(القدس) ـ إن على إسرائيل التراجع فوراً عن مصادرتها غير المشروعة لمساحة كبيرة من الأراضي في الضفة الغربية المحتلة جنوبي القدس. وتعمل المصادرة التي تم الإعلان عنها في الأول من سبتمبر/أيلول 2014 على تمهيد الطريق لعمليات بناء استيطاني كبيرة قرب بلدة بيت لحم في الضفة الغربية. ويرقى نقل مستوطنين مدنيين إلى أراض محتلة إلى مصاف جرائم الحرب.

ويأتي إعلان الأول من سبتمبر/أيلول في أعقاب الخطط الإسرائيلية الأخيرة لإقامة مستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك ترسية عطاءات لبناء 708 وحدة سكنية جديدة في مستوطنة أخرى قرب القدس، وخطط للتهجير القسري لآلاف السكان البدو الفلسطينيين من مناطق تم تخصيصها للاستيطان، الأمر الذي يخالف القانون الدولي. منذ يناير/كانون الثاني أعلنت السلطات الإسرائيلية عن خطط لبناء أكثر من 8000 وحدة سكنية في مستوطنات.

قالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "يظهر المسؤولون الإسرائيليون احتقاراً مطلقاً للقانون الدولي الذي يحظر الاستيطان في أراض محتلة ويحمي حقوق الفلسطينيين في أراضيهم. ويأتي هذا كتذكرة جديدة بالسبب الذي يدعو الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى منح الاختصاص على الفور للمحكمة الجنائية الدولية".

يحظر النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، كجريمة حرب، قيام قوة احتلال بنقل مدنييها طوعاً إلى أراض محتلة، ومصادرة الممتلكات، ما لم يكن الأمر لازماً كضرورة عسكرية، والنقل القسري للسكان المحليين لتلك الأراضي ـ على غرار الممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية. وقد قام عباس مراراً بتأجيل الانضمام إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

في الأول من سبتمبر/أيلول أعلنت الإدارة المدنية الإسرائيلية، وهي إدارة عسكرية مختصة باستخدام الأراضي في الضفة الغربية، عن اعتبار 3977 دونماً من الأراضي (نحو 400 هكتار) "أراض تابعة للدولة" أو من ممتلكات دولة إسرائيل. وتنتمي الأراضي إلى 5 قرى فلسطينية جنوب القدس.

وفي أغسطس/آب أعلن مجلس الوزراء الإسرائيلي عن قرار بضم الهكتارات الـ400 دون تعويض للفلسطينيين، رداً على خطف وقتل المراهقين الإسرائيليين الثلاثة قرب مستوطنات في المنطقة نفسها. وتنتمي الأراضي المصادرة إلى قرى الجبعة وصوريف ووادي فوكين وحوسان ونحالين، بحسب تقرير لصحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية اليومية.

وأفادت وكالة وفا الإخبارية الفلسطينية بتلقي بلدات الشيوخ وصوريف وصاير لإنذارات عسكرية بتبعية أراضيها للدولة.

قال الجيش الإسرائيلي إنه أصدر إعلان التخصيص للدولة في أعقاب قرار من "المستوى السياسي"، بحسب تقرير لجريدة "جيروزاليم بوست". في أغسطس/آب قامت إسرائيل لأشباب عقابية بهدم منازل 3 عائلات أقام بها المشتبه بهم، وهو فعل من أفعال العقاب الجماعي وانتهاك جسيم لقانون الاحتلال.

قالت سارة ليا ويتسن: "على إسرائيل ملاحقة المشتبه بهم في جريمة الخطف والقتل المروعة للمراهقين الإسرائيليين الثلاثة، وليس الاستيلاء على مساحات شاسعة من أراضي أشخاص آخرين في أرض محتلة".

قال دافيد بيرل، رئيس "غوش عتصيون" وهو مجلس المستوطنات في المنطقة، إن إعلان التخصيص للدولة "خطوة على طريق إنشاء مدينة جديدة في غوش عتصيون"، وهنأ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع موشيه يعالون، ورئيس الإدارة المدنية التابعة للجيش دافيد مناحيم، على ترويج قرار مصادرة الأراضي وتنفيذه، بحسب تقرير لصحيفة "هايوم" الإسرائيلية اليومية.

وفي 2013 فتحت الحكومة باب تقديم العطاءات لبناء ألف وحدة سكنية في الموقع، حيث تقيم 10 عائلات لمستوطنين في الوقت الحالي، وهذا بحسب تقارير إخبارية. ووافقت وزارة الدفاع على خطتين في 2012 ـ إحداهما لبناء 523 مسكن استيطاني والأخرى لبناء 61 ـ في غفاعوت، لكنها جمدت المشروع لاحقاً بحسب جماعة "السلام الآن"، وهي منظمة إسرائيلية تعارض الاستيطان، وكذلك صحيفة "جيروزاليم بوست".

أعلن الجيش عن تخصيص الأراضي كأراض "تابعة للدولة" استناداً إلى استنتاجه أنه لم تكن هناك أراض مملوكة لفلسطينيين في المنطقة. إلا أن أربع قرى فلسطينية على الأقل تستزرع أراض زراعية هناك، بحسب "السلام الآن". ولم تخصص إسرائيل سوى 0,7 بالمئة من "الأراضي التابعة للدولة" في الضفة الغربية لاستخدام الفلسطينيين، لكنها خصصت 51 بالمئة من هذه الأراضي للمستوطنات وما يتعلق بها من بنى أساسية، بحسب إحصائيات الحكومة.

وبموجب القواعد العسكرية الإسرائيلية، يحق لأصحاب الأراضي الفلسطينيين الاعتراض على القرار في خلال 45 يوماً، لكن الاعتراض لا ينجح إلا إذا استطاع الفلسطينيون إثبات الملكية الفردية للأراضي. وقد حظرت إسرائيل على الفلسطينيين تسجيل ادعاءات ملكية الأراضي في تلك المنطقة التي تسيطر عليها حصرياً من الضفة الغربية ـ 62 بالمئة من الإجمالي، بما فيها المساحات حديثة المصادرة ـ منذ احتلالها للضفة في 1967. وفي ذلك الوقت كان نحو ثلث الضفة فقط قد خضع للمساحة العقارية والتسجيل بأسماء ملاك فلسطينيين.

تحظر اتفاقيات جنيف على قوى الاحتلال مصادرة الممتلكات العامة أو الخاصة إلا فيما تقتضيه الضرورة العسكرية. أما السياسات الإسرائيلية لاستخدام الأرض في الضفة الغربية، التي تفيد المستوطنين وتضر الفلسطينيين دون مبرر كهذا، فهي تمييزية بحسب هيومن رايتس ووتش.

وقد قامت الولايات المتحدة بدعوة إسرائيل إلى "التراجع" عن مصادرة الأراضي المعلنة في الأول من سبتمبر/أيلول، التي وصفتها بأنها "تأتي بأثر معاكس لهدف إسرائيل المعلن وهو التفاوض على حل الدولتين مع الفلسطينيين". و"أدان" الاتحاد الأوروبي عملية المصادرة "المتعلقة بخطط للمزيد من التوسع في المستوطنات" وذكّر بأن "المستوطنات غير مشروعة بموجب القانون الدولي". وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية في 3 سبتمبر/أيلول بأن الاتحاد الأوروبي سيفرض حظراً على بعض الواردات الزراعية من إسرائيل خلال شهر إذا رفضت إسرائيل التفرقة بين منتجات المستوطنات والمنتجات الإسرائيلية الأصلية.

قالت سارة ليا ويتسن: "لم تفعل إدانات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي شيئاً لوقف المستوطنات الإسرائيلية التي دمرت وهجّرت مجتمعات فلسطينية، وقد حان الوقت للعقوبات الجادة لوقف استيلاء إسرائيل المستمر وغير المشروع على الأراضي".

وقالت هيومن رايتس ووتش إن على الولايات المتحدة خفض معونتها السنوية التي تبلغ 3,1 مليار دولار لإسرائيل بالقدر المساوي لتكلفة الإنفاق الإسرائيلي على دعم المستوطنات، حتى تتراجع إسرائيل عن خططها الصارخة في انعدام مشروعيتها لبناء مستوطنات جديدة وتدمير مجتمعات فلسطينية.

مصادرات الأراضي الأخيرة قرب بيت لحم
تعد مصادرة الأراضي في الأول من سبتمبر/أيلول هي عملية المصادرة الثانية في المنطقة القريبة من بيت لحم منذ أبريل/نيسان، حين أعلن الجيش عن تبعية مساحة منفصلة قريبة قوامها 984 دونماً (ما يقرب من 100 هكتار) من الأراضي الفلسطينية للدولة، كجزء من خطة ظاهرة تقضي بالتصريح لبؤرة نتيف هآفوت الاستيطانية بأثر رجعي. وتُبنى تلك البؤر الاستيطانية بالمخالفة للقانون، حتى القانون الإسرائيلي، رغم الدعم الحكومي لها في أغلب الأحيان. ومع ذلك، وبحسب بيانات الجيش نفسه، فإن حوالي 60 بالمئة من المساحات المبنية في البؤرة الاستيطانية المعروفة أيضاً باسم دريخ هآفوت، مملوكة لأفراد فلسطينيين، بما فيها أراض مملوكة لعائلة موسى من قرية الخضر، بحسب صحيفة "هاآرتس".

وقد تجاوزت مساحة المنطقة المصادرة كأراض تابعة للدولة بكثير مساحة البؤرة الاستيطانية.

قامت السلطات الإسرائيلية مؤخراً باتخاذ خطوات أخرى تنتهك التزامات إسرائيل كقوة احتلال في الضفة الغربية، بحسب هيومن رايتس ووتش.

في 25 أغسطس/آب أفادت منافذ إخبارية إسرائيلية بأن سلطة الأراضي الإسرائيلية أرست عطاءات لبناء 708 وحدة سكنية قرب مستوطنة غيلو، جنوبي القدس. وسوف تشكل الوحدات مشروعاً جديداً هو موردوت غيلو الغربية، التي توسع المساحة المبنية من مستوطنة غيلو الشاسعة بموجب خطة البلدية 13157 بحسب خريطة وتقرير يستندان إلى بيانات رسمية نشرها دانيل سايديمان، الخبير الإسرائيلي في استخدام الأراضي حول القدس والمعارض لبناء المستوطنات.

التهجير القسري لبدو فلسطينيين
وتخطط السلطات الإسرائيلية أيضاً على ما يبدو لتهجير بدو فلسطينيين قسرياً من مجتمعاتهم في الضفة الغربية المحتلة إلى منطقة تقع شمالي أريحا وتعرف بالنويعمة. وتحظر اتفاقيات جنيف والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية النقل القسري لسكان محليين في أراض محتلة من تجمعاتهم السكنية باعتباره جريمة حرب.

في 25 أغسطس/آب نشرت الإدارة المدنية الإسرائيلية 3 خطط، اثنتين لمناطق سكنية وواحدة لطريق يؤدي إلى منطقة النويعمة. وتشتمل هذه الخطط مع 3 خطط أخرى لم يتم نشرها بعد على 1400 قطعة أرض فضاء صغيرة، مما يشير إلى نية نقل سكان جدد إلى هناك.

في جلسة استماع برلمانية إسرائيلية يوم 27 أبريل/نيسان، أشار يوآف موردخاي، رئيس الإدارة التابعة لوزارة الدفاع المسؤولة عن التخطيط في الضفة الغربية المحتلة، إلى أن الجيش يضع خططاً كجزء من سياسته لإبعاد البدو عن مساحات واسعة من الضفة الغربية، "لجمعهم وتنظيمهم [أي البدو] على نحو منسق ولائق". وتعد الخطط العسكرية لازمة "لكي يتاح لنا التبرير القانوني والأخلاقي فيما بعد" لنقل البدو من مجتمعاتهم القائمة، على حد تعبير موردخاي.

وفي جلسة قضائية لاحقة صرحت سلطات إسرائيلية بأن السكان البدو في سطح البحر جنوبي أريحا عليهم الانتقال إلى النويعمة. وفي 28 أبريل/نيسان سلم الجيش أوامر بالإخلاء إلى 5 عائلات في سطح البحر، يتضرر منها 38 شخصاً.

لم يطور الجيش خططه للنويعمة في تشاور جاد مع البدو قبل نقلهم إلى هناك، ولا مع سكان التجمعات السكانية الصغيرة القائمة بمنطقة النويعمة، وهي عين الديوك الفوقا والنويعمة الفوقا، المعارضين للخطة.

وقد أشار موردخاي في الجلسة إلى أن الجيش كان قد قام مؤخراً بهدم العديد من مباني البدو في إيل، المنطقة المخصصة لتوسيع مستوطنة معالي أدوميم، "نظراً لتوجيه واضح من المستوى السياسي بمنح الأولوية لهذه المنطقة لإنفاذ" القوانين العسكرية الإسرائيلية التي تحظر الإنشاءات الفلسطينية دون تصريح. ويرفض الجيش الغالبية الساحقة من الطلبات الفلسطينية لاستخدام أراضي في المنطقة التي يسيطر عليها حصرياً من الضفة الغربية. تسببت عمليات الهدم الإسرائيلية في نزوح ما مجموعه 57 شخصاً في المنطقة في 2013، ولكن 107 أشخاص في الشهور الخمسة الأولى من 2014، بحسب بيانات تجمعها الأمم المتحدة عن عمليات الهدم.

قال موردخاي أيضاً إن الجيش "شديد الانتباه" إلى احتمالات "هجرة البدو من المناطق الأقل [أهمية] للمصالح الإسرائيلية إلى منطقة إيل. ووضع الخطط الخاصة بمجتمعات جديدة يتم نقل البدو إليها سيتيح لموردخاي الذهاب إلى "المحكمة [الإسرائيلية العليا] والزعم بأنني الآن أنقل شخصاً من منطقة إيل أو الطريق رقم 1 أو ميشور أدوميم، و[أن] لديه مكاناً جاهزاً" ينتقل إليه، بحسب تصريحات موردخاي.