(القدس، 3 يناير/كانون الثاني 2009) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إنه مع بدء هجوم إسرائيل البري على غزة، فإن على كل من القوات الإسرائيلية والفلسطينية أن تُراعي ما أثير من مخاوف متزايدة بشأن حماية المدنيين نظراً لما يُرجح أن يقع من قتال في مناطق مكتظة بالسكان المدنيين. وينبغي على الجانبين أن يلتزما أشد الالتزام بقوانين الحرب، بما في ذلك اتخاذ كل الإجراءات المستطاعة لتفادي إلحاق الأضرار بالمدنيين وتيسير إتاحة دخول العاملين بالمساعدات الإنسانية والعاملين الطبيين.

وانتهت تحقيقات هيومن رايتس ووتش السابقة في عمليات برية تمت في غزة والضفة الغربية من قبل الجيش الإسرائيلي إلى اكتشاف أدلة على عمليات قتل غير قانونية ارتكبتها القوات الإسرائيلية. كما أن حماس وغيرها من الجماعات الفلسطينية المسلحة أطلقت صواريخ ونفذت عمليات عسكرية أخرى من داخل مناطق مكتظة بالسكان؛ مما عرض المدنيين الفلسطينيين لاحتمال جديّ بالتعرض لأخطار جسيمة.

وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "تعني العملية البرية الإسرائيلية في غزة قتال موسع في مناطق مكتظة بالسكان، حيث الخطر على حياة المدنيين كبير". وتابع قائلاً: "وينبغي على كل من الجيش الإسرائيلي وحماس اتخاذ خطوات ملموسة من أجل تقليل آثار القتال على المدنيين وإلا فسوف تكون التبعات كارثية".

وأسفرت آخر العمليات البرية الإسرائيلية الكبرى في غزة، ووقعت بين 27 فبراير/شباط و3 مارس/آذار 2009 عن مقتل 107 فلسطينياً، وأكثر من نصفهم كانوا من المدنيين، وألحقت الإصابات بأكثر من مائتين آخرين. ولقي جنديان إسرائيليان حتفهما.

وقد ذكرت هيومن رايتس ووتش تفصيلاً تحقيقاتها الميدانية في هذه العملية وانتهت منها إلى اكتشاف انتهاكات جسيمة ارتكبها الجيش الإسرائيلي، وشملت قتل رجل مُصاب كان يلقى العلاج الطبي في سيارة إسعاف، وقتل مدنيين اثنين بطلقات الرصاص كانا على متن عربتين تجرهما الحمير، وقتل وإصابة رجلين آخرين كانا طرف الاحتجاز الإسرائيلي. وفي مناسبتين فتحت طواقم الدبابات النيران على مدنيين عُزل. وقد وقعت جميع هذه الوقائع في منطقة كانت خاضعة وبقوة لسيطرة الجيش الإسرائيلي. كما واجه المُسعفون وسائقو سيارات الإسعاف الفلسطينيين قيوداً على قدرتهم على علاج المصابين والقتلى، سواء المدنيين أو المقاتلين، وتعرضوا هم أنفسهم لنيران تسببت في مقتل أحد المُسعفين.

وفي هجوم فبراير/شباط - مارس/آذار 2008، كما في الوقائع الأخرى، عرّضت حماس وغيرها من الجماعات الفلسطينية المسلحة المدنيين للخطر جراء قصفها للصواريخ وقذائف الهاون من داخل مناطق مكتظة بالسكان، وتخزينها الأسلحة في بنايات مدنية. وهذه الأعمال تخرق بدورها قوانين الحرب.

وقالت هيومن رايتس ووتش إنه أثناء أعمال القتال السابقة لم يقم أي من الطرفين باتخاذ الخطوات المناسبة لإبعاد المدنيين عن المناطق التي نشب فيها القتال؛ مما عرضهم لمخاطر غير ضرورية. وقال مؤخراً مسؤول قانوني كبير في الجيش الإسرائيلي لـ هيومن رايتس ووتش إنه ما زال من الإجراءات المُتبعة أن تقوم القوات الإسرائيلية باحتجاز المدنيين في المنازل التي ينتشر فيها الجنود الإسرائيليون؛ مما يُعرضهم لخطر هجمات القوات الفلسطينية.

وقد أثارت عمليات الجيش الإسرائيلي البرية السابقة المخاوف الجدية؛ وانتهى تحقيق هيومن رايتس ووتش الميداني في أبريل/نيسان 2002 بصدد عملية الجيش الإسرائيلي البرية في مخيم جنين للاجئين في الضفة الغربية إلى أن على الأقل 22 من الـ 52 حالة قتل في صفوف الفلسطينيين كانوا من المدنيين، وبعضهم قُتلوا في عمليات قتل غير قانونية أو متعمدة من قبل عناصر الجيش الإسرائيلي. وقد استخدم الجيش الإسرائيلي الجرافات المُدرعة في إزالة المنازل لإخلاء الطريق أمام العربات المُصفحة، لكن في بعض الحالات امتد التدمير بما يتجاوز أي هدف عسكري معقول. وقام الجيش الإسرائيلي بمنع وصول العاملين الطبيين وسيارات الإسعاف إلى مخيم جنين للاجئين طيلة 11 يوماً، وتكرر إطلاق جنود الجيش الإسرائيلي النيران على سيارات الإسعاف.

وأثناء عملية جنين وغيرها من العمليات البرية الأخرى، قام الجنود الإسرائيليون في بعض الأحيان بإجبار المدنيين - وأحياناً تحت تهديد السلاح - على اصطحاب قوات الجيش الإسرائيلي أثناء حملات تفتيش المنازل، وقاموا بإجبارهم على فتح الأبواب وأداء المهام الخطيرة؛ مما يُعد انتهاكاً لقوانين الحرب. وقد صدر حُكم من المحكمة الإسرائيلية العليا عام 2005 يحظر هذه الممارسة.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن من المشكلات المحورية غياب المساءلة عن انتهاكات قوانين الحرب السابقة. وقال ناطق بالجيش الإسرائيلي لـ هيومن رايتس ووتش إن الجيش لم يفتح التحقيقات في أي أعمال قتل غير قانونية مُحتملة منذ عملية غزة في مارس/آذار 2008، والتي كانت تُدعى عملية الشتاء الدافئ، رغم أن الجيش قام بالتحقيق في ثلاثة تقارير بالسطو من قبل جنود إسرائيليين. وبالمثل، فلم تفعل حماس شيئاً لتحميل المسؤولية للمسؤولين عن تعمد إطلاق الصواريخ غير القانونية على - أو من - مناطق مكتظة بالمدنيين.

وقال جو ستورك: "إن عدم معاقبة الجنود على الإساءات الجسيمة يُرسل برسالة مروعة لمن يتقاتلون في غزة، مفادها أنه سيتم تجاهل أية إساءات مستقبلية قد يرتكبوها".

وقد مات أكثر من 400 فلسطيني في غزة في خضم القتال على مدار الأسبوع الماضي. وطبقاً للأمم المتحدة فإن ربعهم من المدنيين. وتسببت الصواريخ الفلسطينية في مقتل ثلاثة مدنيين إسرائيليين أثناء الفترة نفسها.

ولتقليل الخسائر في صفوف المدنيين أثناء الحملة البرية على غزة، تدعو هيومن رايتس ووتش الجيش الإسرائيلي وحماس وغيرها من القوات الفلسطينية إلى تنفيذ التوصيات التالية:

إلى الجيش الإسرائيلي:

  • ينبغي إيلاء الانتباه الكافي في معرض العمليات العسكرية لمراعاة قوانين الحرب وما ينص فيها على عدم إلحاق الخسائر بالمدنيين.
  • إصدار تعليمات اشتباك واضحة لا لبس فيها تلتزم تماماً بقوانين الحرب في حظرها الهجمات التي تستهدف المدنيين أو يتم شنها عشوائياً عليهم، مع ضرورة التمييز في كل الأوقات بين المدنيين والمقاتلين.
  • يجب الالتزام بالحظر ضد الهجمات غير المتناسبة مع الميزة العسكرية المتوقعة بواسطة عدم شن أي هجوم من المتوقع أن ينجم عنه ضرر للمدنيين أو ضرر بالأعيان المدنية يكون زائداً بشكل مفرط عن المزايا العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة.
  • يجب ضمان إتاحة حرية التنقل بلا عرقلة للعاملين الطبيين وسيارات الإسعاف لأداء واجبهم وإتاحة حصول الأشخاص المصابين على العلاج الطبي. وأية قيود على حرية التنقل بناء على الأسباب الأمنية الفعلية ينبغي أن تكون قيوداً مؤقتة، وتخضع للمراجعة الدورية، ولا يتم فرضها إلا بالقدر الضروري لا أكثر.
  • ينبغي عدم إكراه أي مدنيين على تيسير العمليات العسكرية، من قبيل استخدامهم كـ "دروع بشرية". وينبغي تفادي إلزام المدنيين الفلسطينيين بالبقاء داخل منازلهم أو داخل بنايات يصادرها الجيش الإسرائيلي لصالح عملياته العسكرية.
  • ينبغي اتخاذ كل الإجراءات المستطاعة لضمان حصول السكان المدنيين على الطعام الكافي والرعاية الطبية وغير ذلك من السلع والخدمات الإنسانية الضرورية.
  • ينبغي مد القوات بسبل غير قاتلة للتعامل مع الأوضاع التي توجد فيها حشود وتجمهرات كبيرة.
  • يجب السماح للصحفيين والمنظمات الإنسانية بدخول غزة وضمان أن أي تقييد على دخولهم وتنقلاتهم هو لأسباب أمنية بحتة وأن يكون مؤقتاً ويخضع للمراجعة الدورية، ولا يتم فرضه إلا بالقدر الضروري لا أكثر.

إلى حماس والجماعات الفلسطينية المسلحة الأخرى:

  • ينبغي مراعاة قوانين الحرب على الدوام أثناء العمليات العسكرية من أجل عدم إلحاق الخسائر بالمدنيين.
  • ينبغي الكف عن الهجمات الصاروخية المتعمدة والعشوائية التي تستهدف مراكز تجمع المدنيين الإسرائيليين.
  • ينبغي اتخاذ كل الإجراءات المستطاعة من أجل حماية السكان المدنيين الخاضعين لسيطرة حماس والجماعات الأخرى، من آثار الهجمات، بما في ذلك تفادي إجراء عمليات عسكرية من مناطق مكتظة بالسكان أو وضع أهداف عسكرية بالقرب من مثل هذه الأماكن، وبقدر المستطاع ينبغي إبعاد المدنيين عن أي أهداف عسكرية.
  • ينبغي عدم استخدام المدنيين كـ "دروع بشرية" بغية حماية المقاتلين أو أهداف عسكرية أخرى من الهجمات أو لصالح العمليات العسكرية أو لعرقلة العمليات العسكرية المضادة.