Skip to main content
تبرعوا الآن
رجل عمره 22 عاما أصيب بطلق ناري في قدمه على يد "قوات الدعم السريع"، لكنه نجا من عمليات القتل الجماعي التي وقعت في الفاشر، وهو لاجئ في مخيم أوري كاسوني بشرق تشاد، لكنه لم يتمكن من تلقي العلاج لإصابته. © 2025 جان باتسيت غالوبان/هيومن رايتس ووتش

سافرت ليتيسيا بادر، نائبة مديرة أفريقيا في "هيومن رايتس ووتش"، وجان باتيست غالوبان، مستشار أول في قسم الأزمات والنزعات، إلى شرق تشاد في منتصف ديسمبر/كانون الأول 2025، حيث قابلا عشرات اللاجئين الذين فروا من الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور بالسودان، بعد استيلاء "قوات الدعم السريع"، أحد الطرفَيْن المتحاربَيْن الرئيسيَيْن في السودان، على المدينة في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025.

أكدت المقابلات مع الناجين أن العالم قد خذل المدنيين في السودان. ما حدث عند سقوط الفاشر كان مجزرة متوقعة. منذ ذلك الحين، انتقل النزاع إلى ولاية كردفان المجاورة، ويواجه المدنيون مرة أخرى خطر حدوث فظائع جماعية، وأصبح من الملح أكثر من أي وقت مضى أن يتحرك المجتمع الدولي لحمايتهم.

في الأسئلة والأجوبة أدناه، يستعرض الفريق بعض النتائج الأولية لرحلته. 

ما هي انطباعاتكما الأولى عن لاجئي الفاشر الذين قابلتموهما؟ 

صُدمنا على الفور بحجم المعاناة الطويلة التي واجهها الناس. 

على مدى 18 شهرا، حاصرت قوات الدعم السريع المدينة. حفر المقاتلون خندقا وشيدوا ساترا ترابيا لتطويق المدينة، مما منع إلى حد كبير وصول المساعدات وجعل من الصعب على المدنيين الفرار. واجه الكثيرون ظروفا شبيهة بالمجاعة. 

ثم، خلال الأسابيع الأخيرة من هجومها، شنت قوات الدعم السريع هجمات وحشية بشكل خاص على المناطق التي كانت لا تزال تحت سيطرة "القوات المسلحة السودانية" والقوات المشتركة الدارفورية المتحالفة معها ومجموعات الدفاع الشعبي المحلية. وصف الأشخاص الذين قابلناهم حملة قصف، حيث كانت مئات الذخائر المتفجرة تسقط يوميا. شددت قوات الدعم السريع أيضا حصارها على المدينة، محاصرة المقاتلين والمدنيين حول حي "الدرجة الأولى" والمنطقة المحيطة بجامعة الفاشر.

بدأ الهجوم النهائي في 23 أكتوبر/تشرين الأول تقريبا، حيث هاجمت قوات الدعم السريع المدينة من اتجاهات متعددة؛ واستمرت الاشتباكات العنيفة حتى 26 أكتوبر/تشرين الأول. مع اقتراب قوات الدعم السريع من المناطق الأخيرة، أطلقت العنان لعنف شديد، وارتكبت مجازر واسعة النطاق ضد مقاتلين عاجزين عن القتال (ممن ألقوا سلاحهم أو أصيبوا) ومدنيين. 

ماذا عرفتما عن عمليات القتل الجماعي، لا سيما حول الخندق؟ 

أصيب هذا اللاجئ (27 عاما)، وهو من الفاشر في دارفور، بجروح في يده وذراعه عندما سقطت ذخيرة متفجرة على منزله خلال هجوم شنته "قوات الدعم السريع" في يوليو/تموز 2025، مما أدى إلى مقتل عمه وإجهاض زوجته. © 2025 جان باتسيت غالوبان/هيومن رايتس ووتش

تحدث الناجون عن وقوع مجازر متعددة عندما سيطرت قوات الدعم السريع على المدينة. 

كان الساتر الترابي والخندق المحيطان بالمدينة مسرحا لعدة مجازر واسعة النطاق، حيث ارتكب مقاتلو قوات الدعم السريع بشكل متكرر عمليات قتل جماعي ضد المدنيين والمقاتلين الذين يحاولون الفرار، في عدة نقاط على طول الخندق وحوله. 

وصف جميع الذين قابلناهم تقريبا ممن حاولوا التوجه إلى قرية قرني، الواقعة شمال غرب الفاشر، هجمات منهجية شنتها قوات الدعم السريع، حيث أطلقت القوات النار على الحشود من مسافة بعيدة، من عدة اتجاهات، ثم من مسافة قريبة، مما أسفر عن مقتل عدد لا يحصى من الأشخاص المحاصرين في الخندق. 

طاردوا أيضا الأشخاص خارج الخندق والساتر الترابي، ولاحقوهم عبر الحقول والمراعي، وأطلقوا النار عليهم فور رؤيتهم.  

ما هي الانتهاكات الأخرى خلال سقوط المدينة التي تكشّفت لكما؟ 

عرّضت قوات الدعم السريع النساء والفتيات لعنف جنسي واسع النطاق. تحدثنا إلى ناجيات اختُطفن على الطريق من الفاشر واغتُصبن، وكثيرات منهن تعرّضن لاغتصاب جماعي، أحيانا أمام أقاربهن، وأحيانا أخرى في الأحراش بعيدا عن الطريق. شاهد كثيرون فتيات مراهقات وشابات يُختطفنَ في مجموعات ويؤخذنَ إلى مصير مجهول. قالت إحدى النساء إن قوات الدعم السريع احتجزتها 10 أيام وتعرّضت للاغتصاب الجماعي بشكل متكرر. قالت إن فتاة عمرها 13 عاما اختُطفت معها توفيت بسبب الإصابات التي لحقت بها أثناء الاغتصاب. أخبرتنا الناجيات أن العديد من الضحايا اللواتي هربن بعد ذلك كنّ يخشين الوصمة الاجتماعية ويترددن في طلب الرعاية الطبية أو حصلن عليها بعد فوات الأوان لمنع الحمل أو مكافحة انتقال فيروس نقص المناعة البشرية وغيره من الأمراض المنقولة جنسيا. 

في يوليو/تموز 2025، في مدينة الفاشر السودانية، التي كانت تحت حصار "قوات الدعم السريع"، كان هذا الشاب السوداني البالغ من العمر 25 عاما يتجول في الشارع بحثا عن الطعام، عندما سقطت ذخيرة متفجرة بالقرب منه، ما أسفر عن مقتل اثنين وإصابة ستة من الشباب في مجموعته، بمن فيهم هو. © 2025 جان باتسيت غالوبان/هيومن رايتس ووتش

احتجزت قوات الدعم السريع الأشخاص، وفصلتهم إلى مجموعات حسب العمر والجندر، وقتلت أعدادا كبيرة من الرجال. وكان الأشخاص ذوو الإعاقة يستهدفون أحيانا بسبب إعاقتهم. وصف الأشخاص الذين قابلناهم قيام بعض مجموعات قوات الدعم السريع بإدارة عمليات ممنهجة للاختطاف مقابل فدية. اعتقلوا الرجال والفتيان، على وجه الخصوص، لفترات تراوحت بين بضع ساعات وأسبوعين تقريبا، إلى أن يتمكن أقارب الضحايا من تأمين إطلاق سراحهم بدفع فديات باهظة. أما الرجال الذين لم يتمكنوا من الدفع، أو الذين لم يكن لديهم أقارب يتصلون بهم، فقد أُعدِموا. 

تشير المقابلات والتقارير الإعلامية أيضا إلى استمرار الاعتقالات الجماعية للرجال من الفاشر داخل المدينة نفسها، وتشير إلى أن العديد من المعتقلين نُقلوا إلى نيالا، عاصمة جنوب دارفور. 

أثناء ارتكاب هذه الانتهاكات، غالبا ما استخدمت قوات الدعم السريع إهانات عنصرية، مما يشير إلى أنها كانت تستهدف المجتمعات غير العربية، لا سيما عرقية الزغاوة، بناء على انتمائهم العرقي. كما سألوا مرارا الناجين عن سبب بقائهم في الفاشر، زاعمين أن بقاءهم يعني بالضرورة دعمهم للقوات الحكومية وحلفاءها. 

من المهم أيضا أن نتذكر أن عمليات القتل الجماعي هذه استهدفت سكانا كانوا يعانون أصلا من الجوع بسبب حصار دام عاما ونصف. في المراحل الأخيرة من الحصار، نجحت قوات الدعم السريع في منع وصول البضائع إلى المدينة. وصف الشباب والتجار الذين واصلوا محاولة تهريب المواد الغذائية والسلع عبر تحصينات قوات الدعم السريع الهجمات القاتلة لهذه القوات. في النهاية، اعتمد الناس من جميع مناحي الحياة على علف الحيوانات كغذاء، وأحيانا لم يكونوا يتناولون وجبات الطعام لعدم توافرها. قال العديد من الذين قابلناهم إن الكثير من الأطفال ماتوا بسبب سوء التغذية. 

ما هي القصص والصور التي بقيت عالقة في ذهنيكما؟  

لم يستثنِ مقاتلو قوات الدعم السريع أحدا. روى أحد الشهود كيف شاهد عناصر قوات الدعم السريع وهم يقتلون طفلا لديه متلازمة داون، وفتاة كفيفة، وامرأة لديها إعاقة جسدية غير قادرة على المشي. 

روت امرأة كيف اختُطفت ابنتها البالغة من العمر 17 عاما مع ثلاث فتيات أخريات على الطريق إلى قرني. شعرت بالعجز عندما كان مقاتلو قوات الدعم السريع يقتادون ابنتها بعيدا، لكنها اضطرت إلى اتخاذ قرار صعب بتركها وراءها حتى تتمكن من الفرار وحماية أطفالها الآخرين. التأم شملها لاحقا بابنتها، التي تبين أنها تعرضت للاغتصاب الجماعي لمدة يوم كامل. منذ ذلك الحين، لا تتوقف الفتاة عن الصراخ في نومها. 

مأوى مرتجل مصنوع من المشمع والعصي في مخيم أوري كاسوني، شرقي تشاد، يؤمن حماية ضئيلة من رياح الشتاء الباردة لعائلة سودانية تشمل أطفالا. © 2025 ليتيسيا بادر/هيومن رايتس ووتش

كما سيبقى عالقا في أذهاننا غياب الدعم الفوري للاجئين في المناطق الحدودية بمجرد عبورهم إلى تشاد. بعد هروبهم من هذه الفظائع، واجهوا رحلات استغرقت أياما، وأحيانا أسابيع، للوصول إلى تشاد المجاورة. لم يكن لدى الأشخاص الذين التقيناهم سوى شوادر وعصي لبناء ملاجئ مؤقتة لحماية أنفسهم وأطفالهم من الرياح العاتية التي تضرب المنطقة في الشتاء. 

كيف تنسجم الأحداث في الفاشر مع المشهد العام لما يحدث في دارفور والسودان ككل؟ 

تكرر هذا النمط من سلوك قوات الدعم السريع في جميع أنحاء السودان - في دارفور، وفي كردفان، وفي الجزيرة، وفي أماكن أخرى. لا تكتفي قوات الدعم السريع بارتكاب الفظائع أثناء هجماتها فحسب، بل إن بعض أسوأ الانتهاكات تحدث بعد انتصاراتها العسكرية، عندما تسيطر على منطقة ما وتصبح حرة في التنكيل بالمدنيين العزّل. 

وثّقنا هذا السلوك في البداية في غرب دارفور في 2023. أولا في يونيو/حزيران 2023، عندما فتحت قوات الدعم السريع والجماعات المسلحة المتحالفة معها النار على قافلة طولها عدة كيلومترات من المدنيين والمقاتلين الفارين من عاصمة غرب دارفور، الجنينة، مما أسفر عن مقتل أعداد كبيرة؛ ثم مرة أخرى في نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام، عندما قتلت قوات الدعم السريع مئات المدنيين في أردمتا، إحدى ضواحي الجنينة، بعد سيطرتها على حامية الجيش هناك. خلصنا في تحقيقاتنا إلى أن عمليات القتل هذه كانت جزءا من حملة تطهير عرقي شنتها قوات الدعم السريع ضد عرقية المساليت والمجتمعات غير العربية الأخرى في الجنينة. 

بالمثل، قتلت قوات الدعم السريع عمدا مدنيين واحتجزت نساء وفتيات في استرقاق جنسي بعد سيطرتها على أجزاء من منطقة كردفان في أواخر 2023 وأوائل 2024. وفعلت الشيء نفسه في نفس الوقت تقريبا في ولاية الجزيرة بوسط السودان جنوب الخرطوم. 

ما الذي تدعو إليه هيومن رايتس ووتش الآن؟

اتخاذ إجراءات ضد الجناة، وبذل جهود لمنع وقوع مزيد من الفظائع، وتعويض الناجين.

هناك أدلة دامغة على أن قادة رفيعي المستوى في قوات الدعم السريع، بمن فيهم نائب قائد القوات، قادوا العمليات في الفاشر. على "مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة" أن يفرض عقوبات عليهم فورا، مع توجيه رسالة واضحة مفادها أن الانتهاكات الجسيمة ستكون لها عواقب. سبق أن دعت هيومن رايتس ووتش إلى فرض عقوبات على القائد الأعلى لقوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو "حميدتي"، لتحمله مسؤولية القيادة الرئيسية عن موجات فظائع جماعية سابقة. يمكن أن تكون العقوبات أداة لتجنب المزيد من الفظائع، لا سيما في منطقة كردفان، حيث تقاتل قوات الدعم السريع وبعض حلفائها الجدد ضد القوات المسلحة السودانية وحلفائها للسيطرة على المنطقة. 

يحتاج المدنيون في السودان أيضا إلى الحماية. ولتحقيق ذلك، فإن نشر بعثة قوية بتفويض من "الأمم المتحدة" لحماية المدنيين هو الخيار الأفضل حتى الآن، على الرغم من العقبات العديدة التي ينطوي عليها ذلك. يتعين على الدول الملتزمة بحماية المدنيين أن تبدأ العمل معا لإنشاء الهيكل التشغيلي وحشد الزخم السياسي اللازمين لنشر مثل هذه البعثة. يمكن للدول، بل وينبغي لها، أن تتحرك على الفور لضمان دعم المستجيبين المحليين وتمكينهم من العمل بأمان، وضمان أن تواجه الأطراف عواقب الهجمات المستمرة، الانتقامية وغيرها، ضد المدنيين. 

لاجئون يصطفون للتسجيل في مخيم أوري كاسوني، شرقي تشاد، حيث سُجل أكثر من 10 آلاف واصل جديد عقب سقوط مدينة الفاشر في دارفور، أكتوبر/تشرين الأول 2025. © 2025 ليتيسيا بادر/هيومن رايتس ووتش

بالطبع، ينبغي عدم نسيان النازحين داخل السودان وفي البلدان المجاورة. فالوضع الإنساني مزرٍ في تشاد، البلد الذي يستضيف الآن نحو مليون لاجئ بسبب الأحداث في دارفور. ونظرا لحجم العنف الجنسي، ينبغي للمانحين الدوليين زيادة التمويل بشكل كبير لبرامج الحماية الوطنية والدولية والاستجابات للعنف القائم على الجندر في السودان والبلدان المجاورة التي تستضيف اللاجئين.

يؤمن الناجون الذين تحدثنا معهم أن العدالة هي المفتاح ويريدون محاسبة قادة قوات الدعم السريع. 

في ضوء الهجوم المستمر من قبل إدارة ترامب على "المحكمة الجنائية الدولية"، يتعين على الدول الأطراف في المحكمة مضاعفة جهودها لدعم وحماية عمل المحكمة في السودان. ويمكنها القيام بذلك من خلال تزويد المحكمة بالموارد الكافية وحث إدارة ترامب على إلغاء عقوباتها المتعلقة بالمحكمة الجنائية الدولية.

مع استمرار ارتكاب انتهاكات جسيمة في دارفور وجميع أنحاء السودان، يتعين على أعضاء مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية الدعوة إلى توسيع ولاية المحكمة بحيث تشمل الجرائم المرتكبة في جميع أنحاء البلاد. على الدول الأعضاء أيضا التحقيق مع أي قائد مسؤول عن ارتكاب جرائم خطيرة في السودان ومحاكمته على أراضيها، وفقا لمبدأ الولاية القضائية العالمية، وبما يتماشى مع القوانين الوطنية.

على الدول أيضا أن تتحرك لضمان أن تتمتع "بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان" و"البعثة المشتركة لتقصي الحقائق في السودان" المكلفة من "اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب" بالموارد السياسية والمالية اللازمة للقيام بولايتيهما، وأن يتم تنفيذ توصياتهما بشأن المساءلة بالكامل.

لا يمكن للعالم أن يستمر في خذلان ضحايا الفظائع في السودان.

Your tax deductible gift can help stop human rights violations and save lives around the world.

المنطقة/البلد

الأكثر مشاهدة