(نيويورك) – قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن مواطناً ليبيا كندياً مزدوج الجنسية تعرض للسجن ثماني سنوات على يد حكومة معمر القذافي، يقول إن عملاء للاستخبارات الكندية كانوا بين العملاء الأجانب الذين استجوبوه حين كان مسجوناً طرف ليبيا على ذمة اتهامات بصلات تربطه بالإرهاب.

مصطفى كرير، 46 عاماً، احتجز في ليبيا من 2002 إلى 2010 على ذمة صلات مزعومة تربطه بالجماعة الإسلامية المقاتلة بليبيا. قال لـ هيومن رايتس ووتش إن محققين كنديين زاروه ثلاث مرات تقريباً بين عامي 2003 و2005، رغم أنه لا يذكر تحديداً عدد المحققين الكنديين أو تواريخ تلك الزيارات. قال إن ذات مرة استجوبه عملاء الاستخبارات الكندية برفقة فريق من الليبيين في حجرة. لم يزعم كرير تعرضه للمعاملة السيئة أثناء أي من استجوابات الاستخبارات الكندية، لكنه قال إن الليبيين ضربوه مراراً منذ اعتُقل في مايو/أيار 2002، وحتى أواسط عام 2004.

وقالت أندريا براسو، استشارية مكافحة الإرهاب في هيومن رايتس ووتش: "قرار كندا الظاهر باستجواب مشتبه به في حيازة قوات القذافي مقلق للغاية. الاستخبارات الكندية لم تُعذب كرير، لكن لابد أنها كانت تعرف بأن الليبيين يعذبونه على الأرجح".

دعت هيومن رايتس ووتش الاستخبارات الكندية إلى توضيح إن كانت قد استجوبت كرير في ليبيا، وإن كانت قد فعلت، فما هي ظروف ذلك الاستجواب. لم ترد الاستخبارات الكندية على طلب من هيومن رايتس ووتش بالتعليق على الحادث.

وبالإضافة إلى ادعاءات الاستجواب على يد الاستخبارات الكندية، قال كرير إن عملاء من الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي أيه) ومكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي، استجوبوه في ليبيا نحو سبع مرات بدءاً من عام 2005، وأن المخابرات البريطانية (إم 16) استجوبته مرة واحدة في عام 2007. وقال إنه لم يتعرض للمعاملة السيئة أثناء أي من تلك الاستجوابات.

زعم كرير أن المحققين الليبيين تعرضوا له بالضرب مراراً بالعصي وأسلاك الكهرباء والركل في الوجه، وأحياناً ما تم ذلك وهو معصوب العينين. بعد عملية ضرب من هذا النوع، تم علاج وجهه بالغرز الجراحية. وذات مرة، على حد قول كرير، أُجبر على المكوث فيما أسماه "صندوق حديدي" لمدة خمسة أيام مع إمداده بقدر محدود من الطعام والمياه.

وقال كرير لـ هيومن رايتس ووتش إن العملاء الذين عرّفوا أنفسهم على أنهم تابعين للاستخبارات الكندية استجوبوه نحو ثلاث مرات. وبعد الاستجواب على يد أربع حكومات على مدار ثماني سنوات، لا يتذكر تحديداً عدد جلسات استجواب عملاء الاستخبارات الكندية له.

وقال إن أثناء إحدى جلسات الاستجواب، قام فريق من الكنديين والليبيين باستجوابه معاً لأكثر من سبع ساعات. وقال: "كنت على رأس المائدة. إلى يساري ويميني سبعة كنديين وسبعة ليبيين. كنت جالساً هكذا، واستجوبوني بتلك الطريقة. وشمل الاستجواب أسئلة كثيرة للغاية".

وقال كرير إن الكنديين كانوا على علم بمكالمات هاتفية بعينها أجراها فيما كان يعيش في كندا، وأظهروا له صور له وهو تحت المراقبة في أماكن عامة في كندا.

وبعد سقوط طرابلس أمام قوات المعارضة أواخر أغسطس/آب 2011، اكتشفت هيومن رايتس ووتش مجموعة كبيرة من الوثائق في بناية للخارجية الليبية، تخص تفاصيل التعاون اللصيق بين الولايات المتحدة وبريطانيا وحكومات أخرى مع الاستخبارات الليبية. إحدى هذه الوثائق التي يبدو أنها تخص السي آي أيه، تخص طلبات بأن يستجوب الليبيون كرير، مع طرح مجموعة أسئلة قوامها 59 سؤالاً. وفي مقابلة مع هيومن رايتس ووتش إثر سقوط القذافي، أكد كرير أنه قد سُئل هذه الأسئلة من الليبيين والسي آي أيه. وقال إنه سُئل أيضاً بعض الأسئلة من الاستخبارات الكندية. وقبل مقابلته مع هيومن رايتس ووتش، كان دور الاستخبارات الكندية في استجواب كرير غير معروفاً.

كما قابلت هيومن رايتس ووتش كرير في عام 2005 فيما كان ما زال محتجزاً في ليبيا، وقابلته على انفراد في إحدى المكاتب بسجن أبو سليم. لم يذكر تعرضه للتعذيب أو مقابلته لمحققين أجانب في ذلك الحين، لكن كان من الواضح أنه خائف من الحديث عن أمور قد تعرضه للخطر. وذات مرة طلب أن يكتب بعض الكلمات في دفتر الباحث الذي أجرى معه المقابلة، إذ بدا عليه الخوف من التحدث بصوت جهوري. وكان ما كتبه: "أنا لست سعيداً بما يحدث لي".

وفي المقابلتين، قال كرير إنه عاد إلى ليبيا من كندا، عن طريق مالطا، في مايو/أيار 2002، بعد أن حصل على ضمانات من السلطات الليبية بأنه لن يتعرض للملاحقة على نشاطه المعارض في الماضي، بما في ذلك تورطه في الجماعة الإسلامية المقاتلة بليبيا، والتي تقاتل منذ أواخر التسعينيات بهدف قلب نظام حكم القذافي. قامت قوات الأمن الليبية باعتقاله في مطار طرابلس لدى عودته، على حد قوله. ومن ثم تم الحكم على كرير بالسجن المؤبد بعد محاكمة قال عنها إن محاميه لم يُسمح لهم فيها بالحديث. ثم تم الإفراج عنه في يناير/كانون الثاني 2010 بعد تدخل من سيف الإسلام نجل القذافي، الذي توسط للإفراج عن مئات السجناء، بينهم أعضاء في الجماعة الإسلامية المقاتلة بليبيا.

قال كرير إنه احتجز في عدة منشآت احتجاز أثناء سجنه لمدة 8 سنوات، وأنه تحمل التعذيب المتكرر أثناء فترة أول عامين ونصف. وقال إنه احتجز في مقر الأمن الداخلي بشارع السكة في طرابلس لمدة خمسة أيام في حر أغسطس/آب، فيما وصفه بأنه "صندوق حديدي" مع منحه قدراً محدوداً من الطعام والمياه. وصف الصندوق بأن مساحته 1.5 متر في مترين، وأنه صغير بحيث لا يمكن لأي شخص الوقوف داخله.

وقال كرير إن المحققين في الأمن الداخلي بشارع السكة عرّضوه وسجناء آخرين عدة مرات للضرب على أخمص القدمين بسلك كهرباء غليظ. وقال: "هناك عصا يربطون قدميك حولها، ثم يمسك بك رجلان، ثم يضربك آخر على القدم بسلك كهرباء. لكن لا يعنيهم أين تنزل الضربة".

وقال كرير أيضاً إنه لم تصله زيارات قنصلية من كندا حتى عام 2005. بدءاً من ذلك العام، تلقى ما قوامه خمس زيارات إلى أن أفرج عنه في 2010، من دبلوماسيين كنديين قال عنهم إنهم ساعدوه.

وفي مايو/أيار، قابلت هيومن رايتس ووتش رئيس الأمن الداخلي الليبي، العقيد تهامي خالد، وسألته عن قضية كرير. قال خالد إن كرير "أحد الإرهابيين"، وهذا أمر، على حد وصفه "معروف للكنديين بدورهم".

سجل ليبيا الخاص بالتعذيب في عهد القذافي موثّق جيداً. وورد في تقرير الخارجية الأمريكية عن ممارسات حقوق الإنسان – وهو مرجع تستشيره حكومات عدة – في نسخة عام 2004 عن ليبيا: "حسب التقارير يلجأ مسؤولو الأمن بشكل متكرر لتعذيب السجناء أثناء الاستجواب أو كنوع من العقاب". بعض الأساليب المبلغ عنها للتعذيب، بحسب وزارة الخارجية الأمريكية، ربط السجناء بالسلاسل إلى الجدران بالساعات، والضرب بالهراوات، والصدمات الكهربية، وضرب الظهر بأداة فتح الزجاجات التي تُغلق بالفلين، وصب عصير الليمون في الجروح المفتوحة، وكسر الأصابع وترك المفاصل تتعافى دون رعاية طبية، والخنق بالأكياس البلاستيكية، والحرمان من الطعام والمياه، والتعليق من المعصمين، والتعليق من قضيب معدني تُرفع عليه الركبتين والمرفقين، والحرق بالسجائر، والتهديد بالمهاجمة بالكلاب، والضرب على أخمص القدمين.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2004، قبل زيارة بول مارتن – رئيس الوزراء الكندي من 2003 إلى 2006، مباشرة – أرسلت هيومن رايتس ووتش إلى مارتن قائمة ببواعث القلق الخاصة بحقوق الإنسان. وورد في مذكرة هيومن رايتس ووتش إلى مارتن: "الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي لفترات طويلة شائع، وكذلك الاعترافات المنتزعة بالتعذيب".

وقالت براسو: "لا يوجد مبرر لانضمام عملاء الاستخبارات الكندية إلى استجواب لسجين على يد عملاء لحكومة معروفة جيداً بتعذيبها السجناء". وتابعت: "على الاستخبارات الكندية أن توضح ما تعرفه عن قضية كرير".