فصل دراسي مهدّم في مدرسة جباليا للبنات في غزة. استهدفت المدرسة ومحيطها بما لا يقل عن عشر قذائف في 30 يوليو/تموز 2014 بينما كانت تأوي أكثر من 3200 لاجئ. تسبب الهجوم في مقتل 20 شخصًا.

© 2014 آن باك/هيومن رايتس ووتش

(القدس) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن ثلاث غارات إسرائيلية انتهكت قوانين الحرب وتسببت في تدمير مدارس في غزة تأوي أشخاصا مشردين، وراح ضحيتها العديد من الضحايا المدنيين. وفيما يُعدُ جهد التوثيق الأول من نوعه لهذه الانتهاكات، أجرت هيومن رايتس ووتش تحقيقا في الغارات الثلاث التي تم شنها في 24 و30 يوليو/تموز و3 أغسطس/آب 2014، وتسببت في مقتل 45 شخصًا، منهم 17 طفلا.

قال فريد أبراهامز، المستشار الخاص لدى هيومن رايتس ووتش: "شن الجيش الإسرائيلي غارات على ثلاث مدارس واضحة للعيان وهو يعلم أنها تأوي مئات الأشخاص، ما تسبب في مقتل العديد من المدنيين وإصابة آخرين بجروح. ولم تقدم إسرائيل أي تبرير مقنع لغاراتها على مدارس فيها أشخاص يبحثون عن الحماية، ولا للمجزرة التي نتجت عنها".

يبدو أن اثنين من الغارات الثلاث التي أجرت هيومن رايتس ووتش تحقيقات بشأنها، في بيت حانون وجباليا، لم تكن تستهدف أهدافا عسكرية، وكانت غير مشروعة وذات طابع عشوائي. كما كانت الغارة الثالثة في رفح غير متناسبة وعشوائية. وتُعتبر الهجمات غير المشروعة التي تنفذ عمدًا؛ أي بإصرار أو لا مبالاة، جرائم حرب.

وتلزم قوانين الحرب إسرائيل بإجراء تحقيق ذي مصداقية في إمكانية وقوع جرائم حرب، ومعاقبة المسؤولين عنها بشكل مناسب. وقال الجيش الإسرائيلي إنه أنشأ "لجنة تقييمات لتقصي الحقائق" لـ"فحص الوقائع الاستثنائية"، خلال القتال الأخير ، وإنه فتح 5 تحقيقات جنائية، وبينها على ما يبدو تحقيق في هجوم 24 يوليو/تموز المذكور أدناه؛ لكن لدى إسرائيل سجلا طويلا من الإخفاق في إجراء تحقيقات ذات مصداقية في جرائم الحرب المزعومة، بحسب هيومن رايتس ووتش.

وفي إفادة إلى وسائل الإعلام، عرض الجيش الإسرائيلي صورا لما قال إنها كانت صواريخ مخبأة في وتم إطلاقها من مجمعات مدرسية. لم تكن أي من الصور من المدراس الثلاث التي تديرها الأمم المتحدة والتي حققت هيومن رايتس ووتش فيها حيث قتل الكثير من المدنيين. 

ويبدو أن قذائف هاون إسرائيلية أصابت في الغارة الأولى، حوالي الساعة الثالثة فجرًا من يوم 24 يوليو/تموز، مدرسة ابتدائية مختلطة في بيت حانون تشرف عليها الأمم المتحدة، وتسببت في مقتل 13 شخصًا، منهم ستة أطفال، وإصابة عشرات الآخرين بجروح.

قال شهود لـ هيومن رايتس ووتش إن القتال الذي شهدته المنطقة أجبر معظم اللاجئين في المدارس على المغادرة، ولكن بقي مئات الآخرين هناك. وكان أغلب هؤلاء ينتظرون الانتقال إلى مكان أكثر أمنًا لما سقطت قذيفتان وسط مبنى المدرسة، ربما قذيفتا هاون من عيار 81 مم أو 120 مم.

قال جمال أبو عودة، وعمره 58 سنة، إنه كان جالسًا خارج الفصل عندما سقطت إحدى القذيفتين. وأضاف: "قتل أغلب الناس وسط فناء المدرسة.. كانت هناك جثث ممزقة، خليط من أطفال ورجال وبنات ونساء، خليط من وجوه وأجسام". كما قال شهود إن قذيفة ثانية سقطت وسط الفناء بُعيد القذيفة الأولى، ثم سقطت قذيفتان أخريان بشكل متتال خارج مبنى المدرسة.

زعم الجيش الإسرائيلي أن مقاتلين تابعين لـ حماس "كانوا يتحركون بجانب" المدرسة. وبعد أن استهدفوا بصواريخ مضادة للدبابات، ردّ الجنود بإطلاق "العديد من قذائف الهاون باتجاههم". كما قال الجيش إن "قذيفة هاون خاطئة" أصابت فناء المدرسة، لما كان "خاليا بشكل كامل"، وهو ادعاء نفاه سبعة شهود ممن أجرت معهم هيومن رايتس ووتش مقابلات منفصلة.

قال شهود إن ما لا يقل عن أربعة قذائف سقطت في دقائق معدودة على مبنى المدرسة ومحيطها بشكل دقيق، وهو ما يجعل من فرضية سقوط ذخائر فلسطينية على وجه الخطأ أمرًا مستبعدًا. كما أنه لم تكن توجد أي قوات إسرائيلية قرب المدرسة ربما تكون دفعت الفلسطينيين إلى استهدافها بقذائف هاون.

وفي 30 يوليو/تموز، سقط ما لا يقل عن عشرة قذائف إسرائيلية على مدرسة البنات التابعة للأمم المتحدة في جباليا التي كانت تأوي أكثر من 3200 شخص. وتسبب القصف في مقتل 20 شخصًا، منهم ثلاثة أطفال. وتشير الأضرار وصور لبقايا الذخيرة الموجودة مكان الهجوم إلى أن إسرائيل استخدمت قذائف مدفعية عيار 155 مم، بما في ذلك قذائف دخان وإضاءة وقذائف شديدة الانفجار، وينتج عن هذه الأخيرة انفجار وشظايا وأضرار واسعة النطاق.

قال سليمان حسن عبد الدايم، عمره 24 سنة، وكان لاجئا في المدرسة مع عائلته الموسعة، إن ثلاثة أفراد من عائلته لقوا حتفهم وأصيب خمسة آخرون بجروح أثناء الهجوم. ولما سمع الغارة الأولى حوالي الساعة الثانية فجرًا، فرّ إلى أحد الفصول الذي كانت ينام فيه نساء وأطفال، ثم سقطت قذيفة ثانية. كما قال سليمان: "شاهدت زوجتي وقد أصيبت في رأسها، فسحبتها إلى الخارج. ثم بحثت عن عمتي، فوجدتها وهي تقول "لا أستطيع أن أرى شيئا"، فسحبتها إلى الخارج أيضا. كما بترت سيقان إبراهيم ابن عمي".

قال الجيش الإسرائيلي إن مقاتلين فلسطينيين أطلقوا قذائف هاون "من مكان قريب" من المدرسة، ولكنه لم يقدم أي معلومات تدعم مزاعمه. وفي جميع الحالات يُعتبر استخدام القذائف المدفعية شديدة الانفجار قرب ملجأ مكتظ بالمدنيين هجومًا عشوائيًا.

كما يبدو أن صاروخا إسرائيليا موجها من طراز سبايك سقط قرب مدرسة للذكور تابعة للأمم المتحدة في رفح يوم 3 أغسطس/آب حوالي الساعة العاشرة و45 دقيقة صباحًا، وتسبب في مقتل 12 شخصًا، منهم ثمانية أطفال، وأصاب ما لا يقل عن 25 آخرين بجروح. وكان في ذلك الوقت قرابة ثلاثة آلاف شخص يتخذون من المدرسة ملجأ.

قال شهود لـ هيومن رايتس ووتش إن العديد من المدنيين، من بينهم أطفال، كانوا قرب بوابة المدرسة الأمامية يشترون الحلوى عندما أصاب صاروخ الجانب المقابل من الشارع، على بعد عشرة أمتار فقط. وقال الجيش الإسرائيلي إنه كان يستهدف ثلاثة من مقاتلي الجهاد الإسلامي على دراجة نارية "قرب" المدرسة، دون أن يقدم أي معلومات أخرى، بما في ذلك سبب مهاجمة الرجال أمام مدرسة تأوي آلاف الأشخاص المشردين وليس قبل أو بعد أن يصلوا إلى هناك.

إضافة إلى هذه الهجمات الإسرائيلية غير المشروعة، أفادت تقارير أن القوات البرية الإسرائيلية استولت على مدرسة واحدة على الأقل في غزة، هي مدرسة الذكور الثانوية في بيت حانون، مخلفة وراءها أغلفة الرصاص.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على القوات المسلحة الوطنية والمجموعات المسلحة الكف عن استخدام المدارس لغايات عسكرية. حتى وإن كانت المدارس خالية من الطلاب، فإن استخدامها لأهداف عسكرية يجعلها عرضة للهجوم.

ذكرت الأمم المتحدة، في ثلاث مناسبات غير متصلة، أن مجموعات فلسطينية مسلحة قامت بتخزين أسلحة في مدارس أخرى مغلقة أثناء الصيف ولم تُستخدم لإيواء مدنيين. وبذلك تسببت المجموعات المسلحة في جعل هذه المدارس أهدافا مشروعة للهجمات الإسرائيلية، وانتهكت حصانة المنشآت التابعة للأمم المتحدة. ولا توجد أي مزاعم بأن المدارس الثلاثة التي حققت فيها هيومن رايتس ووتش كانت تستخدم لأهداف عسكرية.

يتعين على جميع أطراف النزاع المسلح في غزة اتخاذ جميع التدابير الكفيلة بتقليص تعرض المدنيين إلى الخطر. وتمنع قوانين الحرب الهجمات التي تستهدف مدنيين أو أملاك مدنية، والتي ليس لها هدف عسكري محدد أو التي هي ذات طابع عشوائي، أو التي تعرض المدنيين إلى خطر غير متناسب مع الغاية العسكرية المراد تحقيقها. وتعتبر المدارس أماكن مدنية لا يجب مهاجمتها إلا إذا تم استخدامها لأهداف عسكرية، مثل مقرات للقيادة العسكرية أو لتخزين الأسلحة.

أخبر الجيش الإسرائيلي هيومن رايتس ووتش أنه أنشأ لجنة تقييم لتقصي الحقائق لـ"لفحص الوقائع الاستثنائية" اثناء النزاع الذي استمر لسبعة أسابيع، برئاسة الميجور جنرال نوعام طيبون، قائد الفيلق الشمالي بقوات الدفاع الإسرائيلية، وتضم أفرادا لم يكونوا في تسلسل القيادة أثناء العمليات القتالية. وقال الجيش إن 44 حادثة كانت قد أحيلت إلى اللجنة بحلول 10 سبتمبر/أيلول. 

كما أعلن مكتب المدعي العام العسكري الإسرائيلي في 10 سبتمبر/أيلول أنه فتح تحقيقات جنائية في 5 وقائع، من بينها هجوم وقع في 24 يوليو/تموز على مدرسة للأنروا وتسبب في مقتل 15 شخصا. وقال الجيش إن الهجوم كان "من مكان قريب من مدرسة تابعة للأنروا في خان يونس"، لكن وسائل إعلام إسرائيلية أفادت أن الحادثة المشار إليها كانت مدرسة بيت حانون.

ولم تف تحقيقات سابقة أجراها الجيش الإسرائيلي في جرائم حرب مزعومة ارتكبتها قواتها بالمعايير الدولية للتحقيقات ذات المصداقية والمحايدة والمستقلة، بحسب هيومن رايتس ووتش. 

ويتعين على لجنة تقصي الحقائق التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان مؤخرًا التحقيق في الغارات التي استهدفت مدارس وراح ضحيتها مدنيون، ورفع توصيات متابعة لمجلس الأمن.

كما قالت هيومن رايتس وووتش إنه يتعين على الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن يطالب المحكمة الجنائية الدولية على وجه السرعة ببسط ولايتها على الضفة الغربية وغزة لمحاكمة الجرائم الخطيرة التي ارتكبها كلا الطرفين.

ربما تكون إسرائيل والمجموعات الفلسطينية أيضا مسؤولة عن الأضرار التي لحقت بالمباني التي تستخدمها الأمم المتحدة، بما في ذلك المدارس وغيرها من المنشآت التي توفر ملجأ للأشخاص المشردين. وتتمتع هذه البنايات بحماية بموجب اتفاقية سنة 1946 بشأن امتيازات وحصانات الأمم المتحدة، وإسرائيل طرف فيها.

بعد حرب 2008ـ2009 على غزة، حملت لجنة لتقصي الحقائق تابعة للأمم المتحدة إسرائيل وحماس وغيرها من المجموعات المسلحة مسؤولية الأضرار التي لحقت بمباني الأمم المتحدة. ودفعت إسرائيل للأمم المتحدة مبلغ 10.5 مليون دولار كتعويض على الأضرار.

قالت الأمم المتحدة إن عدد القتلى الفلسطينيين في الحرب الأخيرة بلغ 2131 شخصا، من بينهم 501 طفلا. واستنادًا إلى منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسيف، كان 70 بالمائة من الضحايا من بين الأطفال دون سن 12 سنة.

قال فريد أبراهامز: "يتعين على إسرائيل تجاوز مجرد التبرير وتقديم تفسيرات دقيقة للهجمات التي شنتها على هذه المدارس الثلاث التي تأوي مئات الأشخاص المشردين. كما يتعين عليها وضع حدّ لثقافة الإفلات من المحاسبة بمعاقبة كل من ينتهك قوانين الحرب".

للاطلاع على روايات مفصلة حول الهجمات الثلاثة التي استهدفت المدارس، يُرجى مواصلة القراءة أسفل هذا.
روايات مفصلة حول الهجمات التي استهدفت المدارس الثلاثة

أجرت هيومن رايتس ووتش في أغسطس/آب تحقيقات ميدانية في ثلاث هجمات أدت إلى مقتل مدنيين لاجئين في مدارس، وإصابة آخرين بجروح. وفي 20 أغسطس/آب، أرسلت هيومن رايتس ووتش سلسلة من الأسئلة المفصلة إلى الجيش الإسرائيلي حول كل من هذه الهجمات وجهوده للتحقيق فيها. ردّ الجيش الإسرائيلي على هذه الأسئلة في 3 سبتمبر/أيلول، لكنه لم يقدم أية إجابة على الأسئلة المحددة ولكن بوصف عام للجنة الحقائق التي أنشأها الجيش لفحص الوقائع أثناء القتال الأخير.

مدرسة بيت حانون الابتدائية المشتركة "أ" و"د"، 24 يوليو/تموز

في 24 يوليو/تموز، حوالي الساعة الثالثة ظهرًا، أصابت ما لا يقل عن أربع قذائف إسرائيلية مدرسة بيت حانون الابتدائية المشتركة "أ" و"د" والمناطق المحيطة بها، وسقطت اثنان منها على ما يبدو في فناء المدرسة. تسبب الهجوم في مقتل 13 شخصًا، منهم ستة أطفال، وإصابة عشرات الآخرين بجروح.

نفى الجيش الإسرائيلي مسؤوليته عن قتل مدنيين في المدرسة، وقال إن "قذيفة خاطئة" أصابت الفناء بينما كان خاليًا من الناس. كما قال إن المدرسة ربما كانت هدفا لصواريخ فلسطينية لأن عديد الصواريخ التي أطلقت صوب إسرائيل ذلك اليوم سقطت في بيت حانون.

يُذكر أنه من المستبعد جدًا أن تسقط أربعة صواريخ غير دقيقة وغير موجهة، مثل التي تستخدمها المجموعات الفلسطينية المسلحة، داخل المدرسة ومحيطها في غضون دقائق معدودة.

كما أن من المستبعد أن تقوم المجموعات الفلسطينية المسلحة باستهداف المنطقة القريبة من المدرسة بقذائف هاون في وقت لم تكن فيه القوات البرية الإسرائيلية متواجدة هناك. بل على عكس ذلك، فإسرائيل هي التي ادّعت أن قوات فلسطينية كانت متواجدة قرب المدرسة ذلك الوقت. وليس منطقيًا أن تصيب قذائف هاون فلسطينية المدرسة ومحيطها أربع مرات على الأقل بمحض الصدفة.

قال أحد عمال الإغاثة لـ هيومن رايتس وووتش إن المدرسة كانت هي الملجأ الوحيد للأشخاص المشردين في بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة أثناء الهجوم، وكانت المدرسة والمستشفى المبنيين الوحيدين الآهلين بالسكان في تلك المنطقة. وكانت المدرسة ظاهرة بوضوح وتحمل علم الأمم المتحدة. وقالت الأمم المتحدة إنها مدّت إسرائيل بإحداثيات مواقعها 12 مرة، وكانت آخرها على الساعة العاشرة و56 دقيقة من صباح يوم الهجوم.

يبدو أن مبنى المدرسة، الذي زارته هيومن رايتس وووتش في 12 و13 و29 أغسطس/آب، قد أستهدف مرتين أثناء الغارة: فقد سقطت قذيفة في فناء المدرسة المبلّط بينما سقطت أخرى في فناء رملي. وقال شهود إنهم سمعوا قذائف أخرى تنفجر بالقرب من مبنى المدرسة أثناء الهجوم.

ويوحي موقع الهجوم وصور لبقايا ذخيرة عثر عليها في المدرسة بأن القوات الإسرائيلية استخدمت قذائف هاون من عيار 81 مم أو 120 مم في ضرب المدرسة.

كما تسبب هجوم آخر في إلحاق أضرار بإحدى فصول المدرسة، في ملابسات غامضة، بعد أن تم إخلاء المدرسة بشكل كامل.

قال أشخاص كانوا في المدرسة لـ هيومن رايتس وووتش إنه كان يوجد في مباني المدرسة أكثر من خمسة آلاف لاجئ قبل الغارة بأيام. وبسبب القصف الإسرائيلي العنيف لـ بيت حانون منتصف يوليو/تموز، أصبحت الأمم المتحدة في 21 يوليو/تموز عاجزة عن تقديم أي مواد للمدرسة.

وبعد أن توقفت الأمم المتحدة عن تقديم المساعدات، بدأ الأشخاص اللاجئون في المدرسة ينتقلون إلى أماكن أكثر أمنًا. وفي 24 يوليو/تموز، كان عدد الباقين هناك يتراوح بين 300 وو700 شخص. وقال جمال أبو عودة، الذي كان مع عائلته في المدرسة: "كنا مجبرين على البقاء هناك لأنه لم يكن لدينا مكان آمن. لم نكن نستطيع الذهاب إلى أي مكان آخر، ولم أكن أرغب في الانتقال من مدرسة إلى أخرى".

كما قال شهود كانوا لاجئين في المدرسة قبل الغارة بأيام إنهم كانوا يسمعون تبادل إطلاق النار بين القوات الإسرائيلية والفلسطينية. ورغم أنهم لم يكونوا قادرين على تحديد مكان القتال بشكل دقيق، إلا أنهم يعتقدون إنه كان فقط على بعد مئات الأمتار من هناك، وليس في محيط المدرسة مباشرة. كما شاهد سكان محليون صواريخ تُطلق من بيت حانون صوب إسرائيل، من منطقة كانت تبعد أكثر من نصف كيلومتر على المدرسة. لم يقر أي شخص ممن تقابلت معهم هيومن رايتس ووتش بأنه شاهد مقاتلين فلسطينيين داخل مبنى المدرسة أو بالقرب منه.

يبدو أن القوات البرية الإسرائيلية كانت متواجدة شمال المدرسة وشرقها في الأيام التي سبقت الهجوم. فقد قال شهود إنهم شاهدوا دبابات على تلة مطلة على مبنى المدرسة من جهة الشمال. كما قال أحد الشهود إن مجموعة أخرى من الدبابات كانت متمركزة على بعد 500 متر شرق المدرسة. واطلعت هيومن رايتس وووتش على آثار دبابات وصناديق فارغة لذخيرة من نوع 7.62 مم، وهي متناسبة مع الأسلحة التي تحملها الدبابات والعربات المدرعة لنقل الجنود في إسرائيل. وتبرز الدبابات تواجد قوات إسرائيلية قرب المدرسة، وربما كانت هي مصدر قذائف الهاون.

في صباح يوم 24 يوليو/تموز، قدم مسؤول من البلدية إلى المدرسة وأعلم الناس بأن حافلات في طريقها إلى هناك لتنقلهم إلى ملجئ آخر، بدأت العائلات بالتجمع في الفناء.

وبحسب شهود ومنظمات محلية لحقوق الإنسان والأمم المتحدة، جدّ الهجوم قبيل الساعة الثالثة ظهرًا. فقد قالت الأمم المتحدة إن مبنى المدرسة أصيب حوالي الساعة الثانية و55 دقيقة ظهرًا بـ "قذائف متفجرة، تسببت في مقتل عديد المدنيين الفلسطينيين وإصابة آخرين بجروح".

قال محمد حمد، عمره 24 سنة، وكان متواجدًا في المدرسة أثناء الهجوم، لـ هيومن رايتس ووتش:

اجتمع الناس في الفناء، وفي ساحة الطابق السفلي، وأمام مبنى المدرسة الآخر، ولكن الحافلات لم تأت. وبين الساعة الثانية والنصف والثالثة ظهرًا، كنت في ساحة الطابق السفلي مع عمتي لما سقطت القذيفة الأولى وسط الفناء. قتلت بعض النساء على الفور بقرب سياج المدرسة الحديدي. وبعد نصف دقيقة، سقطت قذيفة ثانية تحت نخلة في الزاوية، ولم أشاهد عددًا كبيرًا من القتلى هناك. ثم سقطت ثلاث قذائف أخرى في محيط مبنى المدرسة.

كما قال رجل آخر كان في المدرسة، اسمه إسماعيل، ورفض الإفصاح عن لقبه العائلي:

كنا نستعد للمغادرة، وكنت أساعد العائلة على ذلك. كنت عند البوابة الخارجية أنتظر سيارة أجرة لتنقلنا إلى جباليا. وفجأة حدث شيء ما، وسمعت انفجارات. أسرعت إلى خارج ساحة المدرسة، وشاهدت عديد الأشخاص المصابين بجروح وعديد القتلى. شاهدت عشرة أطفال، وقرابة 50 أو 60 ضحية. كان الأمر مريعًا، ولم أصدق ما شاهدت. كان الجميع ينزف، وكانت الأجسام مليئة بالشظايا.

قال جمال أبو عودة إنه كان جالسًا قرب فصل مقابل لمعبر إيريز، وإسرائيل على شماله:

قتل أغلب الناس وسط الفناء، فقد أصابتنا القذيفة بشكل مباشر [هناك]. وفجأة تصاعدت أعمدة الدخان وانتشر الغبار، واعتقدت أنني أموت لأنني كنت مغطى بالدم فاعتقدت أنني أصبت بجروح. نظرت حولي فشاهدت جثثا متناثرة، شاهدت خليطا من كل شيء: أطفال ورجال وبنات ونساء، خليط من وجوه وجثث. كانت الفوضى تعم المكان...

قتل ابن عمي عواد أبو عودة، وعمره 45 سنة، على الفور لأنه أصيب بشظايا في رقبته وحلقه. كما بترت ذراع ابنه، وهو شاب جميل يبلغ من العمر 17 سنة. كما أصيبت ابنته، وعمرها عشر سنوات، بجروح خطيرة في رأسها.

قالت رشا، زوجة ابن جمال أبو عودة، عمرها 30 سنة، وكانت حاملا في الشهر التاسع، لـ هيومن رايتس ووتش إنها شعرت بألم في أحشائها وكانت في طريقها إلى الحمام لما وقع الهجوم:

في البداية، سمعت انفجارًا واحدًا، فنظرت حولي لأتفقد أبنائي. وبعد ثوان معدودات، سقطت قذيفة ثانية. كنت أبحث عن ابني جمال، فوقفت وسط الفناء. شعرت بالراحة لما رأيته يجري في الفناء، بالقرب من رجل توفي على الفور، وطفل مصاب بجروح.
جاءت سيارة الإسعاف بعد ذلك بـ 15 دقيقة، وتوقفت عند البوابة الخارجية دون الدخول إلى المدرسة. ألقوا لنا المعدات الطبية، وكان أطفالي يصرخون من الذعر. اشتد بي الألم، واعتقدت أنها الولادة. كانت عائلتي متناثرة، ولم استطع العثور على والدة زوجي وأخته وبناتها الثلاثة، لكن بعد ذلك عرفت أنهن غادرن في سيارة الإسعاف.

بقيت هناك مع زوجي. كنا نرغب في المغادرة، لكن الفوضى كانت تعم المكان. كان الدم يغطينا، أنا وأبنائي. شاهدت طفلة صغيرة تحت الطاولة مقطوعة الرأس، كما شهدت ابن عواد وهو يبكي على جثة والده وذراعه مبتورة.

بعد الهجوم، غادر أبو عودة وعائلته المدرسة التابعة للأمم المتحدة في جباليا التي تعرضت للقصف في 30 يوليو/تموز. وفي وقت لاحق أعلمت العائلة هيومن رايتس ووتش إن رشا أبو عودة توفيت أثناء الولادة في 24 أغسطس/آب، بينما نجا مولودها واسمه ركان.

نفى الجيش الإسرائيلي مسؤوليته عن أي إصابات بجروح أو عمليات قتل في المدرسة. وخلص تقرير أولي للجيش إلى أن مقاتلين فلسطينيين "كانوا يتحركون في مكان محاذ لمدرسة الأنروا"، أي وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين التي تقم مساعدات للفلسطينيين وتشرف على مدارس في غزة. كما قال الجيش إن مقاتلين أطلقوا صواريخ مضادة للدبابات فردّت القوات الإسرائيلية بـ "إطلاق قذائف هاون في اتجاههم"، فسقطت "قذيفة خاطئة واحدة" في فناء المدرسة لما كان "خاليًا بشكل كامل".

ولتأكيد مزاعمها، نشرت إسرائيل مقطع فيديو قالت إنه صُوّر في 24 يوليو/تموز. ويُظهر المقطع قذيفة تسقط على ما بدا أنه فناء مدرسة فارغ، ولكن زمن الهجوم غير محدد. وقال متحدث بسم الجيش إن تلك هي القذيفة الإسرائيلية الوحيدة التي سقطت في المدرسة ذلك اليوم، والهجوم وقع بين الساعة الثانية والرابعة ظهرًا. ولكن إسرائيل لم تنشر أي مقاطع فيديو تبرز تحرّك مقاتلين فلسطينيين قرب المدرسة.

تتعارض روايات الشهود السبعة الذين تقابلت معهم هيومن رايتس ووتش بشكل منفصل مع الوصف الذي قدمه الجيش الإسرائيلي لمقطع الفيديو. وقالوا جميعًا إنهم كانوا داخل أو قرب الفناء لما سقطت القذيفتان، وإن عديد الأشخاص أصيبوا بجروح هناك.

كما قال الجيش الإسرائيلي إنه طلب من اللجنة الدولية للصليب الأحمر في 23 يوليو/تموز إخلاء المدرسة من اللاجئين من الساعة العاشرة صباحًا إلى الساعة الثانية ظهرًا. كما قال إن حماس منعت في 24 يوليو/تموز "المدنيين من إخلاء المكان أثناء المهلة التي حددتها قوات الدفاع الإسرائيلية"، ولكن إسرائيل لم تدعم هذه المزاعم بأي أدلة. وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إنها قامت بإجلاء حوالي 60 شخصًا من المدرسة في 23 يوليو/تموز أثناء فترة هدأ فيها القتال، ولكنها لم تستلم أي طلب بإخلاء المكان في 24 يوليو/تموز. ولم يقل أي من الشهود الذين أجريت معهم مقابلات إن أحدًا منعهم من مغادرة المكان.

دعت هيومن رايتس ووتش الجيش الإسرائيلي إلى نشر مقطع فيديو للهجوم، غير المقطع الذي يدوم 18 ثانية والذي يصور ما بدت أنها قذيفة هاون تصيب فناء المدرسة.

مدرسة البنات الابتدائية في جباليا "أ" و"ب"، 30 يوليو/تموز

في 30 يوليو/تموز، حوالي الساعة الرابعة و40 دقيقة فجرًا، سقطت ما لا يقل عن عشرة قذائف إسرائيلية وسط وحول مدرسة للبنات تشرف عليها الأمم المتحدة في جباليا، كانت تأوي حوالي 3200 شخص. وتسبب الهجوم في مقتل عشرين شخصًا، منهم ثلاثة أطفال، وإصابة العديد من الأشخاص الآخرين بجروح.

كان بعض اللاجئين في هذه المدرسة قد فرّوا قبل ذلك من مدرسة بيت حانون التي تعرضت إلى القصف في 24 يوليو/تموز.

أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع ستة أشخاص كانوا متواجدين في مبنى المدرسة أثناء الهجوم، أربعة منهم من المشردين واثنان من عمال الإغاثة. وقدموا جميعًا روايات متناسبة حول الهجوم، وقالوا إنه لم يكن يوجد أي مقاتلين فلسطينيين ولم تطلق أي صواريخ في المنطقة في ذلك الوقت.

كان سليمان عبد الدايم، وعمره 24 سنة، لاجئًا في المدرسة مع زوجته وشقيقاته وعائلاتهن. وقال إنه كان نائمًا مع الرجال الآخرين في الفناء بينما كان النساء والأطفال ينامون داخل الفصول. وحوالي الساعة الثانية فجرًا ذهب إلى الحمام، وهو مبنى صغير في أقصى فناء المبنى الرئيسي. وقال سليمان إنه لما وصل إلى هناك، سقط "صاروخ تحذيري" على الجزء الذي فيه الحمّام دون أن ينفجر. واعترف الجيش الإسرائيلي بإطلاق صواريخ صغيرة دون رؤوس متفجرة قبل شن غاراتها. يُذكر أنه لا يوجد ما يدل على أن القوات الفلسطينية تفعل ذلك. عاد سليمان عبد الدايم إلى الفناء واختبأ مع زوجته وأطفاله في أحد الفصول. وقال إن قذيفة ثانية أصابت المكان قبيل الساعة الخامسة فجرًا:

كنت مع زوجتي وشقيقاتي وعائلاتهن مختبئين تحت طاولة لما سقطت القذيفة الأولى. أصيبت زوجتي وأبناء عمي بجروح. في البداية، لم نستطع رؤية أي شيء، ثم شرعت في سحب الجرحى خارج الفصل نحو الفناء. ثم بحثت عن ابن عمي إبراهيم [عبد الدايم، وعمره 25 سنة]، ولكن لم أعثر عليه. ثم صاحت ابنته الصغيرة ميساء "ها هو أبي، ها هو أبي". لقد كان مقطعًا إربًا إربًا.

كما قال عبد الدايم إن ثلاثة أفراد من عائلته قتلوا، وتعرض خمسة آخرون إلى الإصابة بجروح. وأصيبت زوجته سميّة، وعمرها 16 سنة، بجروح في رأسها. كما أصيبت نجاح، والدة سميّة، على مستوى البطن والعينين. أجرت هيومن رايتس وووتش مقابلات مع سميّة ونجاح في مستشفى الشفاء. إضافة إلى ذلك، قتل كل من زوج نجاح، جهاد، وابنها إبراهيم.

قال رجل كان يعمل في مجال الإغاثة في المدرسة طلب عدم الكشف عن لقبه إن الهجوم بدأ حوالي الساعة الرابعة و45 دقيقة فجرًا، لما سقطت قذائف على بعض المنازل القريبة من المدرسة:

ثم سقطت القذائف فوقنا. في تلك اللحظة، لم أستوعب ما كان يحدث، فقد فقدت قدرتي على فهم الأشياء. خيم علينا الخوف والذعر. استمر القصف لثلاث أو خمس دقائق، وكان عدد المصابين بجروح كبير، شباب وأطفال ونساء، لقد أصيبوا بشكل مباشر بزجاج الشباك وشظايا. كانت معظم الإصابات في الرأس والوجه، كما أصيب شخص واحد في رجله.

كما قدّم ثلاثة أشخاص آخرين ممن كانوا مقيمين في المدرسة، أجريت معهم مقابلات منفصلة، روايات متناسبة حول الغارة.

اطلعت هيومن رايتس ووتش على المدرسة في 13 أغسطس/آب وشاهدت الأضرار التي لحقت بالمدرسة ومحيطها، بما في ذلك منازل أمام المدرسة وخلفها. ويبدو أن ما لا يقل عن قذيفة واحدة سقطت على سقف إحدى فصول الدراسة في الطابق الثاني حيث كانت تنام نساء وأطفال. وسقطت قذيفة أخرى وسط الفناء.

تبرز صور لبقايا شظايا عثر عليها في موقع الغارة قذائف مدفعية للدخان والإضاءة من عيار 155 مم، وكذلك بقايا قذائف شديدة الانفجار. يُذكر أن قوات الدفاع الإسرائيلية فقط تعمل بمنظومات تستخدم هذا النوع من الذخيرة.

كما خلص تحقيق في الهجوم أجرته نيويورك تايمز إلى أن إسرائيل قامت بإطلاق ما لا يقل عن عشر قذائف مدفعية على المدرسة والمناطق القريبة منها. واعتمدت هذه النتائج على تحليل الأضرار، وتقرير أولي للأمم المتحدة جمع 30 شظية، ومقابلات أجريت مع عشرات الشهود.

يُعتبر استخدام قذائف مدفعية شديدة الانفجار في مناطق سكنية، مثل المناطق المحيطة بمدرسة جباليا، عملا غير قانوني بسبب الأضرار العشوائية لهذا النوع من الأسلحة. ويُقدر مدى الخطأ للقذائف المدفعية من عيار 155 مم بدائرة شعاعها 25 مترا. إضافة غلى ذلك، ينتج عن هذا السلاح انفجار وانتشار للشظايا يمتد على مسافة 300 متر من موقع الانفجار.

قالت الأمم المتحدة إنها أعلمت الجيش الإسرائيلي بموقع المدرسة 17 مرة، كانت آخرها "قبيل القصف المميت بساعات". كما كانت المدرسة تحمل علم الأمم المتحدة.

قال الجيش الإسرائيلي إن مقاتلين فلسطينيين كانوا يتحركون قرب المدرسة دون أن يقدم أي معلومات أو أدلة تدعم صحة مزاعمه. وقال متحدث باسم الجيش "قام مقاتلون بإطلاق قذائف هاون صوب الجنود الإسرائيليين من مكان قريب من مدرسة الأنروا في جباليا، فردّ الجنود على المكان الذي أطلقت منه القذائف".

ولم تقدم إسرائيل تبريرًا لاستخدام أسلحة عشوائية وشديدة الانفجار مثل المدفعية الثقيلة، حتى وإن كانت في سياق ردها على قذائف الهاون التي أطلقها مقاتلون فلسطينيون، في مكان قريب من مدرسة للأمم المتحدة تأوي أشخاصًا مشردين.

مدرسة رفح الإعدادية للذكور "أ"، 3 أغسطس/آب

في 3 أغسطس، حوالي الساعة العاشرة و45 دقيقة، أصابت قذيفة إسرائيلية، يبدو أنها صاروخ سبايك ربما أطلق من طائرة بدون طيار، الجهة المقابلة للشارع الذي يمر أمام مدرسة رفح للذكور التي تشرف عليه الأمم المتحدة، وتسببت في مقتل 12 شخصًا، منهم ثمانية أطفال، وإصابة ما لا يقلّ عن 30 آخرين بجروح. وكان حوالي 3000 شخص لاجئين في المدرسة في ذلك الوقت.

قالت الأمم المتحدة إنها أعلمت الجيش الإسرائيلي بموقع المدرسة 33 مرة، كانت آخرها ساعة واحدة قبل الغارة المميتة. كما قال روبرت تارنر، مدير الأنروا في غزة: "هم يعرفون مواقع هذه الملاجئ، ولا أعرف لماذا يستمرون في فعل ذلك".

أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع ستة أشخاص كانوا في مبنى المدرسة وقت الغارة. وقالوا إن العديد من الأشخاص داخل المدرسة، ومنهم أطفال، تجمعوا قرب البوابة الرئيسة لشراء الحلوى، فوقع الهجوم. وأصابت قذيفة الجهة المقابلة للشارع الذي توجد فيه هذه البوابة، على بعد عشرة أمتار تقريبًا.

كان محمد شقلاية، وعمره 32 سنة، يعمل متطوعًا في المدرسة. وقال هو وشهود آخرين إن أحد المتطوعين وواحد من مديري المدرسة كانا يتشاجران عند البوابة قبيل الهجوم بقليل. وحاول محمد شقلاية التوسط للصلح بينهما، ثم عاد إلى فناء المدرسة، وعندها أصابت القذيفة المكان:

لما وقع الانفجار، كنت بعيدًا عنه، ولم أرى ما لذي حصل لأني كنت أسير وظهري إلى الشارع. أسرعت نحو الانفجار، فشعرت بصدمة كبرى. كان الأطفال الذين يشترون المثلجات ملقون في الشارع، وكن الدم يسيل من كل جزء في أجسامهم. كان المشهد مروّعًا، فقد رأيت أدمغة خارج الرؤوس. وأصيبت فتاتان بجروح، كانتا داخل بوابة المدرسة...

نقلنا الجرحى إلى داخل المدرسة، وكنا نخشى أن يتم استهدافنا مجددًا. أعتقد أن عدد الضحايا كان يتراوح بين 25 و30 شخصًا. شاهدت طفلة تبلغ من العمر ثماني سنوات تقريبًا، وكانت مصابة في الجزء السفلي من جسمها. كانت تئن وترتعد، وفجأة لفظت أنفاسها وكأنها دجاجة. وكان يوجد رجل عجوز صرت أعرفه منذ سنوات، اسمه أبو حرب، كان يبيع المثلجات أمام المدرسة. كان مصابا بجروح كثيرة في جسمه، وتوفي هو الآخر. لم نستطع جمع أي شظايا لأنها كانت كلها في أجسام الناس. وكان الناس يرتعدون بطريقة غريبة، ثم فارقوا الحياة. لقد صعقت لذلك المشهد، وفكرت في أطفالي. أؤكد لكم أننا كنا نقوم بأعمالنا الروتينية داخل المدرسة، ولم يحدث أي أمر غير معتاد ذلك اليوم قبل الانفجار.

وقال متطوع آخر في المدرسة، عمره 45 سنة وطلب عدم نشر اسمه، لتـ هيومن رايتس ووتش:

في ذلك اليوم الأسود، كنت عند البوابة أحاول تسوية خلاف بين أحد المديرين وشخص متطوع. وفجأة أصبح صوت الطائرة بدون طيار قوي جدًا، كان غريبًا وكان يرتفع شيئا فشيئا. نظرت إلى السماء، وتوقفنا عن الحديث. كنت عند البوابة فطلبت مني إحدى العائلات المشردة أن أقدم لها غالونًا آخر من الماء. كانت العائلات تستهلك غالونًا واحدًا في اليوم، وكي تحصل على غالون ثان يتطلب الأمر إجراءً مطولا، فذهبت للتحدث إلى أحد المشرفين داخل المدرسة. ابتعدت حوالي 15 متر عن البوابة، وسط الفناء، وكان يوجد ملعب لكرة القدم هناك. كنت في الملعب بالضبط عندما وقع الانفجار.

في الشارع، كان يوجد ثلاثة أشخاص على متن دراجة نارية. خفضت الدراجة النارية السرعة أمام بوابة المدرسة، وكنت أستطيع رؤيتها. وفي اللحظة التي خفضت فيها من السرعة، سقط الصاروخ. لم ألحظ أي شيء يدعو إلى الشك. اندلعت النيران وصار الدخان يتصاعد بكثافة. وكالعادة، كان يوجد باعة مثلجات عند البوابة، وكانت أربع أو خمس عربات متواجدة هناك بشكل مستمر، والأطفال دائما يشترون منها المثلجات. وما إن انقشع الدخان، أسرعت نحو الشارع، وكنت خائفًا من أن تحدث غارة أخرى. كان الجميع يجري في الاتجاه المعاكس، إلى داخل المدرسة. وكنت محتارًا بين التقدم أو الهروب.

شاهدت جثث القتلى في المكان، وأشخاصًا مصابين بجروح، منهم أطفال وباعة المثلجات. أصيب أحد الباعة، وهو أبو حرب، بأكبر عدد من الشظايا، وكان رجلا مُسنًا. كان دائمًا هناك بعربته. كما قتل شخصان ممن كانوا على الدراجة النارية، وتم نقل الآخر من هناك، لا أعلم إلى أين.

قالت أزهار عدوان، عمرها 23 سنة وهي أيضًا نازحة من منزلها في رفح وتعمل متطوعة، إنها كانت نازلة في درج المدرسة لما وقع الهجوم:

بدأت العمل كمتطوعة لأنني لاحظت حاجة للنساء المتطوعات. كانت النساء اللاجئات داخل المدرسة في حاجة إلى التحدث إلى نساء، وليس فقط إلى رجال. كنا قد فرغنا من تنظيف الطوابق العليا ذلك اليوم، وكنا متجهين نحوى الطوابق السفلى لما وقع الانفجار. كان الملعب دائما مليئًا بالناس، وخاصة الأطفال. كان الفصل صيفًا في غزة، وبسبب الرطوبة كان الناس يبحثون عن أماكن يستريحون فيها تحت أشجار بجانب سياج المدرسة، غير بعيد عن البوابة.

كنت في صدمة عندما شاهدت ما حصل. حاولت تقديم إسعافات أولية لبعض المصابين. كان أغلب الجرحى مصابين في الجزء العلوي من أجسامهم وفي بطونهم. قدمت علاجًا لطفل كان نائمًا تحت الشباك. كان يحمل حفرة في صدره، وكان يظهر سواد في داخلها. بدا وكأنه محروق.

قالت فتاة تبلغ من العمر 11 سنة إن شقيقها البالغ من العمر 9 سنوات كان قد خرج من مبنى المدرسة لشراء المثلجات عند البوابة الأمامية:

كنت جالسة مع والدتي في الفصل في الطابق العلوي. كان أخي طارق يريد شراء المثلجات، فأعطه أمي شيكل. ذهب لشراء المثلجات ولكنه لم يرجع. لقد أصيب في رأسه. كما أصيب شقيقي الآخر، أنس، وعمره 11 سنة.

وقال صابر الحمس، وهو بائع مثلجات في بوابة المدرسة الأمامية:

لم يكن المكان مكتظًا ذلك اليوم، ولم أبع كثيرًا، فبقيت هناك ساعة واحدة. غادرت المكان حوالي العاشرة والنصف صباحًا. سرت قرابة 30 مترًا بعيدًا عن المدرسة في اتجاه المسجد، فوقع انفجار كبير. عدت أدراجي، وأسرعت نحو المكان الذي سقط فيه الصاروخ. وعلى الفور شاهدت أربعة رجال وثلاثة أطفال، وكانوا جميعًا ينزفون. كانت الفوضى تعم المكان. كنا نخشى أن يسقط علينا صاروخ آخر، ولذلك قام الناس بسحب الضحايا إلى داخل بوابة المدرسة.

كان المكان مليئًا بالناس. في الواقع كان الشارع هادئًا ذلك اليوم، لأنه تزامن مع وقف لإطلاق النار، ولكن بعد ذلك انهار الاتفاق، فبقي الناس في الداخل. أما في الجزء الآخر من الشارع، فلم يكن يوجد عدد كبير من الناس كما هو الحال في باقي الأيام.

كان الناس يصرخون والأطفال يبكون. وبعد عشر دقائق، جاءت سيارات الإسعاف. لم أساعد في نقل المصابين خشية إيلامهم، ولم أقترب من الجثث. كنت فقط أشاهد من بعيد، وأنا مذعور ومصدوم. ومنذ ذلك الوقت وانأ احلم بطفل ملقى على الرصيف. فقد كان ابن أبو صالح ينزف من فمه، وكان أعلى رأسه مهشمًا بسبب الغارة. كنت مريضًا وشعرت بالغثيان.

أثناء الهجوم، كان مستشفى النجار، أهم مستشفى في رفح، قد أصيب بأضرار كبيرة في قصف مدفعي، ولذلك تم نقل المصابين إلى مستشفيات صغيرة في المنطقة.

زارت هيومن رايتس ووتش المدرسة في 3 أغسطس/آب. ويوحي مكان الغارة، وهي حفرة في الاسمنت عمقها حوالي 12 سم وعرضها 15 سم، بشكل كبير بأن الهجوم نفذ بصاروخ سبايك.

تستخدم القوات الإسرائيلية صواريخ متطورة مثل صاروخ سبايك الذي يُطلق من طائرات بدون طيار أو مروحيات أو عربات مدرعة أو سفن بحرية. ويُعتبر صاروخ سبايك سلاحا موجها بصريًا ويحمل جهاز استشعار يسمح لمستخدمه برؤية هدفه حتى بعد إطلاقه، وتغيير وجهته إذا لم يكن الهدف عسكريًا أو إذا كان الهجوم سيتسبب للمدنيين في خطر غير متناسب. وقد تتناثر من صاروخ سبايك شظايا على مسافة 20 مترًا من مكان السقوط، وهي مسافة تتجاوز بوابة المدرسة الأمامية.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه كان يستهدف ثلاثة عناصر من الجهاد الإسلامي كانوا على دراجة نارية "قرب" المدرسة، دون تقديم معلومات تؤكد مزاعمه. كما أنه لم يقدم أي تبرير لعدم مهاجمة الأشخاص الثلاثة قبل وصولهم إلى المدرسة أو بعد تجاوزها.