Skip to main content
تبرعوا الآن

جرائم الحرب لم تعد مخزيةً، وهذا أمر مرعب

في التصعيد الأخير في الشرق الأوسط، أظهرت الأطراف المتحاربة تجاهلا مقلقا لحياة المدنيين

نُشر في: Al Jazeera
عناصر الإنقاذ وغيرهم يعملون في أعقاب هجوم على مدرسة ابتدائية في ميناب، إيران، 28 فبراير/شباط 2026. © 2026 عباس زاكري/وكالة مهر للأنباء/وكالة وانا عبر رويترز

لعقود طويلة، كان القادة المسؤولون عن جرائم الحرب يميلون إلى التذرع بالجهل أو الإصرار على أنها كانت مجرد أخطاء وأن أيديهم نظيفة. ما تغيّر في الشرق الأوسط هو الاحتقار المتغطرس الذي رأيناه من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، التي ترفض القوانين الدولية التي تحمي المدنيين أو تستهزئ بها أو تنتهكها. إذا لم يجدد المجتمع الدولي دعمه لهذه المعايير بشكل عاجل، قد يكون ذلك بمثابة إذعان لتدميرها.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قال لـ "نيويورك تايمز" إنه لا "يحتاج إلى القانون الدولي" وإن القيد الوحيد على سلطته هو "أخلاقه الخاصة"، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي رفض "الاعتبارات القانونية الفاترة" لصالح "أقصى درجات الفتك"، لم يبديا علنا اهتماما يُذكر بسلامة المدنيين المتضررين من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، التي دخلت شهرها الثاني.

بعد إعلانه أن الولايات المتحدة قد "دمرت" جزيرة خارغ الإيرانية، قال ترامب لـ" إن بي سي نيوز": "قد نضربها بضع مرات أخرى لمجرد التسلية". وأعلن هيغسيث أنه لن تُمنح "أي رحمة" للأعداء في إيران. تشير هذه العبارة إلى أن القوات لها الحرية في قتل الأشخاص الذين يسعون إلى الاستسلام بدلا من أسرهم. كانت مثل هذه السيناريوهات بمثابة مثال نموذجي لجريمة حرب في الأكاديميات العسكرية الأمريكية.

إدارة ترامب ليست وحدها في هذا الصدد. بلغة تُذكّر بشكل مخيف بالحرب في غزة، هدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتدمير المنازل في جنوب لبنان ومنع مئات آلاف المدنيين من العودة.

أعلن الحرس الثوري الإيراني أن البنوك وشركات الاستثمار والسفن التجارية الأمريكية أهداف مشروعة رغم صفتها المدنية. حذّر المتحدث باسمه الإيرانيين من أن أي احتجاجات في الشوارع ستواجه بـ"ضربة أقسى" من مذابح يناير/كانون الثاني، التي قتلت فيها قوات الأمن الآلاف في أنحاء البلاد. وكان مقدم برنامج في التلفزيون الحكومي أكثر صراحة، حيث قال إن المعارضين في الشتات سيواجهون عواقب تجعل "أمهاتهن ثكلى".

تستحق هذه التصريحات اهتمامنا، ليس فقط لأنها تُعبّر عن تجاهل صارخ لحياة المدنيين، بل أيضا لأن هؤلاء القادة يبدون جادين فيما يقولون.

قُتل أكثر من ألفَيْ شخص في إيران، وأكثر من 1,200 في لبنان، و17 في إسرائيل. وبالإجمال، نزح عدة ملايين من الأشخاص في أنحاء الخليج وإسرائيل ولبنان أو أُجبروا على الفرار من ديارهم. وبناء على تقرير عسكري أمريكي أولي، كانت قوات القوات الخاصة الأمريكية مسؤولة عن هجوم قاتل على مدرسة ابتدائية في ميناب، إيران، قُتل فيه أكثر من 170 شخصا، بينهم العديد من الأطفال.

أطلق الجيش الإسرائيلي الفوسفور الأبيض، الذي يمكن أن يحرق حتى العظام، على المنازل اللبنانية على الرغم من الحظر الواضح على استخدامه سلاحا في المناطق المأهولة بالسكان. أطلقت إيران ذخائر عنقودية محظورة دوليا على المدن الإسرائيلية وهاجمت سفنا تجارية في مضيق هرمز.

النظام القانوني الدولي، المصمم لحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، لم ينهار بين عشية وضحاها. فالدعم الأمريكي الثابت لإسرائيل، وهي ترتكب أفعال إبادة جماعية ضد السكان الفلسطينيين في غزة، وتدمر مستشفياتها وشبكات المياه فيها، وتشن ضربات جوية لا حصر لها حوّلت الأحياء إلى أنقاض وقتلت عشرات آلاف المدنيين الفلسطينيين على مدى عامين ونصف، ساهم في خلق شعور بأن بعض القادة سيظلون دائما فوق القانون.

هذه المعايير المزدوجة لا تزال قائمة، وتتسبب بتآكل عميق في احترام القانون الدولي. عندما قصفت إيران البنية التحتية للطاقة في الخليج، جاءت الإدانة عن وجه حق في غضون ساعات. لكن عندما ألقت إسرائيل بشكل غير قانوني الفوسفور الأبيض على الأحياء اللبنانية، التزمت الحكومات نفسها الصمت. يتعين على القادة أن يقولوا، بنفس الدقة والقوة، إن الهجمات على محطات الطاقة الإيرانية والمنازل اللبنانية والمنشآت المدنية في الخليج تُشكل انتهاكات لقوانين الحرب، بغضّ النظر عن هوية مرتكبها. بخلاف ذلك، ستكون القواعد مجرد عصا لتأديب المنافسين.

تُلزم "اتفاقيات جنيف" كل دولة ليس فقط باتباع قوانين الحرب، بل أيضا بضمان احترامها عالميا، بما يشمل رفض تسليح القوات المتهمة بشكل موثوق بانتهاكها.

مع ذلك، تستمر الأسلحة في التدفق إلى الأطراف المتحاربة في جوانب متعددة من هذه النزاعات دون أي مراجعة مفترضة للتأثير المحتمل. الحكومات الأوروبية التي تورّد الأسلحة أو تمنح حقوق التحليق فوق أراضيها وإقامة قواعد عسكرية عليها للقوات التي تقصف المدنيين بشكل غير قانوني ليست مجرد متفرجة. إذا كانت أفعال القوات الأمريكية والإسرائيلية تتطابق مع الخطاب غير المسؤول لقادتها، فإن الدول التي تسلحها أو تساعدها قد تجد نفسها متواطئة في جرائم حرب.

كما حدث خلال الحرب في يوغوسلافيا السابقة أو مؤخرا في أوكرانيا، يجب أن تعمل آلية التوثيق والمساءلة بينما ما يزال النزاع دائرا، وليس بعده. اليوم، تعمل الأطراف المتحاربة في الشرق الأوسط تحديدا على منع ذلك. فرضت إيران قطعا للإنترنت على مستوى البلاد وسجنت أشخاصا لمشاركتهم فيديوهات للضربات. حظرت إسرائيل البث المباشر واعتقلت الصحفيين. اعتقلت دول الخليج مواطنين لنشرهم صورا على الإنترنت. في الولايات المتحدة، هدّد رئيس "هيئة الاتصالات الفيدرالية" بسحب تراخيص القنوات بسبب تغطيتها للحرب على إيران غير المؤاتية لإدارة ترامب.

على الحكومات التي تمتلك قدرات استخبارية متطورة أن تقوم اليوم بحفظ الأدلة على جرائم الحرب ومشاركتها: صور الأقمار الصناعية، والاتصالات التي تعترضها، ولقطات من مصادر مفتوحة. تحتاج هيئات التحقيق التابعة لـ"الأمم المتحدة" إلى موارد إضافية فورية. وينبغي للحكومات أن تتحدث بوضوح عن أهمية تحقيق العدالة في جرائم الحرب.

وإذا تأخر هذا حتى توقف إطلاق النار، فقد تضيع الأدلة، وقد يتحول تركيز الإرادة السياسية عن المساءلة بسرعة. الأطراف المتحاربة تعرف ذلك، بل قد تكون تراهن عليه.

القادة الذين يتنصلون من قوانين الحرب اليوم قد يظنون أنهم سيستفيدون من عالم بلا قواعد، حيث تحسم القوة الغاشمة كل سؤال ويتم تجاهل كل الأضرار التي تلحق بالمدنيين باعتبارها أضرارا جانبية. لكنهم، برفضهم مبدأ عدم المعاملة بالمثل، الذي يوضح أن انتهاكات أحد الطرفين لا تبرر عدم امتثال الطرف الآخر، قد حفّزوا جولات من الضربات الانتقامية التي تعرض قواتهم وكذلك سكانهم المدنيين للخطر.

على أولئك الذين يدركون قيمة النظام الحالي في كبح وحشية الحرب أن يدافعوا عنه. وإلا، فقد يجدون أنفسهم يوما ما مجبرين على شرح أسباب صمتهم للأجيال القادمة بينما كان هذا النظام يحترق.

 

Your tax deductible gift can help stop human rights violations and save lives around the world.