(نيويورك) ـ  إن أدلة ذات مصداقية قد ظهرت وتفيد باستخدام قوات تنظيم الدولة الإسلامية لذخائر عنقودية أرضية الإطلاق في موقع واحد على الأقل بشمال سوريا في الأسابيع الأخيرة. ويأتي استخدام الذخائر العنقودية من جانب أطراف غير حكومية مثل الدولة الإسلامية ليظهر الحاجة العاجلة إلى انضمام سوريا وسائر الدول التي لم تنضم بعد إلى الحظر المفروض على الذخائر العنقودية وإلى تدمير المخزون منها.

وقد سبق لقوات الحكومة السورية استخدام الذخائر العنقودية منذ يونيو/حزيران 2012 رغم الإدانة الدولية واسعة النطاق، وكان آخر تقارير الاستخدام الحكومي يتعلق بهجوم في 21 أغسطس/آب.

قال ستيف غوس، مدير قسم الأسلحة ورئيس ائتلاف الذخائر العنقودية إن "أي استخدام للذخائر العنقودية جدير بالإدانة، لكن الرد الأمثل هو انضمام كافة الأمم إلى اتفاقية حظر تلك الأسلحة والعمل الجماعي لتخليص العالم منها".

سيتم النظر في استخدام الذخائر العنقودية في سوريا في 2014 ـ وكذلك في أوكرانيا وجنوب السودان ـ من طرف الحكومات في الاجتماع السنوي الخامس لدول الاتفاقية بـ سان خوسيه في كوستاريكا، من 2 وحتى 5 سبتمبر/أيلول 2014. لم تنضم سوريا أو أوكرانيا أو جنوب السودان إلى الاتفاقية.

واستناداً إلى تقارير من مسؤولين محليين أكراد وإلى أدلة مستمدة من صور فوتوغرافية، قامت قوات الدولة الإسلامية، المعروفة سابقاً باسم الدولة الإسلامية في العراق والشام، باستخدام ذخائر عنقودية في 12 يوليو/تموز و14 أغسطس/آب أثناء القتال حول بلدة عين العرب السورية، المعروفة أيضاً باسم كوباني باللغة الكردية، في محافظة حلب قرب حدود سوريا الشمالية مع تركيا. تخضع المنطقة لسيطرة قوات كردية من وحدات حماية الشعب (الأبوجية).

قال أحد كبار المسؤولين الأكراد من البلدة لـ هيومن رايتس ووتش إن أربعة من مقاتلي وحدات حماية الشعب وطفلاً في الحادية عشرة قتلوا في الهجمتين، اللتين تسببتا أيضاً في جرح طفل. ويغلب الاعتقاد بأن هذا هو أول استخدام معروف للذخائر العنقودية من جانب الدولة الإسلامية، التي تقاتل وحدات حماية الشعب وغيرها من الجماعات المسلحة غير الحكومية في المنطقة منذ ما يزيد على العام. لا تعرف هيومن رايتس ووتش كيف استحوذت الدولة الإسلامية على هذه الذخائر العنقودية.

أما آخر أمثلة استخدام الذخائر العنقودية الملقاة جواً من جانب قوات الحكومة السورية فهو يشمل هجوماً في 21 أغسطس/آب على بلدة منبج في محافظة حلب، التي تخضع لسيطرة الدولة الإسلامية منذ بداية العام. وبحسب منظمة تعمل في البلدة، تسبب الهجوم في قتل ستة مدنيين على الأقل وجرح 40 آخرين.

استخدمت قوات الحكومة السورية ما لا يقل عن 249 ذخيرة عنقودية منذ منتصف 2012 في عدة مواقع داخل 10 من محافظات سوريا الـ14، استناداً إلى أدلة مستمدة من مقاطع فيديو وأفلام، وشهادات شهود، وأبحاث أجرتها هيومن رايتس ووتش وغيرها. والأرجح أن يزيد العدد الفعلي عن هذا حيث أنه لم يتم تسجيل كافة وقائع الاستخدام.

وتظهر البيانات التي جمعها مرصد الذخائر العنقودية 2014 ـ وهو الاستقصاء السنوي الذي يصدره ائتلاف الذخائر العنقودية في 27 أغسطس/آب ـ حدوث ما لا يقل عن 1584 خسارة بسبب اعتداءات بالذخائر العنقودية والذخائر الصغيرة غير المنفجرة في سوريا في 2012 و2013، بينما تم تسجيل مئات الخسائر الإضافية في النصف الأول من 2014. وكانت الأغلبية الساحقة من الوفيات المسجلة ـ 97 بالمئة ـ في صفوف المدنيين.

قامت قوات الحكومة السورية باستخدام الذخائر العنقودية منذ يونيو/حزيران 2012 رغم إدانة دولية واسعة النطاق، فقد أدان أكثر من 140 بلداً استخدام سوريا للذخائر العنقودية في بيانات وقرارات، ومنها 51 بلداً من غير المنضمين إلى اتفاقية الذخائر العنقودية.

ويمكن إطلاق الذخائر العنقودية عن طريق الصواريخ أو قذائف الهاون أو المدفعية أو إسقاطها من الطائرات، فتنفجر في الجو مرسلة العشرات، بل المئات من الذخائر الصغيرة، أو "القنيبلات"، على مساحة واسعة. وغالباً ما تخفق هذه الذخائر الصغيرة في الانفجار عقب الارتطام الأولي، فتخلف ذخائر غير منفجرة تعمل عمل الألغام الأرضية وتنفجر عند ملامستها.

ويتعين على كافة أطراف النزاع السوري وقف استخدام الذخائر العنقودية فوراً والتعهد بعدم استخدام تلك الأسلحة التي حرمتها معظم دول العالم. كما يجب على سوريا الانضمام إلى اتفاقية الذخائر العنقودية لسنة 2008 دون إبطاء، وتدمير مخزونها منها. وعلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة فرض حظر للتسلح على الحكومة السورية وغيرها من الجماعات المسلحة التي ترتكب انتهاكات ممنهجة أو واسعة النطاق للحقوق.

لتفاصيل عن الهجمات ومستجدات استخدام الذخائر العنقودية، يرجى مواصلة القراءة أدناه.
 

استخدام الدولة الإسلامية الظاهر للذخائر العنقودية في عين العرب/كوباني
قامت السلطات الكردية في عين العرب/كوباني بتزويد هيومن رايتس ووتش بصور فوتوغرافية ومعلومات تشير بقوة إلى استخدام قوات الدولة الإسلامية للذخائر العنقودية في الأسابيع الأخيرة أثناء هجمات على المنطقة. في 15 أغسطس/آب أصدرت الحكومة المحلية في كوباني بياناً إعلامياً يحذر السكان المحليين من المخاطر الناجمة عن مخلفات الذخائر العنقودية التي قال البيان إن "مرتزقة داعش أطلقوها على قرى" قريبة من عين العرب/كوباني.

وبحسب البيان والمعلومات المقدمة إلى هيومن رايتس ووتش من طرف مسؤول كردي رفيع المستوى في عين العرب/كوباني، تم استخدام الذخائر العنقودية في هجوم شنته الدولة الإسلامية على قرية سيفي جنوبي عين العرب/كوباني، في 14 أغسطس/آب. وفي اليوم التالي قام طفلان، في سن 8 و11 عاماً، بتناول ذخيرة صغيرة اسطوانية الشكل وعليها شريط أحمر براق فانفجرت وقتلت الصبي البالغ من العمر 11 عاماً، وجرحت الذي في الثامنة، بحسب المسؤول الكردي.

وقد قدمت سلطات عين العرب/كوباني صوراً فوتوغرافية للحقل الصخري الواقع على أطراف سيفي حيث لقي الطفل حتفه، وتبين الصور أكثر من عشرة ذخائر صغيرة وعليها شرائط تثبيت بلاستيكية حمراء. وقد تبين من العلامات أن الذخائر من الطراز المعروف بـ"زد بي-39" إلا أن هوية المصنّع ونظام الإطلاق غير معروفة ولا مدرجة في الأدبيات المرجعية الدولية.

والذخائر التقليدية المحسنة مزدوجة الغرض، من قبيل ذخائر "زد بي-39" الصغيرة، يتم تذخيرها "بالدوران" وتعتمد على القوة المادية لمقذوف المدفعية أو الصاروخ أرضي الإطلاق لكي تنطلق على النحو الصحيح، أما الإطلاق من الطائرات فلن يوفر عزم الدوران الكافي لتذخير ذخيرة تقليدية محسنة مزدوجة الغرض.

وليس للقوات الحكومية السورية أفراد في منطقة عين العرب/كوباني، كما لم تتم غارات جوية حكومية معروفة في المنطقة، مما يستبعد احتمالات وقوع الهجوم من جانب القوات الحكومية بحسب هيومن رايتس ووتش. قال المسؤول الكردي في عين العرب/كوباني لـ هيومن رايتس ووتش إن وحدات حماية الشعب لا تملك أية ذخائر عنقودية لاستخدامها. كما لم تجد هيومن رايتس ووتش أدلة، ولا سمعت مزاعم، تفيد بامتلاك وحدات حماية الشعب لتلك الأسلحة.

وتشير العلامات الموجودة على الذخائر الصغيرة إلى تصنيعها سنة 1992، وقد تم تصوير نفس النوع من ذخائر "زد بي-39" الصغيرة بعلامات تتضمن تاريخ التصنيع في 1993، في ما قيل إنه قرية المليحة بريف دمشق في 4 أبريل/نيسان، وبلدة الوازعية جنوب شرق حمص في 22 يوليو/تموز، إلا أنه تعذر تحديد الطرف المسؤول عن استخدامها.

وبحسب المسؤول الكردي، توفي أربعة من مقاتلي وحدات حماية الشعب جراء هجمة أخرى شنتها الدولة الإسلامية في نفس المنطقة وتضمنت استخدام نفس النوع من الذخائر الصغيرة في 12 يوليو/تموز، إلا أن هيومن رايتس ووتش لم تتمكن من تأكيد حدوث تلك الهجمة من عدمه، ومن عدد حالات الوفاة.

استخدام الحكومة الظاهر للذخائر العنقودية في منبج
يبدو أن الذخائر العنقودية استخدمت في 21 أغسطس/آب من جانب قوات حكومية سورية في بلدة منبج بمحافظة حلب، الواقعة قرب نهر الفرات إلى الشمال الشرقي من مدينة حلب والشمال الغربي من الرقة، بحسب منظمة غير منحازة تعمل في المدينة وقدمت المعلومات إلى هيومن رايتس ووتش. وقد راجعت هيومن رايتس ووتش صوراً فوتوغرافية التقطها سكان محليون لمخلفات الذخائر العنقودية وتظهر فيها ذخائر "بي تي إيه بي-2,5 كيه أو" الصغيرة، وذخائر "إيه أو-2,5 آر تي" الصغيرة. ولا يمكن إطلاق تلك الذخائر الصغيرة إلا من راجمات تنثرها طائرة ثابتة الجناح أو طائرة مروحية.

ورغم أن القوات الحكومية وقوات الدولة الإسلامية وغيرها من الجماعات المسلحة غير الحكومية تقاتل في منبج إلا أن الحكومة وحدها تمتلك القوة الجوية اللازمة. وقد قالت المنظمة العاملة في منبج إن سكاناً محليين أفادوا بأن هجمة 21 أغسطس/آب قتلت ما لا يقل عن ستة مدنيين وجرحت 40 آخرين. وبحسب تقارير، توفي فردان من عائلة واحدة تسكن بجوار مدرسة بيرم جراء الهجمة، بينما تم الإبلاغ عن وفاة 4 مدنيين آخرين في حي الهوازنة، كما قالت المنظمة. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من التحقق من عدد الخسائر أو أسمائهم على نحو مستقل.

وقد سبق لـ هيومن رايتس ووتش توثيق استخدام الحكومة لهذين النوعين من الذخائر الصغيرة، التي تنطلق من راجمات تنثرها طائرات ثابتة الجناح أو مروحية.

مستجدات الذخائر العنقودية
تشترط اتفاقية الذخائر العنقودية، التي تفرض حظراً شاملاً على تلك الذخائر، أن يتم تدمير المخزونات وتطهير المساحات الملوثة بمخلفاتها، ومساعدة الضحايا. وقد بلغ مجموع الدول الأطراف في اتفاقية الذخائر العنقودية، التي بدأ سريانها في 1 أغسطس/آب 2010، 84 بلداً، بينما وقع عليها 29 من البلدان الأخرى وإن لم تصدق بعد.

وقد قام مرصد الذخائر العنقودية 2014 بتسجيل استخدامات جديدة للذخائر العنقودية في جنوب السودان وأوكرانيا في النصف الأول من 2014، إلا أن هوية المسؤول لم تتضح حتى الآن. وأبدى مجلس الأمن الأممي في قرار صدر في مايو/أيار بشأن جنوب السودان، أبدى القلق الجدي من استخدام الذخائر العنقودية، بينما انتقدت روسيا استخدام الذخائر العنقودية ضد مدنيين في شرق أوكرانيا في عدة مناسبات في يوليو/تموز.

وهيومن رايتس ووتش عضو مؤسس في الائتلاف الدولي للذخائر العنقودية، وهو حملة المجتمع المدني المسؤولة عن اتفاقية الذخائر العنقودية وعن نشر مرصد الذخائر العنقودية 2014.