- قمعت الحكومة التونسية بصورة ممنهجة منظمات المجتمع المدني وأعضاءها منذ 2024، ما أدى إلى الإغلاق شبه الكامل للحيز المدني النابض الذي نشأ بعد ثورة 2011.
- يلعب المجتمع المدني دورا رئيسيا في محاسبة السلطة، وتقديم خدمات أساسية، والدفاع عن حقوق الإنسان. تسيء السلطات استخدام كل الأدوات المتاحة لها لإغلاق الحيز أمام المجتمع المدني وإقفال هذه المنظمات.
- ينبغي للسلطات أن تنهي فورا قمع المجتمع المدني وأن تتيح المجال للمجموعات المدنية للعمل بشكل كامل وحر.
(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن الحكومة التونسية قمعت بصورة ممنهجة منظمات المجتمع المدني وأعضاءها منذ 2024، ما أدى إلى الإغلاق شبه الكامل للحيز المدني النابض الذي نشأ بعد ثورة 2011. ينبغي للسلطات أن تنهي فورا قمع المجتمع المدني وتتيح المجال للمجموعات المدنية للعمل بشكل كامل وحر.
يوثق التقرير، الصادر في 42 صفحة، بعنوان "حياة مع وقف التنفيذ: قمع المجتمع المدني في تونس"، تصعيد السلطات التونسية قمع مجموعات المجتمع المدني المحلية والدولية والعاملين فيها وأعضائها والمنتسبين إليها، إذ تستخدم الملاحقات القضائية التعسفية، والاعتقالات التعسفية، والاحتجاز، والتحقيقات المالية والجنائية، والتعليق الجماعي، والتهديد بالحل سلاحا ضدها.
قال بسام خواجا، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "تلعب منظمات المجتمع المدني في تونس دورا رئيسيا في محاسبة السلطة، وتقديم خدمات أساسية، والدفاع عن حقوق الناس. من الواضح أن السلطات تسيء استخدام كل ما بحوزتها من أدوات لإغلاق الحيز أمام المجتمع المدني في تونس وإقفال هذه المنظمات".
منذ 2022، شيطن الرئيس قيس سعيّد في خطاباته المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، مصورا إياها على أنها تهديد للسيادة الوطنية. بين ماي/أيار وديسمبر/كانون الأول 2024، اعتقلت السلطات عدة عاملين في منظمات تقدم المساعدة إلى اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، وأخرى تكافح العنصرية والتمييز. ومنذئذ، لاحقت ما لا يقل عن 47 شخصا مرتبطين بمنظمات غير حكومية، وحبست احتياطيا 10 أشخاص على الأقل لأكثر من 14 شهرا، وهي المدة القصوى المسموح بها بموجب القانون التونسي.
استخدمت السلطات قوانين تجرّم مساعدة الأجانب ذوي وضع الهجرة غير النظامي وقانون مكافحة الإرهاب وغسل الأموال لعام 2015 لتوجيه تهم تعسفية إلى مدافعين عن حقوق الإنسان وعاملين في منظمات غير حكومية.
عقب محاكمات في 2025 و2026، أُدين ما لا يقل عن 14 شخصا مرتبطين بالمجتمع المدني وحُكم عليهم بالسجن. في 19 مارس/آذار 2026، حُكم على المدافعة البارزة عن حقوق الإنسان سعدية مصباح بالسجن ثماني سنوات وبغرامة باهظة بناء على تهم تعسفية بجرائم مالية. كما أُدين خمسة موظفين في مجموعات تعنى باللجوء بتهم تعسفية مرتبطة بعملهم واختصاص جمعياتهم المسجلة قانونا.
ومنذ ذلك الحين، أوقفت الجمعيات المستهدفة أنشطتها.
استهدفت السلطات أيضا الجمعيات بشكل جماعي بتحقيقات مالية وجنائية. في نهاية 2024، قبيل الانتخابات الرئاسية، أخطرت "فرقة الأبحاث ومكافحة التهرب الجبائي" ما لا يقل عن 10 جمعيات – منها المكتب الإقليمي لـ "منظمة العفو الدولية" ومجموعة "أنا يقظ" المحلية التي تُعنى بمكافحة الفساد– بأنها خاضعة للتحقيق. تشكل التحقيقات عبئا إداريا وتشغيليا، وأدت إلى تجميد الحسابات المصرفية لجمعيتين على الأقل.
يثير الاستخدام الواسع والممنهج لهذه التحقيقات ضد شريحة واسعة من المجتمع المدني مخاوف جدية من أن تكون الحكومة تستخدم هذه الإجراءات سلاحا لاستهداف منظمات المجتمع المدني وترهيبها.
بين جويلية/تموز وأكتوبر/تشرين الأول 2025، وبين أفريل/نيسان ومايو/أيار 2026، أساءت السلطات استخدام المرسوم 2011-88 المتعلق بالجمعيات لفرض إغلاق جماعي على عمل جمعيات. حددت هيومن رايتس ووتش ما لا يقل عن 20 جمعية مجتمع مدني عُلّق عملها، رغم أنه يستحيل تحديد العدد الدقيق دون بيانات رسمية.
يفترض أن قرارات التعليق هذه تحايلت على الإجراءات القانونية الواجبة وشابتها مخالفات. لم تتلق بعض الجمعيات الإنذارات الرسمية التي يفرضها القانون، والتي كانت ستمكّنها من الرد على مزاعم الانتهاكات أو معالجتها. حاولت جمعيات أخرى الرد لكنها لم تتلق أي جواب. قالت هيومن رايتس ووتش إن تعليق عمل جمعية إجراء جذري ينبغي ألا يُتخذ إلا كملاذ أخير، وبمبرر واضح ومراجعة مستقلة.
تواجه هذه المجموعات خطرا جديا يتمثل في حلها بمجرد استنفاد جميع سبل الطعن. قال محامون قدموا الدعم لبعض المجموعات المعلّقة لـ هيومن رايتس ووتش إن المسؤولين رفضوا طعون نحو 30 جمعية كانت قد قدمت طعونا. تواجه جمعية "الخط" (الناشرة للمنصة الإعلامية المستقلة "إنكفاضة") وجمعية "منامتي" حاليا إجراءات حل.
أصبح القضاء، الذي يصدر أوامر التعليق، خاضعا لسيطرة السلطة التنفيذية منذ 2022، عندما اتخذ الرئيس سعيّد إجراءات واسعة لسحق استقلال القضاء.
واجهت الجمعيات أيضا قيودا إضافية بالتوازي مع هذه الحملة القمعية. فرضت مصارف خاصة قيودا غير مبررة على جمعيات عديدة، مثل إقفال حساباتها بالعملة الصعبة أو بالدينار القابل للتحويل، أو حجب أموال أجنبية مرسلة إلى حسابات تونسية أو إعادتها، أو إغلاق حساباتها المصرفية. أفادت بعض المجموعات بأن السلطات رفضت اعتمادها لمراقبة الانتخابات، أو فرضت قواعد أكثر صرامة على دخولها السجون ومراكز الاحتجاز، أو حظرت بعض الفعاليات العامة.
سعت السلطات التونسية مرارا إلى استبدال الإطار التشريعي الحالي المنظم للجمعيات وتشديده بطرق من شأنها تقويض حق المنظمات في حرية تكوين الجمعيات بشكل خطير. من شأن مشروعي قانون، أحدهما سُرّب في أوائل 2022 وآخر قُدم إلى البرلمان في أكتوبر/تشرين الأول 2023، أن يمنحا الحكومة سيطرة ورقابة كبيرتين على إنشاء المجموعات المستقلة وأنشطتها وعملياتها وتمويلها.
قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي للسلطات التونسية التوقف عن تقييد حرية تكوين الجمعيات، وإنهاء التحقيقات التعسفية والمضايقات القضائية وتجريم عمل مجموعات المجتمع المدني وأعضائها. ينبغي لها الإفراج عن جميع العاملين في المنظمات غير الحكومية، والنشطاء، والمدافعين عن حقوق الإنسان المحتجزين تعسفا بسبب عملهم المشروع، وإلغاء الإدانات الجائرة. ينبغي للبرلمان ضمان قدرة الجمعيات على العمل بحرية، بسبل منها سحب مشاريع القوانين التي تنتهك الحق في حرية تكوين الجمعيات.
ينبغي للمجتمع الدولي، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، أن يحث السلطات التونسية علنا وخلف الأبواب المغلقة على الإفراج عن جميع العاملين في المنظمات غير الحكومية، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والنشطاء، وغيرهم من المحتجزين تعسفا، وإلغاء الإدانات المرتبطة بالعمل المشروع للمجموعات، وإنهاء القمع ضد المجتمع المدني.
تونس دولة طرف في "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" و"الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب"، اللذين يضمنان الحقوق في حرية تكوين الجمعيات والتجمع والتعبير، وعدم التعرض للاعتقال أو الاحتجاز التعسفيين، والحق في محاكمة عادلة.
قال خواجا: "من خلال تفكيك الحيز المتاح للمجتمع المدني، تحاول السلطات ضمان ألا يبقى أحد لمحاسبتها. على المجتمع الدولي اتخاذ إجراءات عاجلة للمساعدة في الحفاظ على ما تبقى من الحيز المدني في تونس، وضمان حماية المدافعين عن حقوق الإنسان، وإنهاء هذا التراجع الحقوقي الخطير".