 بلداً إلى معاهدة حظر الألغام، وكانت آخرها عمان في 20 أغسطس/آب. وتفرض المعاهدة حظراً شاملاً على الألغام الأرضية المضادة للأفراد وتشترط رفعها ومساعدة الضحايا. وبسبب الوصمة المرتبطة باستخدام الألغام المضادة للأفراد التي رسختها المعاهدة فإن استخدام تلك الأسلحة من جانب الحكومات أو الجماعات المسلحة غير الحكومية أصبح نادر الحدوث.

وجميع الأطراف المشاركة في نزاعات ليبيا ملزمة بالتقيد بقوانين الحرب. كما أن بعض انتهاكات قوانين الحرب، عند ارتكابها بنية إجرامية، تشكل جرائم حرب، ويخضع مرتكبو جرائم الحرب ومن يأمرون بها أو يساعدون فيها أو يتحملون مسؤولية القيادة عنها للملاحقة من جانب المحاكم الوطنية أو الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية، المختصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وأعمال إبادة العرق المرتكبة في ليبيا منذ 15 فبراير/شباط 2011، بموجب القرار رقم 1970 لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

في 27 أغسطس/آب تبنى مجلس الأمن القرار رقم 2174 (2014) الذي يتوسع في الجزاءات الدولية القائمة المفروضة على ليبيا بحيث تشمل المشاركين أو المؤيدين لأفعال "تهدد السلم أو الاستقرار أو الأمن في ليبيا، أو تعرقل أو تقوض النجاح في استكمال انتقالها السياسي". وتشمل تلك الأفعال "تخطيط أو توجيه أو ارتكاب أعمال تنتهك القانون الدولي المنطبق لحقوق الإنسان أو القانون الإنساني الدولي، أو أعمال تشكل انتهاكات لحقوق الإنسان".

وتتأثر ليبيا أيضاً بالألغام الأرضية التي استخدمت على نطاق واسع في المعارك الصحراوية في الحرب العالمية الثانية. وعلاوة على هذا فقد استخدمت ليبيا الألغام الأرضية أثناء نزاعها مع التشاد وزرعت الألغام بطول أجزاء أخرى من حدودها في أوقات متباينة. وهناك منشآت تمت زراعة الألغام الأرضية حول محيطها، ومنها بعض مواقع تخزين الذخيرة.

والبرازيل دولة طرف في معاهدة حظر الألغام، ولم تقم بتصنيع أو تصدير ألغام أرضية مضادة للأفراد منذ 1989. في ديسمبر/كانون الأول 2011 أدانت البرازيل استخدام الألغام الأرضية في ليبيا وتعهدت بتقديم مساهمة مالية للبرنامج الليبي لمكافحة الألغام.