(نيويورك) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن تحركات فرنسا في مجلس الأمن الأممي لإحالة سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية تمنح قوة دافعة للجهود الدولية الرامية إلى ضمان العدالة هناك.

وعلى الدول الأعضاء في مجلس الأمن وغيرها أيضاً إبداء الدعم لإحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، كما أن عليها إقناع الأعضاء الممانعين، وبخاصة روسيا والصين، بأهمية التصدي لقضية المحاسبة على الجرائم المرتكبة من كافة الأطراف.

قال ريتشارد ديكر، مدير برنامج العدال الدولي في هيومن رايتس ووتش إن "المحكمة الجنائية الدولية، بالنسبة للضحايا الذين لم يعرفوا سوى المعاناة في سوريا، تقدم الأمل في العدالة والجبر والانتصاف. كما أنها ترسل رسالة تحذير للمسؤولين عن جرائم خطيرة من جميع الأطراف، تفيد بأن يومهم أمام المحكمة قد يأتي قريباً".

في 15 أبريل/نيسان 2014 ستعقد فرنسا اجتماعاً بصيغة "آريا"، وهو اجتماع أعضاء المجلس بصفة سرية وغير رسمية، للنظر في تقرير من يناير/كانون الثاني أعده فريق من الخبراء القانونيين وخبراء الأدلة الجنائية ومولته قطر، حول مزاعم تعذيب وإعدام محتجزين من جانب الحكومة السورية. ومن المنتظر أيضاً أن يناقش الأعضاء سبل ضمان العدالة في الجرائم المرتكبة في سوريا. قامت فرنسا برفع التقرير إلى أعضاء مجلس الأمن رسمياً في 2 أبريل/نيسان.

وقد سبق لـ هيومن رايتس ووتش توثيق الاستخدام الموسع من جانب الحكومة السورية للتعذيب في مقار تشمل أرجاء البلاد، من خلال مقابلات مع ناجين ومنشقين، وزيارات إلى مراكز احتجاز سابقة، ومعاينة مباشرة لأدوات التعذيب وحجراته. وقد خلصت هيومن رايتس ووتش استناداً إلى تحقيقاتها إلى قيام الحكومة والقوات الموالية لها بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. ورغم أن الفرصة لم تسنح لـ هيومن رايتس ووتش للتحقق من صور الانتهاكات الواردة في تقرير مجلس الأمن إلا أن ما توصلت إليه يوحي بانتشار التعذيب والوفاة أثناء الاحتجاز في منشآت الحكومة السورية.

كما وثقت هيومن رايتس ووتش جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على أيدي بعض الجماعات المسلحة غير الحكومية، بما في ذلك الاستخدام العشوائي عديم التمييز للسيارات المفخخة ومدافع الهاون وعمليات الاختطاف والتعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء.

قالت هيومن رايتس ووتش إن اجتماع 15 أبريل/نيسان هو فرصة مواتية لأعضاء مجلس الأمن لإثارة أهمية المحاسبة على الجرائم المرتكبة في سوريا، والتعبير عن دعمهم القوي لدور المحكمة الجنائية الدولية، حيث أن 11 دولة من دول المجلس الأممي الـ15 هم من الدول الأطراف في المحكمة. ومن شأن الإحالة إلى المحكمة أن تمنحها الاختصاص بالتحقيق في الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها كافة أطراف النزاع السوري.

وليست سوريا دولة طرفا في نظام روما الأساسي، وهو المعاهدة المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية، ونتيجة لهذا لا يمكن للمحكمة اكتساب الاختصاص في الجرائم المرتكبة هناك إلا بقيام مجلس الأمن بإحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة. وقد قام مجلس الأمن بإحالات مشابهة في مرتين سابقتين، في ما يتعلق بمنطقة دارفور في السودان في 2005، وليبيا في 2011. وقامت روسيا والصين بتأييد إحالة ليبيا في تصويت بالإجماع داخل مجلس الأمن.

والمحكمة الجنائية الدولية هي محكمة دولية دائمة مختصة بملاحقة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية حين تعجز السلطات الوطنية عن ملاحقتها أو تمتنع عنها. وقد أنشأت المحكمة تحديداً بغرض التصدي لأوضاع من النوع القائم في سوريا اليوم، بحسب هيومن رايتس ووتش.

وقد سبق لتسعة من أعضاء مجلس الأمن إبداء التأييد العلني لإحالة سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهم فرنسا، والمملكة المتحدة، ولوكسمبورغ، والأرجنتين، وأستراليا، وكوريا الجنوبية، وتشيلي، وليتوانيا، ونيجيريا. والتزمت الولايات المتحدة والصين الصمت تجاه إشراك المحكمة. في 15 يناير/كانون الثاني 2013، وصفت روسيا جهود التماس الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية بأنها "سيئة التوقيت وتأتي بأثر عكسي". وتتمتع هذه البلدان الثلاثة كلها، كأعضاء دائمين في المجلس، بسلطة الاعتراض على القرارات.

وقد وجد آخر تقرير صادر من لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سوريا، ومنشور في 5 مارس/آذار، أن كافة أطراف النزاع السوري قد واصلت ارتكاب جرائم خطيرة بموجب القانون الدولي، وارتأى التقرير أن مجلس الأمن يخفق في التحرك لإنهاء حالة الإفلات من العقاب. وأوصت اللجنة، التي نشرت سبعة تقارير معمقة منذ تشكيلها في أغسطس/آب 2011، بأن يتولى مجلس الأمن منح المحكمة الجنائية الدولية الاختصاص بالتحقيق في الانتهاكات المرتكبة في سوريا.

كما أوصت المفوضة الأممية السامية لحقوق الإنسان، في عدة مناسبات، أوصت مجلس الأمن بإحالة الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية، وأتت أحدث التوصيات في جلسة اطلاع مع مجلس الأمن في 8 أبريل/نيسان. وعبّر 64 بلداً من أرجاء العالم، بالمثل، عن تأييدهم لمشاركة المحكمة في سوريا.

ويتعين على سائر البلدان، وبوجه خاص البلدان العربية التي أبدت القلق مراراً من أعمال القتل في سوريا، أن تنضم إلى النداءات المتصاعدة من أجل المحاسبة، بحسب هيومن رايتس ووتش، فعليها دعم الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية بصفتها المنتدى الأقدر على التحقيق مع أصحاب المسؤولية الأكبر عن الانتهاكات في سوريا، وملاحقتهم بفعالية.

قال ريتشارد ديكر: "إن إحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية لن تعوض عن تخاذل مجلس الأمن بتأثير روسيا حتى الآن، لكنها قد تمثل نقطة تحول في التصدي للانتهاكات المريعة التي اتسم بها النزاع السوري. وسوف يصعب على روسيا أن تشرح سبب رفضها لقيام المحكمة بملاحقة الفظائع التي ارتكبتها قوات الحكومة والمتمردين المتطرفين على السواء".